أخلاقُ الأمم والجماعات تتطبَّع وتتكيَّف على مِنهاج الآداب العامَّة الفاشية فيها، فإذا كانت الآدابُ العامَّة لأمَّة أو لجماعة مصادر لانبعاث غرائز الشهوات ونُموِّها، فإنَّ مجاري تفكيرها تتَّجه إلى هذا الأفق النازل من آفاقِ النفس الإنسانية، وتنحصرُ أعمالها وغاياتها ومَقَاصدها وأهدافها في مُحيط هذا الأفق.
وهذا الأفق إذا سيطرَ على تفكير أمَّة وأعمالها فإنَّ فهمها يقصُر عن إدراك المعاني السامية الرحيبة للوجود الإنساني، وتدور مَنَازعها وميولها حولَ محيط وجودها الحاضر ولذاتِها المتقضبة الفانية.
وكل أمَّة تَسير في هذا المضمار وتتجه للوجه الأرضي من وجودها هذا الاتجاه الممعن الموغل، لا تلبث أن تنحلَّ عزائمها، وتفقد قوَّة الصبر والمقاومة لأحداث الأيام، وتتنازعها الأهواء، وتتصادم فيها الرغبات والاتجاهات، وتتغلَّب فيها روح الذاتيَّة والأَثَرة، فيؤثر كل إنسان من بينها مصلحته الخاصَّة على المصالح المشتركة للأمَّة، وما يؤديه للمصلحة المشتركة فإنما يؤديه في حدوده الذاتية بوجه من الوجوه، وهكذا تتدرَّج هذه الموبقات وتجلب ما يُناسبها من السجايا المرذولة المنكرة، حتى يؤول أمرُ الأمَّة إلى التفكُّك والانحلال.
ومهما طال بها الأمدُ فهذه النتيجة محتومةٌ لها ما لم تتيقَّظ فيها الحوافظ لكيانها الروحي، وينشط دعاتُها وأصحاب البصر والقادرون للحقائق فيها إلى العمل لتغيير اتجاه آدابها العامَّة إلى وِجْهَة صالحة لا تثير غرائزَ الشهوات، ولا تجعل السبيل إلى الرذائل مُعبَّداً ميسوراً، فعند ذلك يخفُّ التفكير في الشهوات؛ لأنَّ بواعث هذا التفكير وحوافزه ليست قائمة في الآداب الشائعة في الأمَّة، ويعودُ شطرٌ كبير من تفكيرها ومجاري خواطرها، واتجاه ميولها إلى الناحية الروحيَّة لوجودها، فتعمل في هذا الأفق الرحيب الذي يتَّسع للجميع ولا تتصادم فيها الرغبات، فتبني المجدَ الصحيح على أساسه القويِّ المتين.
ومثل الأمم في هذين الاتجاهين وما يَنشأ عن كلٍّ منهما من الآثار، مثل الفرد في ذلك، والشواهد على ذلك في الفَرْد وفي الأمم والجماعات كثيرة يخطئها العدُّ والإحصاء.
هذا تحليل علمي مُوجز لتأثير الآداب العامَّة في تكوين أخلاق الأمم والجماعات وتكييفها، ومن هنا كانت الآدابُ العامَّة لأمَّة أو لجماعة مرآة تتجلَّى فيها شمائلها وأخلاقها، ويُقاس بها رُقِيُّها وانحطاطها، في معناهما الصحيح لا في معناهما الزائف الموهوم.
ومن ادَّعى خلاف ما قلنا فدعواه مُناقضة للحق والمنطق الذي يؤيده، ثم هي غفلة عن السنن الكونيَّة التي لم تتخلَّف في الحقب المتعاقبة من تاريخ بني الإنسان.
إذا تقرَّر هذا فإنَّه يبدو من الجلي أنَّ من واجب الزعماء والقادة الذين يحملون ألوية النهوض بالأمم، أن يَدفعوا عن الأمم شرَّ الآداب الماجنة المتهتكة، الباعثة للغرائز الدنيئة، وأن يتحرَّوا جعل الآداب العامَّة الفاشية فيها ذات وجهة صالحة تبعث الفضيلة، ولا تُمهِّد للرذيلة ليتيسر تكوين الأخلاق الفاضلة في الأمَّة، فتتَّحد كلمتها وتقوى صَولتها، وينمحي منها صراعُ الأهواء، وتبني المجد على الأساس القوي الذي لا يعتوره وهنٌ ولا اضمحلال.
وكل من يغفل من الزعماء والقادة عن هذا الأصل أو يَتجاهله فإنَّما يُلقي بأمته إلى التهلكة، ويُمهِّد لها سُبُلَ التناحر والفناء، ويجعل رسالتَها في الحياة رسالة حيوانية أرضيَّة شيطانيَّة، لا رسالة روحيَّة سماوية رحمانية.
ومن واجب الشعوب، ولاسيما العلماء أن تُنبِّه هؤلاء الزعماء والقادة إلى خطر ما يَسُوقون الأمم إليه بالتغافل والتجاهل عن تقويم الآداب وإجرائها على الصراط المستقيم، ليعودوا إلى الرُّشد والصواب، ويعملوا لبناء الإصلاح في الأمم على أساس تعمير النفوس بالفضائل، وتوجيه سير آدابها الاجتماعيَّة هذا الاتجاه، فإن عمارة النفوس بالفضائل، وانتظام الآداب على سنن الاستقامة، هما لا غيرهما أصل كل رقي ونهوض، وما وراءهما فظواهر سطحيَّة إن لم تقم على هذا الأصل فإنها لا تغني ولا تُفيد.
ثم إنَّ الآداب التي ذكرنا أنَّها مُنشئة لتكوين الأخلاق وتكييفها، لا تقوم إلا بالقوانين التي تحمي الفضيلة وتُطارد الرذيلة، فلابد للأمَّة التي تريدُ صيانة آدابها، من هذه القوانين الحارسة أن تهيمن على سيرها، وتسيطر على مجرى آدابها ومسالك اتجاهاتها، لئلا تنحدر إلى مَهَاوي الرذائل والشهوات، وتفقد ملكة الإشراف على التوجيه الصالح لأبنائها، وتهيئة التربة الصالحة بالبيئة الصالحة لتربية غِراس أجيالها المتعاقبة، في محيط الطُّهر والعفاف والخصائص الإنسانيَّة السامية.
وكل أمَّةٍ تتهاون في حماية الفضيلة ومُطاردة الرذيلة، ولا تشرِّع لتلك الحماية وهذه المطاردة القوانين الزاجرة الرادعة، فهي فاقدة لما يشبه العقل في نظام الأمم والجماعات، فإنَّ وضع القوانين في الأمم والجماعات هو وضع العقل في الأفراد، بل إنَّ العقل في الأفراد قد يَفقد السلطان على الأهواء إلا بمعونة من رهبة القانون الزاجر، فإن الله تعالى يَزَعُ بالسلطان ما لا يَزَعُ بالقرآن، ومن أجل هذا كان السلطانُ العادل ظلَّ الله في الأرض، وكما لا قيمة لإنسان بلا عقل، كذلك لا قيمة لأمَّة بلا قانون يحمي الفضائل، ويطارد الرذائل، وتتوجَّه الأمة تحت سلطانه إلى معاني الحياة الكاملة الشريفة.
وكما أنَّ الصحَّة الكاملة للعقل الفردي ذات مرتبة واحدة تتلخَّص في استكمال تصوره تعوق الأهواء والشهوات عن الكمال الإنساني استكمالاً يفضي إلى تصحيح الإرادة وتصميمها على رفض هذه الأهواء العائقة، والتخلي عنها، كذلك الصحَّة لقانون الجماعة ذات مرتبة واحدة تتلخَّص في أن يسدَّ القانون سُبلَ الرذائل ويحاربها، ويحمي الجماعة من شرورها وأوضارها، ويوجههم إلى اقتناص الفضائل والولع بها، فيكون القانون عقلاً كلياً للعقول الفرديَّة، وبه تتوجَّه الأمَّة إلى أقصى ما تستعدُّ له من مَرَاتب الكمال.
وبذلك تصلح لقيادة النوع الإنساني إلى المُثُل العُليا، وتفتح السبيل أمام كلِّ الأمم لإدراك هذه المثل السامية والتعلُّق بها.
اللهم أنت المسؤول أن تحقِّق لأمتنا هذا الكمال، وأن توجِّه قلوب قادتها وزعمائها إلى العمل لتحقيقه، وأن ترزقَهم قوة من لدنك وفهماً لحقيقة السعادة الإنسانيَّة إنَّك سميع الدعاء.
وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
المصدر: (مجلة الأزهر، المجلد الثامن عشر، جمادى الثانية 1366 - العدد 6).
جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين


