الأعمال المثمرة عدة الأمم المتحضرة

الأعمال المثمرة عدة الأمم المتحضرة

التصنيف: ركن العلماء والمناشط الإسلامية
السبت، ٢٢ شعبان ١٤٤٠ هـ - ٢٧ نيسان ٢٠١٩
457

بسم الله الرحمن الرحيم 

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (من طلب الدنيا حلالاً وتعففاً عن المسألة وسعياً على عياله وتعطفاً على جاره لقي الله ووجهه كالقمر ليلة البد) [ أخرجه أَبُو الشَّيْخ فِي كتاب الثَّوَاب، وَأَبُو نعيم فِي الْحِلْية. وَالْبَيْهَقِيّ فِي شعب الْإِيمَان من حَدِيث أبي هُرَيْرَة بِسَنَد ضَعِيف].

في هذا الحديث الشريف أرشدنا الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم إلى فضل الكسب الحلال وشرف العمل المثمر الذي يحفظ للإنسان كرامته ويغنيه عن المسألة ويمكِّنه من معاونة المحتاجين من جيرانه والبائسين من بني وطنه وإخوانه.

وهذا العمل الشريف والكسب الطيب هو أحد العناصر القوية الثلاثة التي اتخذت منها نهضتنا المباركة شعارها وهي الإتحاد والنظام والعمل فهذه هي الأسس القوية والدعائم المكينة في بناء صرح الأمة الوثابة المتطلعة إلى المجد المتعطشة إلى الحرية التواقة إلى الكرامة المضحية في سبيل المصلحة العامَّة بكل ما تتطلبه المصلحة الخاصَّة، وقد رسخت هذه الدعائم الثلاث في قلب كل مسلم فأصبحت عقيدة له تنبعث منها جميع تصرفاته فهو يصدر في كل أقواله وأعماله عن الروح الصافي لتلك العقيد التي أُشربها في قلبه وأرشده إليها الدين وكلفه بها الإسلام. الذي يحضُّ على العمل وينهى عن الخمول والكسل فإنَّ الكسل يجلب العوز والفقر، والعمل يمحو ذُل السؤال وبحصل للعامل حاجته ويسعد عيشته وقد جعل الرسول الكريم عليه السلام الكدَّ في طلب العيش وتحصيل القوت جهاد في سبيل الله، روي أنه صلى الله عليه وسلم كان جالساً مع أصحابه ذات يوم فنظروا إلى شاب ذی جلد وقوة وقد بكَّر يسعى فقالوا ويح هذا لو كان شبابه وجلده في سبيل الله فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: (لا تقولوا هذا فإنه إن كان يسعى على نفسه ليكفها عن المسألة ويغنها عن الناس فهو في سبيل الله وإن كان يسعى على أبوين ضعيفين أو ذرية ضعاف ليغنيهم ويكفيهم فهو في سبيل الله)[ أخرجه الطَّبَرَانِيّ فِي معاجمه الثَّلَاثَة من حَدِيث كَعْب بن عجْرَة بِسَنَد ضَعِيف] 

وقد دعا عليه السلام إلى استثمار الأرض وتوفير الأدوات وجعل ذلك من أكبر العبادات وأعظم القربات التي يُبتغي بها وجه الله تعالى ويكتسب بها رضاه سبحانه فهو صلى الله عليه وسلم يقول: (ما من مسلم يغرس غرساً أو يزرع رزعاً فيأكل منه طير أو إنسان أو بهيمة إلا كان له به صدقة) [أخرجه مسلم في صحيحه (3/ 1189)] 

فالزارع الذي يحمل فأسه ويشق أرضه ويبذر حبه ويحصد زرعه، والعامل الذي يعمل بآلة عمله لتحصيل أرزاق عياله لكل منهما أجر مثل ثواب المجاهدين في سبيل الله، وقد شرَّف الله تعالى المجاهدين وفضلهم على القاعدين بقوله جل شأنه:{لَا يَسْتَوِي القَاعِدُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللهُ المُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى القَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللهُ الحُسْنَى وَفَضَّلَ اللهُ المُجَاهِدِينَ عَلَى القَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا(95) دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا(96) }. [النساء]. 

فالقاعد الكسول بغيض إلى الله تعال، مذموم من الناس، وهو العضو الأشل الذي يضر المجتمع ولا ينفعه ويأخذ ولا يعطيه ويؤخره ولا يقدمه، ويخفضه ولايرفعه، وقد غفل القاعدون الكسالى والمهملون في أعمالهم عن قول أصدق القائلين وأحكم الحاكمين سبحانه: {هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ} [الملك:15] 

وما أجد المسلمين الراغبين في استرداد عزتهم أن يهتدوا بهدي خاتم المرسلين، فقد جاء صلى الله عليه وسلم رجل من الأنصار تبدو عليه الحاجة ويتعرض للسؤال فقال له: (أما بيتك شيء؟) فأجابه: بأن في بيته فراشاً ينام عليه وإناء يشرب به، فأمره صلى الله عليه وسلم بإحضارهما فأخذهما منه وباعهما بدرهمين، ثم قال له: اشتر بأحدهما طعاماً لأهلك وبالآخر قدوماً واذهب به فاحتطب وبع ولا أرينك خمسة عشر يوماً، ففعل ؛ثم جاء بعد ذلك وقد اكتسب من عمله عشرة دراهم فاشترى ببعضها ثوباً وببعضها طعاماً فلما علم الرسول صلى الله عليه وسلم قال له: (هذا خير لك من أن تجيء المسألة نكتة سوداء في وجهك يوم القيامة)[أبي داود 1641].

وها هو ذا عمر بن الخطاب رضي الله عنه يضرب الكسالى القاعدين عن العمل الراكنين إلى الراحة والكسل ويقول لهم (لا يقعد أحدكم عن طلب الرزق وهو يقول اللهم ارزقني وقد علم أن السماء لا تمطر ذهباً ولا فضة).

أيها المسلمون: هذه سبيل المؤمنين الصادقين وتعاليم المصلحين الراشدين ندعوكم إليها، فعليكم أن تأخذوا بها وتتبعوا طريقها حتى تنالوا الكرامة والعزة والقوة والسلطان، وعليكم أن تقبلوا على شئونكم وتخلصوا في أعمالكم، فعلى الزارع في أرضه، وعلى الصانع في مصنعه، وعلى الموظف في وظيفته، وعلى المرأة في بيتها، وعلى الخادم لمخدومه، وعلى المخدوم لمن تحت يده، وعلى الشباب في معاهدهم أن يؤدوا جميعاً واجبهم ويصدقوا في النهوض برسالتهم، فتنهوض كل فرد بواجبه بعيداً عن الأهواء والأنانية، يسعد البلاد ويزيد في مواردها ويوفر خيراتها ويضاعف وجوه النشاط والإنتاج في زراعتها وتجارتها وصناعتها، وبذلك يتم التعاون على البر والخير بين الحاكمين والمحكومين وتتم النعمة على المجاهدين الصادقين والمواطنين المتحابين، وتتحقق أهداف النهضة وتصل إلى غاياتها وتوفر للبلاد حاجاتها في ظل الحرية والكرامة، متبوئة المكانة التي تليق بماضيها المجيد، وحاضرها السعيد، ومستقبلها المشرق الوضاء.

وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم 

المصدر: مجلة منبر الاسلام، السنة التاسعة، رجب 1372 - العدد 7

تنويه:

جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين

مقالات ذات صلة

بيان مؤتمر العلماء الأول بدمشق - تاريخ 11-13 رجب 1357هـ
السبت، ٢٩ ربيع الأول ١٤٣٤ هـ - ٩ شباط ٢٠١٣بيان مؤتمر العلماء الأول بدمشق - تاريخ 11-13 رجب 1357هـ
  الفكرة العامة الموجبة للمؤتمر        لما كان ...
ما أشبه الليلة بالبارحة - كلمة رابطة علماء سورية
الأربعاء، ١٢ شوال ١٤٣٠ هـ - ٣٠ أيلول ٢٠٠٩ما أشبه الليلة بالبارحة - كلمة رابطة علماء سورية
ما أشبه الليلة بالبارحة        كان بيان رابطة علماء بلاد ال...
تعريف بكتاب الجامعة الرمضانية للأستاذ عبد الله مسعود - صدور كتاب جديد عن رمضان
الأربعاء، ١٢ شوال ١٤٣٠ هـ - ٣٠ أيلول ٢٠٠٩تعريف بكتاب الجامعة الرمضانية للأستاذ عبد الله مسعود - صدور كتاب جديد عن رمضان
تعريف بكتاب الجامعة الرمضانية صدور كتاب جديد عن رمضان للأستاذ عبد الله مسعود. يقدم الأست...