العلامة: محمد أبو زهرة
1 ـ نقصد بالإنسانية ذلك المعنى الشائع بين الجماهير، وهي إحساس الشخص بحق غيره، ولطفُ مودته، وحسنُ معاملته، والإحساسُ بالمشاركة الوجدانية مع الناس، يحسُّ بإحساسهم، ويشعر بشعورهم، ويألم لألمهم، ويسر لسرورهم، يرحم ولا يقسو، ويرفق ولا يجفو، ويلين ولا يغلظ، من غير استخذاء ولا استسلام، بل في عزة من غير استكبار، ومروءة من غير صغار، وتواضع من غير ضعة، وحياء من غير ضعف، وقوة من غير عنف، يكون المرء فيها هيناً ليناً، فإذا جد الجد هابته الآساد في آجامها، ويكون وديعاً في سلام، فإذا التمس الناس موضع ضعفه كان الملمس قوياً وكان في الحق أبياً.
ونقصد بالإنسانية احترام الإنسان لمعنى الإنسانية في كل شخص، من غير نظر إلى جنس أولون، ومن غير ملاحظة نسب، أو نشب، أو حسب، إنما يحترم الإنسان لاشتماله على معنى الإنسانية التي يشترك فيها أبناء الإنسان جميعاً، بلا فرق بين قوي وضعيف، وفقير وغني، ومشهور ومغمور، وذي جاه وخامل، لأنهم جميعاً من بني الإنسان جمعتهم الإنسانية وإن فرقت بينهم ملابسات الزمان، وتصريف القدر.
ونقصد بالإنسانية أن يُحترم ذلك المعنى السامي من غير تفرقة بين مذهب ومذهب، ودين ودين، فلا تكون الديانات كالعصبيات تحجب الأنظار، ولا تكون العدالة إلا مع الأولياء، ولا يكون للأعداء حق من الحقوق، أو لا يكون للمخالفين حق من الحقوق الثابتة المقررة بمقتضى قوانين الأخلاق الفاضلة، كما كان يفعل اليهود في الماضي، وكما يفعلون في الحاضر فلسان حالهم بالنسبة لمخالفيهم دائماً:[ لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ] {آل عمران:75} .
بل الإنسانية الحق توجب أن يعامل بنو الإنسان على سوءا في العدالة، وإن تفاوتت المودة، واختلفت المحبة.
2 ـ ولقد ذكر تاريخ الأخلاق فلاسفةً قويت عندهم المعاني الإنسانية العالية، وسمت نفوسهم عن سفساف الأمور، فذكروا سقراط، وذكروا أفلاطون، وذكروا أرسطو، ذكروهم بأخلاقهم، فذكروا لسقراط لطف مودته مع زوجة خشونتها وجفوتها وحماقتها واعتقاده أن احتمالها كان من أسباب حكمته.
وذكروا لأفلاطون احترامه للإنسانية، وعدم غلظته مع العبيد، حتى إنه غضب على عبده مرة فأمر غيره أن يضربه حتى لا يقسو عليه في غضبه.
وذكروا لأرسطو آراءه في الصداقة، واعتبارها أجل معاني الإنسانية، ولكن يجب أن يذكروا مع هذا أيضاً أن أولئك الحكماء جميعاً اعتبروا أن غير اليونان من الأمم والشعوب برابرة، وأن نعمة الله التي أسبغها عليهم أن جعلهم من اليونان ولم يجعلهم من أولئك البربر، وكل الناس بربر ما عدا اليونان.
3 ـ هؤلاء أعلى من ذكرهم التاريخ ف إدراك معاني الإنسانية، ولكنا إذا جئنا إلى محمد صلى الله عليه وسلم وجدنا ذلك الأمي الذي نشأ في البيداء وفي وسط رعاة الإبل، الذين كان عيشهم من اللبن والتمر، أكثر إدراكاً لمعنى الإنسانية وأكثر مراعاة لأدق معانيها.
فإذا كان أفلاطون قد امتنع عن أن يضرب عبده في غضبه، فمحمد صلى الله عليه وسلم لم يضرب في حياته أحداً قط بيده لا عبداً ولا خادماً ونهى عن ضرب العبيد، ذلك لأن الضرب فوق ما فيه من إيلام جسدي، هو إيلام نفسي، وهو تحقير لمعنى الإنسانية، ولذا قالت أسماء بنت ابي بكر الصديق رضي الله عنهما: (لضربة بالسيف في عز أحب إليَّ من ضربة بالسوط في ذل) وما كان لمحمد المدرك لمعنى الإنسانية أن يضرب فيهين الإنسانية، ولقد ضرب بالرمح من حاول قتله، ولكنه لم يضرب بيده أحداً قط.
وإذا كان سقراط قد راض نفسه على احتمال زوجه الحمقاء، فمحمد بن عبد الله قد راض نفسه على احتمال إحدى عشرة من النساء وإن كن جميعاً طيبات فضليات، وما امتدت يده أو امتد لسانه بسوء إليهن قط، ولعل أشد ما عنفهن به أن قال لهن في مرضه الذي مات فيه:(إنكن صويحبات يوسف ). فشتمهن بالنوع، ولم يشتمهن بالشخص، ولذا قال عليه السلام: (خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي ) ورُميت أحب أزواجه إليه بالفاحشة، وتبادرت الأقوال إلى نفسه، ولم يكن عنده ما يكذبها، ولكن لم يمنعه ذلك من السؤال عنها في مرضها، حتى برأها رب البرية.
وإذا كان أرسطو قد أدرك معنى الصداقة، وقرر أنها أشهر العلائق الإنسانية فمحمد بن عبد الله النبي الأمي صلى الله عليه وسلم قد أدرك معنى الرحمة المطلقة ودعا إليها، وحث عليها، وكان هو البر الرحيم، الرؤوف العطوف، الذي نادى بالرحمة العامة في ندائه الإنساني الإلهي الخالد: (ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء ) والرحمة معنى أعم من الصداقة، فالصداقة معنى شخصي، والرحمة معنى إنساني اجتماعي.
4 ـ وإن محمداً صلى الله عليه وسلم ليعلو على كل من سبقوه من الإنسانيين، حتى إنه قبل البعث والرسالة كان ينظر إلى الناس جميعاً على أنهم سواء، لأن الإنسانية جمعتهم، فلا يفرق بين أحد منهم في المعاملة، وقد جاء بذلك الوحي من بعد.
وليس الغريب أن تشتمل شريعته على تلك الحقائق الإنسانية الخالدة، وإنما الغريب حقاً وصدقاً أن تكون ذلك أخلاق محمد بن عبد الله النبي الأمي قبل البعث، فهذا الغلام اليتيم، الذي نشأ في وسط جاهلي كان الشرف بالنسب فيه كل العزة، والافتخار بالأرومة فيه كل ا لذكر، هو الذي يلتفت إلى الناحية الإنسانية في خاصة نفسه وعامة أموره، حتى إنه صلى الله عليه وسلم يكون عند خديجة عبد هو: زيد بن حارثة تهديه إليه فيكون عبدَه على مقتضى ما كان عند العرب، فيعامله أرفق معاملة كأنه ابنه، لا عبده، ويبلغ به الرفق ولطف المودة، وحسن العشرة، أن يجيء إلى ذلك العبد أهله يريدون فداءه، فيقبل صلى الله عليه وسلم الأمي أن يدفعه إليهم من غير مال يأخذه إن رضي هو بالذهاب معهم، ولكنه ـ لما رأى من طيب المقام ـ يأبى أن يذهب مع أبيه وعمه، ويرضى أن يبقى مع ذلك السيد الشريف، بل الإنسان الكامل، ولكن الإنسانية تعلو عند محمد صلى الله عليه وسلم حتى يفوق ما كان بخاطر ذلك العبد، إذ يعتقه ويلحقه بنسبه على حس ما كان عند العرب. فيكون ابنه، قبل أن يُلغي ذلك الإسلام، وينزل بإلغائه الوحي الإلهي، في كتاب الله الأبدي، وفي شرعه السرمدي.
قد يقول القائلون ما يقولون، ولكنهم مهما يقولوا، فإن الناحية التي منها ذلك العمل الجليل السامي هي الناحية الإنسانية العالية في محمد بن عبد الله، وهي تلك المشاركة الوجدانية التي تجعل صاحبها في نزوعه وشعوره ومعاملاته، يحس بأن للناس عليه مثل ما له عليهم، بل إنه ليفرض أن للناس عليه من الحقوق أضعاف ما له عليهم سماحة ومروءة وكرماً ورحمة ورأفة، وكل أولئك معان إنسانية سامية.
ولعل هذه الأخلاق المحمدية قبل البعث كان إرهاصاً للرسالة، وإعداداً لذلك التكليف الخطير، وتلك الأمانة التي لا يتحملها إلا أولو العزم من الرسل، ولذا قال تعالى:[لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ] {التوبة:128}.
5 ـ هذه إشارة إلى أخلاق محمد صلى الله عليه وسلم قبل الرسالة، وما كانت تظهر إلا في أفق محدود، أفق قريش وأهله، ومن يتصل به في بطحاء مكة من الناس، حتى إذا جاءت الرسالة، وعظم التكليف، واتصل بالناس في قاصيهم ودانيهم، ورافقه من رافقه، وعانده من عانده ـ بدأ الخلق المحمدي الإنساني في أوسع آفاقه، وأوسع مداه، فبدت إنسانيته في كل معاملاته، في أوليائه وفي أعداءه، في سلمه وفي حربه، في البلاء وفي الرخاء، في المَكره والمنشَط، في معاملاته للأقوياء وللضعفاء، ولذوي النسب، ولذوي العمل، فكان إنسانياً في كل ذلك.
ولقد اختبر المولى القدير إنسانيته، كما اختبرها في الأنبياء من قبله، فكان أتباعه الأولون من الضعفاء في قريش، إما لفقرهم أو لأنهم عبيد، أو لأنهم من غير قريش، وكانوا مستضعفين في مكة، فلم يتبرم بهؤلاء الضعفاء، وإن كان يرجو أن تصل دعوته إلى قلوب الأقوياء، بل رفق بأتباعه، وعمل على إعتاق من معه من العبيد، ورعاية غيرهم من الفقراء، ولما عادته قريش كلها، ورمته عن قوس واحدة، وبسهام واحدة، هي الإيذاء بكل ضروبه، كان بأولئك الضعفاء أحنى من الأم على أولادها، وهو يصابر المشركين، ويتصبر على آلام المؤمنين، وينادي الإنسانية في القلوب بالفعال وبالأقوال، فيجيبون، ولكن لا يتبعه إلا عدد ضئيل منهم لا يتجاوز عدد أصابع اليد. ولكن محمداً كان يغالب بالصبر، وبالمودة الإنسانية التي فطر عليها.
6 ـ لقد كان محمد وأتباعه ضعفاء في مكة، وما ضعفت فيه معاني الإنسانية، ولكنها كانت الإنسانية العالية، وسط طغيان قريش ولجاجة أمثال أبي جهل، وعناد أمثال أبي لهب. ولا يظن القارئ أنها غُلبت أو كانت ضعيفة مستخذية، بل كانت القوية المستعلية، وتبدو القوة الإنسانية في أشد معانيها عند ما تشتد الغمة، وعندما تستدعي المعاني الإنسانية قوة وحزماً.
يروى أن رجلاً من غير قريش كان له دين على أبي جهل طاغية قريش، كان له دين على أبي جهل طاغية قريش، وقد ابتلى الله محمداً بأن جعله له جاراً، فجاء الرجل إلى قريش يستعين بهم على أبي جهل ليؤدي له دينه الذي يماطل فيه عن غنى ـ ومطل الغني ظلم ـ فقالوا له متهكمين: استعن عليه بجاره، وأشاروا إلى بيت النبي ساخرين بالرجل، إذ حسبوا أن محمداً صلى الله عليه وسلم ليس له بأبي جهل طاقة، ولكن محمداً أخلف ظنهم، فإن الرجل ما إن استعان به حتى علت الإنسانية القوية الحازمة في نفسه، فطرق باب أبي جهل طرقاً قوياً ففتح الباب ورأى الجد في وجه النبي الأمين، والحزم القوي في ملامحه ونظراته، فطار قلب الجهول شعاعاً، فقال له ابن عبد الله آمراً: أدِّ دين الرجل! فأدَّاه صاغراً مستخذياً.
وقد عيرته قريش هذا الاستخذاء وذلك الضعف، فاعتذر باعتذارات، ولكنه نسي أنها الضعف الشيطاني أمام القوة الإنسانية.
ولقد كان لمحمد صلى الله عليه وسلم قوة نفس، وهيبة إنسانية تبدو في مواطنها، ومنها ما ذكره عمرو بن العاص رضي الله عنه، فقد روي عنه أنه قال: (اجتمع أشراف قريش يوماً بالحِجر، فذكروا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: ما رأينا مثل ما صبرنا عليه من هذا الرجل قط، سفَّه أحلامنا، وشتم آباءنا، وعاب ديننا، وفرق جماعتنا، وسب آلهتنا، لقد صبرنا منه على أمر عظيم، فبينما هم كذلك إذ طلع رسول الله صلى الله عليه وسلم فاقبل يمشي حتى استلم الركن، ثم مر بهم طائفاً بالبيت، فلما مر بهم غمزوه ببعض القول، فعرفتُ ذلك في وجه النبي صلى الله عليه وسلم، ثم مضى، فلما مرَّ بهم الثانية غمزوه مثلها، فعرفتُ ذلك في وجهه، ثم مر بهم الثالثة فغمزوه في وجهه، فوقف وقال: (أتسمعون يا معشر قريش ! أما والذي نفسي بيده، لقد جئتكم بالذبح!) فأخذت القوم كلمته، حتى ما منهم رجل إلا كأنما على رأسه طير واقف، وحتى إن أشدهم فيه مقالة ليرفؤه بأحسن ما يجد من القول وحتى إنه ليقول: (انصرف يا أبا القاس راشداً فو الله ما كنتَ جهولاً ).
7 ـ هذه إنسانية محمد صلى الله عليه وسلم في حال ضعف المسلمين، حتى إذا كانت الهجرة، وقامت الدولة الإسلامية الفاضلة، وكان رئيس هذه الدولة ومدبر أمورها، فكان يحكمها بكتاب بكتاب الله المنزَّل، ووحيه الحكيم ويظلها بإنسانيته الحانية العطوف، كان راعي الضعفاء، يحس بإحساسهم، ويضرع إلى الله أن يكون مع المساكين دائماً، فيقول: (اللهم أحييني مسكيناً، وأمتني مسكيناً، واحشرني في زمرة المساكين).
وكان يلين قلبه لكل ضعيف، حتى لكأنه اللبن السائل الأبيض. ومن يعرف أخباره في مؤاساة الضعف الإنساني بإنسانيته، لا يتصور أن يكون ذلك هو النبي ا لذي يقود الجيوش في غمرات الموت، ولكنها الإنسانية الفاضلة، تبدو في مواطن القوة، رائعة ت سترعي أعين المؤمنين الطاهرة، وما ترك إنسانيته العطوف في معترك النزال، فهو يرى امرأة مقتولة، فيتهدج صوته ويقول لائماً من قتلوها: (ما كانت هذه لتقاتل!)، وهو الذي ينهي عن قتل الأطفال والشيوخ، ومن لا رأى له في القتال، وينهى عن قطع الأشجار، وإتلاف الزرع، وإبادة الضرع، فقتاله عليه السلام قتال إنساني رفيق، لإعلاء الإنسانية ورفعها، بقتل الذين يعكرون صفوها. وهو في قتاله لا ينسى أنه يدافع عن الضعفاء، وبكلاءتهم وحمايتهم يهب الله النصر، وما النصر إلا من عند الله، فهو يقول: (ابغوني في ضعفائكم، فإنما تنصرون وترزقون بضعفائكم).
ولقد كان صلى الله عليه وسلم في حربه وخصومته لا ينسى الضعفاء من خصومه، يبرهم، ويشعرهم بعطفه ومودته، فقد بلغه في موادعة الحديبية أن قريشاً أصابتهم جائحة، فأرسل إلى أبي سفيان بن حرب كبيرهم خمسمائة دينار يشتري بها قمحاً يعطيه للفقراء من سكان مكة، فأي مرتبة في الإنسانية تعلو إلى ذلك القدر.
8 ـ وتبدو إنسانية محمد في رفقه باليتيم، فقد كان أباً لكل يتيم، ويروى أنه مر في المدينة في عيد فرأى صبياً لا يلعب لعب الصبيان، ولا يلبس الجديد لبسهم، فسأله عن أمره، فقال: لا أب لي يلبسني الجديد، ويأتي إليَّ باللعب! فترقرق الدمع في عين نبي الإنسانية صلى الله عليه وسلم وأخذ الغلام وألبسه الجديد، وقال له: (أما ترضى بأن يكون محمد لك أباً وعائشة لك أماً)!!.
وتعلو إنسانية محمد صلى الله عليه وسلم حتى يعلو على كل درجات البشرية في معاملته للرقيق بعد البعث النبوي، حتى إنه من فرط محبته للعتق، ورفق معاملته للرقيق كان يعين كل عبد يعرفه على فك رقبته، فهو يتبرع لسلمان الفارسي بما فك رقبته، ويحث عائشة رضي الله عنها أن تكاتب بريرة أمَتها ثم تعينها على فك رقبتها، ودعا الناس إلى معاملة عبيدهم كما يعاملون أنفسهم، حتى لقد قال: (إخوانكم خولكم ـ أي: عبيدكم ـ جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يطعم، وليلبسه مما يلبس) ثم يقول صلى الله عليه وسلم قولاً منطقياً مبنياً على المساواة: (لا تكلفوهم من العمل ما لايطيقون، ولا تعذبوا خلق الله، فإن الله ملككم إياهم، ولو شاء لملكهم إياكم).
وكان ينهى المؤمنين عن أن يقولوا عبيدي، فهو يقول: (لا يقل أحدكم عبدي وأمتي، وليقل فتاي وفتاتي وغلامي) ورأى صلى الله عليه وسلم رجلاً على دابته وعبده يجري وراءها، فقال له عليه السلام: (احمله خلفك يا عبد الله فإنما هو أخوك).
9 ـ هذه قبسة من الإنسانية في حياة محمد صلى الله عليه وسلم وأخلاقه، ومهما يقل الناس عن الناس فلن يجدوا في الوجود إنساناً علت فيه المعاني الإنسانية بدرجة تقارب النبي الأمي، ولكنه على خلق عظيم كما قال رب العالمين:[وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ] {القلم:4}.ولقد قال عليه السلام: (أدبني ربي فأحسن تأديبي) ومهما يؤت الكاتب من بيان فلن يصل إلى تصوير محمد الإنسان صلى الله عليه وسلم.
ولي المعذرة إن قصرت يا رسول الله، فإني عندما جئت إلى ساحتك وأحسست أني يشارفني روحك الأقدس، طالعتني أنوارك، فكَل البصر عن الإبصار، والفكر عن الإدراك، والقلم عن التصوير، ولم أستطع إلا رسم الخطوط والملامح، وإن هذا أقصى ما تبلغه نفوس مثلي من مثلك، وما تبلغه عقول أشباهي من تصور شمائلك العالية، وسجاياك السامية. صلى الله عليك وسلم تسليماً كثيراً.
الراجي عفو ربه بمحبتك.
وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
المصدر: لواء الإسلام العدد 7، السنة 8، ربيع الأول 1374.