الحمد لله ثم الحمد لله، الحمد لله والله أكبر، نصر عبده وأعز جنده، وهزم الأحزاب وحده، لاشريك له.
وبعد : فهذا يوم من أيام الله تعالى أدال فيه للباطل والظلم والكفر دولة قذرة عاثت في الأرض فسادا، وأمعنت في الظلم والاستكبار، والكفر والإرهاب وإيذاء عباد الله، حتى شاء الله فمنّ على عباده المستضعفين بزوالها بعد أن يئس بعض الناس من ذلك، وظنوا أن سنن الله قد تخلفت، وأن الفلك قد توقف - حاش لله - ولكن أكثر الناس لايعلمون.
وهذه منة كبرى من الله تعالى بها على أهل بلاد الشام خصوصًا، وعلى المسلمين في هذا العصر عموما.
1- وأول ما يجب علينا الوقوف عنده مما جرى من نحو واحد وستين سنة (أي منذ 1963) يوم جثمت هذه الطغمة على بلاد الشام واستمرت من بعد ذلك في الكفر والإجرام حتى أذن الله تعالى بزوال دولتها هو تقوية الإيمان واليقين بقضاء الله رب العالمين، لا رادّ لقضائه ولا معقّب لحكمه الفعّال لما يشاء سبحانه، ولكن الناس يستعجلون، مع التأكيد على حقيقة مهمة جدا يجب أن يتمثل بها كل مؤمن بالله هي أن الإنسان مخلوق مبتلىً في هذه الحياة الدنيا، وأنه بين حالين أن يبتلى فيحتسب ويصبر، وأن ينعم عليه فيحمد ويشكر.
2- وأن الدعاء نافع لاشك في ذلك ولاريب، لكنه يجاب بإذن الله تعالى مع الصبر والاحتساب والعمل والاجتهاد، وفق حكمته عندما يشاء سبحانه. وقد قص الله تعالى علينا قصة نبيه موسى عليه السلام مع فرعون الذي حكم مصر سبعة وستين سنة !! حتى ادعى الألوهية وقال : أنا ربكم الأعلى (أي أكثر مما حكم آل الأسد وحزب البعث مجتمعين بست سنين) ولما أراد الله إنزال الفرج على عباده المستضعفين هيأ الأسباب لذلك، قال تعالى : (إن فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعا يستضعف طائفة منهم يذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم إنه كان من المفسدين * ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين )
3- وأن كل مايجري ويقع يجب أن يكون محل اعتبار وتفكر، ولايلدغ المؤمن من جحر مرتين.
فهذا النظام الفاجر المارق الكافر ما كان له أن يتمكن من بلاد الشام هذه العقود كلها لولا أنه اتخذ له أزلامًا وعبيدا من الشعب الذي تدين غالبيته بالإسلام السني ليستعملهم كيف يشاء، وكانت البداية مع ركوب حزب العبث مطية للتمكن من رقاب الناس ومفاصل القوة في البلاد من قبل مجموعة مارقة من الطوائف والأقليات الباطنية، فكان الحزب الذي ضم كثيرا من الحثالات والمنتفعين من جميع مكونات البلاد وخاصة من السنة ستارا للحكم الطائفي الباطني المشترك الذي تحكم به النصيرية وبعض الطوائف المتحالفة معهم في الفترة الأولى (1963 -1966) وقد ارتكبوا في سبيل ذلك من الجرائم والموبقات ( كاقتحام المسجد الأموي والاعتداء على المعتصمين فيه، ومجازر حماة الأولى، والتعذيب الذي تقشعر له الأبدان ) ماينبغي إذاعته والتذكير به، بعد أن نسيه كثير من الناس الذين ظنوا أن جرائم النظام بدأت عند الثورة الأخيرة، ثم كان أن انفرد النصيرية بالنفوذ والتحكم المشترك بين متنفذيهم في الفترة الثانية ( 1966 - 1970 ) بعد إقصاء الآخرين من الباطنيين، مع استمرار التحكم بحثالات السنة وإمّعاتهم ومنافقيهم من شيوخ دين، وتجار ورجال أعمال، ورجال إدارة وإعلام، وفنانين وسياسيين وعسكريين، وكان من أبرز ما حققوه للبلاد هزيمة سنة 1967 التي بيع فيها الجيش والبلاد والعباد لدولة إسرائيل الغاصبة في حرب الأيام الستة، وانتصر المجرمون بزعمهم ! لأن الحزب بقي موجودًا ! (قاتلهم الله ما أوقحهم ).
ثم كان أن بدأ عصر الحكم الطائفي الأسري الذي انحصر في آل الأسد والمقربين منهم في الفترة الثالثة (1970 – 2024) ووصل الأمر بالأسد الأب أن أعلنه اتباعه إلها يعبد من دون الله، وأنه خالد إلى الأبد، وارتكب من المجازر والموبقات في قمع معارضيه ما لايعلمه حقيقة إلا الله، ومن أبشع ذلك مجزرة حماة الكبرى سنة 1982 وما فعله في السجون والمعتقلات من جرائم تشيب لهولها الولدان. وتابع ابنه السافل خطة أبيه، ومن ورائه طائفة مارقة، وحزب عابث منتفع ذليل، وشيوخ باعوا دينهم بدنياهم، وتجار فجار معبودهم المال، ودول فاجرة متآمرة.
ولما قامت الثورة عليه (2011) كان هؤلاء إضافة إلى من استعان بهم من تلك الدول الفاجرة والباطنيين المارقين هم جنوده الذين ثبتوا حكمه وأنقذوه من الانهيار المتوقع مرات كثيرة، وأعجب ذلك تأييد بعض من يعد نفسه من علماء الدين له جهارا، على الرغم من إعلان ألوهيته صراحة من قبل أتباعه أحفاد القرامطة الفجرة، وقتلهم الناس على ذلك علنا !.ولايخفى أن من يؤيد المجرم فهو مجرم مثله، ومن يشايع القاتل فعليه كفل من جرائمه، ومن يرضى عن الكفر ويدفع عن الكفرة فقد باء بغضب من الله ولعنة مالم يتب ويعلن توبته على رؤوس الأشهاد.
ولذلك فإن على الناس أن يعتبروا مما حصل خلال واحد وستين سنة مظلمة مرت على بلاد الشام، فلا يمكنوا بعدها لأمثال هؤلاء الحثالات المنتفعين أو الحمقى المخدوعين أن يكونوا مطية لأي ظالم أو فاجر يريد أن يعيدها جذعة بثورة مضادة يحتفل لها ويستعد كل منافق ومنتفع من أعوان الظلمة، مع فلول الرافضة وأعوانهم الباطنيين من داخل البلاد وخارجها.
4- يقول الله تعالى في محكم كتابه : ( ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب لعلكم تتقون ) فإذا أراد شعب بلاد الشام أن يحيا حياة مطمئنة فعليه العمل بقانون خالق السماء والأرض هذا، وهو ما يسمونه في المصطلحات القانونية الحديثة بالعدالة الانتقالية، وهذه الدماء التي سالت والنفوس التي أزهقت والأموال والأعراض التي انتهكت على مدى واحد وستين عاما ليست حقا شخصيا لأي طرف حتى يعفو عنها أو يقول للمجرمين الذين انتهكوا حرماتها : اذهبوا فأنتم الطلقاء، فتلك كلمة كانت للنبي صلى الله عليه وسلم قرر بها حكما شرعيا صار قانونا إلى يوم القيامة يعم كل من دخل في دين الله وانخلع من الكفر الذي كان عليه أولا، فالإسلام يجب ما قبله في حق المقبل عليه، أما في حالتنا هذه فالأمر مختلف، وليست القضية الآن قضية دخول في الإسلام وتوبة من الكفر.
وعليه فلا حياة ولا استقرار في البلاد إلا بالقصاص العادل الذي تحكم به هيئات قانونية قضائية مختصة، وليس الأفراد الذين لاتنضبط انفعالاتهم العاطفية، وهذا ما يضمن العدل وأن لايتحول الأمر إلى الانفلات والفوضى. حتى ينال كل مجرم جزاءه وعقوبته.
5- المتاجرة بموضوع الأقليات والعزف الدائم على هذا الوتر البغيض كان ديدن الدول الاستعمارية الغازية منذ عهد الدولة العثمانية، وكانت كل دولة منها تدعي أنها الحامية لطائفة من الطوائف والمسؤولة عنها، وتطور الأمر فيما بعد إلى أن تصبح حقوق الأقليات المزعومة أهم من حقوق الأكثرية من أهل البلاد، وهذا أمر يجب الوعي له ومجابهته بصراحة ووضوح، فحقوق جميع الناس مصونة محفوظة خلال مئات السنين، ولكن على الأقليات أن تلزم حدها وتعرف أنها لايمكن أن تبتلع الأكثرية وتميع هوية البلاد بحجة مراعاة الأقليات، ولهذا كان النص في الدساتير التي لم يستطع حتى النظام الفاجر تجاوزها أن يكون دين رئيس الدولة الإسلام، وهذا يعني أن هناك حدودًا لحقوق هذه الأقليات لا يمكن تجاوزها بحال من الأحوال، ويمكن أن يكون للعرف الذي جعلته الشريعة من أصولها فيما لا يخالف النصوص في المكان والزمان المعينين دوره في حل إشكالية الأقليات وحقوقها.
6- على الأمة اليوم أن توحد الجهود وتستفيد من جميع الطاقات والأموال لأبنائها ليبني أهل البلاد بلادهم وينهضوا بها بدل أن يكونوا رهينة لهذه الدولة أوتلك من الدول التي ستستغل الوضع بعد سقوط النظام كما استغلته أثناء الثورة بالتحكم في الفصائل المتشرذمة وقطع الإمداد عنها متى شاؤوا ووصله متى أرادوا، ولاشك أن خزينة البلاد هي جيوب أبنائها المخلصين، فهم الضمان للإعمار والبناء المنشود.
رحم الله شهداء بلاد الشام عموما، وكل من بذل وقدم روحه أوماله منذ (1963) وحتى الآن خصوصا.
وجزى الله خيرا كل من وقف في وجه هذا النظام الفاجر وصدع بالحق ولو بكلمة خلال واحد وستين عامًا.
والحمد لله أن أقر عيوننا بالنصر المبين ونسأل الله تعالى أن يحفظ بلادنا وأهلنا من كل سوء وأن يجعل العاقبة خيرا وما ذلك على الله بعزيز. والحمد لله أولا وآخرا
عبد القادر الخطيب الحسني
11 / 12 / 2024
جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين


