د عبدالمجيد البيانوني
عضو رابطة العلماء السوريين
في الإنسان أشواق عليا ، وفيه حاجات دنيا .. فالحاجة إلى الطعام والشراب والجنس والنوم ، وما يلبّي ذلك من العمل والكسب هي أهمّ حاجات الإنسان الدنيا .. ومن حقّه وفطرته أن يشبعها بما أحلّ الله تعالى ، ليتفرّغ عقله وقلبه للأشواق العليا .
والإنسان العاقل المتّزن في سبيل حاجاته الدنيا يسعى ويكدح لتلبية تلك المطالب على أمثل وجه ، ولكنّه لا يجعل حياته كلّها وقفاً على تلك الحاجات والمطالب ، لأنّه بذلك يعطّل المقصد الأكبر من حياته ألا وهو تحقيق وجوده الإنسانيّ السامي ، بتلبية أشواقه العليا وإسعاد نفسه بها ..
يقول الشاعر :
أقبل على النفس فاستكمل فضائلها فأنت بالروح لا بالجسم إنسانُ
حاجات الإنسان ومطالبه معروفة ظاهرة ، ولكن ما المقصود بأشواقه العليا .؟
أريد بأشواق الإنسان العليا كلّ ما كان من قبيل العبادة لله تعالى بمفهومها الخاصّ ، الذي لا يختلط بشيء من حظوظ الدنيا ؛ كالصلاة والصوم والزكاة والحجّ ، والذكر والدعاء وتلاوة القرآن ، وفرائض الإيمان القلبيّة ؛ من أركان الإيمان ، والخوف والرجاء ، والحبّ والشوق ، والتوكّل والرضا ، والصبر والشكر ، والاستقامة والإنابة ، والدعوة إلى الخير ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، والجهاد في سبيل الله ..
والحاجات والمطالب ليست معزولة عن العبادة بمفهومها العامّ ، فهي يمكن أن تكون عبادات بالنيّة والقصد ، والتزام المنهج الشرعيّ في تحقيقها .
وهنا جملة من الحقائق لا بدّ من تسليط الضوء عليها ، أهمّها :
1 ـ أشواق الإنسان العليا لا يقف إشباعها عند حدّ ، فالإنسان في رقيّ دائم بها ، وفي طلب دائم للازدياد منها ، أمّا حاجاته الدنيا ، فهي محدودة الطلب ، والإنسان محدود القدرة عليها ، ومع ذلك فهو يلهث وراءها ، ويجهد في طلبها .
2 ـ التوازن الذي ندعو إليه دائماً بين أشواق الإنسان العليا ، وبين حاجاته الدنيا لا يعني أن يعطى كلّ واحد منهما خمسين بالمئة ، فهذا عين الإجحاف والجور ، وإنّما أن يعطى كلّ ذي حقّ حقّه ، كما يقول النبيّ صلّى الله عليه وسلّم ؛ فأشواق الإنسان العليا لا يقلّ حظّها وأهمّيّتها عن الثلثين أمام حاجاته الدنيا ، فمن البخس لها أن تكون على هامش حياة الإنسان ، ولا تنال منه إلاّ أقلّ الاهتمام ، وتوزن بحاجاته الدنيا .
والأصل في ذلك قول الله تعالى : « وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ الله الدَّارَ الآخِرَةَ ، وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا ، وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ الله إِلَيْكَ ، وَلَا تَبْغِ الفَسَادَ فِي الْأَرْضِ ، إِنَّ الله لَا يُحِبُّ المُفْسِدِينَ (77) » القصص .
والأصل في ذلك من السنّة قول النبيّ صلّى الله عليه وسلّم في حادثة النفر الثلاثة المعروفة : ( .. أَمَا وَالله إِنِّي لأَخْشَاكُمْ لله وَأَتْقَاكُمْ لَهُ ، لَكِنِّي أَصُومُ وَأُفْطِرُ ، وَأُصَلِّي وَأَرْقُدُ ، وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي ) . صحيح البخاري (7/2)
وتقول عنه السيّدة عائشة رضي الله عنها : وأيّكم يطيق ما أطاق رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ، إذ كان صلّى الله عليه وسلّم يَصُومُ حتّى يقولَ أهلُه لا يفْطِرُ ، ويَقُومُ من الليل حتّى تَتورّمَ قدماه ، ويُحسنُ عِشرةَ نسائه ، ويُطيّبُ قلوبَهنّ بحسن رعايته ، وكريم أخلاقه ، ويرعى أصحابه في كبير أمورهم وصغيرها ..
3 ـ لو اقتصر الإنسان من حاجاته الدنيا على الحدّ الأدنى في سبيل تلبية أشواقه العليا ، وانصرافه إليها ، لما كان عليه من لوم أو تثريب ، والعكس من ذلك لا يخلو فيه من اللوم ، لما فيه من ضعف الإيمان ، وقعود الهمّة ، والخشية من الانزلاق إلى أبواب من التفريط توقع في الإثم والمحظور .
كما هو الحال في التوسّع بالمباح ، والتمادي في ذلك بحجّة الترويح عن النفس ، والتمتّع بما أحلّ الله من الطيّبات ، مع أنّه يزاحم واجبات هي من قبيل المقاصد ، أو أشواق الإنسان العليا ، فيقع الإنسان بالظلم لنفسه من حيث لا يدري ..
4 ـ حاجات الإنسان الدنيا هي من قبيل الأسباب والوسائل ، وأمّا أشواقه العليا فهي من المقاصد ، وشتّان بين الوسائل والمقاصد .
5 ـ وإنّ وقوف العامّة مع حاجات النفس الدنيا وانشغالهم بها ، واقتصارهم على الحدّ الأدنى من أشواق الإنسان العليا ربّما كان له ما يبرّره ويعذر أصحابه ، ولكنّ الخاصّة من العلماء والدعاة إلى الله تعالى لا عذر لهم في ذلك ولا مبرّر ، لأنّهم قدوة للعامّة بأفعالهم وأحوالهم ، وينبغي لهم أن يستنهضوا همم العامّة بسلوكهم ، وهذا ما يؤكّد عليهم الأخذ بالعزائم في أغلب أحوالهم .
6 ـ أشواق الإنسان العليا هي سرّ سعادته ، وسكينة نفسه وطمأنينته في الدنيا قبل الآخرة ، والآخرة خير للمؤمن وأبقى .. وأمّا حاجات النفس الدنيا فالمسرّة بها محدودة ، والبهجة بها منغّصة ، وهي مقرونة بالمتاعب والهموم والمنغّصات في كلّ أحوالها ، ولا يكاد يسلم شيء منها من ذلك .. والذين تتعلّق قلوبهم بها ، ويشتدّ سعيهم إليها يصدمون منها بصدمات ومنغّصات ، تحيل أحلامهم آلاماً ، ومباهجهم أحزاناً ..
7 ـ حاجات النفس تدور بين الوجوب والإباحة ، والتقصير فيما يجب منها يوقع في الإثم ، ولكنّ أكثر الناس لا يقفون عند حدّ الوجوب ، ما داموا مقتدرين على المباح ، والتوسّع فيه ، وغالباً ما لا ينضبط سلوكهم بحدوده ، فيخرجون إلى وجوه من الإسراف والتبذير ، وهذا ما يجني على أشواق الإنسان العليا ، ويحدث الخلل في حياة الإنسان ، الذي لا يقف به عند حدّ ..
فالتوسّع في المباح غالباً ما يكون على حساب الأعمال الصالحة ، والمؤمن العاقل يؤثر الأعلى على الأدنى ، والآخرة على الأولى ، كما أنَّ التَّوَسُّعَ في المُباحِ يحرم الإنسان من منزلة الورَعِ ، وَيَجُرُّه إلى الحوم حول الحمى ، ومن حام حول الحمى أن يقعَ فيما حَرَّمَ اللهُ تعالى ، أو نهى عنه .. ومع ذلك فيبقى المباح غير مطلوب الترك ، إلاّ لما يعتريه من مُلابسات ..
وللإمام الشاطبيّ رحمه الله بحث نفيس في كتابه : « الموافقات » ، حول المباح وما يعتريه من مُلابسات ، أنقله هنا على طوله ، لما فيه من فقه شرعيّ دقيق ، وضبط وإحاطة ، يقول رحمه الله :
« إذا ثبت أنّهم ـ أي الصحابة رضي الله عنهم ـ تركوا منه شيئاً طلباً للثواب على تركه ؛ فذلك لا من جهة أنّه مباح فقط للأدلّة المتقدّمة ، بل لأمور خارجة , وذلك غير قادح في كونه غير مطلوب الترك :
- منها : أنّهم تركوه من حيث هو مانع من عبادات ، وحائل دون خيرات ، فيترك ليمكن الإتيان بما يثاب عليه ، من باب التوصّل إلى ما هو مطلوب ، كما كانت عائشة رضي الله عنها يأتيها المال العظيم الذي يمكنها به التوسّع في المباح ، فتتصدّق به ، وتفطر على أقلّ ما يقوم به العيش ، ولم يكن تركها التوسع من حيث كان الترك مطلوباً ، وهذا هو محل النزاع .
- ومنها : أنّ بعض المباحات قد يكون مورّثاً لبعض الناس أمرًا لا يختاره لنفسه ، بالنسبة إلى ما هو عليه من الخصال الحميدة ؛ فيترك المباح لما يؤدّيه إليه ، كما جاء أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه لما عذلوه في ركوبه الحمار في مسيره إلى الشام ، أتي بفرس , فلمّا ركبه فهملج تحته ؛ أخبر أنّه أحسّ من نفسه فنزل عنه ، ورجع إلى حماره ، وكما جاء في حديث الخميصة ذات العلم ، حين لبسها النبيّ صلّى الله عليه وسلّم فأخبرهم أنّه نظر إلى علمها في الصلاة فكاد يفتنه ، وهو المعصوم صلّى الله عليه وسلّم ، ولكنّه علّم أمته كيف يفعلون بالمباح إذا أدّاهم إلى ما يكره .
وكذلك قد يكون المباح وسيلة إلى ممنوع ؛ فيترك من حيث هو وسيلة ، كما قيل : " إنّي لأدع بيني وبين الحرام سترة من الحلال ، ولا أحرمها " ، وفي الحديث : " لا يبلغ الرجل درجة المتّقين حتّى يدع ما لا بأس به ؛ حذراً لما به البأس " .
وهذا بمثابة من يعلم أنّه إذا مرّ لحاجته على الطريق الفلانيّة ؛ نظر إلى محرّم ، أو تكلّم فيما لا يعنيه ، أو نحوه .
- ومنها : أنه قد يترك بعض الناس ما يظهر " لغيره " أنّه مباح ، إذا تخيّل فيه إشكالاً وشبهةً ، ولم يتخلّص له حلّه ، وهذا موضع مطلوب الترك على الجملة بلا خلاف ؛ كقوله : " كنّا ندع ما لا بأس به حذراً لما به البأس " ، ولم يتركوا كلّ ما لا بأس به ، وإنّما تركوا ما خشوا أن يفضي بهم إلى مكروه أو ممنوع .
- ومنها : أنّه قد يترك المباح لأنّه لم تحضره نيّة في تناوله ؛ إمّا للعون به على طاعة الله ، وإمّا لأنّه يحبّ أن يكون عمله كلّه خالصاً لله ، لا يلوي فيه على حظّ نفسه من حيث هي طالبة له ، فإنّ من خاصة عباد الله من لا يحبّ أن يتناول مباحاً لكونه مباحاً ، بل يتركه حتّى يجد لتناوله قصد عبادة ، أو عوناً على عبادة ، أو يكون أخذه له من جهة الإذن لا من جهة الحظّ ؛ لأنّ الأوّل نوع من الشكر بخلاف الثاني .
ومن ذلك أن يتركه حتّى يصير مطلوباً ؛ كالأكل والشرب ونحوهما ؛ فإنّه إذا كان لغير حاجة مباح كأكل بعض الفواكه ، فيدع التناول إلى زمان الحاجة إلى الغذاء ، ثمّ يأكل قصداً لإقامة البنية ، والعون في الطاعة ، وهذه كلّها أغراض صحيحة ، منقولة عن السلف , وغير قادحة في مسألتنا .
- ومنها : أن يكون التارك مأخوذ الكليّة في عبادة : من علم ، أو تفكر ، أو عمل ، مما يتعلّق بالآخرة ؛ فلا تجده يستلذّ بمباح ، ولا ينحاش قلبه إليه ، ولا يلقي إليه بالًا ، وهذا وإن كان قليلاً ؛ فالترك على هذا الوجه يشبه الغفلة عن المتروك ، والغفلة عن تناول المباح ليس بطاعة ، بل هو في طاعة بما اشتغل به ، وقد نقل مثل هذا عن عائشة رضي الله عنها حين أُتيت بمال عظيم فقسمته ، ولم تبق لنفسها شيئاً , فعُوتبت على تركها نفسها دون شيء ، فقالت : "لا تُعنِّفيني ، لو كنت ذكّرتني لفعلتُ " ، ويتفق مثل هذا للصوفية ، وكذلك إذا ترك المباح لعدم قيام النفس له هو في حكم المغفول عنه .
- ومنها : أنّه قد يرى بعض ما يتناوله من المباح إسرافاً ، والإسراف مذموم ، وليس في الإسراف حدّ يوقف دونه ، كما في الإقتار ؛ فيكون التوسّط راجعاً إلى الاجتهاد بين الطرفين ؛ فيرى الإنسان بعض المباحات بالنسبة إلى حاله داخلاً تحت الإسراف ، فيتركه لذلك ، ويظنّ من يراه ممّن ليس ذلك إسرافاً في حقه أنّه تارك للمباح ، ولا يكون كما ظنّ ؛ فكلّ أحد فيه فقيه نفسه .
والحاصل : أنّ التفقّه في المباح بالنسبة إلى الإسراف وعدمه ، والعمل على ذلك مطلوب ، وهو شرط من شروط تناول المباح ، ولا يصير بذلك المباح مطلوب الترك ، ولا مطلوب الفعل ؛ كدخول المسجد لأمر مباح هو مباح ، ومن شرطه أن لا يكون جُنباً ، والنوافل من شرطها الطهارة ، وذلك واجب ، ولا يصير دخول المسجد ولا النافلة بسبب ذلك واجبين ؛ فكذلك هنا تناول المباح مشروط بترك الإسراف ، ولا يصير ذمّ الإسراف في المباح ذمّاً للمباح مطلقاً ..
وإذا تأمّلت الحكايات في ترك بعض المباحات عمّن تقدّم ؛ فلا تعدو هذه الوجوه .. والله أعلم » . الموافقات (1/ 192)