الإنسان بين أشواقه وحاجاته معالم وحدود

الإنسان بين أشواقه وحاجاته معالم وحدود

التصنيف: ركن الشباب
الثلاثاء، ١١ ربيع الأول ١٤٣٤ هـ - ٢٢ كانون الثاني ٢٠١٣
898

د عبدالمجيد البيانوني

عضو رابطة العلماء السوريين
 
في الإنسان أشواق عليا ، وفيه حاجات دنيا .. فالحاجة إلى الطعام والشراب والجنس والنوم ، وما يلبّي ذلك من العمل والكسب هي أهمّ حاجات الإنسان الدنيا .. ومن حقّه وفطرته أن يشبعها بما أحلّ الله تعالى ، ليتفرّغ عقله وقلبه للأشواق العليا .
 
والإنسان العاقل المتّزن في سبيل حاجاته الدنيا يسعى ويكدح لتلبية تلك المطالب على أمثل وجه ، ولكنّه لا يجعل حياته كلّها وقفاً على تلك الحاجات والمطالب ، لأنّه بذلك يعطّل المقصد الأكبر من حياته ألا وهو تحقيق وجوده الإنسانيّ السامي ، بتلبية أشواقه العليا وإسعاد نفسه بها ..
 
يقول الشاعر :
أقبل على النفس فاستكمل فضائلها     فأنت بالروح لا بالجسم إنسانُ
 
حاجات الإنسان ومطالبه معروفة ظاهرة ، ولكن ما المقصود بأشواقه العليا .؟
 أريد بأشواق الإنسان العليا كلّ ما كان من قبيل العبادة لله تعالى بمفهومها الخاصّ ، الذي لا يختلط بشيء من حظوظ الدنيا ؛ كالصلاة والصوم والزكاة والحجّ ، والذكر والدعاء وتلاوة القرآن ، وفرائض الإيمان القلبيّة ؛ من أركان الإيمان ، والخوف والرجاء ، والحبّ والشوق ، والتوكّل والرضا ، والصبر والشكر ، والاستقامة والإنابة ، والدعوة إلى الخير ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، والجهاد في سبيل الله ..
والحاجات والمطالب ليست معزولة عن العبادة بمفهومها العامّ ، فهي يمكن أن تكون عبادات بالنيّة والقصد ، والتزام المنهج الشرعيّ في تحقيقها .
 
وهنا جملة من الحقائق لا بدّ من تسليط الضوء عليها ، أهمّها :
1 ـ أشواق الإنسان العليا لا يقف إشباعها عند حدّ ، فالإنسان في رقيّ دائم بها ، وفي طلب دائم للازدياد منها ، أمّا حاجاته الدنيا ، فهي محدودة الطلب ، والإنسان محدود القدرة عليها ، ومع ذلك فهو يلهث وراءها ، ويجهد في طلبها .
 
2 ـ التوازن الذي ندعو إليه دائماً بين أشواق الإنسان العليا ، وبين حاجاته الدنيا لا يعني أن يعطى كلّ واحد منهما خمسين بالمئة ، فهذا عين الإجحاف والجور ، وإنّما أن يعطى كلّ ذي حقّ حقّه ، كما يقول النبيّ صلّى الله عليه وسلّم ؛ فأشواق الإنسان العليا لا يقلّ حظّها وأهمّيّتها عن الثلثين أمام حاجاته الدنيا ، فمن البخس لها أن تكون على هامش حياة الإنسان ، ولا تنال منه إلاّ أقلّ الاهتمام ، وتوزن بحاجاته الدنيا .
 
والأصل في ذلك قول الله تعالى : « وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ الله الدَّارَ الآخِرَةَ ، وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا ، وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ الله إِلَيْكَ ، وَلَا تَبْغِ الفَسَادَ فِي الْأَرْضِ ، إِنَّ الله لَا يُحِبُّ المُفْسِدِينَ (77) » القصص .
والأصل في ذلك من السنّة قول النبيّ صلّى الله عليه وسلّم في حادثة النفر الثلاثة المعروفة : ( .. أَمَا وَالله إِنِّي لأَخْشَاكُمْ لله وَأَتْقَاكُمْ لَهُ ، لَكِنِّي أَصُومُ وَأُفْطِرُ ، وَأُصَلِّي وَأَرْقُدُ ، وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي ) . صحيح البخاري (7/2)
 
وتقول عنه السيّدة عائشة رضي الله عنها : وأيّكم يطيق ما أطاق رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ، إذ كان صلّى الله عليه وسلّم يَصُومُ حتّى يقولَ أهلُه لا يفْطِرُ ، ويَقُومُ من الليل حتّى تَتورّمَ قدماه ، ويُحسنُ عِشرةَ نسائه ، ويُطيّبُ قلوبَهنّ بحسن رعايته ، وكريم أخلاقه ، ويرعى أصحابه في كبير أمورهم وصغيرها ..
3 ـ لو اقتصر الإنسان من حاجاته الدنيا على الحدّ الأدنى في سبيل تلبية أشواقه العليا ، وانصرافه إليها ، لما كان عليه من لوم أو تثريب ، والعكس من ذلك لا يخلو فيه من اللوم ، لما فيه من ضعف الإيمان ، وقعود الهمّة ، والخشية من الانزلاق إلى أبواب من التفريط توقع في الإثم والمحظور .
 
كما هو الحال في التوسّع بالمباح ، والتمادي في ذلك بحجّة الترويح عن النفس ، والتمتّع بما أحلّ الله من الطيّبات ، مع أنّه يزاحم واجبات هي من قبيل المقاصد ، أو أشواق الإنسان العليا ، فيقع الإنسان بالظلم لنفسه من حيث لا يدري ..
 
4 ـ حاجات الإنسان الدنيا هي من قبيل الأسباب والوسائل ، وأمّا أشواقه العليا فهي من المقاصد ، وشتّان بين الوسائل والمقاصد .
 
5 ـ وإنّ وقوف العامّة مع حاجات النفس الدنيا وانشغالهم بها ، واقتصارهم على الحدّ الأدنى من أشواق الإنسان العليا ربّما كان له ما يبرّره ويعذر أصحابه ، ولكنّ الخاصّة من العلماء والدعاة إلى الله تعالى لا عذر لهم في ذلك ولا مبرّر ، لأنّهم قدوة للعامّة بأفعالهم وأحوالهم ، وينبغي لهم أن يستنهضوا همم العامّة بسلوكهم ، وهذا ما يؤكّد عليهم الأخذ بالعزائم في أغلب أحوالهم .
 
6 ـ أشواق الإنسان العليا هي سرّ سعادته ، وسكينة نفسه وطمأنينته في الدنيا قبل الآخرة ، والآخرة خير للمؤمن وأبقى .. وأمّا حاجات النفس الدنيا فالمسرّة بها محدودة ، والبهجة بها منغّصة ، وهي مقرونة بالمتاعب والهموم والمنغّصات في كلّ أحوالها ، ولا يكاد يسلم شيء منها من ذلك .. والذين تتعلّق قلوبهم بها ، ويشتدّ سعيهم إليها يصدمون منها بصدمات ومنغّصات ، تحيل أحلامهم آلاماً ، ومباهجهم أحزاناً ..
 
7 ـ حاجات النفس تدور بين الوجوب والإباحة ، والتقصير فيما يجب منها يوقع في الإثم ، ولكنّ أكثر الناس لا يقفون عند حدّ الوجوب ، ما داموا مقتدرين على المباح ، والتوسّع فيه ، وغالباً ما لا ينضبط سلوكهم بحدوده ، فيخرجون إلى وجوه من الإسراف والتبذير ، وهذا ما يجني على أشواق الإنسان العليا ، ويحدث الخلل في حياة الإنسان ، الذي لا يقف به عند حدّ ..
 
فالتوسّع في المباح غالباً ما يكون على حساب الأعمال الصالحة ، والمؤمن العاقل يؤثر الأعلى على الأدنى ، والآخرة على الأولى ، كما أنَّ التَّوَسُّعَ في المُباحِ يحرم الإنسان من منزلة الورَعِ ، وَيَجُرُّه إلى الحوم حول الحمى ، ومن حام حول الحمى أن يقعَ فيما حَرَّمَ اللهُ تعالى ، أو نهى عنه .. ومع ذلك فيبقى المباح غير مطلوب الترك ، إلاّ لما يعتريه من مُلابسات ..
 
وللإمام الشاطبيّ رحمه الله بحث نفيس في كتابه : « الموافقات » ، حول المباح وما يعتريه من مُلابسات ، أنقله هنا على طوله ، لما فيه من فقه شرعيّ دقيق ، وضبط وإحاطة ، يقول رحمه الله :
« إذا ثبت أنّهم ـ أي الصحابة رضي الله عنهم ـ تركوا منه شيئاً طلباً للثواب على تركه ؛ فذلك لا من جهة أنّه مباح فقط للأدلّة المتقدّمة ، بل لأمور خارجة , وذلك غير قادح في كونه غير مطلوب الترك :
- منها : أنّهم تركوه من حيث هو مانع من عبادات ، وحائل دون خيرات ، فيترك ليمكن الإتيان بما يثاب عليه ، من باب التوصّل إلى ما هو مطلوب ، كما كانت عائشة رضي الله عنها يأتيها المال العظيم الذي يمكنها به التوسّع في المباح ، فتتصدّق به ، وتفطر على أقلّ ما يقوم به العيش ، ولم يكن تركها التوسع من حيث كان الترك مطلوباً ، وهذا هو محل النزاع .
 
- ومنها : أنّ بعض المباحات قد يكون مورّثاً لبعض الناس أمرًا لا يختاره لنفسه ، بالنسبة إلى ما هو عليه من الخصال الحميدة ؛ فيترك المباح لما يؤدّيه إليه ، كما جاء أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه لما عذلوه في ركوبه الحمار في مسيره إلى الشام ، أتي بفرس , فلمّا ركبه فهملج تحته ؛ أخبر أنّه أحسّ من نفسه فنزل عنه ، ورجع إلى حماره ، وكما جاء في حديث الخميصة ذات العلم ، حين لبسها النبيّ صلّى الله عليه وسلّم فأخبرهم أنّه نظر إلى علمها في الصلاة فكاد يفتنه ، وهو المعصوم صلّى الله عليه وسلّم ، ولكنّه علّم أمته كيف يفعلون بالمباح إذا أدّاهم إلى ما يكره  .
 
وكذلك قد يكون المباح وسيلة إلى ممنوع ؛ فيترك من حيث هو وسيلة ، كما قيل : " إنّي لأدع بيني وبين الحرام سترة من الحلال ، ولا أحرمها " ، وفي الحديث : " لا يبلغ الرجل درجة المتّقين حتّى يدع ما لا بأس به ؛ حذراً لما به البأس " . 
 
وهذا بمثابة من يعلم أنّه إذا مرّ لحاجته على الطريق الفلانيّة ؛ نظر إلى محرّم ، أو تكلّم فيما لا يعنيه ، أو نحوه .
 
- ومنها : أنه قد يترك بعض الناس ما يظهر " لغيره " أنّه مباح ، إذا تخيّل فيه إشكالاً وشبهةً ، ولم يتخلّص له حلّه ، وهذا موضع مطلوب الترك على الجملة بلا خلاف ؛ كقوله : " كنّا ندع ما لا بأس به حذراً لما به البأس " ، ولم يتركوا كلّ ما لا بأس به ، وإنّما تركوا ما خشوا أن يفضي بهم إلى مكروه أو ممنوع .
 
- ومنها : أنّه قد يترك المباح لأنّه لم تحضره نيّة في تناوله ؛ إمّا للعون به على طاعة الله ، وإمّا لأنّه يحبّ أن يكون عمله كلّه خالصاً لله ، لا يلوي فيه على حظّ نفسه من حيث هي طالبة له ، فإنّ من خاصة عباد الله من لا يحبّ أن يتناول مباحاً لكونه مباحاً ، بل يتركه حتّى يجد لتناوله قصد عبادة ، أو عوناً على عبادة ، أو يكون أخذه له من جهة الإذن لا من جهة الحظّ ؛ لأنّ الأوّل نوع من الشكر بخلاف الثاني .
ومن ذلك أن يتركه حتّى يصير مطلوباً ؛ كالأكل والشرب ونحوهما ؛ فإنّه إذا كان لغير حاجة مباح كأكل بعض الفواكه ، فيدع التناول إلى زمان الحاجة إلى الغذاء ، ثمّ يأكل قصداً لإقامة البنية ، والعون في الطاعة ، وهذه كلّها أغراض صحيحة ، منقولة عن السلف , وغير قادحة في مسألتنا .
 
- ومنها : أن يكون التارك مأخوذ الكليّة في عبادة : من علم ، أو تفكر ، أو عمل ، مما يتعلّق بالآخرة ؛ فلا تجده يستلذّ بمباح ، ولا ينحاش قلبه إليه ، ولا يلقي إليه بالًا ، وهذا وإن كان قليلاً ؛ فالترك على هذا الوجه يشبه الغفلة عن المتروك ، والغفلة عن تناول المباح ليس بطاعة ، بل هو في طاعة بما اشتغل به ، وقد نقل مثل هذا عن عائشة رضي الله عنها حين أُتيت بمال عظيم فقسمته ، ولم تبق لنفسها شيئاً , فعُوتبت على تركها نفسها دون شيء ، فقالت : "لا تُعنِّفيني ، لو كنت ذكّرتني لفعلتُ " ، ويتفق مثل هذا للصوفية ، وكذلك إذا ترك المباح لعدم قيام النفس له هو في حكم المغفول عنه .
 
- ومنها : أنّه قد يرى بعض ما يتناوله من المباح إسرافاً ، والإسراف مذموم ، وليس في الإسراف حدّ يوقف دونه ، كما في الإقتار ؛ فيكون التوسّط راجعاً إلى الاجتهاد بين الطرفين ؛ فيرى الإنسان بعض المباحات بالنسبة إلى حاله داخلاً تحت الإسراف ، فيتركه لذلك ، ويظنّ من يراه ممّن ليس ذلك إسرافاً في حقه أنّه تارك للمباح ، ولا يكون كما ظنّ ؛ فكلّ أحد فيه فقيه نفسه .
 
والحاصل : أنّ التفقّه في المباح بالنسبة إلى الإسراف وعدمه ، والعمل على ذلك مطلوب ، وهو شرط من شروط تناول المباح ، ولا يصير بذلك المباح مطلوب الترك ، ولا مطلوب الفعل ؛ كدخول المسجد لأمر مباح هو مباح ، ومن شرطه أن لا يكون جُنباً ، والنوافل من شرطها الطهارة ، وذلك واجب ، ولا يصير دخول المسجد ولا النافلة بسبب ذلك واجبين ؛ فكذلك هنا تناول المباح مشروط بترك الإسراف ، ولا يصير ذمّ الإسراف في المباح ذمّاً للمباح مطلقاً ..
 
وإذا تأمّلت الحكايات في ترك بعض المباحات عمّن تقدّم ؛ فلا تعدو هذه الوجوه .. والله أعلم » . الموافقات (1/ 192)

تنويه:

جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين

مقالات ذات صلة

رمضان بين التضييع والاستثمار
الأربعاء، ٢٣ شعبان ١٤٣٩ هـ - ٩ أيار ٢٠١٨رمضان بين التضييع والاستثمار
 قال عليه وعلى آله الصلاة والسلام: «هذا رمضان قد جاءكم، تُفتح فيه أبوابُ الجنة...
أحكام فقهية مهمة عن رمضان يجدر أن تتعلمها النساء
الأحد، ٣٠ شعبان ١٤٣٧ هـ - ٥ حزيران ٢٠١٦أحكام فقهية مهمة عن رمضان يجدر أن تتعلمها النساء
    1.     يجب تبييت النِّيَّة كل ليلة قبل طلوع الفجر عن كل يوم من ...
ترى كيف يتخاطب الإسلاميون بعضهم مع بعض - تقويم للخطاب الإسلامي الإسلامي...
الأربعاء، ١٢ شوال ١٤٣٠ هـ - ٣٠ أيلول ٢٠٠٩ترى كيف يتخاطب الإسلاميون بعضهم مع بعض - تقويم للخطاب الإسلامي الإسلامي...
بعد يوم مليء بالزيارات المتعددة لشتى التجمعات الإسلامية قررت أن أكتب هذه الخاطرة هدفها توص...