صفحات من كتاب (إدارة التلاوة.. أعد اكتشاف علاقتك مع القرآن الكريم) (9)

صفحات من كتاب (إدارة التلاوة.. أعد اكتشاف علاقتك مع القرآن الكريم) (9)

التصنيف: فقه الدعوة
الجمعة، ٢٩ شوال ١٤٤٧ هـ - ١٧ نيسان ٢٠٢٦
103

8- معجزة الكشوف العلميّة المبكّرة

لعلّ أصعب سؤالٍ واجهني في هذا البحث هو: كيف كان يمكن لعقول المسلمين الأوائل أن تتقبّل تلك الحقائق العلميّة المذهلة التي حملها القرآن إليهم بين دفّتيه، متمثّلةً بالآيات العديدة التي تكشف للإنسان، وقبل أربعة عشر قرناً، حقائق فلكيّةً، ورياضيّةً، وبيولوجيّةً لا لبس فيها، ولم يتوصّل إليها العلماء إلّا في القرنين الأخيرين، وربّما في العقود الأخيرة لا أكثر؟


عندما تصطدم اللغة مع العقل؛ فلا بدّ لأحدهما من أن يتنازل للآخر. ومن الطبيعيّ، في موضوعنا هذا، أن تكون اللغة هي التي ستتنازل عن دورها للعقل، ولو مؤقّتاً، ليفسّر الآية تبعاً لمقاييسه المنطقيّة، وتبعاً لثقافة عصره، مهما كانت محدوديّة تلك المقاييس وسقف تلك الثقافة، ثمّ أن تُترك اللغة للزمن بعد ذلك، ولتَطوُّر العقلِ الإنسانيّ، وللكشوف العلميّة المستجدّة، لتُطوّر أحكامَها، أو لتصدر قراراتها النهائيّة في هذه الأحكام.

على ضوء هذه الحقيقة؛ يمكن أن نفهم لماذا نهى رسول الله ﷺ المسلمين عن الجدل في القرآن.

لقد كان يعلم أنّهم لن يصلوا في النهاية إلّا إلى سقف عقولهم وثقافتهم، وأنّهم لو استمرّوا في مثل هذا الجدل؛ فلن تكون هناك نهايةٌ له؛ وسوف يقعون في المحظورات، وربّما في الشكّ وضعف الإيمان، أو ربّما الكفر في النهاية:
- عن عائشةَ أمِّ المؤمنين قالت: "تَلَا رَسولُ اللَّهِ ﷺ هذِه الآيَةَ: {هو الذي أنْزَلَ عَلَيْكَ الكِتَابَ منه آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الكِتَابِ وأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فأمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشَابَهَ منه ابْتِغَاءَ الفِتْنَةِ وابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إلَّا اللَّهُ والرَّاسِخُونَ في العِلْمِ يقولونَ: آمَنَّا به، كُلٌّ مِن عِندِ رَبِّنَا، وما يَذَّكَّرُ إلَّا أُولُو الألْبَابِ} [آل عمران: 7]. قَالَتْ: قَالَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ: فَإِذَا رَأَيْتِ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ ما تَشَابَهَ منه – أي يفسّرون بعض الآياتِ المُشكلةِ على غيرِ المعنى المراد منها – فَأُولَئِكِ الَّذِينَ سَمَّى اللَّهُ فَاحْذَرُوهُم". [متّفق عليه]
- عن عبدِ اللهِ بنِ عمرٍو قال: "خرجَ رسولُ اللَّهِ ﷺ علَى أصحابِهِ وهُم يختَصِمونَ في القَدَرِ، فَكَأنَّما يُفقَأُ في وجهِهِ حَبُّ الرُّمَّانِ منَ الغضَب، فقال: بِهَذا أُمِرتُمْ؟ (أو: لِهَذا خُلِقتُمْ؟تَضرِبونَ القُرآنَ بعضَهُ ببَعضٍ؟ بِهَذا هلَكَتِ الأمَمُ قبلَكُم". [رواه ابن ماجه، وصحّحه الألباني]
- عن جُندُبِ بنِ عبدِ الله قال: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ: "اقْرَؤُوا القُرْآنَ ما ائْتَلَفَتْ عليه قُلُوبُكُمْ، فإذا اخْتَلَفْتُمْ فَقُومُوا عنْه". [رواه البخاري]
- عن أبي هريرةَ قال: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ: "المِراءُ – أي الجدال – في القُرآنِ كُفرٌ". [رواه أبو داود، وصحّحه الألباني]
- عن عبدِ اللهِ بنِ أبي مُلَيكةَ: "أنَّ رجُلاً سَأل ابنَ عبَّاسٍ عن قولِه عزَّ وجلَّ: {وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ} [الحج: 47]، فقال: مَن أنتَ؟ فذكَرَ له أنَّه رجُلٌ مِن كذا وكذا، فقال ابنُ عبَّاسٍ: فما يومٌ كان مِقدارُه خمْسينَ ألْفَ سَنةٍ؟ – يشير مذكّراً له بالآية 4 من سورة المعارج –فقال الرَّجلُ: رَحِمكَ اللهُ، إنَّما سَألْتُك لِتُخبِرَنا! فقال ابنُ عبَّاسٍ: يَومانِ ذَكَرهما اللهُ عزَّ وجلَّ في كِتابِه، اللهُ أعلَمُ بهما. فكَرِه أنْ يَقولَ في كِتابِ اللهِ بغيرِ عِلمٍ". [رواه الحاكم في المستدرك على الصحيحين]


وحين دخل المسلمون مرحلة التفسير، بعد عقودٍ من الفترة التي منعه فيها عمر بن الخطّاب وعاقب من يكتبه، كان لا بدّ للمفسّرين من أن يطوّعوا اللغة لسقف ثقافتهم وعلومهم. فلم يكن هناك من سبيلٍ لأن يطوّعوا عقولَهم للّغة، لأنّهم، ببساطة، لن يستوعبوا ما تضمّنته الآيات من حقائق علميّةٍ لم يكن العقل البشريّ قد نضج بما يكفي لتقبّلها واستيعابها!


ولكي نضع يدنا على هذه الكشوف العلميّة؛ لا بدّ من العودة إلى النصّ القرآنيّ نفسه، وليس إلى تفاسير القدماء، تلك التي تنازلت فيها اللغة عن دورها لصالح عقول المفسّرين، وحصرت نفسها داخل أسوار ثقافة عصورهم، ولا إلى الترجمات القرآنيّة المختلفة، لأنّ من الواضح أنّ معظم هذه الترجمات، إن لم يكن كلّها، وفي محاولة بحث المترجمين عن معاني الآيات بما يتوافق مع التفاسير المتداولة، قد جاء ترجمةً لتلك التفاسير، وليس ترجمةً للقرآن الكريم، كما سوف نفصّل القول عند حديثنا عن التلاوة الثقافيّة.


وسنكتفي هنا بالوقوف عند آياتٍ ستٍّ سبق أن حيّرت المفسّرين في الماضي، فكان أن طوّعوا لغتها لمفهوماتهم، فجاء المترجمون في العصور الحديثة، وللغرابة، ليعتمدوا معانيها كما فهمها أولئك الأوائل، وليس كما تكشف ألغازَها لهم اليوم ثقافتُهم الحديثة، والإنجازات العلميّة المتطوّرة:


1- وترى الجبالَ تحسبُها جامدةً وهي تمرُّ مرَّ السحابِ، صُنعَ الله الذي أتقنَ كلَّ شيءٍ [النمل: 88]

بتحدّياتٍ لغويّةٍ غير معهودة، وبإثارةٍ شديدةٍ لحيرة العربيّ الأوّل، ولكن بوضوحٍ وجلاءٍ، وبإثارةٍ للدهشة والمفاجأة في عيوننا اليوم، تؤكّد هذه الآية أنّ الأرض تدور بجبالها ووديانها تماماً كما تدور الغيوم فوقنا، حتّى إن ظنّ الناظر إليها أنّها ثابتةٌ لا تتحرّك. ثمّ تُلحِق الآيةُ ذلك الكشف العلميّ المبكّر، وفي سبيل تأكيد حقيقته الإعجازيّة المرادة، بتذكيرنا بأنّ هذا الدوران للجبال، وللأرض، لا يمكن أن يتحقّق إلّا على يد خبيرٍ قويٍّ يتقن صناعة كلّ شيءٍ، حتّى ما لا تستوعبه عقول البشر.

يأتي هذا التحدّي اللغويّ للعقل البشريّ قبل قرونٍ عديدةٍ من إثبات العلماء لحركة الأرض، ودورانها حول نفسها وحول الشمس.


2- والسماءَ بنيناها بأيْيدٍ وإنّا لَمُوسِعون [الذاريات: 47]
تؤكّد هذه الآية حقيقةً أخرى من الحقائق التي يستعصي ابتلاعها وقبولها على عقول البشر، حتّى في يومنا هذا، فكيف بأولئك الذين عاشوا في تلك العصور المبكّرة؟
الكون في حالة توسّعٍ مستمرّ، ومن غير توقّف، وهذا لا يمكن أن يتحقّق إلّا بقوّةٍ (أَيْدٍ) لا يمتلكها إلّا خالقٌ قادرٌ عظيم. يأتي هذا التأكيد القرآنيّ قبل أربعة عشر قرناً من إطلاق التلسكوب الفضائيّ (هابل) في أواسط القرن العشرين؛ واكتشافه أنّ الكون يتوسّع، وبشكلٍ بالونٍ ينتفخ باستمرار، وبسرعة مائة بليون ميل في الساعة. (1)


3- ثمّ استوى إلى السماء وهي دخانٌ فقالَ لها وللأرضِ ائتيا طوعاً أو كَرهاً [فصّلت: 11]
تؤكّد هذه الآية أن الكون المحيط بنا كان في الأصل كتلةً غازيّةً (دخاناً) قبل أن يتحوّل إلى سماءٍ، ومجرّاتٍ، وأرضٍ، وكواكب، وشموسٍ، وأقمارٍ. كان هذا قبل أن يكتشف العلم الحديث بقرونٍ عديدةٍ حقيقة أن هذه الأرض التي نتحرّك فوقها، وما يحيط بها من شموسٍ وأقمارٍ ومجرّاتٍ وكواكب، كانت يوماً كتلةً من غازٍ أو دخان.


4- ويتكامل معنى هذه الآية الأخيرة؛ مع معنى آيةٍ قرآنيّةٍ أخرى توضّح حقيقة أنّ السماء والأرض، ومعهما كلّ الأجرام الفضائيّة في هذا الكون، كانت يوماً كتلةً واحدةً، ثم انفصلت وتباعدت لتأخذ كلٌّ منها موقعها وشكلها وطبيعتها الجديدة. وهذا ما لم يستوعبه، ولم يكتشفه العقل الإنسانيّ، إلّا قبل عقودٍ قليلةٍ من السنين:
- أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا ۖ وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ ۖ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ ‎‏ [آل عمران: 30]


5- وتتلو هذه الآيةَ مباشرةً في السورة؛ آيةٌ أخرى تؤكّد دور الجبال في الحفاظ على توازن الأرض واستقرارها، وأنّها إنّما غُرست في الأرض لتكون لها بمثابة (المرساة) للسفينة، وهو ما لم يكتشفه الإنسان، وما لم يكن يستوعبه عقله، أيضاً، إلّا في القرون الأخيرة. ولهذا السبب بدأت الحكومات تشرع القوانين الخاصّة بالمناجم والمحاجر، وتحذّر من إزالة الجبال من أماكنها، أو التمادي في اقتطاع أجزاءٍ منها، خشية أن تتزلزل الأرض أو تَميد بسكّانها:
- وَجَعَلْنَا فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلًا لَّعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ‏ [آل عمران: 31]


وتؤكّد آيةٌ أخرى هذه الوظيفة "التثبيتيّة" التي تقوم بها الجبال، حين توضّح أنّها جاءت بمثابة "الأوتاد" التي تثبّت الخيمة، وتحافظ على استقرارها أمام تقلّبات الجوّ:
- أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا ‎﴿٦﴾‏ وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا ‎﴿٧﴾‏ [النبأ: 6-7]


6- وتكشف آيةٌ أخرى بوضوحٍ كرويّة الأرض. فحين أراد تعالى أن يصف لنا عمليّة تحوّل الليل إلى نهارٍ وتحوّل النهار إلى ليلٍ؛ لم يقل: "يغطّي الليلُ النهار، ويغطّي النهارُ الليل" ولم يقل: "يلتفّ الليلُ على النهار، ويلتفّ النهارُ على الليل"، بل اختار اللفظ "يكوّر" ليصوّر لنا تلك الحركة الدائريّة التي يرسمها كلٌّ من الليل والنهار، أحدهما حول الآخر، في التفافةٍ تكويريّةٍ مستمرّةٍ على مدى 24 ساعة:
- خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ ۖ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ ۖ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ ۖ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُّسَمًّى ۗ أَلَا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ ‎[الزُّمر: 5]


ويؤكّد لنا القرآن الكريم، ومنذ ذلك الوقت، مجيء اليوم الذي سيفاجأ فيه الناس بما يحمله إليهم من كشوفٍ وحقائق علميّةٍ لن تتبيّن لهم إلّا بعد حين:
- إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ ‎﴿٨٧﴾‏ وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ ‎﴿٨٨﴾‏ [ص: 87-88]


يقول مصطفى صادق الرافعيّ:
"قد ثبت أنّ رسول الله ﷺ قُبِض ولم يفسِّر من القرآن إلاّ قليلاً جداً. وهذا وحده يجعل كلّ منصفٍ يقول: أشهد أنّ محمّداً رسول الله، إذ لو كان ﷺ فسَّر للعرب بما يحتمله زمنهم، وتطيق أفهامهم، لجمد القرآن جموداً تهدمه عليه الأزمنة والعصور بآلاتها ووسائلها، فإنّ كلام الرسول نصٌّ قاطع، ولكنّه ترك تاريخ الإنسانيّة يفسّر كتاب الإنسانيّة". (2)


لقد بذل المفسِّرون الأوائل غاية جهدهم، وحاولوا ما أمكنهم أن يضعوا معاني القرآن الكريم بين أيدي البشر، سبيلاً لكلّ باحث، ورواءً لكلّ ظامئ، واعتصروا أدمغتهم لتكون في مستوى التفكير البشريّ العامّ لعصرهم، فلا تسبقه، وكيف يمكن أن يسبقوه بتفكيرهم وهم جزءٌ منه؟ ولا تقصّر عنه، وكيف يمكن أن يقصّروا عن التفكير بمعاني القرآن وأسراره وهم العلماء والمفكّرون؟


وتستمرّ سلسلة المفسّرين من بعدهم على مدى القرون، فلم يكن أمام اللاحقين، وهم يتعاملون مع مثل هذه الآيات المحيِّرة، إلّا أن يرتدوا قمصان من سبقهم من المفسّرين.


طبعاً، لم يكن يخطر في بال أولئك الأوائل الكبار أن يأتي مِن بعدهم قومٌ يأخذون بتفسيرهم ويغمضون أعينهم عن النصّ القرآنيّ الذي بين أيديهم، وعن الثقافة والكشوف العلميّة الجديدة التي أتاحها لهم عصرهم، فيستغنون بما كتبه المخلوق عمّا أراده الخالق، حتّى إن كشف الزمن خطأ تفسيرهم، فما هم إلّا بشرٌ مثلنا يفكّرون على قدر ما أتاحت لهم عقولهم وثقافة عصرهم، فكان أن حلّ التفسير، للأسف، محلّ المفسَّر، والتابع محلّ المتبوع.


وسأنقل لكم هنا بعض ما ذكرته في كتابي (مسلمون في مواجهة الإسلام، مسيحيّون في مواجهة المسيحيّة) حول الآية الأولى من هذه الآيات الستّ، لأُبرز من خلاله الدور السلبيّ للمترجمين، وتقيّدهم شبه التامّ بالتفاسير المعروفة. هذا، مع اقتناعنا التامّ بأن المفسّرين القدامى قد بذلوا قصارى جهدهم، واستخدموا كلّ ما وفّرته لهم معارفهم وثقافة عصرهم، للوصول إلى تفسيرٍ منطقيٍّ سليمٍ ومناسبٍ للعقل البشريّ.


إنّنا اليوم نعاني، وللأسف، من الانفصال شبه التامّ بين معارف عصرنا وبين التفاسير والترجمات التي بين أيدينا، قديمها وحديثها.


أقول في آية دوران الأرض:
"كان أوّل خاطرٍ التمع في ذهني وأنا أرى إلى هذا الوضوح العجيب في الآية، وهي تؤكّد لنا دوران الجبال، ومِن ثَمّ دوران الأرض، كما يدور السحاب، هو أن أعود إلى المفسّرين القدماء فأرى كيف فهموها بمنظار عصرهم المحدود لحقيقة الأرض وعلاقتها بالكون. إذ لم يكن أحدٌ يعلم شيئاً عن دورانها، ولا عن كرويّتها. ولم تكن صدمةً لي وأنا أفاجأ بتلك التفسيرات البعيدة كلّ البعد عن مفهومي، أنا إنسانَ القرن العشرين أو الواحد والعشرين، رغم أنّها كانت تمثّل بصدقٍ متناهٍ معارفَ أبناء عصورها المختلفة. جاء في تفسير هذه الآية:


- الخازن: أي تسير سيرَ السحاب حتّى تقع (أي الجبال) على الأرض، فتُسوَّى بها... كذلك سيرُ الجبال يوم القيامة لا يُرى، لعِظَمِها، كما أنّ سير السحاب لا يُرى لعِظَمِه.


- الطبريّ (والنسفيّ وابن الجوزي والزمخشريّ والقرطبيّ): عن ابن عبّاسٍ: قوله (وترى الجبال تحسبها جامدةً) يقول: قائمةً، وإنّما قيل (وهي تمرّ مرّ السحاب) لأنّها تُجمَع ثمّ تُسَيَّر فيَحسَبُ رائيها لكثرتها أنّها واقفةٌ، وهي تسيرُ سيراً حثيثاً، كما قال الجعديّ يصف جيشاً:

بأرعنَ مثلِ الطَودِ تحسَبُ أنّه

*** وقوفٌ لِحاجٍ والرِّكابُ تُهمْلجُ


- الرازي (والبيضاويّ): ووجه حسبانهم أنّها جامدةٌ؛ أنّ الأجسام الكبار إذا تحرّكت حركةً سريعةً على نهجٍ واحدٍ ظنّ الناظرُ إليها أنّها واقفةٌ مع أنّها تمرّ مرّاً سريعاً.


- أبو حيّان: وحسبانُ الرائي الجبالَ جامدةً، مع مرورها، قيل: لهولِ ذلك اليوم، فليس له ثبوتُ ذهنٍ في الفكر في ذلك حتّى يتحقّق كونُها ليس بجامدة.


بقلم: أحمد بسام ساعي أي تراها كأنّها ثابتةٌ باقيةٌ على ما كانت عليه، وهي تمرّ مرّ السحاب، أي تزول عن مكانها.


- الفرّاء (والأخفش الأوسط): أهملا شرح الآية.


ولكنّ المفاجأة الحقيقيّة والمؤلمة هي إصرار المفسّرين المحدَثين على التوقّف عند النقطة التي وصلت إليها عقول القدماء، واكتفاؤهم بالحدود التي ناضل الأوائل للوصول إليها، فألغَوا بذلك عقولهم وعلومهم وشخصيّتهم وعصرهم؛ بإهمالهم كلّ ما توصّلت إليه علومنا من إمكاناتٍ فكريّةٍ تساعدهم على تجاوز مدارك الأقدمين وإمكاناتهم.


أقول هذا وبين يديّ عشرة تفاسير إنجليزيّةٍ حديثةٍ للقرآن الكريم، ثمانيةٌ منها وضعها مسلمون، واثنان لمستشرقَين غير مسلمَين.


أمّا تفاسير المسلمين الثمانية، أو بالأحرى ترجماتهم للتفاسير العربيّة، فعضّت جميعاً بالنواجذ على تفسيرات القدماء، ولم يكن لأصحابها، للأسف، أيّ ارتباطٍ بعصرهم، ولم يقبسوا أيّ نارٍ من علوم الحضارة الحديثة ليهتدوا بها في مسيرتهم الصعبة وهم يمارسون أشقّ مهمّة لغويّة يمكن أن تواجه مترجماً: ترجمة ما لا يُترجم.


وهكذا؛ لم تبقَ عبارة {وهي تمرّ مرّ السحاب} على حالها، بل كان لا بدّ أن يضاف إليها بعد الترجمة (سين الاستقبال) لتَمسخ معنى الآية تماماً أمام القارئ الإنجليزيّ، ولتقْطعها عن الزمن الحاضر المستمرّ، ومن ثمّ؛ تطفئ شعلة الإعجاز العلميّ فيها، فأصرّت كلّ الترجمات على أن تكون الآية، تبعاً لترجماتهم، هكذا: (وهي ستمرّ مرّ السحاب).


ومن المهمّ أن نلاحظ أنّ المفسّرين القدماء لم يجرؤوا على قطع واو الحال عن حاليّتها ليخصّصوها للمستقبل. فقد اكتفوا في تفسيرها بأن نقلوا الآية كلّها إلى المستقبل (يوم القيامة) فيكون التقدير (ويوم ترى الجبال..) بدلاً من (وترى الجبال)، وهكذا ظلّت الواو في (وهي تمرّ) للحال، ولكنّها الحال المختصّة بزمنٍ قادمٍ هو يوم القيامة، لا المستغرقة لكلّ العصور كما يجب أن تكون.


أمّا المترجمون المحدَثون فقد وقعوا، بإضافتهم الأداة (سوف)، في تناقضٍ عجيب. لقد أدرك القدماء على الأقلّ قيمة الفعل (تحسبها) هنا، فنحن "نحسب" الجبال جامدةً في الوقت الذي تكون فيه متحرّكةً (واو الحال)، على حين نسي المترجمون هذا الفعل تماماً، ونسوا معه أنّه لن يكون له، وفقاً لترجماتهم، أيّ معنىً مع وجود (سوف) بعده. فالفعل (تحسبها) يختصّ بالحاضر (الآن)، والأداة (سوف) تختصّ بالمستقبل، وهو تناقضٌ عجيبٌ حقاً، ومع هذا أجمعت عليه معظم الترجمات. وحتّى تتدارك ترجمة (الهلالي وخان) هذا التناقض اختارت أن تمعن في تحريف معنى الآية، رغم أنها أحدث هذه الترجمات،(3) فأضافت حرف الاستقبال في الموضعين كليهما:
And you will see the mountains and think them solid, but they shall pass away as the passing away of the clouds


والترجمة العربيّة لترجمتهم، على هذا، ستكون:
"وسوف ترى الجبال وتظنّها صُلبةً، ولكنّها ستفنى كفناء السحاب".


ومن حسن الحظّ أنّ المستشرق الإنجليزيّ غير المسلم "ريتشارد بل" كان حرّاً من أقوال مفسّرينا القدماء حين وضع ترجمته، فنظر إلى القرآن الكريم، لا أقول بعين العصر، وإنّما بعين قواعد اللغة العربيّة على الأقلّ، ولم يضع أمامه إلّا هذه القواعد، فاختفت السين أو سوف من ترجمته، لتكون في النهاية هي الترجمة الحقيقيّة والدقيقة للآية:
“And one sees the mountains apparently solid, yet passing like clouds”


ولَحِق به المترجم المسلم بيكثال في ترجمته الصادرة أيضاً عام 1996 [بين يديّ نسخة معدّلة صادرة عام 2002] فقال:
“And you see the hills you deem them solid while they are flying the flight of clouds”


هذا النموذج من الترجمات يقدّم لنا صورةً واضحةً لما خسرته صورة القرآن الكريم أمام الغرب وهي تفقد الجانب الإعجازيّ المذهل الذي ظلّ القرآن الكريم يخفيه على مدى قرونٍ طويلة، حتّى يأتي عصر الاكتشافات العلميّة الذي نعيشه اليوم، فيوضّح لنا ما عجز الآباء والأجداد عن فهمه". (4)

* * *


ترى، هل كان من باب المصادفة أن تجتمع كلّ هذه الكشوف العلميّة المبكّرة، ومعها عشراتٌ أخرى من الكشوف، وبمختلف الجوانب العلميّة، في كتابٍ سماويٍّ واحد، ومنذ ذلك الوقت؟!


إنّ من المهمّ جدّاً إعادة النظر في تفاسير الأسلاف القدماء للقرآن، ومن ثمّ، إعادة النظر في ترجماته بمختلف اللغات، وتحت رقابة العلماء المختصّين بشتّى الفروع العلميّة، لنجعلها ترجماتٍ للقرآن نفسه، وليس ترجماتٍ لتفاسيره.


وعلى ضوء هذه الحقائق نفسها؛ لا بدّ من إعادة النظر، أيضاً، في العديد من الأحاديث النبويّة، لمحاولة فهمها وتفسيرها وترجمتها على ضوء العلم الحديث، كجزءٍ لا بدّ منه من عمليّة تخريجها وتوثيقها؟

* * *


ومن جديد، إنّ من المفيد جدّاً، ونحن نتلو القرآن الكريم ونتدبّره، أن نستبعد الحاضر من أذهاننا ما أمكن، ونستحضر الغائب، فنحتلّ مقاعد المسلمين الأوائل الذين تلقّت مسامعُهم تلك الآيات لأوّل مرّة، ونطرح على أنفسنا مثل هذه التساؤلات:


1- كيف كان يمكن أن نفكّر، لو كنّا مكانهم، ونحن نتلقّى من النبيّ ﷺ بين حينٍ وآخر مثل هذه الآيات العلميّة المبكّرة، والتي لا تستجيب، بل ربّما تتناقض بجلاءٍ مع ثقافتنا وعقولنا وتفكيرنا في ذلك الزمان؟


2- ما سرّ سكوت الصحابة عن هذه الآيات؟ كيف لم يسألوا الرسول ﷺ عن معانيها؟ هل هي الثقة اللامتناهية بنبيّهم، والإيمان غير المحدود باللّه وبكتاب الله، بغضّ النظر عن مدى تطابق آياته مع مفهوماتهم وثقافة عصرهم؟


3- هل يراودنا اليوم، ونحن نقرأ تفاسير القدماء، ما تقدّم منها وما تأخّر، بعض الشعور بأنّ ما ورد فيها استعار من القرآن الكريم بعض قداسته؟ هل نقرأ هذه التفاسير، أو بعضها، قراءةً "استسلاميّةً" نهائيّةً غير قابلةٍ للنقاش؟ أم قراءةً "استطلاعيّةً" متفحّصةً، كأيّ مصدرٍ بشريٍّ يحتمل الخطأ والصواب، لنخرج بتفسيرٍ نستفيد منه، ويستفيد هو من ثقافتنا الحديثة، ويتقوّى بالوقائع التاريخيّة المتجدّدة، ويتجاوب مع الكشوف الفكريّة والعلميّة المتلاحقة؟


4- هل نشعر ونحن نقرأ تفاسير القدماء بأنّ من واجبنا أن نسهم كما أسهموا في تفسير كتاب الله، بحيث يكون لنا، أيضاً، وجهة نظرنا التي نُغْني بها فهمنا لكتاب الله، ونرفد ثقافة عصرنا، مثلما بذلوا هم كلّ طاقتهم، فأغنوا فهمهم وأغنوا فهمنا له، ورفدوا ثقافة عصرهم وثقافة عصرنا معاً؟



هوامش:
(1) هذا ما يؤكّده عالم الفضاء البريطاني (ستيفن هوكينج) Stephen Hawking الذي شارك في إطلاق التلسكوب. وقد صرّح في البرنامج الذي قدّمته القناة الرابعة البريطانية عام 1998 بعنوان Universe أنّ الكون يتوسّع باستمرار، وبسرعةٍ تصل إلى مائة بليون ميل في الساعة، وفي كلّ الاتجاهات.
(2) إعجاز القرآن والبلاغة النبويّة. الطبعة الثامنة. دار الكتاب العربيّ. بيروت: 2003. ص: 12.
(3) صدرت الطبعة الأولى عام 1996 وصدرت الطبعة الخامسة عشرة والمنقّحة، وهي التي بين يديّ، عام 2000. وصدر بعدها عام 2004 ترجمة د. محمّد عبد الحليم Oxford University Press. Oxford، فلم يختلف فيها عن منهج المترجمين قبله.
(4) مسلمون في مواجهة الإسلام، مسيحيّون في مواجهة المسيحيّة. أحمد بسام ساعي. Legacy Publishing. لندن. 2008: ص: 148-152.


بقلم: أحمد بسام ساعي

تنويه:

جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين

مقالات ذات صلة

من مواعظ الإمام سفيان الثوري
الاثنين، ١ ربيع الأول ١٤٣١ هـ - ١٥ شباط ٢٠١٠من مواعظ الإمام سفيان الثوري
اختيار الشيح  صالح الشامي 1- أصلحْ سَرِيْرَتَك يصلح اللهُ علانيتَك، وأصلح فيما...
واقع الأمة وحتمية الدعوة إلى الله تعالى
الاثنين، ١ ربيع الأول ١٤٣١ هـ - ١٥ شباط ٢٠١٠واقع الأمة وحتمية الدعوة إلى الله تعالى
 بقلم: د/ عامر حسين أبو سلامةإن الناظر في واقع هذه الأُمة، يجدها منفصلةـ في كثير من ا...
الكلام الطيب طريق الدعاة إلى القلوب
الاثنين، ١ ربيع الأول ١٤٣١ هـ - ١٥ شباط ٢٠١٠الكلام الطيب طريق الدعاة إلى القلوب
الأستاذ : أبو معاذ جاهوش أفضل سبيل لتحقيق هدف المتكلم - متحدثاً كان ، أو محاضراً ، خط...