تعد الشائعات من أخطر الرذائل التي متي فشت في أمة من الامم, أو في جماعة من الجماعات, اضطربت أحوالها, و انتشرت الفوضى فيها, وضعفت الثقة بين أبنائها, وانتشر فيهم سوء الظن المبني على الأوهام لا على الحقائق.
و من سمات الأمم و الجماعات التي يكثر فيها العقلاء الأمناء أنها لا تنتشر فيها الإشاعات بل تموت تلك الشائعات حتى قبل أن تلتقط أنفاسها حيث يكون السلوك الشائع في تلك الأمم و الجماعات هو تمحيص الأخبار و مراجعة الأقوال و تحكيم المنطق السليم و لا تصدق إلا ما قام عليه الدليل.
و إن أمتنا المؤيدة بدستور يشمل الكون بمادياته و روحانياته وضعه رب هذا الكون و إلهه للناس و قال اتبعوا تهتدوا قد علمها الله تعالى كيف تحافظ على وجودها و كيانها من الضياع و مما علمها كيف تتعامل مع الشائعات حيث يقول الله تعالى :
إن الصورة التي يرسمها الله تعالى لجماعة في معسكر إسلامي مرابطة على الحق سائرة على الطريق و لكنهم لم تألف نفوسهم النظام و لم يدركوا بعد تأثير الإشاعات المدمر الذي قد يودي بحياة الجماعة و يفتتها لأنهم لم يرتقوا بعد لمستوى الحدث و لم يعلموا جدية الموقف و ما قد تؤدي هذه الإشاعة إليه سواء على المستوى الشخصي أو على مستوى الجماعة ذاتها أو لأنهم لم يشعروا بالولاء الحقيقي الكامل لهذه الجماعة أو هذا المعسكر و لم يرتقوا بانتمائهم إلى مستوى الإنتماء المصيري لهذه الجماعة.
فرب كلمة كلمة تخرج من الأفواه لا يلقى لها بال تتلقفها الألسن تؤدي إلى ما لا يحمد عقباه و لا يمكن تداركه بعد حدوثه بحال من الأحوال سواء كانت هذه الكلمة إشاعة أمن أو إشاعة خوف فالأمر سيان فكلتاهما قد تؤديان دوراً مدمراً.
فقد تؤدي الإشاعة إلى تعطل الطريق و توقفه بشكل نهائي و قد يؤدي لحدوث إنحرافات فيه و هذه الإنحرافات تزيد بشكل مطرد مع الزمن و قد تؤدي في لحظة من اللحظات للخروج عن الطريق و الوقوع في الهاوية.
إن للإشاعات تأثير كبير على السائرين أنفسهم فقد يؤدي لنشر الفوضى و الذعر بينهم و الإنشغال بخطر وهمي عن الخطر الحقيقي أو انتشار الأمن الكاذب الذي يكون مدعاة للتراخي و قعوداً عن الإعداد للخطر الذي قد يحيط بالجماعة السائرة على الطريق و هنا تكون الضربة التي تذهب بالجماعة السائرة و تجعلها في مهب الريح و قد تؤدي لتفرق السبل بها و ضياعها في أكثر من طريق.
و هذه الصورة هي الصورة للجماعة المسلمة العاملة غير مكتملة النظام و لا تملك نظاماً أمنياً يساعدها في ضبط هذه الإشاعات و معالجتها و لم يرتقي أعضائها لمستوى الإنتماء المصيري لها و الولاء.
ثم تأتي الصورة الأخرى في نفس الآية في توجيه رباني لآلية التعامل مع هذه الإشاعات ( و لو ردوه إلى الرسول و أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم ) أي أنهم لو ردوا الأنباء الواردة إليهم بالأمن أو الخوف إلى الرسول صلى الله عليه و سلم – إن كان موجوداً – أو إلى أولي الأمر منهم ليقوموا هم بتحليله و عرضه على أصحاب الإختصاص و الخبرة ليقوموا باستنباط الحقيقة و استخراجها من ثنايا التناقضات و الملابسات لأنهم هم المرجعية و يرون الصورة مكتملة أكثر ممن هم في القاعدة و يستطيعون تقدير الأمر في إذاعة هذا الخبر أو عدم إذاعته رغم ثبوت صحته.
وهذا التوجيه يعتبر ركناً من أركان الجندية التي تحافظ على أمن الجماعة المسلمة و المجتمع المسلم من الأخطار القادمة إليه من خارجه.
فالسائر في الطريق لابد له من التزام هذا الأمر و عدم إشاعة أي خبر أو اتباعه عند وروده إليه فلابد أن يقف عنده و ينقله بأمانة إلى قيادته و أولي أمره و أصحاب الشأن الحقيقي بالموضوع حتى يعلموا حقيقة الأمر و ملابساته و تناقضاته. و نذكر بقول الله تعالى :
مذكراً بأن الإنسان مسؤول أمام الله عما يسمع و يرى و يشعر به و يخفيه في صدره.
ثم تأتي الصورة الأخيرة من المشهد لتربط القلوب بالله تعالى و تذكرها بفضله أن علمها ما لم تعلم و أرشدها لما يحفظ بقائها و ثباتها على الدرب و أنها لولا هذا الفضل لاتبعت سبيل الشيطان و ضلت الطريق و تفرقت بها السبل و سلكت طريقاً غير الطريق و سبيلاً غير السبيل.
فلا تقف ما ليس لك به علم و رد الأمر إلى أهله ليعرفوا حقيقته ...
تنويه:
جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين