
عنى بنشرها وتصحيحها الشيخ : مجد مكي:
عندما أتحدَّث عن البند الأول من قضيَّة حقوق الإنسان في الإسلام، أتحدَّث عن تساوي الناس في الحقوق والواجبات، وهي تعتبر من بديهيات الإسلام، فإن الإسلام اعتبر البشر جميعاً عباداً لله سبحانه وتعالى، وهو يُنْميهم إلى أصل واحد، ولهذا فكل من تحدَّث عن كلمة التوحيد، وجدها إفراداً للخالق بالعظمة والعلو، ومساواة بين الناس في الاتِّباع والكرامة، فعقيدة التوحيد الوجه الأول لعملة وجهها الثاني حقوق الإنسان.
فإنَّ من يسجد لله بقلبه، ينتصبُ أمام الخلق بهامته، والذي يحسُّ العبوديَّة لله وحده لا يعرف أبداً أن يكون عبداً لواحد من خلقه.
القلب الإنسانيُّ لا يتَّسع لشعورين متَضادّين متقابلَين [مَا جَعَلَ اللهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ] {الأحزاب:4}. إنه قلب واحد وهما شعوران متناقضان أحدهما يذهب الآخر حتماً .
إذا عرفت الله كنتَ حراً فلمْ تُخضعك لا رغبة ولا رهبة، وما أكثر ما تستبدُّ بالناس عبادة الرَّغبات والرهبات.
ويعجبني قول مهيار الديلمي :
ملكتُ نفسي مذ هجرتُ طبعي=اليأس حر والرجاء عبد!!
إنك متى يئست من الناس أصبحت حراً لا تتبع أحداً، وأنا يئست من الناس لأني أمَّلت في الله وحده، وفهمت معنى قوله تعالى:[ قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ المُتَوَكِّلُونَ] {الزُّمر:38}.
فالعبوديَّة إذا خلصت لله فلن يكون الإنسان عبداً لشيء آخر.
قيل للشيخ عبد المجيد السليم، شيخ الأزهر الأسبق رحمه الله تعالى: إنك تقول كلاماً فيه خطورة ! فقال: ما خطورته؟ ...أيمنعني من التردد بين بيتي والمسجد؟ قالوا: لا...قال: فلا خطر إذاً...أي خطورة؟ هذا رجل حدَّد ما يطلب من الدنيا فلمَ يُستَعبد الناس الآن؟!! والذي يمد يده لا يمدُّ رجله، والذي يمدُّ رجله لا يمد يده...هكذا الدنيا! هكذا الناس.
والذين وضعوا حقوق الإنسان، تناولوا قضايا كثيرة، وشرحوا المواطن الصحيحة للمساواة المنشودة، فلا مساواة بين نشيط وكسول، أو ذكيٍّ وبليد.
ثم إنَّ ضياع الحقوق لا يُغني عن أداء الواجبات، ولو أنَّ كل امرئ أدَّى ما عليه ما ضاع لأحدٍ حقّ.
وأرى أن أتكلم الآن عن الحريات؛ لأن الحاجة ماسَّة إلى هذا الحديث في العالم الذي نعيش فيه.
قالوا الحريَّات أربع: الحريَّة السياسيَّة، والحريَّة الدينيَّة، والحريَّة العقليَّة، أو العلميَّة، والحريَّة المدنيَّة.
وسأجعل حديث الليلة حول هذه الحريَّات لا إحصاء لما يقال فيها، بل نظرات عَجْلى لبعض ما يدلّ عليها.
للاطلاع على الجزء الأول من المقال الرجاء اضغط هنا
--------
- قال الذهبي في " السير" 17 : 472: "مِهْيَارُ بنُ مَرْزَوَيْه أَبُو الحَسَنِ الدَّيْلَمِيُّ الفَارِسِيُّ الأَدِيْبُ، البَاهِرُ، ذُو البَلاَغَتَيْنِ، أَبُو الحَسَنِ الدَّيْلَمِيُّ، الفَارِسِيُّ. كَانَ مَجُوْسِيّاً، فَأَسْلَمَ، فَقِيْلَ: أَسلمَ على يد الشَّرِيْفِ الرَّضِيِّ فَهُوَ شَيْخُه فِي النَّظمِ وَفِي التَّشَيُّع، فَقَالَ لَهُ: ابْنُ بَرْهَان: انتقلتَ بِإِسلاَمِكَ فِي النَّارِ مِنْ زَاويَةٍ إِلَى زَاويَةٍ، كُنْتَ مَجُوْسِيّاً، فَصِرْتَ تَسُبُّ الصَّحَابَةَ فِي شعرك. وَلَهُ دِيْوَانٌ، وَنظمُهُ جزلٌ حُلو، يَكُون دِيْوَانُهُ مائَة كُرَّاس. تُوُفِّيَ سَنَةَ ثَمَانٍ وَعِشْرِيْنَ وَأَرْبَعِ مائَةٍ".
جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين


