لقد أردنا من خلال هذا العرض وتلك المفارقة بين من يصنع عدوًّا خارجيًّا للحفاظ على مجتمعه وتوحيد صفه، ومن يصنع عدوًّا داخليًّا هو الأخ والجار والصديق والزميل ويفجر مجتمعه ويفخخه أن نوضح أن الأمن القومي أصيب في مقتل. فالمجتمع يحتاج إلى جميع أبنائه المخلصين، ولن يستطيع فصيل أو مؤسسة أن تقوم وتنهض بهذا الوطن وحدها.
--------------------------
إذن فالحوار مع الشعب وعدم استخدام القوة في الأمور السياسية وعدم شيطنة الآخر والبحث عن المشترك -وهو كثير... كل ذلك وغيره هو الضمانة لهذه الشعوب حتى تنهض من جديد وتستعيد مجدها.
ولنعلم أن هذا الصراع والخلاف والشقاق المستفيد منه هو العدو الصهيوني المغتصب لأرضنا والمتنمر لنا، الذي يعيش أسعد أيامه بهذا الخلاف، وأن الرصاص الموجه إلى صدور أبنائنا كان الأولى به أن يوجه إلى العدو الصهيوني.
عداء الإنسان لأخيه الإنسان قديم قِدَم الإنسان نفسه، فلم تكن أخوة الرحم مانعًا من أن يعادي قابيل أخاه هابيل، بل ويدفعه هذا العداء إلى ارتكاب جريمته الشنعاء بإقدامه على قتل أخيه.
ولما نشأت المجتمعات والدول، وظهر الساسة والقادة؛ تطور هذا العداء ليصبح بين الأمم والشعوب والدول.
وأية دولة -صغرت أم كبرت- لا تخلو من عدو يتربص بها، ويتحيّن الفرص للانقضاض عليها.
وهذا العدو قد يكون عدوًّا داخليًّا أو خارجيًّا.
والأمة الواعية والقيادة الرشيدة هي التي تتصدى لعدوها الخارجي، وتحذر أشد الحذر من عدوّها الداخلي.
والدولة في عناصرها الأساسية تتكون من: "الشعب والأرض والقيادة ونظام الحكم"([1])، وعلى الشعب والقادة أن يحافظوا على الأرض، وعلى القادة أن يعملوا لصالح الشعب، وعلى الشعوب أن تلتفّ حول قادتها المصلحين.
وإذا اختلت إحدى هذه العناصر اختل ما يسمى بـ«الأمن القومي»؛ فالأمن القومي لأية دولة -كما يرى د. المسيري- "هو دفاع ووقاية ضد الأخطار الخارجية مثل: وقوع الدولة تحت سيطرة دولة أخرى، أو معسكر أجنبي، أو اقتطاع جزء من حدودها، أو التدخل في شؤونها الداخلية؛ لتحقق دولة خارجية مصالحها"([2]).
وقد اكتفى الدكتور المسيري في هذا السياق بالعدو الخارجي وما يمثله من خطر على الأمن القومي لأية دولة.
ولكن الدكتور علي الدين هلال قد جمع بين الخطرين الداخلي والخارجي؛ فعبّر عن مفهومه للأمن القومي بأنه "تأمين كيان الدولة والمجتمع ضد الأخطار التي تهدده داخليًّا وخارجيًّا، وتأمين مصالحه، وتهيئة الظروف المناسبة اقتصاديًّا واجتماعيًّا لتحقيق الأهداف والغايات التي تعبّر عن الرضا العام في المجتمع"([3]).
أما محمد طلعت غنيمي فلم يُشر للأخطار الداخلية أو الخارجية، ولكنه ركّز في تعريفه للأمن القومي على المصالح؛ حيث رأى أن الأمن القومي هو "مجموعة مصالح الدولة الحيوية، ومن ثم فإن تحقيق هذا الأمن إنما يتم بحماية وصيانة هذه المصالح"([4]).
أما أحمد فؤاد رسلان فانصب اهتمامه بالحديث عن التنمية الشاملة، ومقاومة أي معوق لهذه التنمية؛ حيث ذهب إلى أن الأمن القومي هو "الجهد اليومي الذي يصدر عن الدولة لتنمية ودعم أنشطتها الرئيسة: السياسية والعسكرية والفكرية والاقتصادية والاجتماعية، ودفع أي تهديد أو تعويق أو إضرار بتلك الأنشطة"([5]).
وقد رأى محمد عبد الكريم نافع أن "الأمن القومي للدولة يتحقق عندما تكون الدولة آمنة، وفي موقع أو موقف لا تضطر معه للتضحية بمصالحها المشروعة لتفادي الحرب أو العدوان عليها، وعندما تكون -أيضًا- قوية وقادرة على صيانة مصالحها عن طريق الحرب"([6]).
قد يكون من المقبول أن تجد العدو مفروضًا عليك، ولا حيلة أو مفرَّ من مواجهته؛ فقريش فرضت عداوتها على رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- وكانت الحروب بينهما سجالاً حتى وضعت أوزارها بعد فتح مكة، وأصبح العدو مناصرًا بعد دخولهم في دين الله أفواجًا.
وكذلك "إسرائيل" فهي عدو حقيقي متربص بالعرب، لا يهدأ لها بال حتى يكون العرب تحت طوعها ورهن إشارتها، ولقد كانت "صورة إسرائيل عبارة عن خنجر أو إسفين في قلب الوطن العربي"([7])، وقد تغيرت هذه الصورة فأصبحت "إسرائيل" لدى الكثير من القادة العرب الصديق الذي يسعون لإرضائه وتلبية رغباته.
فلقد "استمر العرب متماسكين عندما كانت إسرائيل عدوًّا واضحًا، واختلف الوضع بعد اتفاقية السلام بين مصر وإسرائيل، وإطلاق وصف الصديق على زعمائها السياسين"([8]).
هذا إذا كان العدو حقيقيًّا أو مفروضًا عليك، لكن الغريب أن تصنع لنفسك عدوًّا توجِّه إليه سهامك، وتجعل منه شيطانًا مريدًا، ويكون منبع الشرور والآثام.
و"يمكن اعتبار صناعة صورة العدو جزءًا من علم النفس السياسي"([9])؛ حيث إن "مصطلح (العدو) يستخدم لتوجيه اللوم إلى الأحداث السيئة في الحياة"([10]).
ثم إن فكرة خلق العدو والصراع معه "هي فكرة كامنة في جذور الفكر الواقعي الغربي عمومًا والأمريكي خصوصًا"([11])؛ حيث يرى هيجل([12]) أن "الصراع (أو التنافس) هو سنة الحياة" ([13])، بل ذهب إلى أبعد من ذلك حيث ذهب إلى أن "كلّ إنسان يهدف إلى تدمير الآخر وموته، ويظل الصراع حتى يقبل أحد الطرفين التبعية"([14]).
وكان يرى "أهمية الحرب وتأثيرها في الشخصية الفردية وفي المجتمع، فهو يؤمن بأنه بدون احتمال الحرب والتضحيات التي تتطلبها سيصبح الإنسان لين العريكة ومستغرقًا في ذاته، وسيتدهور المجتمع فيصبح مستنقعًا لإشباع الملذات الأنانية، فتنحلّ الجماعة وينهار المجتمع نتيجة لذلك"([15]).
وعلى نفس الخُطا سار هيدجر([16]) الذي كانت نظرته للعدو "تنطلق من تقديس مبدأ الصراع"؛ فالإنسان "يجب عليه أن يخلق لنفسه عدوه الذاتي كي لا يسقط في العطالة، وكلّ ما هو موجود يخضع لمبدأ الصراع، وحيث لا وجود للصراع والهيمنة هناك تفسخ وانهيار"([17]).
يبدو أن هذه الرؤية لا تصدق على الإنسان فحسب، بل تصدق على الحضارات والدول؛ حيث يرى سعد سلوم "أنه بدون الاعتراف بمبدأ الصراع يفقد العقل السياسي تماسكه، وبدون وجود العدو الخارجي تصبح الإستراتيجية العمياء، فالدور الذي يلعبه (العدو الخارجي) هو دور حاسم، ويغذي ديناميكية الحضارة الأمريكية التي بدون توفره تفقد مبرر وجودها، وتتعرض للتفسخ والانهيار (تقع في العطالة)"([18]).
ويبدو أن القوى العظمى -رغم ما بينها ظاهريًّا من العداء- كانت تدير الصراع فيما بينها؛ لاحتياج كلّ طرف -ظاهريًّا- لهذا العداء لأسباب سنذكرها فيما يلي.
يُذكر "أنّ ألكسندر أرباتوف أحد مستشاري غورباتشوف قال ممازحًا زملاءه الأمريكان سنة 1989م: سنقدّم لكم أسوأ خدمة.. سنحرمكم من عدوّ!"([19]).
ذكرنا أن فكرة خلق العدو والصراع معه فكرة كامنة في جذور الفكر الواقعي الغربي عمومًا والأمريكي خصوصًا.
"لذلك يأتي خَلْق تحدٍّ من نوع جديد استجابة لمحاولة تجنيب المجتمع الأمريكي لحالة الانهيار، وتراجع التأثير النسبي المتوقع لمكانة الولايات المتحدة في حالة غياب عدو يساعد على تقوية اللحمة بين أفراده، هذا من جانب.
ومن جانب آخر قطع الطريق على أي تفكير لأوروبا في قطع صلاتها مع الولايات المتحدة، ومحاولة الانفصال عنها، وذلك من خلال إيجاد مخاطر مشتركة جديدة تهددها وتجعلها بحاجة دائمة لمظلة الولايات المتحدة الأمريكية، وتفادي انفراط عقد حلف شمال الأطلسي وإعادة تماسكه بعد تلاشي مبرراته"([21]).
فقد ظلت أمريكا تُظهر الدب الروسي في صورة العدو الخطير، وجنّدت العالم لمحاربة العدو الشيوعي، وبعدما انهار الاتحاد السوفيتي وتفكك أصبح لزامًا على أمريكا أن تبحث عن عدوٍّ آخر، ووجدت بغيتها في الإسلام، وكانت أعظم تجليات هذا العداء بعد أحداث 11 سبتمبر 2001م (المصطنعة)؛ حيث احتلال أفغانستان ثم العراق، وأصبح العدو الجديد "شرقي الملامح، يجمع بين التعصب والتخلف والدموية"([22]).
ومن نافلة القول أن نذكر أن صناعة العدو تصاغ من قِبل أجهزة الإعلام الخاصة أو الحكومية، والاستخبارات التي تلعب من وراء الستار.
وبخصوص ذلك يذهب (هنري كيسنجر) إلى أن وجود العدو يعمل على تقليل مظاهر الغموض أو التناقض الذي تقع فيه الإستراتيجية عندما تفتقد الهدف الذي ينبغي أن تتعامل معه.
ويؤكد كيسنجر على أن تمييز العدو أسهل من تمييز الصديق، وأن التعامل مع الأول وسيلة لتوضيح طموحات الإستراتيجية والحصول على الدافع الأساسي للتحرك بشكل مكثف في إطار السياسات العالمية([23]).
وذلك من خلال نوع من التعبئة العامة التي تدعم كيان الدولة الداخلي، وتشد أجزاءه إلى بعضها إزاء خطر خارجي محتمل أو مؤكد، وبذلك يتحقق تجاوز التناقضات الداخلية المهيأة في كل آن للانفجار، لصالح توجيه مسار القوة بما تحمله من تناقضات صراعية نحو ذلك الآخر (العدو).
وطبقًا لميشيل كيلو فإنه لخلق هذا الموقف الموحد لابد من أيديولوجية تعبوية تتسم بقدر من العمومية، يجعلها قابلة للتبني من قطاعات المجتمع الأمريكي المختلفة، سواء من حيث الانتماء الاجتماعي أم من حيث درجة الوعي، هذه الأيديولوجية يمكن تلخيصها بكلمة واحدة هي: أمريكا([24]).
ولقد كان للصورة التي صاغتها قوات دول الحلفاء للنازية دور بارز في تماسك الجبهة الداخلية أثناء الحرب العالمية الثانية.
ثم بعد الحرب بدأت صياغات جديدة لتصوير الشيوعية مقابل الرأسمالية([25]).
طرح فرانسيس فوكوياما فكرته حول «نهاية التاريخ» قائلاً: "إن نهاية تاريخ الاضطهاد والنظم الشمولية قد ولى، وانتهى إلى دون رجعة مع انتهاء الحرب الباردة وهدم سور برلين، لتحل محله الليبرالية وقيم الديمقراطية الغربية".
ويرى فوكوياما أن "الديموقراطية الليبرالية قد تشكل نقطة النهاية في التطور الأيديولوجي للإنسانية، والصورة النهائية لنظام الحكم البشري"([26]).
«"ورغم أن فوكوياما لا يؤكد على أن النظام الأمريكي هو النموذج المثالي لفكرته عن الليبرالية الديمقراطية؛ فإنه في الحقيقة يرفض أي نموذج آخر قد يحمل هذا المعنى"([27]).
وأصبحت أمريكا تتدخل في الشؤون الداخلية لدول العالم تحت مسمى: «حقوق الإنسان»، تلك الحقوق التي داستها في جوانتانمو وأبي غريب.
وتحت مسمى: «نشر الديمقراطية»، وهي التي حمت ورعت الأنظمة الديكتاتورية القمعية التي كانت ترعى مصالحها.
وتحت مسمى: «حماية الأقليات الدينية»، وهي التي تزرع بذور الفتنة بين أبناء الوطن الواحد؛ ففي العراق أثارت النعرات الطائفية بين السنة والشيعة، وفي المقابل تترك شعب الروهينجا فريسة للحكومة البورمية؛ حيث القتل والحرق والتهجير.
فالنظام القيمي الخاص بالأنا الأمريكية ترتسم ملامحه من خلال مجابهة الآخر ورفضه عبر ثنوية سياسية أخلاقية يحتل فيها الآخر دائمًا رمز الشر؛ فهم لديهم اعتقاد "بوجود اختلافات جوهرية «بيننا» و«بينهم»، مع ربط هذه الاختلافات بتمييز موازٍ بين الخير (نحن) والشر (هم)، وهو ما يؤدي عادة إلى نزع الطابع الإنساني عن الآخر العدو، وبالتالي سيادة النمط العدائي العنيف في التعامل مع الآخر في هذه الحالة"([28]).
فـ"العالم الخارجي، العالم غير الأمريكي، الذي يفتقر إلى المعايير والقيم التي توجه سياسة أمريكا، وهذا العدو مسؤول عن سائر الآثام والشرور التي أصابت أو ستصيب الإنسانية، وعلى أمريكا تكليف نفسها بالتصدي له.
وبما أن هذا العدو له طابع تجريدي تعميمي مطلق فلابد أن يكون موجودًا في كل مكان، بما في ذلك داخل أمريكا –أيضًا- ولابد أن يكون وجوده خفيًّا، لذلك من غير الجائز اعتباره عدوًّا سياسيًّا فقط، بل يجب النظر إليه كعدو أخلاقي، أيضًا.
في مواجهة هذا العدو -الحاضر داخل أمريكا وخارجها- إذن لا تفيد سوى القوة العارية، ولا مفر من استعمال سائر الوسائل، بما في ذلك المحرمة دوليًّا أو أخلاقيًّا لمواجهته باللغة التي يفهمها، لغة العنف الشامل، المبرر بغايته الأخلاقية السامية"([29]).
وجود العدو الخارجي (المزعوم) المهدِّد لأمريكا يجعل جيشها دائمًا في حالة استعداد، وهذا الجيش يحتاج للأسلحة الرادعة؛ "لذلك ليس بوسعها خفض ميزانيتها العسكرية، مما يستدعي حشد التأييد الشعبي للإبقاء على جيش قوي على الرغم من الضغوط السياسية الداخلية الداعية إلى تخفيض الإنفاق الدفاعي بهدف تمويل مشاريع أخرى"([30]).
فشركات الأسلحة بما لها من نفوذ اقتصادي وإعلامي وسياسي تبقي على حالة الحرب لكي تصرِّف أسلحتها، وتوجِد الأسواق لشراء منتجاتها.
وذلك من خلال تضخيم صورة العدو؛ لأنه لا وجود لعدوٍّ إلا إذا كان قويًّا، "ويفسر ذلك جزئيًّا تصدر ما يسمى بـ«الإرهاب العربي (الإسلامي)» قائمة المخاوف المواجهة للمجتمعات المتحضرة، وكذلك التصعيد من خطر بلدان كـ: العراق، وسوريا، وليبيا([31]) وغيره على الأمن العالمي.
وكذلك تحول قضية الهجرة العربية إلى الخطر الرئيس المهدد للسلم المدني والتوازنات الاقتصادية والاجتماعية والهوية في بعض البلدان الأوروبية"([32]).
إن المجتمعات والدول لا تعدِم وجود عدوٍّ من داخل ديارهم يعمل كالسوس بنخره في المجتمع حتى يضعف، ويشيع الفتن ويشعلها، ولا يهنأ إذا عمّ الرخاء والأمن أرجاء بلده، بل يريد به السوء دومًا، ويرتبط دائمًا بأعداء البلد الخارجيين، ويكون معهم يدًا بيد، وإذا وصل للحكم فإنه يكون طرفًا تابعًا ذليلاً للخارج.
ومن أشهر الأعداء الداخليين ما عُرف بين المسلمين بالمنافقين، الذين قال الله -تعالى- فيهم محذرًا نبيه -صلى الله عليه وآله وسلم: ?هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ? [المنافقون: 4].
فهؤلاء لم يتعاونوا مع النبي القائد محمد صلى الله عليه وسلم، وشقوا صفوف المسلمين في الحروب وخذلوهم، وأشاعوا قالة السوء في المجتمع بالتعرض للأعراض الطاهرة البريئة... إلخ.
فهذا الخلاف معهم كان خلافًا بين كفر وإيمان، خلاف عقائد وليس خلاف آراء وأفكار وسياسات.
ولكن أن يأتي قائد سياسي فيصِمُ فريقًا يختلف معه سياسيًّا بالإرهاب والتخوين والعمالة وبكل معيبة ومنقصة، فهذا يهدِّد السلم المجتمعي للدولة.
وهذا من باب تحويل العدوِّ الخاصّ إلى عدوّ عام يُهدّد المجتمع أو الدولة، وهو شعار كلّ الذين لا يطيقون المنافسة السياسيّة.
"وهي الطريقة التي اتّبعها وما انفكّ يتّبعها كلّ رجال السياسة الذين أتيح لهم في وقت من الأوقات أن يتحكّموا فرديًّا في مقاليد الأمور"([33]).
وهذا ليس جديدًا فـ"شيشرون لم يتورّع أيّام الصراع مع أنطوان عن الخلط بين مفهوم العدوّ الخارجيّ الذي يهدّد روما ومفهوم العدوّ الداخليّ عدوّ المنظومة السياسيّة.
وظهرت العبارة الشيشرونيّة: العدوّ داخل أسوارنا وبين جدراننا"([34]).
الأمم كالأفراد في صياغة أهدافها وتحقيق غاياتها، فالأمة التي لا هدف لها ولا غاية أمة فاشلة، أما الأمة القوية الفاعلة فهي التي تضع لها أهدافًا تسعى بالتخطيط الجيد المستمر لتحقيقها.
والحاكم الواعي والقائد الرشيد هو الذي يعمل على توحيد شعبه على هدف وغاية نبيلة تضمن لهم الرفاه والاستقرار والأمن.
وهناك طرق يعمل من خلالها الحكام والقادة على توحيد شعوبهم منها:
"أولاً: صناعة حلم وطني أو مشروع قومي: يلتف حوله الجميع فتتوارى الخلافات رويدًا، ويجد الجميع مساحة مشتركة للتفكير، وانتظار المستقبل الأفضل.
وغالبًا ما يكون الهدف من الحلم المشترك هو صناعة دولة قوية، ومجتمع قوي، وإسكات أصوات المعارضة.
ثانيًا: صناعة عدو مشترك: يلتف الناس حول قيادتهم لمحاربة هذا العدو المشترك، فتتوارى الخلافات -أيضًا؛ لأن العدو الخارجي أكثر خطرًا من أية نزاعات بين أبناء الوطن.
وغالبًا ما يكون هدف العدو المشترك هو الإلهاء عن مشكلات داخلية، وتدعيم سلطة حاكم مستبد"([35]).
وقد يكون من المقبول أن يوجّه الحاكم قوى شعبه نحو عدو خارجي حقيقي أو موهوم، لكنه من غير المقبول أن يكون هذا العدو وطنيًّا تختلف معه في الرؤى والأفكار والأيديولوجيات، فيتم تسخير الآلة الإعلامية لشيطنة هذا الفريق، وتأليب الرأي العام عليه عن طريق حملات الكراهية التي تمهّد الوعي الجمعي للشعب لتقبّل ما يحدث لهذا الفريق من ظلم وعسف.
ومن أسوأ ما يقوم به الجانب الإعلامي هي عملية نزع الطابع الإنسانى عن العدو، مثل إطلاق أسماء الحيوانات عليه، مثل: خروف أو خنزير أو ما شابه، و"هي وسيلة لإضفاء الشرعية على استخدام العنف ضد الآخر، وتقليل الشعور بالذنب المصاحب لمثل هذا العنف"([36]).
هذا إلى جانب صنع الأزمات والتفجيرات التي تحدث تحت عين المخابرات وإلصاقها بهذا الفريق، فيحدث القمع والتنكيل والتشريد تحت عنوان محاربة هذا العدو الذي هو من بني جلدتنا.
هناك أسباب كثيرة لذلك، ولكني سأجتهد في ذكر أهم الأسباب من وجهة نظري:
في كثير من البلدان تقع الانقلابات العسكرية، فيرفض فصيل من الشعب ما أقدم عليه بعض قادة العسكر، فيقومون بتوجيه الآلة الإعلامية لإشاعة أن معارضي هذا العمل ليسوا وطنيين، وأنهم خونة، وأنهم بمعارضتهم لا يعملون لمصلحة الوطن! وأنهم يعملون على زعزعة نظام الحكم (الجديد) وتهديد استقرار الوطن... إلخ.
ما زال البعض يعيش في زمن الحاكم الفرد ... الحاكم بأمره... الذي يأمر فيطاع، وهذه الشخصيات لا تقبل بالشورى أو الديمقراطية، وتسخّر كلّ الطاقات والإمكانات لوقف التداول الحقيقي للسلطة، وتقمع المعارضة، وتوغل في الدماء دون رادع أو خوف، كل ذلك من أجل الاحتفاظ بكرسي الحكم دون منازعة.
ومن يجهر بالمعارضة يُتهم بالعداء للحاكم حسب النظرية الشيشرونية، والحاكم يُمثل الوطن، ومن يعادي الحاكم فهو معادٍ للوطن.
ومن أشهر الأمثلة على ذلك نظام حافظ الأسد وولده بشار (النصيري)، هذا النظام الذي يقوم على تعظيم شأن أصحاب الطائفة (النصيرية / العلوية) واستبعاد أهل السنة من المناصب العليا السياسية والعسكرية، ولا يدخل حظيرة الرضا إلا من يدور في فلك هذا النظام ويقبل بسياساته.
وإن الاحتلال لكي يبقى متحكمًا بمصائر الشعوب بعد مغادرته الظاهرية للبلدان التي احتلها، فإنه يبحث عمن ينوب عنه، ويحل محله، ومن هنا تبرز مسألة الأقليات الدينية أو العرقية، فتتحكم في الأغلبية الدينية أو العرقية بقوة السلاح وبتدعيم الخارج.
ولكي تبقي على وضعها فإنها تصنف المعارضين لسياستها أو غير الراغبين في حكمها؛ لاختلاف الدين أو العِرْق أو المذهب باعتبارهم عدوًّا داخليًّا يزعزع استقرار الوطن، وأنهم أذرع لدوائر خارجية... إلى آخر هذه الكلمات والجمل المحفوظة.
وإذا عدنا إلى النظام النصيري البعثي فإنه ما حارب "إسرائيل" قط رغم احتلال الجولان إلا في حرب العاشر من رمضان، وما زالت الجولان محتلة، ولكنه حارب شعبه مرة في الثمانينيات ودكّ حماة بالمدافع، واليوم يدكّ جميع المدن بالمدافع والصواريخ، ويشن عليهم حربًا كيماوية بدعوى محاربة الإرهاب والإرهابيين.
فلو أنصف هذا النظام لوجه سلاحه للمحتل "إسرائيل"، ولكنه يخشى على نفسه من شعبه؛ لذا يصنف معارضيه بالأعداء، ويشن عليهم حربًا لا هوادة فيها.
هناك بعض الفئات التي ترتبط مصالحها بالأنظمة الحاكمة، فيكون دفاعها عن النظام وتملقها له ليس إلا دفاعًا عن مصالحها ومكاسبها، فتكون لسان حال النظام والحارس الأمين عليه، والسيف المصلت على المعارضة، والبوق المدافع عن كل السياسات والمتهم للآخر المعارض بكل المقابح والعيوب.
فالذي ينادي بالمساواة والعدالة الاجتماعية لا حق له في ذلك، ولتأكيد هذا الحرمان لابد من اتهامه بعدائه للوطن؛ حتى لا يمكن له أن يزاحمهم فيما وصلوا إليه.
الأمم الحية الفاعلة تختلف فيها الآراء وتتنوع، ولكن اختلافها يكون اختلاف إثراء، فالكل يرى المصلحة العليا للوطن فيما يقدمه من حلول وآراء، وليس بالضرورة أن يكون الجميع على صواب، ولكن حسبهم أنهم اجتهدوا للوصول إلى رفعة أوطانهم.
ولكن عندما يضيق أفق السياسيين فإنها ستكون أزمة حقيقية...
فعندما لا تقبل المعارضة السياسية النظام الحاكم على طول الخط، ولا تلتقي معه على أرضية مشتركة من المصلحة، بل وتعمل على عكس المصلحة العامة، فإن ذلك مشاغبة لا جدوى من ورائها إلا تأخير إنجاز المصالح للوطن.
وعندما لا يقبل النظام الحاكم المعارضة الحقيقية، ويصنع معارضة صورية، تُظهر معارضتها نهارًا، وفي الليل تجتمع على موائد الحكام، فهذا نظام ضعيف مهزوز.
وعندما لا يقبل الحاكم المشورة والتقويم والنقد من المعارضة فهذه مجازفة غير محسوبة العواقب.
وعندما تكون لغة العنف والإقصاء والتهميش هي البديل عن لغة الحوار فإن النظام بذلك يؤلب الشعب عليه، مهما حاول تجميل وجهه.
وإذا ضاق الأفق السياسي فإن الخاسر هو الشعب الذي يعاني أشد المعاناة من هذا الصراع.
فإذا لجأ النظام الحاكم إلى جعل الفرقاء السياسيين في مصاف الأعداء فإنه يخسر كرسيه الذي ظنّ أنه يحافظ عليه بما أقدم عليه من شيطنة المعارضة.
نتيجة لعدم التوزيع العادل للثروات، إلى جانب النهب المستمر في الموارد، وعدم الجد في التنمية الحقيقية، ونتيجة لفشل السياسات الاقتصادية تلجأ الأنظمة إلى إيجاد مشجب تضع عليه أخطاءها، وليس أفضل من هذا العدو الخفي الذي يعمل على إيقاف عجلة التنمية، والذي لولاه لعم الرخاء والأمن ربوع البلاد، ولكي تنعم البلاد لابد -أولاً- من التخلص من هذا العدو الداخلي.
كما أن هناك ضيق أفق سياسي فهناك ضيق أفق فكري؛ حيث لا يطيق بعض أصحاب الأفكارِ الأفكارَ الأخرى التي لا ترى رأيها.
وللأسف فالإقصاء والتهميش للأفكار المعارضة لا يثري الحياة، فالعلماني لا يقبل الإسلامي، مع أن الوطن يسع الجميع، ولكن ضيق الأفق الفكري يحمل صاحبه على التطرف والجمود، فيحاول التخلص من الآخر بإزاحته معنويًّا بعدم التمكين له أو بعدم إعطائه الفرصة للتعبير عن رأيه، أو حقيقيًّا بالسجن والإبعاد أو حتى بالوصول إلى القتل.
ليس بالضرورة أن يكون النظام الحاكم في بلد ما مرضيًّا عنه من جميع القوى العالمية، لكنه إذا كان مرضيًّا عنه من قِبل الغالبية من الشعب على ما ارتضته الديمقراطيات في جميع بلدان العالم فهذا شهادة له بأنه نال رضا شعبه لفترة معينة حسب ما يقتضيه العقد الاجتماعي (الدستور) في هذا البلد.
أما أن يعمل الفريق الخاسر على إزاحة من وصل إلى سدة الحكم باستعداء الخارج، ومحاولة إسقاطه بدفعٍ من هذه القوى، فهذا يعني أن هذا البلد مخترق، وأن مصالح البلد لم تعد وفق رؤية أبنائه بقدر ما هي وفق رؤية الخارج.
وأن المعارض لهذه القوى الخارجية هو عدو يجب استئصاله، فهذا يعني تصدعًا خطيرًا في البنية المجتمعية لهذا البلد.
لقد أردنا من خلال هذا العرض وتلك المفارقة بين من يصنع عدوًّا خارجيًّا للحفاظ على مجتمعه وتوحيد صفه، ومن يصنع عدوًّا داخليًّا هو الأخ والجار والصديق والزميل ويفجر مجتمعه ويفخخه أن نوضح أن الأمن القومي أصيب في مقتل.
فالمجتمع يحتاج إلى جميع أبنائه المخلصين، ولن يستطيع فصيل أو مؤسسة أن تقوم وتنهض بهذا الوطن وحدها.
وقد رأينا الكلفة الباهظة جرّاء هذا الصراع بين أبناء الوطن، إلى جانب فشل الخيارات العنيفة في التعامل مع الآخر (العدو)، وأن الاستمرار في خيار مواجهة الخصم تزيد الوضع اشتعالاً.
فرسول الله صلى الله عليه وسلم، رغم معاناته من المنافقين وشغبهم عليه ومعرفته بنص القرآن أنهم العدو الحقيقي الداخلي لم يُعمل فيهم السيف؛ فقد أخرج البخاري في «صحيحه» أنَّ جَابِرًا رضي الله عنك قال: غَزَوْنَا مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَقَدْ ثَابَ مَعَهُ نَاسٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ حَتَّى كَثُرُوا، وَكَانَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ رَجُلٌ لَعَّابٌ فَكَسَعَ أَنْصَارِيًّا، فَغَضِبَ الأَنْصَارِيُّ غَضَبًا شَدِيدًا، حَتَّى تَدَاعَوْا، وَقَالَ الأَنْصَارِيُّ: يَا لَلأَنْصَارِ. وَقَالَ الْمُهَاجِرِيُّ: يَا لَلْمُهَاجِرِينَ. فَخَرَجَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: «مَا بَالُ دَعْوَى أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ». ثُمَّ قَالَ: «مَا شَأْنُهُمْ؟» فَأُخْبِرَ بِكَسْعَةِ الْمُهَاجِرِيِّ الأَنْصَارِيَّ قَالَ: فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «دَعُوهَا فَإِنَّهَا خَبِيثَةٌ».
وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ: أَقَدْ تَدَاعَوْا عَلَيْنَا، لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ.
فَقَالَ عُمَرُ: أَلاَ نَقْتُلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا الْخَبِيثَ؟ لِعَبْدِ الله.
فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «لاَ يَتَحَدَّثُ النَّاسُ أَنَّهُ كَانَ يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ»([37]).
وقال النووي معقبًا: "وَالصَّبْر عَلَى بَعْض الْمَفَاسِد خَوْفًا مِنْ أَنْ تَتَرَتَّب عَلَى ذَلِكَ مَفْسَدَة أَعْظَم مِنْهُ"([38]).
وأي فساد أعظم من سفك الدماء بالآلاف، وسجن الأبرياء المظلومين، وتوقف عجلة الإنتاج، وفشو البطالة، وضعف الأمن... إلخ.
وعلى الجميع أن يتعظ من التاريخ والحاضر القريب؛ فالدولة الأموية -مثلاً- رغم ما قدمته للأمة من فتوحات وانتصارات إلا أن سيفها كان فيه رهق، فقُتِل أعلام الأمة على يد قادتها: الحسين وابن الزبير وسعيد بن جبير رضي الله عنهم، وكثير من أبناء الأنصار، فكان عمر هذه الدولة قصيرًا، وحدثت فيهم مجزرة على يد العباسيين أتت على كبرائهم وأشرافهم.
ومن الحاضر القريب.... أين علي زين العابدين والقذافي؟
إذن فالحوار مع الشعب وعدم استخدام القوة في الأمور السياسية وعدم شيطنة الآخر والبحث عن المشترك -وهو كثير... كل ذلك وغيره هو الضمانة لهذه الشعوب حتى تنهض من جديد وتستعيد مجدها.
ولنعلم أن هذا الصراع والخلاف والشقاق المستفيد منه هو العدو الصهيوني المغتصب لأرضنا والمتنمر لنا، الذي يعيش أسعد أيامه بهذا الخلاف، وأن الرصاص الموجه إلى صدور أبنائنا كان الأولى به أن يوجه إلى العدو الصهيوني.
المصدر : موقع قاوم الالكتروني
([1]) سعد الشهراني: مؤسسات الأمن الوطني في المملكة العربية السعودية، ورقة مقدمة لمؤتمر المئوية، 1419هـ، ص(30).
([2]) عبد الوهاب المسيري: موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية، (20/194).
([3]) علي الدين هلال: الأمن القومي العربي، مجلة شئون عربية، العدد (35)، يناير 1984م، ص(12).
([4]) محمد طلعت غنيمي: بعض الاتجاهات الحديثة في القانون الدولي العام، منشأة المعارف، الإسكندرية، الطبعة الأولى، 1974م، ص(122).
([5]) أحمد فؤاد رسلان: الأمن القومي المصري، الهيئة العامة المصرية للكتاب، القاهرة، الطبعة الأولى، 1989م، ص(15).
([6]) محمد عبد الكريم نافع: الأمن القومي، مطبوعات الشعب، القاهرة، الطبعة الأولى، 1975م، ص(65).
([7]) موقع الموسوعة الحرة (ويكيبيديا).
([8]) نجوى طنطاوي: صناعة العدو.. وحصاد الكراهية، موقع: مصر العربية.
([9]) موقع الموسوعة الحرة (ويكيبيديا).
([10]) السابق.
([11]) د خالد المعيني: أهمية صناعة عدو في البقاء والاستمرار، مجلة ثقافتنا (مجلة فكرية ثقافية سياسية تصدر كلّ شهر).
([12]) فيلسوف ألماني شهير [1770-1831م]، أثّر في الفكر الغربي تأثيرًا شديدًا، ومن أشهر تلامذته كارل ماركس.
([13]) وول ديورانت: قصة الحضارة، (43/467).
([14]) السابق.
([15]) د خالد المعيني: أهمية صناعة عد
جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين


