
عني بتصحيحها ونشرها الشيخ مجد مكي
الحرية الرابعة وهي الحرية المدنية:
الحريَّة المدنيَّة تعني حريةَ الإنسان في أن يمكث في بلد أو ينتقل إلى بلد آخر، يلبس ما يشاء، يتحرك كيف يشاء.
هو حرٌّ في تصرُّفاته، ومسالكه، وهذه الحرية هي التي تضادها العبوديَّة أو الرق، لابد من كلمة سريعة هنا، عندما نتكلم عن الحرية المدنية فنحن نقصد أولاً المعاني التي عناها عمر رضي الله عنه عندما قال: (متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً) لا يمكن أن يسترق أحد أو يسجن ظلماً...كيف يقبل الإسلام هذا؟ وإذا كان رب العالمين أدخل امرأة النار في هرة حبستها فكيف...من يحبس بشراً...يحبسه لماذا؟
إنَّ مآسي الاعتقالات والمنافي والسجون لا أصل لها إطلاقاً، وإنما هي نزعات شياطين وشهوات سلاطين، وأسباب بلاء الإسلام والمسلمين ممَّن ظهروا باسمه أو انتموا له وهم كذَبة...فجَرة لا يعرفون عدلاً ولا فضلاً، أما الإسلام فقد قرَّر ضمانات موثقة لأهل الأرض جميعاً، أن يحيوا أحراراً، دون إرهاق أو إيذاء.
مرَّ عمر بن الخطاب رضي الله عنه بصبية في الطريق، فلما رأوه هربوا، لقد هابوا موكب الحاكم، لكن عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما ثبت مكانه، فقال له: لماذا لم تفر كما فرَّ غيرك؟ قال له: ليس الطريق ضيقاً فأوسع لك، ولم أرتكب ذنباً فأخافك ؟ لماذا أفر؟ الولد ولد مسلم بحق، كلام صحيح وصريح...
فتقييد حريات الناس لا يمكن قبولها من الناحية الإسلامية... الناس أحرار، ثم إن القول بأن الإسلام مسئول عن الرق كذب صُراح، بل هو نوع عجيب من الفكر، ساد الناس مع اتِّساع مساحة الجهل في القرون الأخيرة.
الحقيقة أن الغفلة انتشرت في الأمة الإسلامية في القرن الثالث عشر والرابع عشر الهجريين انتشاراً ذريعاً.
وكنَّا -ونحن طلاب- تجيئنا كراسات مكتوب على ظهرها: اغسل وجهك، اغسل يديك، اغسل كذا، وهي تعاليم منقولة عن بعض الكراسات الأجنبيَّة...
الأجانب نقلوها تقليداً عن الأمة الإسلامية يوم كانت الأمة الإسلامية تصدِّر النظافة في الأرض لأوروبا...نعم كانت أوربا بلاداً قذرة، كان الوباء الأسود يجتاحها، وكانت الوساخة شائعة معروفة بين الأوروبيين، ما تعلموا النظافة إلا من اتِّصالهم بالمسلمين، فلما بعُدنا نحن عن الإسلام واقتربوا هم من الإسلام، ترجمنا نحن هذه الإرشادات الصحيَّة، ووضعناها على الكراسات!! أليس هذا هو الوضوء الذي عندنا، لكن الجهل يعمل الكثير...
المهم أن جماعة المبشرين والمستشرقين قالوا: الإسلام هو المسئول عن الرق في العالم، مسئول عن انتشار الرق في الأرض كلها!!
هذه أكذوبة من أعجب الأكاذيب، والذي قالها افترض فعلاً أن الناس لا يقرؤون، أو افترض فعلاً أن المسلمين لا يقرؤون، لأنَّ الرق موجود في الكتاب المقدَّس عندهم، وفي الصفحات الأولى من العهد القديم...كيف يستعبد العبراني غيره؟ كيف يسترق الناس؟ كيف يثقب أذانهم ويضع فيها علامة العبودية، موجود هذا في الكتاب المقدس عندهم، وفي وصايا بولس الرسول للعبيد: (قف أمام سيدك وأنت ترتعد) هذا تقريباً نصُّ الكلمة.
والفلسفة اليونانية التي يعتزُّ بها الأوربيون، ويعدُّونها تراثهم الأول تعترف بالرق، بل إن أفلاطون لما رسم معالم مدينته الفاضلة، جعل الرقيق طبقة متميزة فيها، وأباح النساء على الشيوع!!
ويحكي التاريخ فظائع وحشيَّة عن معاملة الرومان للعبيد، وعن قوانينهم التي تفرض الاسترقاق على المدين المعسر العاجز عن الوفاء.
وقد اشتغل الأوربيون في العصور الوسطى بخطف الزنوج من أفريقية، وكانت سفنهم تتردد بين شواطئ نيجيريا وغينيا والمدن الأوربية حاملة الأحرار المخطوفين البائسين في ميادين السُّخرة!!
وقد انتقل هؤلاء التعساء وسادتهم الجدد إلى أمريكا، وعندما استطاع واشنطن أن يحرِّرهم بعد حرب شديدة، قتله أحد المتعصبين البيض! أكان الإسلام مسئولاً عن هذا البلاء كله!؟ بأيِّ عقل يقال هذا؟!
ليس في الإسلام نصٌّ باسترقاق.. إنما نصَّ بإعتاق...وكما قالوا: جاء الإسلام فوجد منابع الرق لا حصر لها أولها: الخطف، ولا مصارف للرق إلا القتل فجاء الإسلام، فحدَّد منبعاً واحداً للرق، وهو الأسر، وكثَّر المصارف التي تجلب الحريات في الزكوات، وفي الكفارات، ثم دعا دعوة شاملة لفكِّ الرقاب، ووضع تعاليم كثيرة لمصلحة أولئك المنكوبين.
وننظر فنجد أن مسألة الأسرى كان لابدَّ أن نقف فيها موقفاً فيه مرونة لأن الإسلام يشتبك مع أعدائه في قتال طويل، ولو أنَّ مسألة الرق مسألة داخلية في الأمة ربما استعجل منعها وانتهى الأمر... لكن هذه مسألة عالمية، كيف ألغي أنا الرق وأولادي يُسترقون ويباعون في الأسواق؟
إنَّ معاملة الأسرى لا تتمُّ بقرار يُتَّخذ في الداخل، وتتولى السلطة المحليَّة تنفيذه، إنَّ قواعد معاملة الأسرى تمَّت عالمياً بميثاق جنيف الذي تدخَّلت فيه الدول كلها، ووقَّعته كلها، فهذا إجراء دوْليٌّ، لكن الإسلام لما بدأ مسيرته، وعرض على الناس دعوته، يوم بدأ كان يعتبر خارجاً عن القانون، وكانت الدول تنظر إلى المسلمين على أنهم أناس يجب حصدهم واستئصالهم!! فهل يمكن والحالة هذه أن يتخذ إجراءاً شخصياً أو إجراءاً ذاتياً من عنده بمنع الرق؟ كلا، لابد أن نعامل الآخرين بنفس المعاملة التي نلقاها، فإذا رأى الآخرون منع الاسترقاق منعناه فوراً، فليس عندنا من نصٍّ بوجوب الاسترقاق.
على كلِّ حال فإنَّ الرق الفردي اختفى من ساحة العالم كما يقال... أو كما أمر القانون بذلك، لكنَّ الرق الجماعي بدأ... ودعوكم من افتراءات الدول ومن دعاياتها، الأسرى الروس في ألمانيا كانوا عشرة ملايين لم يعُد منهم غير مليون إلى بلدهم، الأسرى الألمان في فرنسا، كانوا عدة ملايين لم يعد منهم إلا القليل إلى بلده، كان قتل الأسرى وتسخيرهم في أشقِّ الأعمال هو القانون السائد، أما نحن فلنا قانون إسلامي أو إنساني كنا نعامل به مخالفينا في الدين معاملة شعروا معها بالكرامة وبالاستعلاء...
اليهود في اليمن ما كانوا يُضامون، ولعلهم الآن في إسرائيل يعاملون على أنهم مواطنون من الدرجة الثانية...
الإسلام ضمن حقوق الإنسان في المساواة وحقَّه في الحريات الأربع، وحقَّه في تكوين أسرة، وحقَّه في مستوى دخل يكفل له كرامته ومكانته الماديَّة والأدبيَّة، وحقَّه في العمل، وحقَّه في العلاج إذا مرض، وحقَّه في أمور اجتماعيَّة كثيرة.
وقد أُلِّفت -كما قلت - في هذا كتب، ووجدت مقالات كثيرة أنصفت الإسلام في هذا الميدان...ما يبقى إلا أن يُنصف الناس من أنفسهم، وإلا أن يقدِّموا من أعمالهم نماذج حسنة لدينهم...والله وليُّ التوفيق.
وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم
للاطلاع على الحلقة الخامسة اضغط هنا
جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين


