ولما اطمأن إبراهيم عليه السلام وعلم أنهم ملائكة ، وأن البشارة كان يكفي فيها ملك واحد فقط ، وأدرك أن يكون لهم أمر أهم من ذلك ،قال إبراهيم عليه السلام: فما حالكم وشأنكم الخطير وقصدكم العظيم، الذي لأجله كُلِّفتم ـ أيها المرسلون من الله ـ سوى هذه البشرى؟
قالوا: إنا أُرسلنا من ربِّنا إلى إهلاك قومٍ منبعثين بوقاحة في الفساد والظلم منهمكين في الإجرام بعزم ، يستحقُّون التعذيب والإهلاك الشامل، وهم قوم ابن أخيك لوط عليه السلام .
فأمرنا بالخروج من كان في قرى لوط من المؤمنين الصادقين المعلنين إسلامهم وانقيادهم، فما وجدنا فيها غير أهل بيت واحدٍ فيه مسلمون مؤمنون، وهم لوط وابنتاه، الذين نجَّيْنَاهُم، ومنهم مسلمون ظاهراً غير مؤمنين قلباً، بل منافقون، كامرأة لوط، فهي مسلمة غير مؤمنة، فلم تشملها النجاة، إنما النجاةُ والسَّلامةُ للمؤمنين الصَّادقين.
وأبقينا في مدينة قوم لوط بعد إهلاك الكافرين علامةً باقيةً دالَّةً على ما أنزلنا بهم من تدميرٍ وإهلاك، وهذه الآية ينتفع بها الذين يَخَافون عقاب الله الشديد الإيلام، فلا يفعلون مثل فعلهم في الكفر والعصيان والفجور الفاحش.
وتركنا في إرسال موسى آيةً وعبرةً، إذ أبعثناه برسالاتنا وآياتنا العظيمة إلى فرعون ملك مصر على القبط العرب وبني إسرائيل مَصْحوباً بحُجَّة برهانيَّة ظاهرة، وخوارق باهرة.
فتولَّى فرعونُ مُبْتعداً مُدْبراً عن الإيمان، مغترّاً بجمعه وجنوده الذين كان يتقوَّى بهم، ويعتمد عليهم ، وقال فرعون في شأن موسى: هذا ساحر يسحر الحواس والعقول بما هو غير واقع أو مجنون فقد عقله وسلامة تفكيره. وفي كلام فرعون تهافت ظاهر، لأنه جَمَع بين أمرَيْن مُتضادَّين، وذلك لأنَّ من شأن الساحر أن يكون كثيرَ الفطنة والذكاء والدهاء، وهذا يتنافى مع الجنون تنافياً كلياً.
فأخذنا فرعونَ ملك مصر وجنودَه الذين أعدهم للحرب والقتال، بتدابيرنا الحكيمة، إذْ جعلناه وجيشَه يلاحقون بني إسرائيل الخارجين من مصر، فأغرقناهم جميعاً في شمالي بحر القلزم، وقائدهم فرعون آتٍ بما يُلامُ عليه من دعوى الربوبيَّة وتكذيب الرُّسل.
وفي إهلاك قبيلة «عاد» قومِ الرسول هود، آيةٌ وعبرةٌ للمعتَبرين، إذ بعثنا وأطلقنا عليهم الريح الشديدة التي لا خير فيها ولا بركة، فلا تُلقِّح شجراً ولا تحمل مطراً، وتستأصل ما تصادفه.
ما تترك من شيءٍ مرّت عليه في الأرض من أنفسهم وأموالهم وأنعامهم مما أراد الله إهلاكه إلا صيَّرته وحوَّلته متفتِّتاً كالشيء الهالك البالي، ولستم ـ يا كفار مكة ـ أكرمَ على ربِّكم من كفار عادٍ.
وأغرقنا قوم نوح بالطُّوفان الشامل، من قبل هؤلاء، وهم: عاد وثمود وقوم فرعون؛ إنَّهم كانوا قوماً خارجين عن الطاعة إلى دركات الكفر العِناديِّ الجحوديِّ. فاعتبروا ـ يا كفار مكة وجبابرتها ـ أن ينزل بكم ما نزل بالأقوام السابقين.
تنويه:
جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين