(عمر بهاء الدين الأميري 1916 م – 1992 م)
زعموا أنَّ الشعر بابه الشر فإن دخلَ محيطَ الخير ضَعُف ولانَ، وكذبوا! هلا أبصروا روائع الشعراء المسلمين في كل العصور؟ ابتداء بحسان وأصحابه إلى الجواهري والزهاوي والماحي وصاحبنا (عمر بهاء الدين الأميري) وليت الطاعنين يضعون ما أنتجه الأخير أمام آثار (فلان) و(علان) من بغاث البشر المستنسرين في أرضنا، إلى متى هذه الانتكاسات الثقافيَّة، والارتكاسات الأدبيَّة؟ كأنَّ مُؤامرة مُدبَّرة للقضاء على أعلام الإسلام وشعرائه، ولكن الشمس الوهَّاجة أكبر من أن يحجبها إنسان ناهيك أنَّ الحقائق خالدة، إن تَنَكَّر لها جيل تذكرتها أجيال.
لقد ابتغى المُحْدَثون (الانحطاط) بكلِّ معانيه، وقلبوا الموازين إرضاءً لشهواتهم، ولأني أعلم علم اليقين أنَّ الله سبحانه غالبٌ على أمره، لا أخشى على الأصلاء الأطهار تقلّبات الدهر.
ومع واحد من الذين جعلوا الإسلام في قلبهم وقالبهم نلتقي، لعلَّ الله يفتح به أغلاق القلوب، ويهدي به.
إنَّه الرجل الإنسان (عمر بهاء الدين) وهو المسلم المربّي الذي اكتوى بنار الحادثات فأصبح أكثر ثباتاً، وأوفر إيماناً، وأقوى عَزيمة، وما أخال أحداً يكتم كلمة الحق حين أشهد أنه (شاعر الإسلام المعاصر بلا مُنازع) وحسبك أن الدكتور (أربري) في (مختارات من الأدب العربي) اختار قصائده ودُرِّسَت في جامعة (كمبردج) ولا تجد إنساناً سَجَّل شُعورَه الإيماني، وانطباعاته الشخصيَّة بصدق ورَوِيَّة مثله.
لم يَكُ ماديَّاً تافهاً بل كان مثالياً أخلاقياً، انظر في دواوينه: (مع الله – أنين وحنين - ألوان طيف - أشواق وإشراق – من وحي فلسطين) ماذا تجد؟
سترى صورة شعريَّة تتفاعل مع صاحبها وتؤلِّف كيانَه الحي فيها نزعات الجسد، واضطرام العواطف، وانطلاق الخيال، وقوَّة التفكير، وصلابة الإرادة، تتعهَّدها شاعريته الصادقة فتوفق بينها وتعرضها في صورة شَيِّقة وترتفع إلى التألق.
اسمعه يشدو:
فكَّرتُ في آلاميَ الناميه = وفي أمانيَّ وأحلامِيَهْ
وفي طريقِ الغيبِ أشتَفُّه = وفي مجاهيل الغدِ الغافيهْ
وثمَّ في الحيْرة ساحَتْ بِيهْ = عوالمُ الأكوان أفكاريهْ
فصحتُ مأخوذاً بإبداعها = وسيرها هاديةً واعيه
حاشاه أن ينقضيَ خلاَّقها = تَرْكِيَ فيها ذرَّةً نابيهْ
إنَّه ينفلت من قيود الزمان والمكان، ليصل إلى ما تحتَ الغيب، بفراسته ولكن دينه يجبره أن لا يُفصح عن الأسرار، يكتفي هنا بالتأمُّل ومُعالجة الفكر ثم ارتأى الكون بما فيه يجذبه للتذكرة، فيناغي الكائنات بوجدانه ربما يحرِّك القلوب إلى بارئها، فتَفِيقُ من سُباتها.
وفي قصيدته (مدى) يقول:
بصر إذا فاق كنه البصر = إذا سما لله في نظرتهِ
حائماً حول شعاب القدر = يتصدى لسنا بسمته
بؤرُ النور ونورُ البؤر = منجم الإشراق في نبعته
نظر ينفذ عبر الستر = ويرى الحق على فطرته
من مرائيه التماع الظفر = وائتلاق النور من وَهجته
إنَّ خياله مُطلق، لا يعرفُ حداً، ولكنه يشعرك هنا بالأدب مع الله، فليس من المعقول أن تنظر لله نظرتك لمثلك، ولعله أخذ المعنى من مفهوم قوله الله: {قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ} [الأنعام:151]. إنَّه يطمع في نور من الأشعَّة الوضَّاءة، حتى يكشف الحقائق فيرى ما يريد، والنور في كل شيء من كائنات الله: {اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} [النور:35].
ولغة الأميري وبلاغته لا تحتاج إلى تعليق، يقول الأستاذ (محمد المبارك): (وجدت فيه مزيجاً مُنسجماً من صور الفن، ووهج العاطفة، ولباب الفكر وسبائك اللغة). والصورة البيانية في قوله (بؤر النور، ونور البؤر) تنبئ عن معدنه الأصيل في البلاغة العربية.
شاعر عالمي ينطق بلغة القرآن، إذا أردت أن تجد له موضعاً بين شعراء الغرب المجيدين فلن تتردَّد في مُساواته بلامرتين وجوته وأليوت وشللي، ولا غرو فأشعاره تتحدى يقول:
أيها الروح كيف أطفي غليلك؟ = حرتُ والله ما الذي أصطفي لك؟
يا جموحاً تنكب الأرض ليسعى = في السماوات، لا ضللت سبيلك!
وطموحاً مناه هدت كياني = أتراني محاولاً تذليلك؟!
أيجدُ الإنسان بعد هذه المناجاة أي أثر للريبة في الصدق؟ كلا! بيْد أنَّ شاعرنا يجد المخرج لأزمته الداخليَّة التي هي من علائم رقَّتِه. وروحه لا تجيب فيغدو آيساً حتى يهرب من الأنا الداخلي إلى اللاشعور فيشدو:
قد تعجلت من دناه رحيلك = غير أني مسائل حين تمضي!
من لأهل الآلام يبقى بديلك؟ = لست أخشى عليك تخفيف كون
ولا يغيبُ عن بالنا أنَّ (الألم) هو الركنُ الركين، الذي تَأوي إليه القرائح في أنَّاتها وهَمَسَاتها، وفي شعرنا العربي آلاف الأبيات التي آثرت هذا المضمار، وإذا وجد الإيمان بالله تحولت نتائج الآلام إلى منتهى الإبداع والتوافق بين النفس والروح، والشعور واللاشعور!.
وشاعرنا يؤمن بالمبادئ والمثل: ويصرف كل غال ورخيص في سبيل تحقيق ذلك وما أبلغه حين يقول:
الهول في دربي وفي هدفي = وأظل أمضي غير مضطرب
ما كنتُ من نفسي على خَوَر = أو كنتُ من ربي على رِيَبِ
ما في المنايا ما أحاذره = الله ملءُ القَصْد والأَرَبِ
إنَّه لا يخشى قارعات القدر، ولا يهتزُّ لمآسي الأيام ما دام لا يرتاب في نصر الله تعالى، وإنَّ الله لناصره لأنَّه معه: {وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ} [الحج:40]. ومن ذا الذي يكون الله ملء نفسه ثم يخشى قدره؟!.
إنَّ هذه الأبيات تُعطي دلائل قاطعة على مذهبه الأخلاقي، ومن حسن الطالع أنَّ شعره عن العروبة والإسلام، كفيل بخلوده ما دام الإسلامُ خالداً، وكأنَّه كان يُعاصر الأحداث العربيَّة اليوم، فينادي أمَّة العرب بالتحلي بالفضائل، والتخلي عن الرذائل، حتى يصلحوا لأداء رسالة الهداية للبشرية جمعاء.
قادة العرب هذه فرصة العمر = وهذا نداء مجد الجدود
وحِّدوا العرب بالذي وحد العرب = قديماً من شرعة التوحيد
أنقذوا الكون من تحكم هذا البغي = فيه وفتكه المنكود
أنقذوه من التنافس بين الشرق = والغرب في صراع مُبيد
قد ضوى جسمه فكونوا دواء = وشفاء لجسمه المكدود
كنتم خير أمة أخرجت للناس = هدياً ورفعة في الوجود
إنَّه يتحدث بمنطق الإسلام، وماذا يُريد الناس من الإسلام؟ وفاقد الشيء لا يعطيه، لقد تغرَّب العرب عن دينهم اليوم، ومحال على الدواء المسموم أن يعالجَ الداءَ العُضَال! فهل آن للمسلمين أن يتناسوا خلافاتهم ويعودوا إلى إسلامهم؟!.
لا ريبَ أنَّ الشعر يَسمو فوق النزوات والشهوات، ويرتفعُ على الأخلاق الفاضلة خَفَّاقاً وإذا كانت أغراض الشعر في عالمنا المعاصر تفوحُ منها نتانة الجنس، وقَذَارة الإلحاد فإنَّ هؤلاء حادُوا عن مهمَّة الشعر التي رسمَ منهجَها الدينُ الإسلامي، ولله در القائل:
إذا الشعر لم ينشرْ مكارم قومه = فلا حمدت منه المكارم مشهدا
و(عمر الأميري) بنى بنات فكرِه على لَبِنَات الإيمان فصدق مع نفسه وقومه ومجتمعه، ومما يوحي بالإعجاب قصيدته التي هجمَ فيها على الاشتراكيَّة، وقد وضع عنوانها: (الإسلام وكفى!)، ومنها قوله:
الاشتراكيون لست إمامهم = علم تفرد في العوالم شرعه
بهوادة أو بالتطرف جاءوا = فذو كل الفلسفات مراء
حقاً: ليس الرسول صلى الله عليه وسلم إماماً لثلة أباحت حمى الإنسانيَّة، فهتكت الحرمات والأعراف، في (أفغانستان)، واستباحوا الحقوق الإنسانيَّة، ولا أجد في شعرائنا مثيلاً لصاحب (ملحة الجهاد – ملحمة النصر – ملحمة ابن زيدون) الذي قاومَ الغزو بأفكاره العُليا ومن حين لآخر يروض عن نفسه، في بحبوحة أنيقة لا تغضب رباً، ولا تعطل فرضاً، يقول: (لو أرهفَ بصيرٌ بصيرتَه، وتأمَّل حالَ هذا الإنسان، لرأى في غضون ملحه ومرحه شجوناً... وأي شجون؟ ولقدر كيف تنقلب بشاشته في جلوته أسى في خلوته وكيف تنقض عليه؟). ومن تمام الإنسانيَّة المزاح الذي يخفي الحقيقة ويرهف الهموم:
تعالَ نضحك يا أخي = ونسرد النوادرا
وانسَ معي هنيهة = شكواك دهراً غادرا
فهذا شعر (الأميري) وماذا يَبقى في الشعر بعد هذه اللوحات التي هي بيد الله يُصوِّرها كيفما يشاء؟ وألم يأن للشعراء أن يُراجعوا ضمائرَهم واضعين هذه الموازين تحت أبصارهم؟.
وما من كاتب إلا ستبقى = كتابته وإن فنيت يداه
فلا تكتب بكفك غير شيء = يسرك في القيامة أن تراه
وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
مجلة: (منبر الاسلام، السنة التاسعة والثلاثون، رجب 1401 - العدد 7).
جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين


