الأنبياء و التغيير

الأنبياء و التغيير

التصنيف: ركن الشباب
الأربعاء، ٢٩ شوال ١٤٣٤ هـ - ٤ أيلول ٢٠١٣
1064

بقلم : عبيدة حلاق
 

أولاً – نظرة في واقع قوم شعيب:

كان قوم شعيب أمة كافرة تسكن في مدينة مدين في أطراف الشام من ناحية الحجاز و كانوا يعبدون الأيكة – نوع من الأشجار – و كانوا يقطعون الطريق, و يخيفون الناس, و كانوا يبخسون الناس أشيائهم, و يخسرون و يطففون الموازين, و المكاييل, و انتشر بينهم سوء الخلق, و الفحشاء, و كانوا يمنعون من أراد أن يؤمن من أن يهتدي إلى الطريق القويم ... فأرسل الله إليهم نبيه شعيباً عليه السلام مرشداً, و داعياً هادياً, إلى الله و آمراً بالتغيير ... و يقول الله تعالى :

(وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءهُمْ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ وَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ) الأعراف 85 - 86 .

ثانياً – نظرة في واقع قوم لوط:

لقد اختلت المقاييس عند قوم لوط, فصاروا يأتون الرجال شهوة ًدون النساء ... ناهيك عن الشرك بالله, و قطع الطريق, و كانوا يتواصون بالإثم, و يتناهون عن المعروف, و يخونون الرفيق, و لا يدخل القرية غريب, إلا و ينال ما ينال من الأذى و القتل, و لا يقرون الضيف ... و أصبح الإيمان و حسن الخلق عندهم عاراً يستوجب الطرد من قريتهم ... فما كان من الله إلا أن أرسل إليهم نبي الله لوطاً داعياً إياهم إلى التغيير في بنيتهم الأخلاقية و المجتمعية المريضة و التي تخالف الفطرة الإنسانية السليمة التي فطر الله عليها الناس ... حيث يقول تعالى :

(كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلَا تَتَّقُونَ * إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ * فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ * وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ * أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ * وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ) الشعراء 160- 165.

ثالثاً – نظرة إلى موسى عليه السلام مع فرعون:

أثناء حياة يوسف عليه السلام في مصر, تحولت مصر كلها إلى توحيد الله تعالى و عبادته ... و لكن بعد وفاته عاد أهل مصر, إلى ضلالهم, و شركهم ... أما أبناء يعقوب, فضل من ضل منهم, و بقي على التوحيد من بقي ... ثم حكم مصر رجل جبار هو فرعون, و كان المصريون يعبدونه من دون الله, و تجبر, و طغى, و عاث في الأرض فساداً ... و كان يقتل أطفال بني اسرائيل (أبناء يعقوب) و يستحيي نساءهم, لورود خبر إليه, أن نبوءة لديهم تتحدث عن أن واحداً منهم سينهي حكم فرعون ... ففي هذه الظروف كان الله تعالى يعد موسى, و يعد له لمهمة التغيير الكبرى في الواقع المعاش, لتحويل الأنظار إلى وحدانية الله, و تخليص القوم من العذاب ... فأرسل موسى عليه السلام إلى فرعون داعياً حيث يقول الله تعالى مخاطباً نبيه:

(اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى *  فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى *  وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى ) النازعات 17 - 19.

رابعاً – نظرة إلى شبه الجزيرة العربية ما قبل الإسلام :

في هذا العهد اهتزت عقيدة التوحيد, و انتشرت عبادة الأصنام, و إن سألت كبارهم قالوا ليقربونا إلى الله زلفا ... و انتشرت عملية وأد البنات و هن أحياءً ... و اهتزت القيم الأخلاقية للدين من جذورها ... و بالنسبة للديانات السماوية الأخرى تم تحريفها من قبل أهلها ... و لم يبقى سوى فئة صغيرة من الموحدين الذين يؤمنون بالله تعالى, و مجيء الرسول محمد صلى الله عليه و سلم ... و هنا كان لابد من التغيير و كان إرسال خاتم الأنبياء و الرسل محمد صلى الله عليه و سلم ليقوم بتغيير البنية المجتمعية للجزيرة العربية و العالم أجمع بما يتناسب مع دين الرحمة و الشمول دين الإسلام ... حيث يقول الله تعالى :

( وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ ) الأنبياء 107.

( هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ ) الجمعة 2.

( لَقَدْ مَنَّ اللّهُ عَلَى الْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ   آيَاتِهِ َو يُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ ) آل عمران 164.

و قوله صلى الله عليه و سلم : ( إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق ) رواه أحمد.

خامساً – نظرة في القرآن :

التغيير ذكر في القرآن الكريم صراحة في قوله تعالى :

(إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ) الرعد 11.

و تقدير الآية ( أنكم إن سعيتم للتغيير فلابد لكم من التهيئة, و الإعداد, و التغيير النفسي, حتى تستطيعوا الوصول لمبتغاكم المنشود, في تغيير واقعكم للأفضل, و في الوقت ذاته إن تغيرت نفوسكم للأسوء, فإن الله سيغير من واقعكم باتجاه تغير نفوسكم عقاباً لكم أو رداً لكم للصواب), و يمكن الإستنتاج هنا أن التغيير عبارة عن شقين نفسي و آخر عملي و هو مرهون بالإرادة, فلا يكفي أن تكون نفوسنا مهيئة للتغيير دون عمل يوافق و يطابق الإعتقاد, بل لابد و أن يؤخذ بالأسباب المؤدية لحدوث التغيير.و قوله عز وجل :

 ( ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ ) الأنفال 35.

و في هذه الآية الكريمة نجد أن التغيير مرهون بتغير النفوس و أن الله تعالى لا يمكن و أن يغير حال عليها البشر إلا أن يبدؤا هم بالتغيير من أنفسهم.

 

سادساً – نظرة في حديث رسول الله :

لقد وضع رسول الله صلى الله عليه أسساً ربانية للتغيير في قومه و العالم أجمع فكان رائد التغيير الشامل, في بنى المجتمع كلية, و لنا في سيرته صلى الله عليه و سلم الدروس العملية للتغيير, و ذكر عليه الصلاة و السلام بعض الأحاديث المتعلقة بالتغيير نذكر منها  :

( من رأى منكم منكراً فليغيره بيده, فإن لم يستطع فبلسانه, فإن لم يستطع فبقلبه و ذلك أضعف الإيمان) رواه مسلم.

( إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق ) رواه أحمد.

و هذان الحديثان فيهما دليل و اضح و دعوة صريحة للتغيير.

النتيجة

أنه عندما اختلت العقيدة في صدور البشر و اهتز التوحيد من أركانه العميقة و اختلت الفطرة البشرية التي توافق ذلك, و عندما كانت تحدث عملية تدمير للأرض في جانب من جوانبها ( الأخلاقية – البشرية – الإقتصادية - ... ).

أي بمعنى آخر عند تهديد أحد المقصدين الكبيرين ( التوحيد – إعمار الأرض ) من عمقهما و من أركانهما البعيدة, كان لابد لمالك الكون و ربه أن يتخذ الإجراءات المناسبة للتغيير إما في البنى التي تنهار و تهتز و إما يقوم بتغيير و استبدال القوم أنفسهم إن رفضوا التغيير الذي يحفظ ملكه و يحفظ مصالح الخلق الدنيوية و الأخروية و هذه سنة الله في كونه و لا مبدل لكلمات الله.

و حيث أن التغيير لابد له من أدوات و مرشدين فكان إرسال الرسل و الأنبياء داعين القوم للتغيير في بناهم الآيلة للسقوط أو أن الله سيعاقبهم و يستبدلهم بأقوام آخرين.

و مما تقدم يمكن الجزم بأن الرسل في حقيقة الأمر ما كانوا إلا دعاة تغيير, بتأييد رباني, و مهما تعددت أسباب بعث الرسل و الأنبياء, فإنها بالمجمل تشكل دعوة للتغيير, في المنظومة الإعتقادية, و الأخلاقية, و الإجتماعية, و الإقتصادية, و كل ما يمس الفرد و المجتمع, للإنتقال به من وضع شاذ يخالف الفطرة البشرية إلى وضع تعتدل فيه كفتا الميزان بين الفطرة البشرية و الواقع العملي, بما يصلح حال الدنيا و الآخرة.

تنويه:

جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين

مقالات ذات صلة

رمضان بين التضييع والاستثمار
الأربعاء، ٢٣ شعبان ١٤٣٩ هـ - ٩ أيار ٢٠١٨رمضان بين التضييع والاستثمار
 قال عليه وعلى آله الصلاة والسلام: «هذا رمضان قد جاءكم، تُفتح فيه أبوابُ الجنة...
أحكام فقهية مهمة عن رمضان يجدر أن تتعلمها النساء
الأحد، ٣٠ شعبان ١٤٣٧ هـ - ٥ حزيران ٢٠١٦أحكام فقهية مهمة عن رمضان يجدر أن تتعلمها النساء
    1.     يجب تبييت النِّيَّة كل ليلة قبل طلوع الفجر عن كل يوم من ...
ترى كيف يتخاطب الإسلاميون بعضهم مع بعض - تقويم للخطاب الإسلامي الإسلامي...
الأربعاء، ١٢ شوال ١٤٣٠ هـ - ٣٠ أيلول ٢٠٠٩ترى كيف يتخاطب الإسلاميون بعضهم مع بعض - تقويم للخطاب الإسلامي الإسلامي...
بعد يوم مليء بالزيارات المتعددة لشتى التجمعات الإسلامية قررت أن أكتب هذه الخاطرة هدفها توص...