
عني بنشرها وتصحيحها الشيخ مجد مكي:
نحمد الله، ونصلي ونسلِّم على سيدنا محمد وآله، أما بعد: فأحبب أن أتناول الرجال الذين تحدَّثوا عن حقوق الإنسان بكلمة أرى أنها واجبة.
فكم تعجبني المعادن الإنسانيَّة النفيسة، وتزدهيني خصائصها، وأنا في هذا أتأسى بصاحب الرسالة الخالدة عليه الصلاة والسلام، الذي قدَّر لأولي الإباء والنجدة مواقفهم وتراثهم عندما قال: "لقد شهدت في دار عبد الله بن جدعان في الجاهليَّة مع عمومتي حلفاً لو دُعيت به في الإسلام لأجبت" ، يعني حلف الفضول، وحلف الفضول أساسه رجال شرفاء معادنهم النفسية رفيعة القدر.
المعدن النفسي النفيس، يجعل الإنسان إذا وجُد ضعيفاً مُحْرجاً سعى ليقف إلى جانبه ووجد راحته في مساندته، بل شعر بخزي أن يتركه وحده يواجه حاضره المقلق ومستقبله الحزين...
الإنسانية الراقية أو الفطرة السليمة تكمن في هذا النوع الصالح من الناس.
لا أظنُّ البشريَّة تُكرَّم في الألوف المؤلفة التي تزحم البر والبحر من الذين يسعَون وراء مآربهم الضيقة، ويخاصمون أو يسالمون من أجل منافعهم أو مغانمهم، لا، ما ترقى الإنسانيَّة بهذا الركام من البشر، إنما ترقى الإنسانيَّة بهذا الصنف الذي تلمع أخلاقه في ظلمات البيئة لتضيء لها الطريق.
كنت أقرأ في شعر صدر الإسلام فوجدت الأشتر النَّخَعي يدعو على نفسه دعوات جديرةٍ بالدرس والتأمُّل، يقول:
بَقَّيتُ وَفْري وانحرفتُ عن العُلا=ولَقيتُ أضيافي بوجهِ عَبُوسِ
إنْ لم أشُنَّ على ابنِ حربٍ غارةً=لم تَخْل يوماً من نِهَاب نفوس
الرجل يدعو على نفسه بأن يكون بخيلاً، ويدعو على نفسه بأن يكون جباناً، وأن يلقى الأضياف بوجه عابس إذا لم يفعل كذا وكذا...
ما هذه الخصائص الخلقية التي تجعل امرءاً يحسُّ الهوان الآدمي إذا لم يكن على مستوى عالٍ من البذل والعطاء؟؟
إنَّ النكوص وطلب السلامة خسَّة لا تليق به، هذا شأن المعادن النفيسة عندما تُختبر.
أذكر وأنا أتحدَّث عن حقوق الإنسان، لا في دار الإسلام فقط، بل في أرض الله كلها، أن هناك جهوداً كثيرة جديرة بالتقدير، فعندما أرى لجنة كلجنة العفو الدولية تناصر المظلومين حيث كانوا، وتغضب لما ينزل بهم فلابد أن أثني عليهم وأحترم نشاطهم.
إنهم لا يدينون ديننا، ولكنهم شغلوا أنفسهم بالإنسانيَّة، فإذا رأوا متألماً نقلوا تأوهه حتى يقرع كل أذن، ويصل إلى كل قلب، ومزقوا الأستار التي يصنعها الطغاة حول مآسيهم كي تخفى.
أنا ما عرفت أنَّ عشرةً من علماء المسلمين قتلهم الشيوعية في أحد البلاد الإسلامية ومثَّلوا بهم لأنهم غضبوا لتمزيق قوانين الأسرة، وعطلوا شرائع الميراث وآيات الله محددة في هذا الموضوع، ما علمت أنهم قتلوا وحرقوا إلا من لجنة العفو الدوليَّة!!.
أجانب، لكن وجدوا الشجاعة في أنفسهم كي يحتجُّوا، والغضب للإنسان المضطهد المهان، فشرعوا يصيحون كأنَّ الألم الذي نزل بالقتلى سرى إلى أعصابهم هم، وحزَّ في جلودهم هم، فهم
يصيحون بينما وجدنا ناساً من جلدتنا سكوتاً، وربما هزُّوا أكتافهم ومَطُّوا شفاههم كأنَّ الأمر لا يعنيهم.
كم نحتاج لهذه المعادن الغالية.
و"الناس معادن" كما قال عليه الصلاة والسلام، "خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا" .
ومن العجب أنَّ المعادن النفيسة في المعنويَّات والعقليَّات والروحانيَّات تشبه في قلتها الذهب والفضة والماس.
والمعادن الكريمة لا توجد على كثرة، ولكنها توجد على أية حال في الجاهلية وفي الإسلام، ويهبها الله لمن شاء لهم رفعة المكان وحسن الذكرى، عندما قال النبي صلى الله عليه وسلم لأشج عبد القيس: (إنَّ فيك خصلتين يحبُّهما الله ورسوله... الحِلْم والأناة)، قال الرجل: خصلتان جَدَّتا فيَّ أم جبلني الله عليهما؟ قال: (بل جبلك الله عليهما )، قال: الحمد الله على خصلتين يحبهما الله ورسوله .
ليس الشرف مالاً ممدوداً وسلطة واسعة وكلمة نافذة، الشرف هو هذا الخلق، نعم هذا المعدن الكريم هو الشرف وهو الفطرة السليمة، وهو الدعامة الأولى للتديُّن الصحيح.
ليس الإسلام صوراً جوفاء وبواطن خربة، وإنما هو سجايا شريفة، وخلائق نبيلة، وعبادات مثمرة، وتقوى ترقب كل سلوك، وتضبط كل اتِّجاه، هذه هي الفطرة التي فطر الله الناس عليها في ميدان العقائد والقيم والأخلاق والشمائل والمثل، الإسلام هذه الفطرة.
والأصل الفطرة أن يولد الطفل سليم العينين، سليم الجلد نقيَّهُ، سويَّ المشاعر، مُزوَّداً بأمارات الصحَّة، وبشتّى الأجهزة القادرة على العمل.
فمتى تتلاشى الفطرة وتذهب؟ عندما يفسق الأب، ويصاب مثلاً بالزهري، وينسِلُ ولداً مُشوَّهاً، ضاعت عيناه أو ضاعت أسنانه أو ضاع جلده.
إنَّ الأمر كذلك في المعنويَّات، فكما تُشوَّه الفطرة في أجسام الناس وأجهزتهم وحواسهم، تُشوَّه أيضاً الأرواح والعقول والأفكار، فلا تكون سليمة الجوهر صائبة الوجهة.
المرءُ يولدُ مكتملَ الاستعداد للخير، لكن تتعاون ظروف كثيرة على تشويهه ومسخه، فإذا حفظ الله امرءاً واستبقاه سليم الفطرة فستجده في القطبين، في الأمريكيتين، في آسيا وأوروبا، ستجده صاحب ضمير يقظان، وصاحب بصيرة واعية، وستجده يقول كلمة الحق ويدافع عنها.
والذين تحدَّثوا عن حقوق الإنسان في بلاد كثيرة، ربما أصاب بعضهم وربما أخطأ، ولكن هم على الإجمال أصحاب فطرة سليمة... فيهم بقايا من ديننا وبقايا من عقائدنا، أما جماهير المسلمين الذين شوَّهت أرواحَهم أمراضُ الجهل والفقر والمرض، وأمراضُ الذل والضياع، والعقد التي جاءتهم من شرق وغرب، هؤلاء ضاع الإسلام منهم؛ لأنه يوم تضيع الفطرة السليمة فلا إسلام.
الإسلام ليس تمثالاً حجرياً...الإسلام خُلق ينبض، وحقوقٌ تُطلب، وعقائد تتنفس، وإنسان حيٌّ يعرض كل ما يملك من نفس ونفيس في سبيل تشريف رسالته، وخدمة إنسانيَّته، ومدِّ أنوار الفطرة التي ذرأها الله في كيانه، وجعل علَمها وخاتَمَها وحاملَ معدنها الأصيل محمد بن عبد الله عليه الصلاة والسلام، الذي جعل الله في ميراثه من كتابٍ وسنَّةٍ، كلَّ ما تنشده الإنسانيَّة من حقوق، وكلَّ ما تهفو إليه أو تبحث عنه من مُثل عليا.
قلت: إنها الفطرة السليمة، وهي التي جعلت الذين يكتبون ميثاق الحقوق في عواصم أوربا، ينقلون كلمة حفظناها عن سلفنا الأوَّلين، لا أدري أهو تشابه الفطرة أم هو النقل الثقافي؟ ربما كان هذا أو ذاك، لكن كون ميثاق هيئة الأمم المتحدة يبدأ بكلمة كأنما نقلت حرفياً من تراثنا وهي: (يولد الناس أحراراً متساوين في الحقوق والواجبات).
كلمة (يولد الناس أحراراً) تكاد تكون نقلاً حرفياً من استفهام سريع لعمر بن الخطاب رضي الله عنه، أحد أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم وأحد تلامذته الأوائل، وهو يقول لوالي من الولاة: (متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً) ؟؟!!
كلمة لم يقلها عمر بن الخطاب، وهو ممسك بقلم يتأنق في صوغ العبارة، أو يكدُّ ذهنه لكي يأتي بحكمة بليغة. لا... لقد جاءت عفو الخاطر، جاءت أثراً طبيعياً لتربية سليمة عالية، تربية المدرسة المحمديَّة، قالها عمر ببساطة لأحد الحكام الذين رآهم انحرفوا عن النهج الإسلامي، فيما نسب إليهم من معاملات.
(ولد الناس أحراراً) هي الفطرة السليمة في الحقيقة، ولو أن هذه الفطرة وجدت من يجلِّيها في بلادنا ومن يكتبها خلقاً وسلوكاً، لا حبراً على ورق، لكان لهذه الكلمة امتداد غير ما وصلت إليه في بلادنا، لكنها لم تجد من يعطيها حقها.
إنَّ البحث عن الحقيقة دائب لا ينتهي في شتى الميادين، ولعلنا قرأنا اليوم في إحدى الصحف كيف أن أكبر عالم اقتصاد أعلن إسلامه لما عرف أنَّ الإسلام هو الفطرة تتنفس، وقال: عيب الإسلام في أولئك الذين يجهلونه من أبنائه، ولا يرتفعون إلى مستواه، وما أكثر الشعوب التي انتمت إلى الإسلام ولم تحسن العمل به.
وأرى بعد هذا التقديم الطويل أن أتحدَّث عن حقوق الإنسان في الإسلام، إنها حقوق كثيرة، ولذلك سأكتفي بالإشارة العاجلة.
---------
( 1) ألقيت بقاعة الاحتفالات أمام دار الكتب القطرية بتاريخ 10من ربيع الأول 1404هـ، الموافق 14من ديسمبر1983م.
(2 )الداعية الإسلامي المعروف في جميع أنحاء العالم.
تخرج في الأزهر عام 1941م، وعمل خطيباً في جامع الأزهر وجامع عمرو بن العاص، وغيرها سنوات طويلة – وكان يؤم المسجد الذي يخطب فيه عشرات الآلاف من المصلين الذين يتتلمذون عليه ويعملون للفكرة الإسلامية.
عمل أستاذاً للدعوة في كليات الأزهر، ومديراً للدعوة بوزارة الأوقاف بمصر، وأستاذاً للدعوة في مكة المكرمة وأستاذا في زائراً في جامعة قطر.
داعية إسلامي عمل في حقل الدعوة نحو نصف قرن، وقد رافق نشوء الحركة الإسلامية الحديثة في مصر، وشارك في رسم سياستها، كما شارك في الإعداد لمعركة رمضان سنة 1393هـ.
ألف نحواً من أربعين كتاباً.
كتب في العقيدة، وفي السلوك الإسلامي، وفي التعصب والتسامح، وفي الأخلاق، وفي الاقتصاد وفي الطاقات المعطلة، وفي أحقاد الاستعمار، وفي السيرة النبوية، وفي فن الذكر والدعاء، وفي هموم الدعاة، وفي الإجابة عن الأسئلة التي تهم المسلمين، وفي الاستبداد السياسي، كما ردَّ على الكتب التي تحمل فكراً بعيداً عن الإسلام.
جاءت كتاباته في الدعوة الإسلامية الحديثة من أرض المعركة وبأحد أسلحتها، وكانت كتبه ومقالاته ومحاضراته، ودروسه تواجه التحديات الداخلية والخارجية على حد سواء.
يرى الاستفادة من جميع الاتجاهات الفكرية على أساس من فقه سليم للكتاب والسنة.
يرى الاستفادة من العلم الغربي بكل جوانبه على أن يوضع استخدامه في الإطار الإسلامي.
يرى أن مشكلة المسلمين الأساسية تكمن في التمزق الثقافي، وقد عرض له وبيَّن أسبابه، ورسم طريق العلاج للتخلص منه..
3) رواه البيهقي في الفيء والغنى (6/ 367)، وقال الحافظ ابن حجر في "نتائج الأفكار" (5/ 9): وهذا مرسل، وقد وصله الواقدي من وجه آخر فقال: عن طلحة، عن عبد الرحمن بن أزهر، عن جبير بن مطعم. ووصله الزبير بن بكار من حديث عائشة. وسند كلٍّ منهما ضعيف، لكن يتقوَّى بهما المرسل.
4) قال الذهبي في " سير أعلام النبلاء" 4 : 34: " ملك العرب ، مالك بن الحارث النخعي ، أحد الأشراف والأبطال المذكورين.
حدث عن عمر ، وخالد بن الوليد ، وفقئت عينه يوم اليرموك ، وكان شهما مطاعا زعرا، ألب على عثمان وقاتله ، وكان ذا فصاحة وبلاغة ، شهد صفين مع علي ، وتميز يومئذ ، وكاد أن يهزم معاوية ، فحمل عليه أصحاب علي لما رأوا مصاحف جند الشام على الأسنة يدعون إلى كتاب الله . وما أمكنه مخالفة علي ، فكفّ .
ولما رجع علي من موقعة صفين، جهز الأشتر واليا على ديار مصر ، فمات في الطريق مسموما ، فقيل : إن عبدا لعثمان عارضه ، فسم له عسلا . وقد كان علي يتبرم به ; لأنه كان صعب المراس ، فلما بلغه نعيه قال : إنا لله ، مالك ، وما مالك ! . وهل موجود مثل ذلك؟ ! لو كان حديدا ، لكان قيدا ، ولو كان حجرا ، لكان صلدا ، على مثله فلتبك البواكي .
وقال في " العبر" 1 : 33 في وفيات سنة 38 : " وفيها مات الأشتر النخعي. واسمه مالك بن الحارث. بعثه علي على مصر. فهلك في الطريق فيقال إنه سم، وإن عبداً لعثمان لقيه فسقاه عسلاً مسموماً. وكان الأشتر من الأبطال الكبار. وكان سيد قومه وخطيبهم وفارسهم".
5) الوفر: المال ،والمعنى: بقَّيت مالي ولم أنفقه في ما يكسبني الذكر ورفع القدر.
6) يدعو على نفسه بما يكسبه سوء الثناء إن لم يفرِّق الغارة على ابن حرب يعني معاوية بن أبي سفيان.
- متفق عليه: رواه البخاري في أحاديث الأنبياء (3353)، ومسلم في الفضائل (2378)، عن أبي هريرة رضي الله عنه.
- رواه أحمد (39/490) وقال مخرجوه: إسناده ضعيف لجهالة، عن الوزاع بن الزراع العبدي رضي الله عنه، ورواه مسلم في الإيمان (17) عن ابن عباس رضي الله عنه بلفظ : "... إن فيك خصلتين يحبهما الله: الحِلم، والأناة ".
- رواه ابن عبد الحكم في فتوح مصر صـ 195 قال: حُدِّثنا عن أبي عبدة عن ثابت البناني وحميد عن أنس، ويظهر من السند أن فيه انقطاعا بين ابن عبد الحكم وأبي عبدة. وذكره ابن عبد الهادي في " محض الصواب في فضائل أمير المؤمنين عمر بن الخطاب" (2/ 473).
جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين


