النجدة كلمة جمیلة المبنی جلیلة المعنی، قلیلة الحروف كثیرة المغزى، وهي من أجلِّ الصفات الخلقیة وأعز الفضائل الإنسانیة ، تجعل صاحبها حلیماً كریماً واسع الصدر، قلیل الكلام، كثیر العمل، ودوداً شفوقاً رحیماً، لا یتحلی بها إنسان إلا كان كامل النفس عالي الهمَّة، حَسَن المعاملة ، سبَّاقاً للخیر ،مقداماً فی الشدائد ، یغیث الملهوف ویعین المنكوب ویواسي الفقراء، ویمدّ ید المساعدة للضعفاء والعاجزین ویرفق بهم.
وهي التی تدفع إلى إنقاذ الغریق مع ما فی ذلك من التعرض للخطر الجسیم، هي التی تسیر بك سراعاً لتساعد الشیخ الفانی، وتعین العاجز المسكین، بل هي التي تحمل الشخص علی التضحیات فی النافع المفید وبدل النفس والمال والإیثار فی كل الأمور.
ولقد كانت تلك الصفة السامیة من أبرز الصفات الخلقیة عند العرب، فكانوا مطبوعین علی حب المروءة والنجدة حریصین علی حمایة المستجير وإغاثة الملهوف.
یحدثنا التاریخ أن أمیر المؤمنین المهدي ثالث خلفاء الدولة العباسیة أهدر دمَ رجل كان یسعی فی إفساد دولته وجعل لمن یقتله أو یأتیه به مائة ألف درهم فلبث الرجل زمانا خائفاً یترقب، وبینما هو یسیر متنكراً في بعض دروب بغداد إذ یبصر به رجل كان یعرفه، فأخذ بیده، وقال: بغیة أمیر المؤمنین، فاجتمع الناس وجهدوا أن یطلقوه فلم یقدروا، فمرَّ به - وهو في تلك الحالة - معن بن زائدة فناداه الرجل ، وقال له:یا أبا الولید أجرني أجارك الله ،فقال معن لبعض غلمانه: انزل عن دابتك واحمله إلى منزلي ،فقال الرجل الذي أمسك به : أتحول بیني وبین طلبة أمیر المؤمنین ؟!!
قال معن: إذهب إلى أمیر المؤمنین وأخبره إنه عندي، فذهب الرجل وأخبر المهدي أنه عند معن فبعث إلیه من یحضره فركب معن، وقال لمن خلفه من غلمانه: لا یخلص إلى هذا الرجل أحد وفیكم عین تطرف فإنه فی جواري.
فلما دخل معن علی المهدي سلّم، فلم یرد علیه السلام، وقال له : أتجير عليَّ یا معن، قال: نعم، قال: ونعم أیضاً؟فقال معن: یا أمیر المؤمنین لقد قتلت فی طاعتكم بالیمن خمسة عشر ألفا، ولي أیام كثیرة عرف فیها بلائي وغنائي أفلا تراني أهلاً لأن یوهب لي رجل واحد استجار بي؟
فأطرق المهدی ملیاً ثم رفع رأسه وقد سري عنه وقال:قد أجرنا من أجرت یا أبا الولید، فقال معن : فإن رأى أمیر المؤمنین أن یصله فیكون قد أحیاه وأغناه، فقال: قد أمرنا له بخمسین ألف درهم ، فقال: یا أمیر المؤمنین إن صلات الخلفاء تكون علی قدر جنایات الرعیة، وإن ذنب الرجل عظیم فأجزل له الصلة، قال : قد أمرنا له بمائة ألف درهم،قال معن : إن رأى أمیر المؤمنین أن یعجِّلها فإن خیر البر عاجله، قال: قد عجَّلناها له فأخذها وانصرف بها إلى الرجل، وكانت سبباً فی صلاح حاله وعودته إلى سالف طاعته وخدمته لدولته.
ولقد قصد الإسلام فی جمیع أحكامه إلى إصلاح حال الناس وتمكینهم من الخیر والفوز برضا الله عز وجلَّ، فأشاد بهذه الصفات الجمیلة، ودعا الناس إلى التخلق بها كي یحقق الأخوة الإنسانیة والمودة الكاملة بین المسلمین، وأمرهم بالبر والمعروف، وحسبنا فی ذلك قول الرسول صلی الله علیه وسلم فی الضعفاء والمرضی: «إنما تنصرون وترزقون بضعفائكم»، وقوله فی معاونة الضعیف المسافر : «الضعیف أمیر الركب» ،وقوله : "اتقوا الله فی الضعیفین المرأة الأرملة والطفل الیتیم»
ومن أجل الفقیر والمسكین والمحتاج والمحروم فرض الله الزكاة فی المال والزروع حتى یجد الفقیر بغیته والمسكین حاجته وتفتح لهم فی الحیاة سبل قیِّمة وترتبط القلوب برباط متین من رباط الإحسان والرأفة والرحمة، فلیس شیء أحب إلى القلوب من الإحسان یغرس الحب فی شغافها ویستعبدها، وهو نوع من التعاون علی البر والتقوى الذی أمرنا الله به فقال سبحانه :[وَتَعَاوَنُوا عَلَى البِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ شَدِيدُ العِقَابِ] {المائدة:2}.
وفی جمل أربع وصفت السیدة خدیجة رضی الله عنهارسول الله صلی الله علیه وسلمبصفات المروءة والشرف وعلوا الهمة وأقسمت علی ذلك استناداً علی ما عرفته من شریف خصاله صلى الله عليه وسلم التی یجمعها نصرة الحق ومعونة الخلق واستمع لها حیث تقول له حینما رجع إلیها یرجف فؤاده وقد نزل علیه الوحي: «كلا والله لا یخزیك الله أبدا،إنك لتصل الرحم ،وتحمل الكل ، وتكسب المعدوم، وتقری الضعیف، وتعین علی نوائب الحق»فكان صلی الله علیه وسلم باراً بأهله وصولاً لرحمه یتحمل شئون العاجز الذی لا یستقل بنفسه بل یحتاج إلى عائل يعوله ویكسب المعدوم ویعطی المحروم مالا یجده ویعین علی نوائب الحق ویساعد من نابته نائبة تستحق المعونة.
ولقد بیَّنت السیدة خدیجة فی هذه الجمل الأربع شمول بره صلى الله عليه وسلم للقریب والبعید وللعاجز والقادر والمحروم والواجد، ولم یترك الرسول صلی الله علیه وسلم ناحیة من نواحی الخیر للناس إلا دعا إلیها وحثَّ علیها فقال: «علی كل مسلم صدقة،قیل: أرأیت إن لم یجد؟ قال: یعتمل بیده فینفع نفسه ویتصدق، قیل: إن لم یستطع ؟قال : یعین ذا الحاجة الملهوف»
وقد حثَّ القرآن الكریم علی البر والتطوع وتفریج كرب المكروبین ،فقال تعالی:
وقال صلی الله علیه وسلم «من نفَّس عن مؤمن كربة من كرب الدنیا نفَّس الله عنه كربة من كرب یوم القیامة، ومن فرّج علی معسر فرّج الله علیه فی الدنیا والآخرة، والله فی عون العبد مادام العبد فی عون أخیه «وقال» المؤمن للمؤمن كالبنیان یشد بعضه بعضا»
ولا تقف المروءة والنجدة عند حدود البر بالفقراء ومد ید المساعدة للمعوزین، بل من أبرز آثارها : التأهب والاستعداد وجمع القوی لدفع العدوان ورد غائلة المغیر علی الأوطان إذا ما دق ناقوس الخطر، والتفاني فی سبیل حمایة النفوس وبذل كل مر تخض وغالٍ للذود عن كیان المجتمع.
وقد كان هذا شأن المسلمین الأوائل إذ كانت قلوبهم تنطوي علی الغیرة الشدیدة علی دینهم وكرامتهم، وكانوا لا یدَّخرون وسعاً فی الذود عن الواجب وتأیید الحق مهما یكلفهم ذلك من التضحیة، ولا تفتر عزائمهم فی أي موقف من المواقف، ولم نزلزلهم الحوادث ولم تقرعهم الأهوال والخطوب، بل ظلوا یصرعون الباطل حتى مكَّن الله لهم من عدوهم وأصبحت كلمة الله هی العلیا.وكلمة الذین كفروا السفلی.
ومن خیر الأمثلة التی تسوقها دلیلاً علی التناصر والنجدة فی تاریخ السلف الصالح: ما فعله سيدنا أبو بكر الصديق رضي الله عنه إذ تبرع بخمسة ألاف دینار لمساعدة جیوش المسلمین، وما فعله سيدنا عثمان رضي الله عنه من شراءه بئر رومة كانت لیهودي فی المدینة فاشتراها وسلمها للمسلمین، ولقد جهز جیش العسرة إلى تبوك وأنفق فی ذلك عشرة آلاف دینار وجهز ألف مجاهد ولم تمر به جمعة منذ أسلم إلا ویعتق رقبه. وفیه نزل قوله تعالی:[الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ] {البقرة:274}
أیها الرجل السعید : كُن رحیماً بغیرك.وأشعر قلبك الرحمة بالضعفاء.
وبعد: فإن علی القادرین الأقویاء أن یحسنوا إلى البائسین ویمدوا ید المساعدة إلى الفقراء والمعوزین وینجدوا المكروبین ویغیثوا المستغیثین، ویجیروا المستجیرین، ویمسحوا دموع الأشقیاء، ویرحموا من في الأرض یرحمهم من فی السماء، [وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ] {التوبة:105
وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم
المصدر : مجلة منبر الإسلام السنة السابعة محرم 1369 المجلد الأول.
تنويه:
جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين