قد يصعب على المسلم أن تتحرك في ذهنه قضية دون أن يحررها ، أو تبدو لديه فكرة دون أن يبينها ، أو يرى رأيا في مسألة دون أن يطرحها لتمحيصها ،
ولقد مضت نصف سنة على أحداث سورية ، بدءا من انطلاقتها كانفجار فيزيائي سبّبه الضغط على فكر الإنسان وضميره ، ولقمته ومصيره ،
وانفجرت الأمة يتقدمها شبابها ، تعلن رفضها للظلم وطلبها لحريتها وكرامتها ، كشأن بقية الأمم في مثل هذه الظروف ،
وانفجرت مع هذه الانطلاقة الآراء والفتاوى تتشظّى هذه القضية بتناقضاتها ، وتتبعثر انعكاساتها على الحدث ،
وتنوعت المواقف بين نُخب الأمة ، وحملة الرايات العلمية ، وأصحاب المؤسسات التربوية والمنابر البلاغية ، والقراءات الفقهية ، فمن صارخ بالجهاد ، ومحذر من الفتنة ، وهارب إلى صومعة العزلة ، ومعتكف مع مجموعته يرفع أكف الدعاء للنظام ، وآخر يرفع الصوت بالنداء أن حيوا على جهاد الكلمة ، ومُتحَرّك للتظاهر في وجه الظلم ، ومحذر من التقصير ، ومبشر بالتغيير، وداع إلى عدم انتعال المساجد ، ومتقزز من اضطراب حثالة القوم ، وكاسر سيفه ، وقاعد من قيام ، ومضطجع من قعود ، حسب قراءات انتقائية للتراث ، أو التجائية للتستر من الأحداث ،
وأبرزت لنا هذه الفترة – ونحمد الله الذي لا يحمد على مكروه سواه - على امتدادها وتفاعلاتها ، إذا نظرنا إليها كفترة تمحيص وابتلاء ، وتحديد مواقف وانتماء ،
أبرزت هذه الفترة عديدا من المواقف والاتجاهات ، وأصبح لدى الأمة مادة تتدارسها من خلال تجربة تمارسها ، وبدأت مراحل الحدث تقدم تصنيفات مهمة للمواقف والآراء ، يتجاذبها الجميع فيما يُكتب أو يُقال ، وهذا أمر متروك أولا وآخرا لهم وحدهم ، ولا يمكن التدخل في أمر اجتهادهم إلا بإلقاء الضوء على الأحداث ، لتتجلى بحقائقها أمامهم ، وأمام غيرهم ممن يرون خلاف رأيهم ، وأن المسألة هي جهاد فتح الله للأمة أبوابه ، وأضاء لهم أنواره ، ووهبهم من لدنه عزائم التحرك في سبله ، والتقدم لأداء مناسكه في ساحاته ومحاريبه ،
وها هي الأوضاع بتطوراتها ، تملي على هؤلاء وأولئك من التصرفات والتطلعات ما يتناسب مع رؤيتهم وتصوراتهم ،
وإن كان هناك من أمر لابد من ذكره ، فهو تنبيه من عابر سبيل ، مرّ على قوم فسمع ما سمع ، وها هي مجالس الحوار بين الجميع تعقد ، ومادة القضايا لدى هؤلاء تبسط ، و سيبقى أمر هذا الحوار يتصاعد لأن الأحداث تلهبه ، والمواقف تنضجه ،
ولكن مما لفت النظر واستدعى نوعا من الدعوة إلى الحذر ، ما نسمعه ونستشعره ، أو نمرّ عليه ونبصره من آثار هذه المواقف على بعض الأحبة ، فهناك من لا يزال يرتأي أن الأحداث هي ترجمة لفتنة أثيرت أو لمؤامرة حيكت ، وينبغي أخذ الحذر من عقابيلها ، وعدم الوقوع في براثنها ، أو الدخول في أحابيلها ،
وإن تطاول الفترة الزمانية مع هؤلاء والحدث ، جعلهم يجمعون الأدلة لنصرة مواقفهم ، وربما رتبوا على هذه المواقف مراسم المناهج في وعظهم وتدريسهم ، وسرى أثر ذلك ليكون منظومة في أدعيتهم وأذكارهم ،
وأنا حائر في أمر من أخذ الأمور بتريّث ، واستدعى لها تفسير فتنة تموج بالأمة ، ولعله يتمنى في قرارة نفسه ، أن تعود الأمة إلى ما كانت عليه من السكون والهدوء الذي تحول مع الأيام إلى سكوت وخضوع ، راضيا بما ألقاه النظام إليه ، من فتات القدرة على التحرك في مجلس ذكر، أو درس فقه ، أو إلقاء محاضرة ، أو عقد ندوة أو القيام بخلوة يتنقل بها حسب الأوامر، من بيت إلى مسجد ومن مسجد إلى بيت ، تحت ظل مراقبة دائمة ، ومحاسبة مستمرة ، ومتابعة لا تعرف أجهزة المخابرات معها أي ملل أو كلل ،
ثم ترفع الأكف متوجهة إلى البارئ ، أن يديم هذا النظام وقيادته ، وهذه الوزارة وأجهزتها ، لأنها أعطت مثل هذا الإذن ، وتسامحت بمثل هذا اللقاء ، وترفقت بالامتناع عن أي عقوبة أو مؤاخذات ،
أخشى على هؤلاء وهم في رتبة صلاحهم ، واستمرارية نشاطهم ، أن يركنوا لمثل هذه القضايا ، فيجلسون فيما بينهم وبين ربهم تعالى ، في قيامهم أو سجودهم ، داعين لهذا النظام بالبقاء ، ولرئيسه بطول العمر وعدم الفناء ، لأن الخير يجري على يديه ، وأن سبيل التحرك للدعوة بين الرجال والنساء يستمد سيره ببركة منته وإذنه ،
وإني أتساءل كيف يستقبل هؤلاء أخبار من بذل الدماء من الشباب ، وقدّم الروح فداء لعزة هذه الأمة! هل يزعجهم ذلك فيتألمون من هذه البطولات ، ويتمنون قلبيا ونفسيا وقوف امتداد هذا التحرك والعودة إلى ما كان ، أو يسيئهم أن الأمة قد استيقظت من سباتها ، وأنها الآن تقوم بأسمى واجب لنيل عزتها وكرامتها ، هل يرون ما يجري عقوبة من الله لكفر نعمة سيادة النظام ، وأن هذا لا يعبر عن الشكر المطلوب لما منحه النظام من إذن بدرس ، أو سماح بمحاضرة أو لقاء ،
إني أسمع وأعجب بأن هنالك مجالس تعقد ، من أجل الدعاء للنظام ورئاسته بالحفظ والصون ، والرعاية والأمان ، من فتنة هؤلاء اللئام والحثالة والركام ،
ولذلك أخشى أن يكون امتداد التحرك لتحرير الإنسان وكرامته ، والمجاهدة لنصرة الأمة وقضاياها ، لا يبهج أمثال هؤلاء ، فيُحزنهم أمر الانجاز المشهود ، وتؤلمهم هذه اليقظة المجيدة ،
وربما يفرحون إذا ما فشلنا وانتصر النظام ، ويعتبرون أن ذلك دليل على صحة نظرتهم للأمور ، فتكون قضية إثبات صحة نظرتهم أسمى كثير من إصلاح هذه الأمة وزوال الطغيان منها ، وفي هذا ويل كبير ، وإثم خطير ،
ولأن هذا هو كذلك ، فإنه يبرر لماذا أخط هذه الكلمة ، عسى أن تكون تنبيها لأجيال من شباب الأمة لا زالت تترنح حيرة ، وللعديد من رجالاتها ، وتجمعات الداعيات إلى الله فيها ، عسى أن نستبصر بإعادة النظر في الأمور ، وعدم الجمود على موقف ومناصرته بشكل يصل به الإنسان أن يدعو للظالم على حساب المظلوم ، وأن يكون منتصرا للجلاد على حساب نفسه والآخرين ،
إنها دعوة للجميع لمراجعة المواقف والاجتهادات ، فمن الفضيلة أن نفعل ذلك ، ومن أروع الفضائل أن نرجع إلى الحق ، وأن نتوجه - من خلال وعينا بالأمور ، واستبصارنا للواقع ، وتملكنا للأحداث في صلواتنا ودعائنا - نحو القبلة الصحيحة ، حتى لا نكون في دعائنا ونصحنا من المعتدين ، ولأنفسنا وأمتنا من الظالمين ،
والله وحده هو موفق المتقين ، والحمد لله رب العالمين