قرأت مقالة لأحدهم، تهجّم فيها وزمجر بأفكار مسبقة معلّبة على "الأخوان المسلمون"، وبالمناسبة لست منهم ولم أنتم يوماً لتنظيمهم أو حركتهم، مع اعتزازي بأخوّتهم وتقديري للكثير من رجالاتهم ومساهماتهم وإنجازاتهم على مرّ العصور، جزاهم الله خيراً...
قرأت إذاً ولم أكن لأردّ لولا مكانة وموقع وُضِع فيها الرّجل - كاتب المقال، ليُروّج لفكر ومنهجيّة ترعرعت وسادت في بعض أوساط مراكز القرار لجهة تشويه حركة رائدة في مجتمعاتنا الإسلاميّة، لا ينكر فضلها إلّا جاحد، حركةٌ ساهمت عبر عقود من الزّمن وحتّى يومنا هذا في تجديد الفكر الإسلامي وتنقيته من شوائب بعض العادات والتّقاليد وسموم الغزو الفكري، بالتّركيز على مقاصده من جهة، وتربية الأجيال على الإلتزام بتعاليم دينهم فهماً وأخلاقاً وسلوكاً ودعوةً رفيقةً بالآخرين رحيمةً بهم من جهة أخرى، حتّى لقد عاب عليها الكثيرون سلميّتها وصبرها على الظّلم الشّديد الّذي نالها ولا زال..
لم أكن لأردّ كذلك لأنّ الكاتب بنى الكثير من "يافطاته" على اجتزاءٍ للنّصوص وتوقيع لكلمات أو مقاطع قد تكون وردت فيها على غير مقصدها ومرادها، كما نلحظ في طيّات عباراته "محاكمة للنّوايا" بأسلوب مباشر أو استطراداً، وعليه فالمقال ليس جديراً بالإهتمام أو الوقوف عنده مطوّلاً سوى لناحية فهم أسلوب تفكير نموذج من نماذج تجريم ومحاربة الإسلام الحركي البرغماتي، ولا أقول هنا تحديداً "السّياسي"، إسلامٌ يهدف في حقيقته إلى إصلاح المجتمع ومحاربة الفساد والإنحلال الخُلُقي ونهضته عبر مؤسّسات الدّولة ورديفها على مستوى المجتمع المدني من جمعيّات ونقابات وهيئات وحتّى أفراد ونشطاء إجتماعيّين، لا أكثر ولا أقلّ...
والمقال إذاً وبنظري، يفتقر بأسلوبه للأمانة العلميّة الّتي تفترض التّجرّد والموضوعيّة والحياديّة ابتداءً، فضلاً عن ضحالة المهارة النّقديّة لجهة التّهجّم ابتداءً ومن دون مقدّمات على "الآخر" بطريقة إستفزازيّة تتحكّم بها الأفكار المسبقة ووصفات الكراهية الجاهزة والمعلّبة، وفي طيّات كلامه مغالطات في الإستشهاد وأخرى في القياس كنت أودّ أن أحسن الظّنّ من ورائها ابتداءً، ولكن لم أستطع لكثرة الإفتراءات ورائحة الكراهية التّي شابت كلماته واستنتاجاته العجيبة..
ولكن لا بدّ من وقفات سريعة، لتسليط الضّوء والإشارة ولو مكرّراً بعضها، إلى ما يلي:
?- يعمد الكاتب إلى تشويه مفهوم عامّ من خلال تسليط الضّوء على جزئيّات اقتطعها من هنا وهناك، لا يُدرَك معناها ولا مقصدها إلّا من خلال السّياق العام للنّص، سياق قد يُحوّل المعنى ويعطيه دلالات مختلفة تماماً بل عكسيّة عمّا يتبادر إلى الذّهن لو اجتزءنا النّص أو بعض كلماته من هنا وهناك..
ولكن يبدو أنّ كاتب المقال لديه فكرة محوريّة وغاية يريد أن يصل إليها بأيّ ثمن، ولو بأن يلوي أعناق النّصوص والمعاني والمقاصد من ورائها..
وأستشهد على سبيل المثال لا الحصر، لمقطع لسيّد قطب، انتبهَ من خلاله لما قد يقع فيه البعض من سوء فهم ولغط حيث يقول:
العقيدة في الإسلام لجهة مفاعيلها النّفسيّة والفكريّة ومن ثمّ تطبيقاتها الواقعيّة والعمليّة في حياة الفرد والمجتمع، ثمّ كلامه عن الدّين ومسألة شموليّته وحدود دوره..، فذلك كلّه مسألة أخرى مهمّة جداً بل خطيرة، يطول البحث فيها ويضيق في هذا المكان والظّرف...
?-حول المفكّر الفذّ سيّد قطب، وهو بالمناسبة كغيره غير معصوم، أنقل كلاماً لشريط صوتي للعالم العبقري الفذّ متولّي الشّعراوي رحمهما الله، يقول فيه وهو من شهد له القاصي والدّاني بعبقريّته في الغوص في معاني القرآن ودلالات معاني آياته، يقول عن سيّد قطب:
https://www.youtube.com/shared?ci=1-HUTOSdjR8
وفي الأخوان المسلمين: https://www.youtube.com/shared?ci=e6Dxxi17mIQ
?- "مشكلة" سيّد قطب أنّ كلامه لا يصلح للأفهام القصيرة والعقول المحدودة، فضلاً عن ذوي الإختصاص في الصّيد في المياه العكرة..
وأكرّر، ليس كلّ ما كتب سيّد قطب بمنظوري يخلو من الشّوائب والنّواقص، كأيّ إنسان خطّاءٍ يصيب ويخطئ..مهما بلغ شأنه علماً وفهماً وحكمة..
?- لعلّ توقيع مسألة الحاكميّة ببعدها السّياسي، بُعدٌ معقّد لتنوّع المجتمعات الّتي يعيش فيها المسلمون وتعقيدها من جهة، وما استجدّ على واقع البشريّة من عولمة وما لازمها من ثورة في التكنولوجيا والمعلومات غير مسبوقتين في الأزمنة السّابقة، لعلّ ذلك أوجد إشكاليّة مركبّة تتحكّم فيها المصالح والأهواء والمناصب عند من ينبري ويتصدّر للإجتهاد في مسائل وقضايا قد لا تريح "ولاة أمورهم ممّن يعتاشون من فتاتهم"..
وعلى أيّ حال، لا شكّ عندي أنّ الحاكميّة بمفهومها السياسي وما يرتبط بها من مفهوم ما يُسمّى بالإسلام السياسي، إسلام تحت المجهر ومتّهم إبتداءً عند مراكز القرار العالمي، وللأسف عند بعض أذنابهم من المسلمين، لا شكّ أنّها مسألة بحاجة لتوصيف وتقرير وبيان في بُعدِها الواقعي والتّطبيقي العملي، أوّلاً لإزالة الغبش عند الكثيرين من الحيارى الّذين يسعوْن مخلصين للوصول إلى برّ الأمان والإطمئنان، وثانياً لتكون نموذجاً وهدفاً يُطرح ويُسعى إليه في إطار العمل على مشروع نهضة الدّولة الحديثة المنشودة، وثالثاً لسحب البساط من تحت المتاجرين بسوق النّفاق العالمي، المتلاعبين بدماء الشّعوب ومصائرها، والمصطادين في الماء العكر...
?- إنّ ممّا يغفل عنه هكذا أشخاص عندما يصيغوا مقالاتهم تلك، ويتناولوا ظلماً وافتراءً فيها أشخاصاً بعينهم فضلاً عن مفكّرين وعلماء ساهموا في نهضة الأمّة وتوعيتها وصحوتها، وافقوهم أم لا...يغفلوا عن كونهم يساهموا في صدّ المسلمين عن تجديد وعيهم للإسلام الحركيّ المؤسّس لأمّة واعية وعاملة، ويلعبوا، عن قصد أو عن غيره لا فرق، لعبة الأعداء في إقصاء الإسلام المقاوم والممانع، "مقاومة وممانعة حقيقيّة"، لمشاريعهم الإستعماريّة، المناهض للأنظمة العميلة والإستبداديّة الّتي تحول دون صحوة شعوبها ونهضتها..
قال تعالى : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ }
وقال جلّ شأنه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ }
هذا على مستوى ظلم الأفراد والأقوام، فكيف بنا إن تسرّعنا بحكم جائر ظالم على حركة شهِد لسيرة مؤسّسها العطرة وأخلاقه النّضرة الصّديق المحبّ والعدوّ المنصف، وفاض خيرها وراجت دعوتها حتّى بلغت الآفاق؟
جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين


