أذيعت من حلب صباح الجمعة 14 من صفر 1378، جعلها الله خالصة لوجهه الكريم ونفعني بها يوم القدوم عليه، وقد أسمعتها والدتي قبل وفاتها رحمها الله تعالى، وكانت وفاتها يوم الأربعاء 12 من صفر 1378.
أيها المستمع الكريم، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد.
فعنوان حديثي إليك اليوم: الأمانة.
إن الله تعالى جلَّت حكمته وتعالت إرادته قد كلف الإنسان في هذه الحياة بتكاليف كثيرة فيها السهل الميسور، وفيها الشاق المستصعَب، وإنَّ الكلمة الجامعة لهذه التكاليف كلها هي الأمانة، فالأمانة كلمة خفيفة على اللسان كبيرة في الميزان، معناها: القيام بكل حق على خير وجه وأحسن أداء. فهي تتناول الإيمان بالله تعالى وملائكته وكتبه ورسله وباليوم الآخر وبالقضاء والقدر، فذلك كله أمانة، وتتناول متابعة الرسل عليهم الصلاة والسلام فيما أَمروا به ونَهَوا عنه، فذلك أيضاً أمانة، وتتناول القيام بأداء حقوق الإنسان والحيوان فذلك أيضاً أمانة.
وقد حدثنا الله تعالى في القرآن الكريم عن عِظَمِ هذه الأمانة الجسيمة، وكيف أنه سبحانه عَرَضَها على أكبر المخلوقات ضخامة وأعظمها قوة ومتانة، فخافت من تحملها واستنكفت عن قبولها، وحملها هذا الإنسان المخلوق الصغير الحجم، القليل القوة، الضعيف الحول والطاقة، المحدود العمر والحياة، الذي تتناوشه الشهوات والنزعات والميول والأطماع من كل جانب! حملها وكان ظلوماً لنفسه، جهولاً لطاقته وقدرته، قال الله تعالى في سورة الأحزاب: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولا﴾.
وقد سلك النبي صلى الله عليه وسلم مسالك متعددة في تعليم الأمانة وغرسها في النفوس والأخلاق، فكان تارة يأمر بها أمراً صريحاً مباشراً يوجهه إلى الناس، وتارة يأمر بها على سبيل الترغيب في ثواب فعلها والترهيب من عقاب تركها، وتارة يأمر بها على سبيل الإخبار والتحديث عن الأمم الماضية والناس السابقين، وقد جاء عنه صلى الله عليه وسلم حديثٌ شريف جمع ألواناً من الأمانة حدثنا فيه عنها، وهو صلى الله عليه وسلم يدعونا إليها ويأمرنا بالتخلق بها.
حدَّثنا عن ثلاثة من الناس كانوا قبلنا خرجوا يمشون في فَلاة، فاضطرهم الليل إلى أن يأووا إلى غار في سفح جبل ليناموا فيه ليلتهم ثم يمضوا في صباحهم إلى ما يقصدون، فإذا بهم إذ يدخلون الغار تنحدر صخرة على فم الغار فتَسُدَّه سدَّاً محكماً، ولا يستطيعون زحزحتها أو تحويلها، فيجدون أنفسهم قد أحاط بهم الموت وأطبق عليهم الهلاك، فليس لهم، وقد عجزوا عن إنجاد أنفسهم، إلا أن يلجأوا إلى ما قدموا من عمل صالح فيتوسلوا به إلى الله تعالى لعله ينقذهم مما هم فيه، فنجد أحدهم يذكر من أعماله الصالحة التي يتوسم فيها النجاة: أمانَتَهُ في حفظ حق والديه، وتكريمه لهم وتقدير أُبوَّتِهما قَدْرَها، وكيف راعى الأمانة في ذلك وقام بها خير قيام، ونجده إذ يعرض عمله هذا لله تعالى يكافئه عليه بتنحية الصخرة عن فم الغار قليلاً بحيث يرون الضوء ولكن لا يستطيعون الخروج، ونجد الثاني إنساناً شاباً تضطرم نفسه شهوة وجذوة، فيحاول أن يرويها من امرأة أحبها حباً غطَّى عليه شعوره بأنها تحرم عليه، فكان يراودها عن نفسها فتأبى وتعتصم بعفافها ودينها، ثم نزلت بها الفاقة والفقر القاصم، فطاوعته مضطرة كارهة، فإذا بهذا الشاب يراعي الأمانة فيها، فيمتنع عنها ونفسه أشهى ما تشتهيها، فيجازيه الله تعالى على هذا بانفراج الصخرة عن فم الغار أكثر من القدر الأول، ولكنهم لا يستطيعون الخروج، ونجد الثالث من هؤلاء الثلاثة رجلاً لديه عمال كثيرون، استأجرهم ووَفَّـى كُلّاً منهم أجره الذي يستحقه، غير أن واحداً من هؤلاء العمال كان قد استأجره من الظهيرة أي من نصف النهار، فأبى أن يأخذ أجره إلا إذا أعطاه أجرة يوم كامل، فترك أجرته وانصرف ساخطاً غاضباً، وكانت أجرته مِكْيَالَين من رُزٍّ، فزرعها الرجل على اسم ذلك الأجير، وراعى فيها الأمانة فبارك الله فيها، واجتمع منها مال كثير حَوَّلَه الرجلُ إلى قطيع من الإبل والبقر والغنم، واشترى لها رقيقاً راعياً يخدمها ويرعاها، فلما جاءه الأجير بعد سنين متطاولة يطلب أجرته التي كان قد سخِطَها، قَدَّمَ له ما تجمَّع منها كاملاً غير منقوص، فكان جزاءُ عمله هذا مع عملِ صاحبيه أن كافأه الله عليه بانحدار الصخرة عن فم الغار وخرجوا ناجين.
يحدثنا النبي صلى الله عليه وسلم عن هذا فيقول فيما رواه البخاري ومسلم: انطلق ثلاثةُ رَهْطٍ ممن كان قبلكم، حتى آواهم المبيت إلى غار فدخلوه، فانحدرت صخرة من الجبل فَسَدَّت عليهم الغار، فقالوا: إنه لا ينجيكم من هذه الصخرة إلا أن تدعوا الله بصالح أعمالكم. فقال أحدهم: اللهم إنه كان لي والدان شيخان كبيران، وليَّ صِبْية صِغار كنت أرعى عليهم، فإذا رحت عليهم فحلبتُ بدأتُ بوالديَّ أسقيهما قبل ولدي، وإنه ناء بي الشَّجرُ فما أتيتُ حتى أمسيتُ، فوجدتهما قد ناما فحلبتُ كما كنت أحلب، فجئت بالحِلاب فقمت عند رؤوسهما أكره أن أوقظهما من نومهما، وأكره أن أبدأ بالصِبْيَةِ قبلهما، والصبيةُ يتضاغَوْنَ عند قدمي، فلم يزل ذلك دأبي ودأبهم حتى طلع الفجر، فإن كنتَ تعلم أني فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافْرُجْ لنا فُرجة نرى منها السماء. ففَرَجَ الله لهم فرجة حتى يرون منها السماء
وقال الآخر: اللهم كانت لي ابنة عم وكنت أحبها كأشد ما يحب الرجالُ النساءَ، فأرَدْتُها عن نفسها فامتنعت مني، حتى ألمت بها سنة من السنين - أي نزلت بها شدة وقحط مع الفقر - فجاءتني فأعطيتها عشرين ومئة دينار على أن تُـخَلِّيَ بيني وبين نفسها، ففَعَلَتْ حتى إذا قدرتُ عليها قالت: يا عبد الله، اتقِ الله. فانصرفتُ عنها ونفسي أشهى ما تشتهيها، وتركتُ الذهب الذي أعطيتُها. اللهم إن كنتُ فعلتُ ذلك ابتغاءَ وجهك فافْرُج عنَّا ما نحن فيه. فانفرجت الصخرة غير أنهم لا يستطيعون الخروج منها.
وقال الثالث: اللهم إني استأجرت أُجراء فأعطيتهم أجرهم غير رجل واحد ترك الذي له وذهب، فثمَّرتُ أجرَه حتى كثرت منه الأموال، فجاءني بعد حين، فقال: يا عبد الله أدِّ إليَّ أجري، فقلت له: كلُّ ما ترى من أجرك؛ من الإبل والبقر والغنم والرقيق. فقال: يا عبد الله لا تستهزئ بي. فقلت: إني لا أستهزئ بك، هو أَجرُك ثَمَّرتُه ونمَّيتُه، وبارك الله لك فيه، فخُذْهُ كلَّه. فأخذه كله فاستاقه فلم يترك منه شيئا. اللهم فإن كنتُ فعلتُ ذلك ابتغاء وجهك فافرُج عنا ما نحن فيه. فانفرجت الصخرة فخرجوا يمشون.
هذه الحادثة الجليلة إذ يحدثنا النبي صلى الله عليه وسلم عنها يدعونا من طريق غير مباشر إلى التخلق بالأمانة في حق الوالدين وطاعتهما وبرهما والإحسان إليهما، ويخبرنا عن فضل هذا البر وعن نفعِهِ فاعلَه في الدنيا قبل الآخرة، ويدعونا في هذه الحادثة أيضاً إلى التخلق بالأمانة في العفاف وطهارة النفس، ويعرِّفُنا فضل التعفف عن الحرام، وأنه ينقذ صاحبه من الشدائد ويجلب إليه عون الله في أحرج الأوقات وأشد الضيق.
ويدعونا صلى الله عليه وسلم في هذه الحادثة أيضا إلى التخلق بالأمانة في المال، ويعرِّفُنا كيف ينبغي أن يعامل الغنيُّ أخاه العاملَ الضعيف الفقير، يحفظ له أجره ولو كان قليلاً، ولا يجحده حقه ولا يستهين به، بل يكون أميناً صادقاً في حفظ أجرته، فإنْ تَطَوَعَ في تنميتها وتكثيرها كان له من الأجر أفضلُ مما كان لذينك الرجلين الذين رعى أحدهما الأمانة في حقوق أبويه ورعاها الآخر في العفاف عن الفاحشة والحرام. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
من كتاب:" أيها المستمع الكريم" إعداد ومراجعة: محمد زاهد أبو غدة
جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين
جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين


