إلى درجة التقديس؟!

إلى درجة التقديس؟!

من المشاكل المستعصية في التفكير لدى بعض المسلمين اختزال الفكر الديني الصحيح وإضفاء القداسة والعصمة على تصرفات شخص ما يعتقدون به من غير الأنبياء صلوات الله عليهم أجمعين .
لأنه مهما بلغ من العلم والإخلاص فهو بشر يخطئ ويصيب، وينسى ويغفل، ويضل ويجهل، وما كانت العصمة لغير رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي أيده الله بالوحي وحفظه من الزلل .
ولعل هذا النموذج الذي رأيناه وعايشناه في عصرنا ورأينا أتباعه ومن يعتقد به كيف يخلعون عليه ثوب القداسة يجعلنا نفهم كيف نشأ مفهوم التأويل لكلام بعض المتقدمين من الغلاة الذين هم محل اعتقاد قبيل من الناس على توالي الأعصار، فحمل ذلك المؤيدين لهم والمعتقدين بهم على تأويل كلامهم مهما كان مخالفا للعقيدة والشريعة على محامل يرونها، لئلا يقولوا إنه أخطأ، أو ضل أو انحرف، فيصير بذلك الكلام الذي ينضح كفرا ومروقا من الدين عرفانا وحقائق لا يبصرها إلا العارفون المتعمقون !
إي والله ... هكذا ربي بعض الناس ويراد لهم أن يربوا غيرهم كذلك ليصبح هذا النهج جزءا من الثقافة الدينية والتفكير السائد المتوارث عبر الأجيال .
ومع امتداد الزمن تكبر القداسة وتتضخم، وتشوه حقائق الدين وتحرف عن وجهها بسبب ذلك، لأن التأويل لا يكون إلا لكلام الله تعالى - الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه - ولكلام رسوله صلى الله عليه وسلم الموحى إليه، أما غير هذين المصدرين فيوصف الكلام بما ينبغي أن يوصف به خطأ كان أو غفلة أو جهلا أو نسيانا أو انحرافا وغلوا .


شيء عجيب إذا غفل شخص أو انخدع أو ضل أو انحرف فاعتقد خلافا لملايين الناس في حافظ المقبور :
أنه كان يقوم الليل بين يدي الله مناجيا متضرعا!
وأنه ولي أمر المؤمنين، وخليفة الله في أرضه !
وأن مرتبة أفراد جيشه العقائدي الذي ورثه لابنه القاتل الفار والذي ذبح المسلمين ونكل بهم أكثر من خمسين عاما، والذي ينادي أفراده بعضهم بعضا بسب الله والدين، قريبة من مراتب الصحابة !
وأنه يتمنى لو كان عضوا في جسد شيطان الضاحية الهالك !
وأنه لا يتألى على الله إن قال إن شابا بأخلاق باسل في الجنة !
وهو الذي أفتى متبرعا للحكام الصالحين في عصره - بعد أن حرف مفهوم الجهاد وعبث بنصوص الفقهاء في كتابه عنه - بالبطش بكل من يعارضهم وأنهم بذلك خارجون على الإسلام لا خارجون على الحكام ! وأنهم بمثابة قطاع الطرق يعاقبون بحد الحرابة !
ثم بعد ذلك كله يبقى بعض الناس يكابرون في أمره ويتأولون كلامه ولا يسمعون فيه مقالا لقائل مهما ظهر من الدلائل وثبت من الحقائق ... لأنه صار مقدسا !.
لماذا ... بربكم
أهان عليكم دينكم فصار الشخص عندكم أعظم من الدين نفسه ؟!.
أم هان عليكم العقل الذي جعله الله تعالى ميزانا للحق والباطل ؟!.
أم هانت عليكم الأمة كلها بقضها وقضيضها وعلمائها ورجالها ونسائها إلا من كان على شاكلتكم لايريد أن يرى و لا أن يسمع .
أم هانت البلاد والعباد والدماء والأموال والأعراض لأجل رجل واحد مقدس عندكم . !
لا تخافوا عليه ولا على ولي أمره الهالك ولا على ولي أمره الذي سيهلك بإذن الله، لقد أفضى كلاهما إلى ما قدم وسيقف بين يدي الله تعالى أحكم الحاكمين فيسأله عن كل صغيرة وكبيرة ويجزيه بما يستحق، ولا يظلم ربك أحدا .
لكن خافوا على أنفسكم أن تكونوا من أعوان الظلمة والمدافعين عن الباطل
خافوا على عقولكم وعقول أبنائكم أن تكابر في المحسوس وتنكر ضوء الشمس وتغالط في القطعيات .
استفيقوا وانتبهوا ... إنها ليست مشكلة شخص لكنها مشكلة في العقل والتفكير .
وإذا ذهب العقل ذهب كل شيء .
فاللهم ثبت علينا العقل والدين ...ولا تجعلنا من المفتونين


بقلم: عبد القادر الخطيب الحسني

تنويه:

جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين

مقالات ذات صلة

بيان مؤتمر العلماء الأول بدمشق - تاريخ 11-13 رجب 1357هـ
السبت، ٢٩ ربيع الأول ١٤٣٤ هـ - ٩ شباط ٢٠١٣بيان مؤتمر العلماء الأول بدمشق - تاريخ 11-13 رجب 1357هـ
  الفكرة العامة الموجبة للمؤتمر        لما كان ...
ما أشبه الليلة بالبارحة - كلمة رابطة علماء سورية
الأربعاء، ١٢ شوال ١٤٣٠ هـ - ٣٠ أيلول ٢٠٠٩ما أشبه الليلة بالبارحة - كلمة رابطة علماء سورية
ما أشبه الليلة بالبارحة        كان بيان رابطة علماء بلاد ال...
تعريف بكتاب الجامعة الرمضانية للأستاذ عبد الله مسعود - صدور كتاب جديد عن رمضان
الأربعاء، ١٢ شوال ١٤٣٠ هـ - ٣٠ أيلول ٢٠٠٩تعريف بكتاب الجامعة الرمضانية للأستاذ عبد الله مسعود - صدور كتاب جديد عن رمضان
تعريف بكتاب الجامعة الرمضانية صدور كتاب جديد عن رمضان للأستاذ عبد الله مسعود. يقدم الأست...