احذروا ظاهر الإثم وباطنه

احذروا ظاهر الإثم وباطنه

التصنيف: ركن الشباب
الثلاثاء، ٢٩ شوال ١٤٣٢ هـ - ٢٧ أيلول ٢٠١١
1329

 بقلم الشيخ نور الدين قرة علي

قد يصعب على المسلم أن تتحرك في ذهنه قضية دون أن يحررها ، أو تبدو لديه فكرة دون أن يبينها ، أو يرى رأيا في مسألة دون أن يطرحها  لتمحيصها ،
ولقد مضت نصف سنة على أحداث سورية ، بدءا من انطلاقتها كانفجار فيزيائي سبّبه الضغط على فكر الإنسان وضميره ، ولقمته ومصيره ،
وانفجرت الأمة يتقدمها شبابها ، تعلن رفضها للظلم وطلبها لحريتها وكرامتها ، كشأن بقية الأمم في مثل هذه الظروف ،
وانفجرت مع هذه الانطلاقة الآراء والفتاوى تتشظّى هذه القضية بتناقضاتها ، وتتبعثر انعكاساتها على الحدث ،
 وتنوعت المواقف بين نُخب الأمة ، وحملة الرايات العلمية ، وأصحاب المؤسسات التربوية والمنابر البلاغية ، والقراءات الفقهية ، فمن صارخ بالجهاد ، ومحذر من الفتنة ، وهارب إلى صومعة العزلة ، ومعتكف مع مجموعته يرفع أكف الدعاء للنظام ، وآخر يرفع الصوت بالنداء أن حيوا على جهاد الكلمة ، ومُتحَرّك للتظاهر في وجه الظلم ، ومحذر من التقصير ، ومبشر بالتغيير، وداع إلى عدم انتعال المساجد ، ومتقزز من اضطراب حثالة القوم ، وكاسر سيفه ، وقاعد من قيام ، ومضطجع من قعود ، حسب قراءات انتقائية للتراث ، أو التجائية للتستر من الأحداث ،
وأبرزت لنا هذه الفترة – ونحمد الله الذي لا يحمد على مكروه سواه - على امتدادها وتفاعلاتها ، إذا نظرنا إليها كفترة تمحيص وابتلاء ، وتحديد مواقف وانتماء ،
أبرزت هذه الفترة عديدا من المواقف والاتجاهات ، وأصبح لدى الأمة مادة تتدارسها من خلال تجربة تمارسها ، وبدأت مراحل الحدث تقدم تصنيفات مهمة للمواقف والآراء ، يتجاذبها الجميع فيما يُكتب أو يُقال ، وهذا أمر متروك أولا وآخرا لهم وحدهم ، ولا يمكن التدخل في أمر اجتهادهم إلا بإلقاء الضوء على الأحداث ، لتتجلى بحقائقها أمامهم ، وأمام غيرهم ممن يرون خلاف رأيهم ،     وأن المسألة هي جهاد فتح الله للأمة أبوابه ، وأضاء لهم أنواره ، ووهبهم من لدنه عزائم التحرك في سبله ، والتقدم لأداء مناسكه في ساحاته ومحاريبه ،
وها هي الأوضاع بتطوراتها ، تملي على هؤلاء وأولئك من التصرفات والتطلعات ما يتناسب مع رؤيتهم وتصوراتهم ،
وإن كان هناك من أمر لابد من ذكره ، فهو تنبيه من عابر سبيل ، مرّ على قوم فسمع ما سمع ،    وها هي مجالس الحوار بين الجميع تعقد ، ومادة القضايا لدى هؤلاء تبسط ، و سيبقى أمر هذا الحوار يتصاعد لأن الأحداث تلهبه ، والمواقف تنضجه ،
ولكن مما لفت النظر واستدعى نوعا من الدعوة إلى الحذر ، ما نسمعه ونستشعره ، أو نمرّ عليه ونبصره من آثار هذه المواقف على بعض الأحبة ، فهناك من لا يزال يرتأي أن الأحداث هي ترجمة لفتنة أثيرت أو لمؤامرة حيكت ، وينبغي أخذ الحذر من عقابيلها ، وعدم الوقوع في براثنها ، أو الدخول في أحابيلها ،
وإن تطاول الفترة الزمانية مع هؤلاء والحدث ، جعلهم يجمعون الأدلة لنصرة مواقفهم ، وربما رتبوا على هذه المواقف مراسم المناهج في وعظهم وتدريسهم ، وسرى أثر ذلك ليكون منظومة في أدعيتهم وأذكارهم ،
وأنا حائر في أمر من أخذ الأمور بتريّث ، واستدعى لها تفسير فتنة تموج بالأمة ، ولعله يتمنى في قرارة نفسه ، أن تعود الأمة إلى ما كانت عليه من السكون والهدوء الذي تحول مع الأيام إلى سكوت وخضوع ، راضيا بما ألقاه النظام إليه ، من فتات القدرة على التحرك في مجلس ذكر، أو درس فقه ، أو إلقاء محاضرة ، أو عقد ندوة أو القيام بخلوة يتنقل بها حسب الأوامر،  من بيت إلى مسجد ومن مسجد إلى بيت ، تحت ظل مراقبة دائمة ، ومحاسبة مستمرة ، ومتابعة لا تعرف أجهزة المخابرات معها أي ملل أو كلل ،
ثم ترفع الأكف متوجهة إلى البارئ ، أن يديم هذا النظام وقيادته ، وهذه الوزارة وأجهزتها ، لأنها أعطت مثل هذا الإذن ، وتسامحت بمثل هذا اللقاء ، وترفقت بالامتناع عن أي عقوبة أو مؤاخذات ،
أخشى على هؤلاء وهم في رتبة صلاحهم ، واستمرارية نشاطهم ، أن يركنوا لمثل هذه القضايا ، فيجلسون فيما بينهم وبين ربهم تعالى ، في قيامهم أو سجودهم ، داعين لهذا النظام بالبقاء ، ولرئيسه بطول العمر وعدم الفناء ، لأن الخير يجري على يديه ، وأن سبيل التحرك للدعوة بين الرجال والنساء يستمد سيره ببركة منته وإذنه ،
وإني أتساءل كيف يستقبل هؤلاء أخبار من بذل الدماء من الشباب ، وقدّم الروح فداء لعزة هذه الأمة! هل يزعجهم ذلك فيتألمون من هذه البطولات ، ويتمنون قلبيا ونفسيا وقوف امتداد هذا التحرك والعودة إلى ما كان ، أو يسيئهم أن الأمة قد استيقظت من سباتها ، وأنها الآن تقوم بأسمى واجب لنيل عزتها وكرامتها ، هل يرون ما يجري عقوبة من الله لكفر نعمة سيادة النظام ، وأن هذا لا يعبر عن الشكر المطلوب لما منحه النظام من إذن بدرس ، أو سماح بمحاضرة أو لقاء ،
إني أسمع وأعجب بأن هنالك مجالس تعقد ، من أجل الدعاء للنظام ورئاسته بالحفظ والصون ، والرعاية والأمان ، من فتنة هؤلاء اللئام والحثالة والركام ،
ولذلك أخشى أن يكون امتداد التحرك لتحرير الإنسان وكرامته ، والمجاهدة لنصرة الأمة وقضاياها ، لا يبهج أمثال هؤلاء ، فيُحزنهم أمر الانجاز المشهود ، وتؤلمهم هذه اليقظة المجيدة ،
وربما يفرحون إذا ما فشلنا وانتصر النظام ، ويعتبرون أن ذلك دليل على صحة نظرتهم للأمور ، فتكون قضية إثبات صحة نظرتهم أسمى كثير من إصلاح هذه الأمة وزوال الطغيان منها ، وفي هذا ويل كبير ، وإثم خطير ،
ولأن هذا هو كذلك ، فإنه يبرر لماذا أخط هذه الكلمة ، عسى أن تكون تنبيها لأجيال من شباب الأمة لا زالت تترنح حيرة ، وللعديد من رجالاتها ، وتجمعات الداعيات إلى الله فيها ، عسى أن نستبصر بإعادة النظر في الأمور ، وعدم الجمود على موقف ومناصرته بشكل يصل به الإنسان أن يدعو للظالم على حساب المظلوم ، وأن يكون منتصرا للجلاد على حساب نفسه والآخرين ،
إنها دعوة للجميع لمراجعة المواقف والاجتهادات ، فمن الفضيلة أن نفعل ذلك ، ومن أروع  الفضائل أن نرجع إلى الحق ، وأن نتوجه - من خلال وعينا بالأمور ، واستبصارنا للواقع ، وتملكنا للأحداث في صلواتنا ودعائنا - نحو القبلة الصحيحة ، حتى لا نكون في دعائنا ونصحنا من المعتدين ، ولأنفسنا وأمتنا من الظالمين ،
والله وحده هو موفق المتقين ، والحمد لله رب العالمين

تنويه:

جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين

مقالات ذات صلة

رمضان بين التضييع والاستثمار
الأربعاء، ٢٣ شعبان ١٤٣٩ هـ - ٩ أيار ٢٠١٨رمضان بين التضييع والاستثمار
 قال عليه وعلى آله الصلاة والسلام: «هذا رمضان قد جاءكم، تُفتح فيه أبوابُ الجنة...
أحكام فقهية مهمة عن رمضان يجدر أن تتعلمها النساء
الأحد، ٣٠ شعبان ١٤٣٧ هـ - ٥ حزيران ٢٠١٦أحكام فقهية مهمة عن رمضان يجدر أن تتعلمها النساء
    1.     يجب تبييت النِّيَّة كل ليلة قبل طلوع الفجر عن كل يوم من ...
ترى كيف يتخاطب الإسلاميون بعضهم مع بعض - تقويم للخطاب الإسلامي الإسلامي...
الأربعاء، ١٢ شوال ١٤٣٠ هـ - ٣٠ أيلول ٢٠٠٩ترى كيف يتخاطب الإسلاميون بعضهم مع بعض - تقويم للخطاب الإسلامي الإسلامي...
بعد يوم مليء بالزيارات المتعددة لشتى التجمعات الإسلامية قررت أن أكتب هذه الخاطرة هدفها توص...