إن مع العسر يسرا..

إن مع العسر يسرا..

{ أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (1) وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ (2) الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ (3) وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ (4) فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (5) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (6) فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ (7) وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ (8) } [سورة الشرح].
 
سورة الشرح تحمل البُشرى من الله عز وجل لرسوله صلى الله عليه وسلم، يُبشره الله بأنه شرح له صدره، ووضع عنه حِمله الثقيل، { الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ} وهو حمل أمانة الدعوة وتبليغ الرسالة، الذي أعانه الله عز وجل على أدائه، ورفع الله ذكره صلى الله عليه وسلم، فما يذكر الله إلا ويذكر معه رسوله صلى الله عليه وسلم، وذلك عند النطق بالشهادتين وعند رفع الأذان والإقامة وعند دعاء التشهد في الصلاة.
 
وبعد هذه البشريات بُشرى أخرى، وهي أن العسر الذي يُعاني منه بسبب تكذيب قومه سيزول وسيحل محله اليسر والفرح والخير العميم.
 
وطالبه بأن بنشط في الدعوة إلى الله في النهار، فإذا فرغ من ذلك عليه أن ينصب قدميه ويوقفهما في الليل قائماً مُصلياً مُناجياً الله، وعند ذلك يرغب إلى ربه ويتوجه إليه بأعماله كلها، هذا كان حال حبيبنا ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم وهو أفضل الأنبياء وسيد المرسلين، كان لا يتوقف عن الدعوة أبداً خلال النهار، ويقف بين يدي الله في الليل حتى تتشقق أقدامه. فكيف بنا نحن وقد أصبحنا في زمن كثرت فيه الابتلاءات والمصائب فالأولى بنا أن نتقرب إلى الله بكل عمل صالح في النهار، ونقوم ليلنا بصلاة ودعاء ونحن خاشعين مُتذللين. ونسأله الرضا والقبول.
 
وعندا يقرأ أحدنا سورة الشرح عليه أن يقف أمام بُشرياتها ويأخذ نصيبه منها، ويوقن أن الله عز وجل يُبشره بها كما يُبشر رسوله صلى الله عليه وسلم، على كل واحد منا أن يتوقف طويلاً أمام التبشير باليسر بعد العسر { فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (5) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا } وكل منا يمر به العسر كثيراً في حياته ولكنه سرعان ما يزول ويحل محله اليسر، وهذا وعد صادق نافذ من الله تعالى، ويؤكده حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما قال: واعلم أن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يُسراً.
 
فيا من تُعاني شدائد العسر أيقن بعدها بنفحات اليسر في كل جوانب حياتك، واللافت للنظر أن العسر في الآيتين معرفة، وأن العسر فيهما نكرة.
 
والقاعدة العربية تقرر أنه إذا كررت المعرفة في القرآن فإن المعرفة الثانية هي نفس المعرفة الأولى، أما إذا كررت النكرة فإن النكرة الثانية غير النكرة الأولى، فالعسر المُكرر في الآيتين عسر واحد، واليسر المكرر فيهما يُسران اثنان.
 
ولهذا ورد القول المأثور: لن يغلب عسر يسرين.
 
عندما أحس سيدنا يونس عليه السلام بالضيق في بطن الحوت، في تلك الظلمات الهائلة، ظُلمة البحر، وظُلمة بطن الحوت، وظُلمة الليل، وضاق صدره واعتلج همه، وعظم كربه، ففزع إلى الله عز وجل، إلى غياث الملهوف، وملجأ المكروب، وواسع الرحمة، وقابل التوبة، وانطلق لسانه بكلمات كأنهن الياقوت والمرجان {فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين} وجعل الله له بعد عُسر يُسراً، وتأتي الاستجابة السريعة حيث قال الله تعالى: { فاستجبنا له ونجيناه من الغم وكذلك ننجي المؤمنين}
 
فأوحى الله إلى الحوت، أن يلقي يونس في العراء، فخرج إلى الشاطئ سقيماً هزيلاً، فتلقته عناية الله سبحانه وتعالى، وحفت به رحمته، فأنبت الله عليه شجرة من يقطين، ودبت إليه العافية، وظهرت فيه تباشير الحياة، وكذا من تعرف على الله في الرخاء، يعرفه في الشدة.
 
وجعل الله له من كل ضيق مخرجاً ويجعل له بعد عسر يُسراً


صلاح الدين عبد الفتاح الخالدي

تنويه:

جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين

مقالات ذات صلة

بيان مؤتمر العلماء الأول بدمشق - تاريخ 11-13 رجب 1357هـ
السبت، ٢٩ ربيع الأول ١٤٣٤ هـ - ٩ شباط ٢٠١٣بيان مؤتمر العلماء الأول بدمشق - تاريخ 11-13 رجب 1357هـ
  الفكرة العامة الموجبة للمؤتمر        لما كان ...
ما أشبه الليلة بالبارحة - كلمة رابطة علماء سورية
الأربعاء، ١٢ شوال ١٤٣٠ هـ - ٣٠ أيلول ٢٠٠٩ما أشبه الليلة بالبارحة - كلمة رابطة علماء سورية
ما أشبه الليلة بالبارحة        كان بيان رابطة علماء بلاد ال...
تعريف بكتاب الجامعة الرمضانية للأستاذ عبد الله مسعود - صدور كتاب جديد عن رمضان
الأربعاء، ١٢ شوال ١٤٣٠ هـ - ٣٠ أيلول ٢٠٠٩تعريف بكتاب الجامعة الرمضانية للأستاذ عبد الله مسعود - صدور كتاب جديد عن رمضان
تعريف بكتاب الجامعة الرمضانية صدور كتاب جديد عن رمضان للأستاذ عبد الله مسعود. يقدم الأست...