إذا ما كبرت.. ما بتصغر

إذا ما كبرت.. ما بتصغر

التصنيف: ركن العلماء والمناشط الإسلامية
الجمعة، ١٨ رمضان ١٤٣٤ هـ - ٢٦ تموز ٢٠١٣
989

 
 
 
أوّاب إبراهيم
 
 
على فرض أن القائمين على الانقلاب في مصر أصرّوا على انقلابهم، وغضّوا الطرف عن مئات آلاف المصريين الذين يتظاهرون كل يوم في ميدان رابعة العدوية والشوارع المحيطة به، يؤدون الصوات الخمس، ويقيمون الليل، ويرفعون أكف الضراعة إلى الباري أن يحمل الخير والأمن والأمان لمصر. وعلى فرض أن دول العالم أعماها العداء للإسلام ولأصحاب المشروع الإسلامي، فاعترفوا بشرعية الانقلاب الذي حصل، مخالفين كل الأصول والتاريخ والأعراف السائدة في بلادهم. وعلى فرض أن الجيش المصري واصل ممارساته القمعية بحق قيادات وعناصر الإخوان المسلمين ومؤسساتهم ومراكزهم، فزجّ بهم في السجون، ومنعهم من الظهور في وسائل الإعلام، وحظر عليهم امتلاك وسائل إعلامية خاصة بهم لإيصال صوتهم، وطردهم من مؤسسات الدولة وإداراتها، وسمح للبلطجية بتدمير مؤسساتهم وإحراقها واحدة تلو الأخرى أمام أعين رجال الأمن. إزاء كل ذلك، ماذا يفعل الإخوان المسلمون، وما هي الخيارات التي تركها الجيش لهم للتصرف؟
 
بعد "النكسة" الديمقراطية التي مُني بها الإخوان، خرج علينا البعض من حسني النية ممن امتهنوا ضخّ جرعات من المعنويات التي وصلت إلى مستوياتها الدنيا بعد الانقلاب العسكري، ويسعون لرصّ الصفوف والتخفيف من وقع ما حصل والتقليل من أهميته. فعاد الحديث عن زمن المِحْنة كأمثال "سجني خلوة، ونفيي سياحة، وقتلي شهادة"، وعاد التذكير بأن الإخوان المسلمين اعتادوا على السجون وهو ليس جديداً عليهم. ويذكّرنا مانحو المعنويات بأن الإخوان لم يسعوا يوماً إلى الحكم، وأنه لطالما كانت غايتهم الدعوة إلى الله، ونشر الإسلام كمنهج حياة، "والموت في سبيل الله أسمى أمانيهم". وأن ما حصل هو ابتلاء من رب العباد، وربما يكون فيه الخير للدعوة وللحركة الإسلامية "فسعى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم"..
 
كل ما سبق صحيح، لكن لماذا يكون الوصول إلى الحكم هدفاً لكل العالم يسعون إليه بكل الطرق المشروعة وغير المشروعة، ولايكون هدفاً –ولو مرحلياً- للإخوان المسلمين. لماذا يحق للعالم أن يطمح بأن يكون الحاكم الذي يسعى لتطبيق رؤيته، ولايحق للإخوان أن يحلموا بتطبيق رؤيتهم. وإذا ما حاولوا عرض رؤيتهم للناس يكونون قامعين مستبدين ديكتاتوريين(!!). لماذا الوصول إلى الحكم هو كمال المشروع وقمّته بالنسبة للآخرين، في حين أنه نقيصة للإخوان يجب أن يخجلوا به ويبررونه ويعتذروا عنه؟!
 
بعيداً عن الأفكار الطوباوية والمثالية، يجدر الإقرار بأن ماجرى في الأيام الماضية هو انعطافة تاريخية في مسيرة الإخوان سيكون لها مابعدها. لذلك، خلافاً للأداء الذي طالما اعتدناه من الإخوان المسلمين في مصر أو غيرها من الأقطار، فإن ردة الفعل لم تكن الاستكانة والاختباء والهرب من أعين رجال الأمن الذين يبحثون عن قيادات الإخوان وكوادرهم لاعتقالهم دون سند قانوني أو مذكرات توقيف. بل كان القرار حاسماً من قيادة الإخوان وعلى رأسهم المرشد، بالنزول إلى الشارع وحشد المؤيدين والمناصرين، مع ما يحمله هذا القرار من مخاطر الاصطدام بالجيش ورجال الأمن والبلطجية في الشوارع وإراقة دماء لطالما كانت جماعة الإخوان المسلمين تغيّر وجهة قراراتها حفاظاً على هذه الدماء وحرصاً على عدم إراقتها.
 
اليوم القرار بالنزول إلى الشارع ليس استهتاراً بدماء الشعب المصري، ولا سعياً للصدام مع الجيش، ولا تحوّلاً عن المسار السلمي الذي انتهجته جماعة الإخوان منذ نشأتها. إنما هي وقفة لتنبيه الجميع بأن عقارب الساعة لن تعود إلى الوراء، وأن زمن الأنظمة البائدة المستبدة لن يُسمح بأن تعود إلى الواجهة بأشكال ومسمّيات جديدة، وأن إصرار جماعة الإخوان المسلمين على النهج السلمي لايجب أن يُفهم خطأً من أنه ضعف أو استكانة أو خمول، "فيركبوا على ظهرها". فليس منطقياً أن تقف جماعة الإخوان متفرجة وهي ترى مااستغرقت في بنائه أكثر من سبعة عقود يُهدم بإجراءات وقرارات ظالمة، أطاحت بكل قيم الحق والعدل والديمقراطية التي يتغنى بها العالم.
 
القرار الذي اتخذته جماعة الإخوان بالنزول إلى الشارع كبير وسيكون مفصلي في مسيرتها، وربما يتسبب بأوجاع وآلام وجراح، كما حصل في المجزرة التي ارتكبتها أجهزة الأمن أمام دار الحرس الجمهوري، وسيضع الإخوان أمام قرارات مصيرية أخرى عليها اتخاذها، لكن قيادة الإخوان أدركت –ولو متأخرة- أنه "إذا ما كبرت ما بتصغر".

تنويه:

جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين

مقالات ذات صلة

بيان مؤتمر العلماء الأول بدمشق - تاريخ 11-13 رجب 1357هـ
السبت، ٢٩ ربيع الأول ١٤٣٤ هـ - ٩ شباط ٢٠١٣بيان مؤتمر العلماء الأول بدمشق - تاريخ 11-13 رجب 1357هـ
  الفكرة العامة الموجبة للمؤتمر        لما كان ...
ما أشبه الليلة بالبارحة - كلمة رابطة علماء سورية
الأربعاء، ١٢ شوال ١٤٣٠ هـ - ٣٠ أيلول ٢٠٠٩ما أشبه الليلة بالبارحة - كلمة رابطة علماء سورية
ما أشبه الليلة بالبارحة        كان بيان رابطة علماء بلاد ال...
تعريف بكتاب الجامعة الرمضانية للأستاذ عبد الله مسعود - صدور كتاب جديد عن رمضان
الأربعاء، ١٢ شوال ١٤٣٠ هـ - ٣٠ أيلول ٢٠٠٩تعريف بكتاب الجامعة الرمضانية للأستاذ عبد الله مسعود - صدور كتاب جديد عن رمضان
تعريف بكتاب الجامعة الرمضانية صدور كتاب جديد عن رمضان للأستاذ عبد الله مسعود. يقدم الأست...