الإسلام ومراعاة مشاعر الناس- 2-

الإسلام ومراعاة مشاعر الناس- 2-

التصنيف: ركن الشباب
السبت، ٤ ربيع الأول ١٤٣٨ هـ - ٣ كانون الأول ٢٠١٦
1026

 

عدم جرح مشاعر المخطئ  

 

إنَّ الاستعجال في إصدار الأحكام على الآخرين أمرٌ ممقوتٌ يعرِّض صاحبه للزَّلل والخطأ والوقيعة في الآخرين ، وهو مخالفٌ أيضاً للمنهج الرَّباني الآمر بالتَّثبت والتَّبين والتَّبصر ، كما أنَّه بعيد عن منهج الإسلام في العفو عن المسيء وقبول عذر المعتذر . 

وفي سيرة النبي صلى الله عليه وسلم نماذجُ رائعةٌ تؤكد ذلك منها : 

ما رُوي عن علي رضي الله عنه أنَّه قال‏:‏ بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا والزُّبير والمقداد، فقال‏:‏انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ فإن بها ظعينةً معها كتابٌ فخذوه منها، فائتوني به، فخرجنا حتى أتينا الرَّوضة، فإذا نحن بالظعينة، فقلنا‏:‏ أخرجي الكتاب‏.‏ قالت‏:‏ ما معي كتاب‏.‏ قلنا‏:‏ لتُخرِجِنَّ الكتاب أو لتُلقينَّ الثياب، فأخرجته من عِقاصها( ضفيرة شعرها)، فأتينا به النبي صلى الله عليه وسلم فإذا فيه: من حاطب بن أبي بَلتعةَ إلى أناس من المشركين بمكة يخبرهم ببعض أمر النبي صلى الله عليه وسلم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ما هذا يا حاطب‏؟‏ قال‏:‏ لا تعجلْ عليَّ يا رسولَ الله، إنِّي كنت امرأً مُلْصَقاً من قريش، ولم أكن من أنفسها، وكان مَنْ معك من المهاجرين لهم‏:‏ قراباتٌ يحمون بها أهليهم وأموالهم بمكة، فأحببتُ إذ فاتني ذلك من النَّسب فيهم أن أصطنع إليهم يداً يحمون بها قرابتي،وما فعلت ذلك كفراً ولا ارتداداً عن ديني، فقال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ صدق، فقال عمر‏:‏ دعْني يا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأضربْ عنقَه، فقال: إنَّه شهد بدراً وما يُدريك لعلَّ الله اطَّلع على أهل بدر فقال‏:‏ اعملوا ما شئتُمْ فقد غفرتُ لكم. أخرجه أحمد، والبخاري، ومسلم، وأصحاب السُّنن. 

فقد أخطأ حاطب بن أبي بلتعة في ظنِّه إعلام قومه بخبر قدوم النبي إليهم لفتح مكة ، وهو خطأٌ لا يقصد منه صاحبه خيانةَ الله ورسوله , لكن انظر كيف تعامل النبي عليه الصلاة والسلام مع هذا الخطأ غيرِ المقصود ، فلم يجرحْ صاحبَه ، بل ولم يُعنِّفْه . وفي ذلك نزل قوله تعالى : {لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} المجادلة: (22) . 

وفي فتح مكة – أيضاً- كان سعدُ بن عُبادة قائداً من قوَّاد الجيش فلما نظر إلى مكة وسكانها. وتذكَّر أنَّهم الذين حاربوا رسول الله –صلى الله عليه وسلم..وضيَّقوا عليه..وصدُّوا عنه الناس..وهم الذين قتلوا سميَّة وياسر..وعذَّبوا بلالاً وخبَّاباً,,فهم يستحقُّون التَّأديب فعلاً..هزَّ سعد الرَّاية..وهو يقول:

اليومَ يومُ الملحمة * * * * * اليوم تُسْتَحلُّ الحُرمة

سمعته قريشٌ فشقَّ ذلك عليهم ..وكبر في أنفسهم..وخافوا أن يفنيَهم بقتالهم..فعارضتْ امرأةٌ رسول الله – صلى الله عليه وسلم- وهو يسير..فشكتْ إليه خوفَهم من سعد..وقالت:

يا نبيَّ الهدى إليك لجائي ‍* * * قريش ولاتَ حينَ لجاءِ 

حين ضاقت عليهم سعةُ ‍* * * الأرض وعاداهم إلهُ السَّماءِ 

إنَّ سعداً يريد قاسمة الظَّهر ‍* * * بأهل الحجون والبطحاءِ 

خزرجيٌّ لو يستطيع من ‍* * * الغيظ رمانا بالنَّسر والعواءِ 

فانهيَنَّه إنَّه الأسد الأسود ‍* * * والليث والغٌ في الدماءِ 

فلئن أقحم اللواء ونادى ‍* * * يا حماةَ اللواء أهل اللواءِ 

لتكوننَّ بالطباع قريش ‍* * * بقعة القاع في أكفِّ الإماءِ 

إنَّه مصلتٌ يريد لها القتل * * * صموت الحيَّة الصماءِ

فلما سمع رسول الله –صلى الله عليه وسلم-..هذا الشِّعر..دخله رحمةٌ ورأفةٌ بهم..وأحبَّ ألا يخيبَها إذ رغبت إليه..وأحبَّ ألا يُغضبَ سعداً بأخذ الراية منه بعد أن شرَّفه بها..فأمر سعداً فناول الرَّاية لابنه قيس بن سعد..فدخل بها مكة…وأبوه سعدٌ يمشي يجانبه..فرْفضَّت المرأة وقريش لما رأت يد سعد خاليةً من الرَّاية..ولم يغضب سعد لأنَّه بقي قائداً لكنَّه أُريحَ من عناء حمل الرَّاية وحملها عنه ابنه. محمد العريفي، (استمتع بحياتك،ص61). 

وروى البخاري عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال : "بال أعرابي في المسجد فقام الناس إليه ليقعوا فيه ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : دعوه وأريقوا على بوله سجْلاً ( دلواً ) من ماء ، فإنَّما بُعثتم مُيَسرين ولم تبعثوا مُعَسرين ". أمر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه بترك هذا الأعرابي الجاهل حتى ينتهي من بوله ، فلما انتهى، أمر أن يُراق على بوله ذَنوباً من ماء فزالت المَفسدة . ثمَّ دعا الرسول صلى الله عليه وسلم ، الأعرابيَّ فقال : "إنَّ هذه المساجد لا يَصلُحُ فيها شيءٌ من الأذى أو القذر إنَّما هي للصلاة وقراءة القرآن " رواه البخاري. 

كما روى معاوية بن الحَكَم السُّلمي فقال : "بينما أنا أصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ عطس رجل من القوم فقلت : يرحمك الله ، فرماني القوم بأبصارهم، فقلت واثُكلَ أمّيَّاه ما شأنكم تنظرون إليَّ ؟ فـجعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم ، فلمَّا رأيتهم يصمِّتونني سكتُّ ، فلمَّا صلى ، عليه الصلاة والسلام ، فبأبي هو وأمي ، ما رأيت معلماً قبله ولا بعده أحسنَ تعليماً منه ، فو الله ما كهرني ولا ضربني ولا شتمني وإنَّما قال : إنَّ هذه الصلاة لا يصحُّ فيها شيءٌ من كلام الناس إنَّما هو التَّسبيح والتَّكبير وقراءة القرآن . رواه مسلم. 

يقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "لا تظنَّ بكلمة خرجت من أخيك المؤمن شرًّا، وأنت تجد لها في الخير محملاً ". 

من كان يرجو أن يسودَ عشيرةً ‍* * * فعليه بالتَّقوى ولين الجانبِ 

ويغضُّ طرْفاً عن إساءة مَنْ أساء * * * ويحلم عند جهل الصاحبِ

فالمخطئ قبل أن نعاتبَه أو نحاسبَه لا بدَّ أن نتفهَّم سبب الخطأ, ونلتمسَ له الأعذار وفي كل ذلك لا بدَّ أن تحترم مشاعرَه حتى لا يعاند ويصبح الخطأ خطأيْن.

سَامِحْ أَخَـاكَ إِذَا وَافَاكَ بِالْغَلَــطِ ‍* * * وَاتْرُكْ هَوَى الْقَلْبِ لا يُدْهِيْكَ بِالشَّطَطِ 

فكم صَدِيْقٍ وفيٍّ مُخْـلِصٍ لَبِــقٍ ‍* * * أَضْحَى عَدُوًّا بِـــمَا لاقَاهُ مِنْ فُرُطِ 

فَلَيْسَ فِي النَّاسِ مَعْصُوْمٌ سِوَى رُسُلٍ ‍* * * حَمَاهُـمُ اللهُ مِـنْ دَوَّامَـةِ السَّقَـطِ 

أَلَسْتَ تَرْجُـوْ مِنَ الرَّحْمَنِ مَغْفِـرَةً * * * يَوْمَ الزِّحَـامِ فَسَامِحْ تَنْجُ مِنْ سَخَـطِ

تنويه:

جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين

مقالات ذات صلة

رمضان بين التضييع والاستثمار
الأربعاء، ٢٣ شعبان ١٤٣٩ هـ - ٩ أيار ٢٠١٨رمضان بين التضييع والاستثمار
 قال عليه وعلى آله الصلاة والسلام: «هذا رمضان قد جاءكم، تُفتح فيه أبوابُ الجنة...
أحكام فقهية مهمة عن رمضان يجدر أن تتعلمها النساء
الأحد، ٣٠ شعبان ١٤٣٧ هـ - ٥ حزيران ٢٠١٦أحكام فقهية مهمة عن رمضان يجدر أن تتعلمها النساء
    1.     يجب تبييت النِّيَّة كل ليلة قبل طلوع الفجر عن كل يوم من ...
ترى كيف يتخاطب الإسلاميون بعضهم مع بعض - تقويم للخطاب الإسلامي الإسلامي...
الأربعاء، ١٢ شوال ١٤٣٠ هـ - ٣٠ أيلول ٢٠٠٩ترى كيف يتخاطب الإسلاميون بعضهم مع بعض - تقويم للخطاب الإسلامي الإسلامي...
بعد يوم مليء بالزيارات المتعددة لشتى التجمعات الإسلامية قررت أن أكتب هذه الخاطرة هدفها توص...