الحمد لله، والصلاة على محمد رسول الله، وعلى آله ومن اتبع هداه.
بين الإفراط والتفريط:
كثر في هذا الزمان بين أهل العلم – وا أسفا - المناقشات والأحكام المبنية على ردود الأفعال، والإفراط والتفريط.
فهناك قوم أفرطوا وبالغوا وغلَوْا في طعنهم بالإمام أبي حامد الغزّالي وفي كتابه إحياء علوم الدين! لاحتوائه على جملة من الأحاديث الموضوعة. ففرّطوا في كتاب عظيم، ليس له نظير في بابه! ولم يكونوا بدعًا في ذلك، فلهم سلف من بعض أهل المغرب قديمًا، بلغ بهم الإفراط والغلو في الطعن أن أحرقوا كتاب إحياء علوم الدين!
وما كان ينبغي لهم الطعن، فكتاب إحياء علوم الدين من أنفس كتب علماء الإسلام، وما فيه من أحاديث فقد اعتنى بها الأئمة كالعراقي وغيره، فخدموا الكتاب، لمنزلته ومنزلة مؤلفه، وخرّجوا أحاديثه، وبينوا صحيحها من سقيمها.
وهكذا ينبغي النصيحة لعلماء الإسلام، لا الطعن فيهم!
لكن بعض محبي الإمام الغزّالي لم يكتفوا ببيان أن كثرة وجود الموضوعات في إحياء علوم الدين، لا يسوّغ الطعن في الإمام وكتابه، فهو كان عالمًا متبحرًا في عدة علوم، لكن لم يكن عالمًا بالحديث الشريف، مثل كثير من العلماء، منهم من هو عالم بالفقه وأصوله، ومنهم من عالم بالتفسير وعلوم القرآن، ولا شك أن اطلاع العالم على علم الحديث يزيد من رفعته، ويَقِيهِ من الوقوع في إيراد الأحاديث الموضوعة من غير أن يعلم...
لم يكتفِ بعض محبي الإمام الغزّالي بذلك، بل راح بعضهم تحت تأثير ردة الفعل يدافع إلى درجة أنه ليس في الإحياء إلا عشرون حديثًا فقط مال الأئمة إلى الحكم عليها بالوضع! ويبالغ آخرون في الدفاع حتى يخيل إليك أن الإمام الغزّالي نفسه كان من فرسان أهل الحديث، ومن كبار نقاد علم الحديث!
كِلا طرفَي قصد الأمور ذميمُ
أما أهل القصد والعدل والوسط، فعَرَفوا للإمام الغزّالي مكانتَه، وعَرَفوا لكتابه إحياء علوم الدين محلَّه، وأنه ليس من شرط العالم أن لا يخطئ، وقاموا بخدمة كتابه الجليل فخرجوا أحاديثه، وبينوا صحيحها من سقيمها، حتى يكون القارئ على بينة من الأمر.
وأقدم النصيحة للإخوة الطاعنين اليوم، بأن يسلكوا سبيل هؤلاء الأئمة فيخدموا الكتاب، بتوضيح درجة الأحاديث باختصار يتناسب مع العصر، أو تهذيب الكتاب واستبدال الأحاديث والآثار الصحيحة والمقبولة بما فيه من الأحاديث والآثار السقيمة المردودة، مع التعليق على ما يُرَى أنه أخطأ فيه، كما هو سبيل كل كتب أهل العلم.
منزلة الإمام الغزّالي في العلوم ما خلا علمَ الحديث:
إن الإمام أبا حامد الغزّالي رحمه الله (450 – 505) كان عالمًا جليلًا متبحرًا في عدة علوم، كالفقه وأصوله والتصوف والمنطق والفلسفة والكلام، وكل من ترجم للإمام الغزّالي نقل فيه كلام عبد الغافر الفارسي قال: حجة الإسلام والمسلمين، إمام أئمة الدين، من لم تر العيون مثله لسانًا وبيانًا ونطقًا وخاطرًا وذكاءً وطبعًا... وذَكَر عبد الغافر مكانتَه في الفقه والأصول وعلم الكلام، ثم ختم عبد الغافر الفارسي ترجمته بقوله: وكانت خاتمةُ أمره إقبالَه على حديث المصطفى ﷺ، ومجالسة أهله، ومطالعة الصحيحين، ولو عاش لسبق في ذلك الفن بيسير من الأيام يستفرغه في تحصيله. اهـ.
وقال أبو الفرج بن الجوزي: صنف أبو حامد الإحياء، وملأه بالأحاديث الباطلة، ولم يعلم بطلانها. اهـ.
وقال ابن خلكان عن الإحياء: هو من أنفس الكتب وأجملها. اهـ.
وصدر الإمام الذهبي ترجمته في سير أعلام النبلاء بقوله: الشيخ الإمام البحر، حجة الإسلام، أعجوبة الزمان.. ثم ذكر الذهبي بعض ما له وعليه، وأنه ليس من شرط العالم أن لا يخطئ. ومما قاله: ولم يكن له علم بالآثار، ولا خبرة بالسنن النبوية. وقال: أما الإحياء ففيه من الأحاديث الباطلة جملة. اهـ.
وأطال تاج الدين السبكي في الطبقات الكبرى ترجمته، وحلاه بأعظم الأوصاف، وردّ الطعون التي وجهت له، ومع ذلك قال: الغزّالي معروف بأنه لم تكن له في الحديث يد باسطة، وعامة ما في الإحياء من الأخبار والآثار مبدد في كتب من سبقه من الصوفية والفقهاء. اهـ.
فكون الإمام الغزّالي غير عالم بالحديث، أمرٌ مقرر معلوم لدى علماء الحديث، لا يختلفون في ذلك، وإنما يُحتاج بيان ذلك لبعض طلبة العلم غير المتخصصين بعلم الحديث.
ومن جملة معنى أن يكون المرء عالمًا بالحديث: أن يعرف التصحيح والتضعيف (عمليًّا لا نظريًّا)، وأن يكون عارفًا بالرواة، بالجرح والتعديل، وإذا ورد عليه راو اختُلف في جرحه وتعديله، يقدر على دراسة الاختلاف، وإذا سئل عن صحة حديث فهو يستطيع أن يعرف ويميز أصحيح هو أم ضعيف أم موضوع.
وهذا علم لم يسلكه الإمام الغزّالي، ومثله شيخه إمام الحرمين والباقلاني وفخر الدين الرازي.
فإن قيل: هل يعقل أن إمامًا في الفقه لا يعرف علم الحديث؟!
فالجواب: نعم إن هذا يعقل، وهذا وارد وواقع، وما ينبغي التردد في وقوع ذلك، فبعض الأئمة هم كبار في الفقه والأصول، لكن ليس لديهم خبرة بعلم الحديث.
وهذا واقع في كل العلوم، فتجد عالمًا بالشعر والأدب، لكنه غير عالم بالنحو والصرف، وبالعكس، وتجد طبيبًا حاذقًا في تخصصه، لكن لا خبرة له بتخصص آخر في الطب.
قال الأستاذ عبد الفتاح أبو غدة في ترجمته للإمام القرافي، في مقدمة تحقيقه لكتابه (الإحكام في تمييز الفتاوى عن الأحكام وتصرفات القاضي والإمام) ص21: الإمام القرافي الفقيه الأصولي المفسِّر المتكلِّم النَّظّار المتفنِّن المشارك الأديب. ثم قال الأستاذ عبد الفتاح ص23: ومما يلاحظ عليه - على إمامته في جملة من العلوم - خِفّةُ ذات يده من علم الحديث... ثم ذكر الأستاذ أمثلة من الأحاديث الموضوعة الواضحة، ثم قال: ولا غرابة في هذا، فكم من عالمٍ إمامٌ في علمٍ عامّيٌّ في علم آخر، وشواهدُه كثيرة، ولا يُلحَقُ بالعالم عابٌ في هذا، قال الله تعالى: {وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا}، وقال سبحانه: {وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا}. انتهى.
وقال الأستاذ عبد الفتاح أبو غدة أيضًا في تقدمته لكتاب التعليق الممجد على موطأ محمد 1/22: الإمامة في علم تجتمع معها العامّية في علم آخر، ولا غضاضة في هذا، فالعلم رزق وعطاء من الله تعالى، وهو كثير وكبير وثقيل، ولا يملك كل إمام ناصيةَ كل علم أراد معرفته، فقد قال الإمام أبو حامد الغزّالي، وتبعه الإمام ابن قدامة الحنبلي، في بعض مباحث الإجماع، في كتابيهما: المستصفى وروضة الناظر، ما معناه: كم من عالمٍ إمامٌ في علم، عامّيٌّ في علم آخر.
قال الإمام أبو حامد الغزالي في آخر رسالته قانون التأويل: واعلم أن بضاعتي في علم الحديث مزجاة. ومثل هذه الكلمة المملوءة بالتواضع، لا يقولها هذا الإمام العظيم والمِحجاج الفريد حجة الإسلام، لولا ما كان عليه من السلوك السَّنِيّ، والخُلُق السَّنِيّ، والخُلُق السُّنِّيّ. انتهى كلام الأستاذ عبد الفتاح، وكرر الأستاذ عبد الفتاح نحو هذه العبارة في تعليقاته على المصنوع للملا علي القاريْ، فانظرها على الأحاديث ذوات الأرقام (95) (96) (109) (344) (357) (414).
ولا شك أن مدلول مصطلح العامي يختلف حسب السياق، فالعامي في عرف الناس الذي لا يعرف القراءة والكتابة، والعامي في باب صلاة الجماعة هو الذي لا يتقن قراءة الفاتحة، فالعامي في علم الحديث هو الذي لا يعرف التصحيح والتضعيف، والجرح والتعديل...
فإن قيل: كتب الإمام الغزّالي طافحة بالأحاديث والآثار الصحيحة، أفلا يدل هذا على أنه عالم بالحديث؟
فالجواب: أن كثرة إيراد الأحاديث الصحيحة ليست هي معيارَ العلم بالحديث، فالعلم بالحديث معناه معرفة الصحيح من الضعيف، فقد يكون عالمٌ غيرُ متخصص بالحديث، ويهتم فلا يورد أحاديث إلا من كتب تلتزم الصحة أو كتب مخرجة ومحكوم عليها، فلا يأتي إلا بأحاديث صحيحة، ومع ذلك لا يوصف بأنه عالم بالحديث.
فإن قيل: هل وفاة رجل وعلى صدره صحيح البخاري، دليل على أنه لم يقرأه من قبل؟ فربما قرأه مرات من قبل، والآن يعيد قراءته. وقول الغزّالي عن نفسه: (بضاعتي في علم الحديث مزجاة) إنما قاله تواضعًا وهضمًا لنفسه.
فالجواب: أن المحدثين النقاد لم يحكموا على الإمام الغزّالي بأنه غير عالم بالحديث من أجل هذه القصة، أو من أجل قوله عن نفسه بأن بضاعته في الحديث مزجاة، بل حكموا عليه بأنه غير عالم من واقعه العلمي ومؤلفاته ومسيرته العلمية المسطرة، وأنه لم يتفرغ لعلم الحديث. بل لو أن طالب علم أو عالمًا قرأ صحيحي البخاري ومسلم كاملين، لا يكون بذلك عالمًا بالحديث، إنما العالم بالحديث من يعرف ويميز بين الصحيح والضعيف. وحسبُ غير العالم بالحديث أن ينقل من كتب تلتزم الصحة أو كتب مخرجة محكوم عليها، أو يسأل عالمًا بالحديث عما يريد أن يورده في تصنيفه أو في خطبته.
ثم إنك تجد الذين يريدون أن يثبتوا لك أن الغزّالي عالم بالحديث، هم أنفسهم ليسوا متخصصين بعلم الحديث! والحكم على عالم بأنه عالم بالحديث أو غير عالم، إنما يصدر من علماء الحديث، فلا يحق لفقيه مثلًا أو أصولي أو مفسر، ليس لديهم اختصاص بعلم الحديث.. ليس لهم أن يحكموا لشخص ما بأنه من أهل الحديث.
كلام العلامة عبد الفتاح أبو غدة حول الإمام الغزّالي وكتابه الإحياء:
قال الأستاذ عبد الفتاح أبو غدة في تعليقاته الحافلة على الأجوبة الفاضلة للكنوي ص118: الإمام حجة الإسلام أبو حامد الغزّالي، نسيج وحده في علوم الفقه والأصول والتصوف والكلام والفلسفة والمنطق وغيرها من العلوم، سوى علم الحديث الشريف فإنه لم يتفرغ له، وقد قال رحمه الله عن نفسه في كتابه قانون التأويل: (وبضاعتي في علم الحديث مزجاة). ولذلك تجد كتبه طافحة بالحديث الضعيف والموضوع، وخاصة كتابه الإحياء، فقد شاع فيه الحديث الضعيف والموضوع في أكثر أبوابه، ولعل عذره في ذلك أنه اعتمد فيه على كتاب قوت القلوب لأبي طالب المكي.
ومن أجل هذا نهض العلماء المحدثون النقاد بتخريج أحاديثه، وبيانها، تحذيرًا من الاغترار بما فيه من الأحاديث الضعيفة أو الموضوعة، اعتمادًا على مكانة الشيخ أبي حامد مصنِّفِه رحمه الله. فألف الحافظ العراقي كتابين، وأفرد ابن السبكي في ترجمة الغزّالي فصلًا كبيرًا جدًّا في أحاديثه التي لم يجد لها إسنادًا، واستكمل تلك الجهود المرتضى الزَّبِيدي في شرح الإحياء، ولولا تلك التخاريج لوقع أغلب قراء الإحياء في أمر مريج! انتهى كلام الأستاذ عبد الفتاح رحمه الله.
كلامٌ للعلامة عبد الحي اللكنوي يتعلق بالبحث:
قال العلامة عبد الحي اللكنوي رحمه الله في رسالته (ردع الإخوان عن محدثات آخر جمعة من رمضان): فإن قال قائل: نقلُ مَن نقَل هذه الروايات لجلالة قدرهم، ونباهة ذكرهم، كافٍ للاستناد به.
قلنا: كلا! لا يقبل حديث من غير إسناد، ولو نقله معتمد، لا سيما إذا لم يكن الناقل من نقاد الأحاديث. وجلالةُ قدره لا تستوجب قبولَ كل ما نَقَل، ألا ترى إلى صاحب إحياء علوم الدين مع جلالة قدره أورد في كتابه أحاديث لا أصل لها، فلم يُعتبر بها، كما يظهر من مطالعة تخريج أحاديثه للحافظ العراقي، وهذا صاحب الهداية مع كونه من أجلة الحنفية، أورد فيها أخبارًا غريبة وضعيفة، فلم يُعتمد عليها، كما يظهر من مطالعة تخريج أحاديثها للزيلعي، وابن حجر العسقلاني.
قال اللكنوي: قال عليّ القاريْ المكيّ في تذكرة الموضوعات: حديث (من قضى صلاة من الفرائض في آخر جمعة من رمضان كان ذلك جابرًا لكل صلاة فاتته في عمره إلى سبعين سنة) باطل قطعًا؛ لأنه مناقض للإجماع على أن شيئًا من العبادات لا يقوم مقام فائتة سنوات، ثم لا عبرة بنقل صاحب النهاية ولا بقية شراح الهداية؛ لأنهم ليسوا من المحدثين، ولا أسندوا الحديث إلى أحد من المخرجين.
قال اللكنوي: وقد بلغني عن بعض الناس لما أرسلتُ إليهم عبارة القاريْ الدالة على الوضع أنه قال: لا اعتبار للقاريْ بحذاء صاحب النهاية، فالمعتمد هو نقل صاحب النهاية لا حكم الملا عليّ القاريْ.
قال اللكنوي: وهذا قولٌ أظن أن من صدر عنه جاهل لا يعرف مراتب المحققين، ولا يعلم الفرق بين الفقهاء والمحدثين، فإن الله خلق لكل فن رجالًا، وجعل لكل مقام مقالًا، ويلزم علينا أن ننزلهم منازلهم، ونضعهم بمراتبهم.
فأجلّةُ الفقهاء إذا كانوا عارِينَ من تنقيد الأحاديث: لا نسلم الروايات التي ذكروها من غير سند ولا مستند إلا بتحقيق المحدثين.
ونقلةُ الأحاديث إذا كانوا عارِينَ عن الفقاهة: لا نقبل كلامهم في الفقه، ككلام الفقهاء المعتبرين.
وقس على هذا صاحب كل فن بكل فن، فصاحب النهاية، وإن كان من أجلة الفقهاء، لكنه ليس ببالغ إلى مراتب المحدثين، فلا نقبل رواياته بلا سند إلا إذا نص على اعتبارها جمع من المحدثين، فإن العبرة في هذا الباب بهم لا بغيرهم.
انتهى كلام اللكنوي رحمه الله.
* أما كلام الأخ القائل بأنه فتش أحاديث إحياء علوم الدين، فلم يجد إلا قرابة عشرين حديثًا فقط مال الأئمة إلى الحكم عليه بالوضع، فأتركه إلى مقالة لاحقة إن شاء الله.
جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين


