
عني بتصحيحها ونشرها الشيخ مجد مكي
نجيء للحرية الدينيَّة: الحرية الدينيَّة نور يتألق في تاريخنا، وقد عَبَّرت عنها في بعض ما كتبت بأنها اختراع إسلامي، فإن الناس قبل ظهور الإسلام لم يكونوا يعرفون الحرية الدينيَّة، بل كان الكبت وإكراه الناس على اتِّباع دين الغالب وقتل المخالف في الدين، كان هذا شيئاً عادياً.
أما الإسلام فإنه بين أنَّ التديُّن حرية لا تتحمَّل شائبة إكراه.
[وَقُلِ الحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ] {الكهف:29}.
[قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا] {الأنعام:104}.
وعندما جاء نبيُّنا صلى الله عليه وسلم يقول للناس: إنَّ الدين عند الله الإسلام، قوبل بخصومة وجفاء، فماذا قال؟ وماذا قيل له؟ وبماذا واجه المقاومة الشديدة التي كان يلقاها من الوثنيين عَبَدة الأصنام ومن أهل الكتاب اليهود والنصارى؟
تعرف هذا من قوله تعالى:[فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ للهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ وَالأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ البَلَاغُ] {آل عمران:20}. (وَإِنْ تَوَلَّوْا) لا تقل: السيف في يدي أقطع به الرقاب!! لا فإنْ تولَّوا فإنما عليك البلاغ، والله بصير بالعباد، لا تُكلَّف بغير هذا.
وإنما أمسك نبيُّنا بالسيف عندما وجد أنَّ السيف شُهر ضده، لكي يرد المؤمنين عن إيمانهم، ولكي يُنزل الويْل والنَّكال بالمستضعفين من الرجال والنساء والولدان.. كان لابد أن يقاتل.
وشغب بعض المستشرقين والمبشِّرين، وبعض الذين يمسكون بالأقلام في أيامنا، ويتَّبعون هؤلاء الناعقين، وقالوا: إنَّ الإسلام يُؤْخَذ عليه أنه خالف مواثيق هيئة الأمم في أنه لم يُبح حريَّة الارتداد، وهؤلاء الناس في الحقيقة لا يعرفون شيئاً عن حريَّة الارتداد، وإنما يردِّدون كلاماً مفاهيمه غامضة في أذهانهم، لو أن الإسلام عقيدة يدعى إليها وانتهى الأمر لقلنا :من شاء دخل فيه، ومن شاء خرج منه... لكن القضية أن هذا الدين أعطى الناس حرية الكفر والإيمان، ثم قال لهم: من حقي أن أحترم نفسي، أنا لا أُكره أحداً على دين [لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ] {البقرة:256}. لكن حدِّثوني بالله إذا تآمر اليهود فيما بينهم وقالوا: نعبث بهذا الدين، ونلعب بنصوصه، ونُشعر الناس بأننا غير متعصبين ليهوديَّتنا، فنعتنق الإسلام كي نبطل هذه التهمة، تهمة أننا متعصبون، ثم ننسحب منه ليشعر الناس بأننا انسحبنا بعدما تبيَّن لنا أن الإسلام خطأ.
مكر يهودي...يريد أن يلعب بي وبمُقدَّساتي، هل أتركه يلعب بالدين ؟ أم أقول له: أنت الآن بعيد عن الدين، ابق عنه بعيداً، أمَّا إذا حاولت أن تلعب بي تدخل في الإسلام وتخرج منه فلن تخرج سليماً:[وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ آَمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آَمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آَخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ الهُدَى هُدَى اللهِ أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ] {آل عمران:72-73} . هذا كلام اليهود، وقد مُنعوا من هذا المسلك الماكر ورفضناه، وقلنا: إنَّ الذي سيدخل الإسلام ويخرج منه مرة أخرى سيلقى عقوبته، وهذا من حقنا: لا تدخل يا أخي في دين لم تعتقد صحته. إنك لا تُكره على دين تأباه فلماذا تحاول العبث بعقائدنا؟
وشيء آخر : في أيِّ دولة من دول الأرض قيل للرعية: من حقِّ الأفراد أن تسقط الدولة وتخرج على الدستور لغير سبب!! ما قال هذا أحد!! وكل حرية مشروعة فهي مضبوطة بقانون.
الإسلام عقيدة وشريعة، أيّ دين ودولة...الإسلام إيمان ونظام...عبادة ومعاملة...
فإذا جاء إنسان، وقال داخل الدولة الإسلامية عندما يسمع الأذان: لا نريد أذاناً ولا نريد صلاة! وعندما يمرُّ في الشارع يقول: نريد حانات الخمر! وعندما يمرُّ في الأسواق يقول: نريد فتح حانات للبغاء، نريد إباحة الشذوذ... نريد كذا...
أي: يريد أن لا يبقي أي إشارة عمليَّة في شرائعه، هل إذا قال عربي أنا أريد إعطاء أرض العرب لليهود!! نقول له: أنت حر أعطها لليهود! هذا لا يمكن بداهة والدول كلها تعتبر أنَّ حرية الرأي شيء والتَّجسُّس لحساب الأعداء شيء آخر... تعتبر أن حرية الرأي شيء وخيانة الوطن شيء آخر، ففي الإسلام الوطن والدولة والعقيدة شيء واحد، فكل من حاول اختراق هذه الأسوار فهو يريد هدم الكيان كله، ولذلك ما نقبل منه هذا ولا قبله أحد.
وكل بلد فيها دستور، تجعل دستورها موضع الاحترام، وتأبى الاعتراف بمن يصادره أو من يصادمه.
في الولايات المتحدة حاول بعض علماء الذرَّة الشيوعيون أن يعطوا أسرار الذرة لروسيا، وأعطوها فعلاً وضبطوا وقُتلوا... لماذا لم يعتبر هذا من حرية الرأي... ألا يجوز انتقال أحد من اليسار إلى اليمين أو من اليمين إلى اليسار؟!!...القضية هنا أخطر...هنا الأمر يتصل بالكيان العام، ولابد من حراسة الأمة... فالحرية الدينية موجودة عندنا.
وقد وسِع الإسلامُ دينين في بيت واحد (رجل مسلم و امرأة نصرانية)، وإن كنت الآن أذكِّر بأن الإسلام عندما أباح الزواج في ظروف أنا فيها موقن بأن ذُرِّيَّتي ستكون مسلمة، وأباح الزواج على أساس أن الإسلام لن يضارّ، وأن المجتمع لن يضارّ من هذا...
أما الآن فأنا أعلم من خبرتي بأن ناساً من المسلمين ومن العرب بالذات تزوجوا بكتابيات ففقدوا أنفسهم وزوجاتهم وأولادهم ولذلك أحذر من هذا.
على كل حال الإسلام سمح بذلك ابتداء، لكن للسماحة حدود، ولا يليق أن تُسخَّر فضائلي ضدي، وأن أتزوج كتابيَّة تنسِلُ من يعاديني في ديني.
للاطلاع على الحلقة الثالثة اضغط هنا
جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين


