الإعراض عن المذاهب الفقهية... أسبابه وآثاره

الإعراض عن المذاهب الفقهية... أسبابه وآثاره

التصنيف: مقالات شرعية
الجمعة، ١٢ ربيع الآخر ١٤٤٧ هـ - ٣ تشرين الأول ٢٠٢٥
441

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبيه الأمين وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد،، فإن من محاسن السنوات الأخيرة عودة طلاب العلم إلى جادة التفقه بعد عقود من القطيعة مع الفقه لدى طوائف من المشتغلين بعلوم الدين.
وقد كان لتلك القطيعة أسباب وآثار؛ فمن أسبابها تلك الدعوات التي صورت الإقبال على الفقه إعراضًا عن نصوص الوحي، ومضارة لها، واحتكامًا إلى آراء الرجال، وشَوهت مذاهب الفقهاء في أذهان صغار الطلاب، وغرست في أنفسهم النفور من الفقه و كتبه وطرق تحصيله.
ومن أسباب تلك الدعوات الضعف العلمي العام الذي ساد الأمة، في الفقه وأصوله، وفي علوم اللغة العربية وفي سائر علوم الدين، ومن أسباب النفور عن التفقه كذلك نشوء الجماعات والدعوات والحركات الإسلامية؛ والتي لم يكن من صالحها إقبال أتباعها على الفقه، لأنها تريد أن تنفرد بالأتباع في زوايا بعيدة عن تأثير الفقه، تلقّنهم فيها مدونات مؤسسي تلك الجماعات والدعوات، بعيدا عن الفقه، وتربي أتباعها على العصبية لمدونات كبرائها، وتجعل ولاء الطالب لتلك الجماعات والدعوات، وتقصر احترامه وتبجيله على رموزها، فينشأ على ذلك، حتى إذا وجد بعد ذلك تعارضا بين ما تَلقّنه من أصول جماعته وبين ما حرره أئمة الفقه، نفر عن الفقه وكتبه وأئمته، واحتكم إلى كراريس جماعته أو كتيبات دعوته، لأنه تربى على أن آراء كبراء طائفته هي المعيار لما يُقبل و يُرد من علوم الدين وكتبها.
وقد أُثرت عن مؤسس إحدى الدعوات المحْدثة كلمات جافية بعيدة عن العلم والعدل في التنفير عن الفقه، تزهّد أتباعه في الكتب المعتمدة في المذهب الفقهي الذي يزعم الانتساب إليه، وتقلل من شأن فقهاء عظام شهدت لهم الأمة بغزارة العلم، ودقة الفهم، ومتانة الديانة، ثم يترك هذا المؤسس أتباعه مضطربين، ولا يدلهم على بديل للكتب التي زهدهم فيها، والتي هي عمدة المذهب عند المتأخرين، فكانت النتيجة إعراض فئام من أتباع دعوته، عن الفقه بالكلية، ونجم عن ذلك الإعراض فوضى علمية، وشر مستطير، ودماء وأشلاء.
وعلى ما عند كثير من الجماعات والدعوات الإسلامية من الخير، وعلى ما لها من الجهود المشكورة، في العلم والدعوة، فقد رأت أن المذاهب الفقهية تحول دون تمددها في أرجاء بلاد الإسلام كافة، فقدمت تلك الجماعات وتلك الدعوات نفسها كالبديل عن مذاهب الأئمة، وتساوت في ذلك المسلك الجماعاتُ التي تزعم الدعوة إلى السنة ومنهج السلف، والجماعات الحركية التي تعنى بالسياسة والحركة والتنظيم.
وبالرغم من التفاوت والشقاق بين هذه الجماعات السلفية والجماعات الحركية، فقد اتفقت كلمة الفريقين على التزهيد في الفقه، والتنفير عن التفقه، كلّ بطريقته، واختلقوا بدائل متفاوتة، تناسب اتجاهات تلك الجماعات المحْدثة، وتسهل من انتشار أفكارها.
وساد مسلك النفور عن التفقه المنهجي، وشابت في الفوضى العلمية لحى، وضاعت في ذلك التخبط أعمار، وحُرم بسببها جيل من حقه في التفقه الأصيل المنضبط الذي سار عليه الأئمة منذ استقرار علوم الدين، حتى أدرك كثير من العقلاء أن طريق الإعراض عن المذاهب الفقهية طريق مظلم، محفوف بالمخاطر، يزيد من الشقاق والتنازع، ولا يوصل إلى حقيقة الفقه في دين الله، وأن استبدال طرق التفقه التي تعارف عليها أئمة الإسلام لأكثر من عشرة قرون بطرق محْدثة غير مأمونة ليس من الحكمة في شيء، وثبت بالتجربة أن الإعراض عن الفقه نتج عنه كائنات علمية مشوهة متناقضة مضطربة، لا تفقه كثيرا من الأحكام، لعدم تمرسها بمناهج الاستنباط، وليس لها من استقامة المنهج، ولا من الضوابط والقواعد ما يقيها التخبط والاضطراب، بل أرادت أن تهدم صرح الفقه الشامخ وأن تبني فقها جديدًا، يسمونه تارة فقه (الكتاب والسنة)، وتارة (فقه الدليل) أو غير ذلك من الشعارات المزخرفة التي راجت على كثير من الصغار، ورسّخت في أذهانهم أن فقه الأئمة بعيد عن الكتاب والسنة، وأنه منقطع الصلة بالأدلة، وكان لهذا المسلك الطائش من المآسي ما لا يخفى !
وتلك من عجائب هذا الزمن الصعب الذي تعددت فيها الكشوفات العجيبة، فهناك مكتشِفٌ لفقه الكتاب والسنة، وآخر مكتشِف للتوحيد، وهكذا، ولا زالت الاكتشافات الطريفة تتوالى، وكأن الأمة قبل زماننا العجيب، لم تكن تعرف فقها ولا توحيدا، وأنها كانت في جاهلية جهلاء، وأنها قد اجتمعت على ضلالة لقرون طويلة كما فاه به بعضهم، والله المستعان !
حتى أذن الله جل وعلا في العقود الأخيرة بعودة طلاب العلم إلى دراسة الفقه المنهجي المنضبط، والتدرج في دراسة متونه وفق منهجية واضحة، مع عناية بأصوله وقواعده، وكان من آثار ذلك انتشار حفظ المتون الفقهية وإقامة المسابقات في حفظها والتباري في إتقانها؛ فهناك مسابقات خاصة بمتون الفقه، ومسابقات دولية تجمع بين حفظ القرآن وحفظ منظومات فقهية في المذاهب الأربعة، ومسابقات تجمع بين الحديث ومختصرات الفقه، وكل ذلك من شأنه أن يجعل حافظ القرآن المتقن، حافظا كذلك لمختصر في أمهات مسائل الأحكام، ولديه ذخيرة من أحاديث أدلة الأحكام؛ في تكامل يليق بطالب علوم الدين، لا تنافر فيه ولا اضطراب، ولا زهد في علم من علوم الدين الأساسية، وهل يكون طالبًا للعلم حقًا مَن أعرض عن التفقه !
إن من المبشرات عودة طلاب العلم إلى دراسة كتب المذاهب الأربعة والتنافس في حفظ متونها وضبطها، وإدراك أصولها وقواعدها، والترقي في سلم التفقه، والفهم للشروح، والعناية بالحواشي والتقريرات، والإعراض عن مزالق الفوضى التي ضاعت فيها أعمار ولم يتخرج فيها فقيه يعتد بفقهه أو يُفزع إليه في النوازل ودقائق المسائل، وعاد الموفقون من طلاب علوم الدين للتعامل مع كتب المذاهب الأربعة بالاهتمام الذي تستحقه، مدركين أنها خزانة أحكام الشريعة، التي تلقتها الأمة جيلًا عن جيل، وأدركوا أنه قد استقر في هذه المذاهب إرث الأمة الفقهي منذ زمن الصحابة إلى زماننا، وأنه قد تتابع عليها الأئمة بالدرس والتحرير، والبحث والتقرير.
وأدرك طلاب العلم أن المذاهب الأربعة ليست اجتهادات أربعة من أئمة الإسلام فحسب، وإنما هي مدارس أربع للتفقه؛ على رأس كل مدرسة إمام من أئمة الإسلام؛ جمع في مذهبه علم شيوخه وشيوخهم؛ من التابعين وأتباع التابعين إلى الصحابة الكرام، ثم تتابع أصحاب كل مذهب على العناية بمذهبهم؛ بالتحرير والضبط والتنقيح، وتناقلوه جيلا عن جيل، حتى استقرت المذاهب الأربعة في كتبها المعتمدة المباركة التي وصلتنا !
وكما حفظ الله جل وعلا كتابه العزيز بالقراء العشرة، والرواة عنهم جيلا بعد جيل، فكذلك حُفظت الأحكام الفقهية بالأئمة الأربعة واتباع مدارسهم كابرا عن كابر؛ فهل سمعتم عاقلاً يقول اليوم إنه ينبغي ألا نعتمد على روايات القراء العشرة؛ وإنما نأخذ بالكتاب والسنة، ونبحث من جديد في كتب الحديث والآثار والتفسير عن كل رواية أو وجه في الأداء فنعتمده في تلاوتنا وندونه في مصاحفنا ؟! هل يقول بهذا عاقل ؟!
لكن مثل ذلك الهراء حصل بشأن الفقه ومذاهب الفقهاء، وجهر بالدعوة إلى نبذها والتنفير عنها أناس يعدهم أتباعهم من أئمة الزمان وشيوخ الإسلام !
تلك هي قصة المذاهب الأربعة وحال أهل زماننا معها باختصار شديد، وقد كان من آثار الإعراض عنها ما نراه اليوم من ندرة الفقهاء في الأمة، ومن تطاول الجهال على الخوض في دقائق الأحكام، بنظر كليل وفهم سقيم، وتجرأ من يحمل لقبًا علميًا لا حقيقة تحته، أو من يعلم طرفًا من ظواهر النصوص على الفتوى والاستنباط، والخوض في دقائق النوازل بنظر قاصر، لا يحتكم إلى أصول ولا قواعد ولا منهج، وانبرى يروج للشاذ من الأقوال، والغريب من الفتاوى، يناطح جبال الفقه بقرنه الضعيف، ومنهجه السخيف، وفهمه السقيم.
ومن أبرز الأمثلة على الآثار السيئة للإعراض عن التفقه ابتلاء الأمة بجماعات الغلو والتكفير؛ كالقاعدة وداعش وفروعهما! تلك الجماعات التي أزهقت الأنفس، وأرهقت الأمة، وسلطت الطغاة على الدعاة، ومنحت الذريعة للأعداء لاستباحة الأمة بصورة غير مسبوقة، كان لها آثارها المدمرة على الأمة في دينها ودنياها.
وجماعات الغلو تلك مهما تباينت في التفاصيل فإنها مجتمعة على نبذ الفقه وازدراء التفقه، والنفور الشديد من المذاهب الفقهية، واحتكار (القول الراجح)، وحمْل الناس على الشدائد والعنَت، عن جهل بما يسوغ من الخلاف وما لا يسوغ، مع كبر وبغي، وتسفيه للمخالف، مهما بلغ قدره في العلم والدين، من الأحياء والأموات !
وأهم ما يهم تلك الجماعات في تثقيف أتباعها هو تدارس كراريس الغلو المحْدثة، وتلقينهم مبادئ التكفير، وما يُخرَج به المسلم من إسلامه، مع شحن الأتباع بحقد عارم على كل مخالف، والوقوف بهم عند ظواهر النصوص التي يتعلقون بها، دون فهم لحقائقها، ولا التفات لأقوال أئمة الدين في بيان معانيها، ثم يخرجون على الأمة بالتكفير والتضليل واستباحة الدماء والأموال، ويصطادون خيرة فتيان الأمة من ذوي الغيرة على الدين فيغسلون أدمغتهم، ويحشونها بغلوهم وضلالاتهم، ثم يلبسونهم الأحزمة الناسفة، ويرسلونهم ليمزقوا بها أجسادهم وأجساد من حولهم من الراكعين الساجدين، و المارة الآمنين !
ولو لم يكن للإعراض عن المذاهب الفقهية والدخول في دهاليز الفوضى العلمية إلا هذه الثمار المرة لكان حريًّا بالعقلاء أن يسعوا للعودة بطلاب العلم لجادة التفقه المنضبط والفهم المستقيم، حماية للشباب من السقوط في هاوية الغلو، وحفظًا لما تبقى من مقومات الأمة التي أثخنتها الجراح المتتالية من غلاتها، وطغاتها، وعداتها !
وكان من آثار البعد عن دراسة المذاهب الأربعة، والجهل بأصول الأئمة ومآخذهم في اجتهاداتهم، وبمواطن الخلاف وأسباب اختلاف الأئمة، أن سادت الشحناء، وضاقت الصدور، ووقعت الفتن في قضايا اجتهادية، مما يعذر به المخالف، ومما له حظ معتبر من النظر، لكن الجهل بالخلاف وأسبابه، والبعد عن الفقه وأصوله وضوابطه وقواعده، أورث الأمة شقاقا عظيما، وصل إلى بيوت الله جل وعلا، التي كانت موئلًا للسكينة واجتماع المسلمين وتآلفهم.
وبعد أن كان أهل كل بلدة مؤتلفين في طريقتهم، متفقين على الأحكام التي تنظم حياتهم وعباداتهم، صارت في المسجد الواحد مناهج متنافرة، واتجاهات متعاكسة، وطوائف متشاحنة، وأصبح لكل مجموعة شيخ، ولكل شيخ أتباع، ثم لا يلبث أتباع الشيخ (المجتهد) أن يختلفوا ويتفرقوا إلى جماعات متنافرة متناحرة، على رأس كل منها شيخ (مجتهد)، وهكذا دواليك، في تشظٍّ لا ينتهي، ووصل الأمر في كثير من الأحيان إلى الشجار والاقتتال في بيوت الله، وإلى تقاتل واغتيالات، وهكذا يصنع البعد عن الفقه بأهله، وهكذا دفع المسلمون ثمن إعراضهم عن فقه أئمة الإسلام، واتّباعهم مَن هب ودب، مِن كل مغرور معجب بنفسه، لا يُعرف له في العلم نسب صريح !

عاب التفقهَ قومٌ لا عقول لهم * وما عليه إذا عابوه مِن ضررِ
ما ضر شمس الضحى والشمس طالعةٌ * ألا يرى ضوءها مَن ليس ذا بصرِ


وأثر آخر من آثار الإعراض عن المذاهب الأربعة وهو فشو ظاهرتي التشدد والتمييع، فأخذت طائفة بالتشدد في الفتوى حتى ليبدو لك أن بعض المفتين ما خُيّر بين حُكمين إلا اختار أشقهما وأعنتهما في حق المستفتي، وهذا المسلك المتعنت يكثر عند بعض الطوائف المنتسبة للسلف، ويقابله مسلك بعض خصومهم الذين يميلون للتمييع والترخص الغث، الذي يصل حد التلاعب بالدين والعبث بأحكام الشرعية بفتاوى شاذة مخالفة لإجماع الأمة؛ وهذا المسلك يكثر عند الجماعات الحركية، وبعض موظفي الفتوى الرسمية، وأرباب الفتاوى السلطانية.
أما المذاهب الفقهية فليس فيها مذهب كله رخص، ولا مذهب كله شدائد، بل تجد الرخصة أحيانًا في هذا المذهب وأحيانًا في المذهب الآخر، وكذلك العزائم، وكل ذلك منضبط بأصول واضحة وقواعد معروفة عند أهل كل مذهب، بخلاف مسالك فوضى اللامذهبية المعاصرة؛ سواء في ذلك تشدد الغلاة و تلاعب الجفاة.
إن العودة إلى التفقه بادرة خير، وهي كذلك بارقة أمل في الخروج من الفوضى العلمية، والعودة إلى الانضباط العلمي والمنهجي، الذي يرجى منه أن يكون سبيلا لانضباط سائر أمور الأمة، واجتماع كلمتها، وخروجها من حال الهوان والضعف، فهذه الأمة أساسها الدين القويم، وهي بدون التمسك بالدين المنضبط بمناهج أئمتها، أمة تائهة، لا تعدو أن تكون دولًا متفرقة مستباحة، وشعوبًا مغيبة تائهة، وطوائف متنافرة متناحرة.
اللهم فقهنا في الدين، وردنا إليك ردا جميلا، وألف بين قلوبنا، وأصلح شؤوننا كلها برحمتك يا أرحم الراحمين.


بقلم: عبدالله بن عمر البكري

تنويه:

جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين

مقالات ذات صلة

تعريف بموسوعة مَعْلَمة القواعد الفقهية
الخميس، ١٦ صفر ١٤٤٣ هـ - ٢٣ أيلول ٢٠٢١تعريف بموسوعة مَعْلَمة القواعد الفقهية
إعداد: د. إبراهيم محمد الحريري الخبير بمعلَمَة القواعد الفقهية (مجمع الفقه الإسلامي بجدة)...
الأخذ بالرخصة
الخميس، ١٦ صفر ١٤٤٣ هـ - ٢٣ أيلول ٢٠٢١الأخذ بالرخصة
            كتبه: طه محمد فارس   الرخصة في اللغة: اليس...
(لا يفتي قاعدٌ لمجاهد) قاعدة فقهية أم بدعة محدثة
الخميس، ١٦ صفر ١٤٤٣ هـ - ٢٣ أيلول ٢٠٢١(لا يفتي قاعدٌ لمجاهد) قاعدة فقهية أم بدعة محدثة
  التأصيل الشرعي: إنَّ مقولةَ ( لا يفتي قاعدٌ لمجاهد) ليست مِن القواعد الفقهية، أو ال...