الإسلام وحقوق الإنسان -3-

الإسلام وحقوق الإنسان -3-

التصنيف: ركن العلماء والمناشط الإسلامية
الأحد، ٢٢ رجب ١٤٣٦ هـ - ١٠ أيار ٢٠١٥
899



1- الحريَّة السياسيَّة :

عنى بتصحيحها ونشرها الشيخ : مجد مكي


تتكوَّن الحريَّة السياسيَّة، وهي الحرية الأولى من شعبتين:
الشعبة الأولى: حقُّ الإنسان في أن يلي في مجتمعه أيَّ منصب يستحقه بكفايته، وهو ما يسمَّى في عصرنا هذا (تكافؤ الفرص)، وأرى أن الأمثلة يمكن أن توضح المراد.
في تكافؤ الفرص يروي المحدِّثون عندنا أنَّ ابني عمر بن الخطاب رضي الله عنه عبد الله وعُبيد الله، كانا في الكوفة يوم كان واليها أبو موسى الأشعري، فرحَّب بهما وحيَّاهما، وقال لهما: هنا مال للخليفة ينبغي أن يصل إلى المسلمين في المدينة، خذا هذا المال، وأوصلاه إلى عمر، واقترح عليهما أن يشتريا به بضائع رخيصة في الكوفة، يبيعانها بثمن أغلى في المدينة ويعطيان المال لأبيهما عمر أمير المؤمنين، وفعلاً اشتريا بالمال ما اشترياه، وقدَّما المال ( بعد أن أخذا الربح) إلى بيت المال، وعلم عمر رضي الله عنه بالقصة، فقال: هاتا الربح، قالوا: يا أمير المؤمنين، أموال استلفناها، وتاجرنا بها، ولو هكلت لضمناها، فما لك حق أن تأخذ هذا الربح. قال: لا! أكلُّ الجيش أسلف مثل ما أسلفكما؟ أم لأنكما أبناء أمير المؤمنين فعل معكما هذا؟ أدِّيا المال وحقه، سكت عبد الله وجادل عبيد الله، فقال أحد الجلساء: اجعلها قراضاً يا أمير المؤمنين، فأبى وقال لهما: أدِّيا المال وربحه وجميعاً، ولكن عبيد الله شرح وجهة نظره وانتهى الجدال بأن أخذا نصف الربح، وأخذ بيت المال النصف الآخر .
لقد رأى عمر رضي الله عنه أنَّ الذي حدث غير طبيعي، فما كل أفراد الجيش عُومل على هذا النَّحو، وهذا يعطيك ما يُسمَّى بتكافؤ الفرص في عصرنا هذا.


كان النبي صلى الله عليه وسلم يحب أبا ذرٍّ رضي الله عنه، ويقدِّره ويراه أصدق الناس لهجة ومن خيرهم إيماناً وأمانة، فطلب منه أبو ذر أن يوليه عملاً، قال له: (يا أبا ذر إنها أمانة، وإنها يوم القيامة تكون خزياً وندامة، إلا من أخذها بحقِّها وأدَّى الذي عليه فيها) .
فالمناصب أمانات، وكأنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم بقوله له: أنا أحبُّك لكن حبي لك يجعلني أقول لك: لا تتولَّى عملاً طول حياتك حتى ولو كان العمل تثمير مالَ يتيم، كُنْ عابداً زاهداً، واعبد الله وحدك، فلستَ الذي يصلح لرياسة الأعمال.
 إنَّ الرسول صلى الله عليه وسلم يعرف ملَكات الرجال النَّفسيَّة وخصائصهم الفكريَّة والروحيَّة، ويعرف الطبيعة الحادَّة الصريحة الحاسمة لأبي ذر، وفقدانه المرونة الإدارية، فأبى أن يوليه الأعمال...


معنى هذا: أنَّ المناصب أو الوظائف ما يُولَّاها أحد لا بحَسب ولا بقرابة ولا بمحاباة ولا برغبة... إنما يُولَّاها بكفايته؛ لأنها أمانات ومسئوليات. والحساب عند الله شديد على جميع الولايات... 
هذه هي الشعبة الأولى من الحرية السياسية، والكلام فيها يطول ولابد من إشارات فقط.
الشعبة الثانية: في الحريَّة السياسيَّة أساسها أن نعرف الحياة وطبيعتها الحياة كما قال المتنبي:


كلما أنبت الزمانُ قناة=ركَّب المرء في القناة سنانا


الحياة مليئة بالمظالم، ومليئة بسُعار الرغبة المجنونة في الاستيلاء على كل شيء، كل امرئ يتطلَّع إلى المزيد يطلبه لنفسه وأهله.
والعراك في الحياة قلما تضبطه ضوابط الشرف.
والضعيف أول من يسقط في الطريق...فهل هذا مجتمع غابات أو مجتمع بشر؟؟!!
 المجتمع البشري يجب أن يكون فيه الحُرَّاس على الأخلاق والشرائع، المدافعون عن حقوق الضعاف، المحامون عن معالم الطريق المستقيم، الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر.


 يجب أن يكون في كل ناحية مُذكِّر جهير الصوت عالي النَّبْرة، إذا رأى الحق ضعيفاً، انتصب باسم الله حتى ينتصر الحق وحتى يهزم الباطل، وإذا رأى الخير مهزوماً تألَّم، وظلَّ يكدح حتى ينتصر الخير وينهزم الشر..
 المجتمعات المنافقة هي المجتمعات التي تمتلئ بالملق والمجاملة والنفاق، ويروج فيها الرياء، وتموت فيها الصراحة، ويقلّ العطاء، ويخرس فيها إحقاق الحق وإبطال الباطل، تلك طبيعة المجتمع المنافق كما عبر القرآن الكريم: [
المُنَافِقُونَ وَالمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ المَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ المُنَافِقِينَ هُمُ الفَاسِقُونَ] {التوبة:67}. هنا يبدأ الإسلام تذكيره بحقوق الإنسان، وضرورة الحفاظ عليها، وضرورة إطفاء الشهوات والأهواء التي تعصف بها، كلمة الحق لابد أن تقال.


واستمع لقول النبي صلى الله عليه وسلم ينذر المجتمعات التي يخفت فيها صوت الحق أو تهان مطالبه: (لا تُقدَّس أمَّة لا يُقضى فيها بالحق، ولا يأخذ الضعيف فيها حقَّه من القوي غيرَ متَعتَع ) . وفي رواية عن أبي سعيد كما في "سبل السلام" : (كيف تُقدَّس أمَّة لا يأخذ ضعيفُها من قويِّها) .
كيف؟ تساؤل له مغزاه العميق من النبي صلى الله عليه وسلم: كيف تقدَّس؟ لقد ضاعت هيبتها ومكانتها وهذا هو السرُّ في أنَّ أول ما خطب أبو بكر رضي الله عنه قال: (
الضعيف فيكم قويٌّ حتى آخذ الحق له، والقويُّ فيكم ضعيف حتى آخذ الحق منه) . وكان من تكريم الحقِّ في ديننا أنْ قال الله فيه: [وَلَوِ اتَّبَعَ الحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ] {المؤمنون:71}.
الحق لابد من إحقاقه، المجتمعات المنافقة المجرمة هي التي يداس فيها الحق وتُكمَّم الأفواه، إنها مجتمعات منافقة، ليست مجتمعات إسلام أبداً.
ويُربَّى المؤمن منذ نعومة أظفاره على الجراءة، وعلى أن يقول الحق: (لا تمنعنَّ أحدكم مهابة الناس أن يقول الحق إذا علمه) هذا تعليم الرسول لنا صلى الله عليه وسلم...حديث النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الموضوع يخبرنا أن المسلم الساكت يجيء يوم القيامة، فيقال له: ما منعك أن تقول كذا؟ يقول لله: مهابة الناس؟ يقول الله له: إيَّاي كنت أحق أن تهاب. كان يجب أن تهابني أنا.
قل الحق...لابدَّ أن يُحرس المعروف، وأن يُحرس الخير، وأن يُحرس الحق، وكما يغار ذو الغيرة على شرفه، ويبذل النفس والنفيس دون أن يستباح الشرف، كذلك ينتصب المسلم لحماية الحقِّ في العقيدة، أو في شئون الأموال والدماء والأعراض، هذا هو المجتمع الإسلامي.
ومن هنا كانت قاعدة الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر أصيلة فيه.


وظاهر أن الأمم لا تلزم مستوى واحداً، وأنَّ المجتمعات لابد أن تعتلَّ، وتعرض لها بين الحين والحين أزمات في الضمائر والأخلاق، ويضع الرسول صلى الله عليه وسلم علامة تنذر بمصاير الأمم المفرطة فيقول: (إذا رأيت أمتي تهاب أن تقول للظالم يا ظالم فقد تُودِّع منها) .
إذا ذهبت لمريض ورأيت حالته تثير اليأس؛ لأن النَّفَس يتردَّد فيه ويوشك ألا يعود إلى صدره، فقد يئست منه: ودَّعته، كذلك الأمة الإسلامية يوم تفقد ملَكة الشجاعة، ولا تقول كلمة الحق، فإنها أصبحت أمة هالكة تُوُدِّع منها...ليست ذات رسالة ولا ذات كرامة.


فالحقوق السياسيَّة للأفراد - وقد علمت أنَّ أساسها إقامة العدل، وتكافؤ الفرص، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والتَّواصي بالحق والصبر وما إلى ذلك - ...هذه كلها مُقرَّرات إسلامية بديهيَّة، نعرفها من سلفنا الراشد، ونقرؤها في كتاب ربنا وسنَّة نبينا صلى الله عليه وسلم، وفي عصرنا هذا قامت هيئة الأمم المتحدة، واهتمت بما أسمته (ميثاق حقوق الإنسان).
وقد ألَّف أستاذنا الدكتور علي عبد الواحد وافي كتاباً حسناً في حقوق الإنسان في الإسلام ، وجئت بعده بنحو عشر سنين أو أكثر ، وكتبت (حقوق الإنسان بين تعاليم الإسلام وإعلان الأمم المتحدة).


والواقع بأني أشعر بأنَّ حقوق الإنسان كما كتبت في هيئة الأمم المتحدة هي سواد في بياض، أو هي حبر على ورق وإلا فإن النظرة السليمة التي نادت لم تجد السواعد القويَّة التي تؤازرها وتُنفّذها، وتُسعد الأمم بها.


وفي ظل هيئة الأمم المتحدة وحقوق الإنسان والاحتفالات النظرية بميلاد هذه الحقوق لا زال الإنسان الفلسطيني تائهًا لا يُعترف له بحق، ولا تزال أمم إسلامية منهوبة الخيرات، ولا تزال التفرقة العنصريَّة حقيقة واقعة، ولا زال الجنس الأبيض يشعر بأنه سيد العالم.


لقد ازدهرت في العالم حضارات كثيرة، و تنقَّلت في عواصم شتى، وقادتها أجناس مختلفة، وكنا نحن المسلمين أصحاب المدنيَّة التي قامت مدنية الغرب على أنقاضها، إننا أسْدينا خيراً كثيراً للناس، وكنا داخل أرضنا نموذجاً للنظافة والنظام اللذين لم تعرفهما أوربا إلا أخيراً جداً!!
يقول كاتب حاقد على العرب – فليب حتَّى – الماروني المعروف : إنَّ قرطبة كانت ممهَّدة الشوارع تضاء بالمصابيح من الجانبين وعلى امتداد أميال خارج نطاقها، في الوقت الذي كان من يخرج من بيته في باريس تغوص قدمه في الوحل! ولم تبلغ باريس مبلغ قرطبة في الارتقاء العمراني إلا بعد قرنين من الزمان.


والواقع أنَّ الحضارة الغربية الحديثة مصابة بداء الغرور والنسيان معاً، وربما ظنَّ البعض أنَّ شرَّها محدود، ولكن الإحصاء المؤكد لما سُفك من دماء في ظل هذه الحضارة، ولما قُهر من مستعمرات، ولما استُبيح من حُرمات، يجعلها حضارة مدمِّرة جديرة بالتواري والاضمحلال.
وأيَّاً ما كان الأمر فإن الحضارات البشريَّة لم يحتكرها – كما أسلفنا – جنس معيَّن، بل انتقل قيادها على امتداد التاريخ من بلد إلى بلد.
ويجوز جداً - بل أنا أنتظر بفروغ الصبر -أن تصل إلينا القيادة مرة أخرى... 
لماذا؟ لأن الأوربيين فرطوا في حقوق الإنسان، وظنوها بضائع محلية تحتكر عندهم، ولا تصدَّر للخارج، فهم يتعاملون بينهم بها وفي الوقت نفسه يضنُّون على الأجناس الملونة، وينظرون إلى المسلمين بحقد شديد، ويعاملون الهنود والسود معاملة شائنة.
إنَّ الجنس الأبيض افترى في هذه الأيام، وضلَّ عن سواء السبيل، والله سبحانه وتعالى جعل ألوان الناس من أبيض وأسود وأحمر وأصفر من آياته، ودلائل قدرته، جعلهم كالورود في الحديقة، الحديقة فيها الورد الأبيض، والأصفر والأحمر وكلها ألوان سواء في الحسن، وروعة الدلالة على صانعها.


لندع الحرية السياسية بشقَّيها فالكلام فيها يحتاج لمحاضرة مستقلة كي نجيء بالعناصر الوافية لكلِّ ما قلناه بإجمال!

للاطلاع على الجزء الثاني من المقال اضغط هنا

 


 

تنويه:

جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين

مقالات ذات صلة

بيان مؤتمر العلماء الأول بدمشق - تاريخ 11-13 رجب 1357هـ
السبت، ٢٩ ربيع الأول ١٤٣٤ هـ - ٩ شباط ٢٠١٣بيان مؤتمر العلماء الأول بدمشق - تاريخ 11-13 رجب 1357هـ
  الفكرة العامة الموجبة للمؤتمر        لما كان ...
ما أشبه الليلة بالبارحة - كلمة رابطة علماء سورية
الأربعاء، ١٢ شوال ١٤٣٠ هـ - ٣٠ أيلول ٢٠٠٩ما أشبه الليلة بالبارحة - كلمة رابطة علماء سورية
ما أشبه الليلة بالبارحة        كان بيان رابطة علماء بلاد ال...
تعريف بكتاب الجامعة الرمضانية للأستاذ عبد الله مسعود - صدور كتاب جديد عن رمضان
الأربعاء، ١٢ شوال ١٤٣٠ هـ - ٣٠ أيلول ٢٠٠٩تعريف بكتاب الجامعة الرمضانية للأستاذ عبد الله مسعود - صدور كتاب جديد عن رمضان
تعريف بكتاب الجامعة الرمضانية صدور كتاب جديد عن رمضان للأستاذ عبد الله مسعود. يقدم الأست...