صفحات من كتاب (إدارة التلاوة.. أعد اكتشاف علاقتك مع القرآن الكريم) (8)

صفحات من كتاب (إدارة التلاوة.. أعد اكتشاف علاقتك مع القرآن الكريم) (8)

التصنيف: فقه الدعوة
الجمعة، ٢٢ شوال ١٤٤٧ هـ - ١٠ نيسان ٢٠٢٦
184

7 - معجزة التحدّي

بل هي "معجزاتٌ" لا حصر لها من التحدّي.
على مدى التاريخ، وعلى مدى أعداد المؤلّفين الذين عرفتهم البشرية، بلغاتها الكثيرة، وهم أكثر من أن نحيط بأعدادهم، لا نعرف، ولن نعرف، مؤلّفاً واحداً بلغت به الجرأة حدّاً أن يعلن على الملأ، وخلافاً لكلّ الكتب التي عرفها البشر، أنّه أفضل الكتب على الإطلاق، وأنّهم لن يجدوا خطأً أو تناقضاً أو "اختلافاً" واحداً في هذا الكتاب.


إنّه القرآن الكريم، ودون كلّ الكتب التي عرفتها البشريّة، هو الذي ينصّ على ذلك، على مرأى العالمين ومسامعهم، وبكلّ ثقةٍ وتحدٍّ وإصرار:
- وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا ‎[النساء: 82]
- كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ ‎[هود: 1]
- اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ [الزُّمَر: 23]


وعلى مدى التاريخ، وعلى مدى هذه الأعداد من المؤلّفين، لا نعرف، ولن نعرف، مؤلّفاً واحداً بلغت به الجرأة والتحدّي والثقة بالنفس أن يعلن أنّ كتابه "مؤَمَّنٌ عليه" "تأميناً خاصّاً" لضمان سلامة نصوصه، ولحفظه من الضياع أو التحريف، رغم كلّ ما يمكن أن يحمله المستقبل/ لأيّ كتابٍ مخطوطٍ أو مسموعٍ في هذه الأرض، من احتمالات الفقدان والتزوير والتبديل.


إنّه القرآن الكريم وحده هو الذي ينصّ على ذلك، وبكلّ ثقةٍ وتحدٍّ وإصرار:
- إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [الحِجر: 9]
- وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِن كِتَابِ رَبِّكَ ۖ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ [الكهف: 27]


وعلى مدى التاريخ، وعلى مدى هذه الأعداد من المؤلّفين، لا نعرف، ولن نعرف، مؤلّفاً واحداً بلغت به الجرأة والثقة بالنفس أن يعلن أنّ كتابه، الذي لمّا يكتمل بعد، وهو ما يزال يتنزّل مسموعاً على رجلٍ أمّيٍّ لا يقرأ ولا يكتب، لن يُنسى منه كلمةٌ واحدة، بل يَطلب من أنزله ممّن نُزِّل عليه ألّا يردّده بلسانه خلف من يسمعه منه، خوفاً من النسيان، لأنّه سيضمن له جمعه وقراءته واستظهاره من غير كلّ هذا العناء.


إنّه القرآن الكريم وحده هو الذي ينصّ على ذلك، وبكلّ ثقةٍ وتحدٍّ وإصرار:
- لا تُحَرِّكْ به لِسانَكَ لِتَعْجَلَ به. إنَّ عليْنا جَمْعَهُ وقُرْآنَهُ [القيامة: 16-17]


وعلى مدى التاريخ، وعلى مدى هذه الأعداد من المؤلّفين، لا نعرف، ولن نعرف، مؤلّفاً واحداً بلغت به الجرأة والثقة بالنفس أن يتحدّى أصحاب اللغة التي نزل بها الكتاب، مرّةً بعد أخرى، وهم المعتزّون بلغتهم ولسانهم وأدبهم إلى حدٍّ يقترب من درجة الغرور، بأن يأتوا بمثل كتابه، ولْيستعينوا لو شاؤوا بكلّ مخلوقات الأرض مِن حولهم، إنساً وجنّاً. ثمّ ما يلبث أن يخفّف عليهم هذا التحدّي بأن يأتوا بمثل عشرة فصولٍ فقط من فصوله المائة وأربعة عشر. ثمّ يخفّف عليهم التحدّي أكثر فأكثر، بأن يأتوا بمثل فصلٍ واحدٍ من فصوله، أيّاً كان حجمه.


إنّه القرآن الكريم وحده هو الذي ينصّ على ذلك، وبكلّ ثقةٍ وتحدٍّ وإصرار:
- فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ [الطور: 34]
- لئنِ اجتمعتِ الإنسُ والجِنُّ على أنْ يأتوا بمِثْلِ هذا القرآنِ لا يأتون بمِثْلِه ولو كان بعضُهم لبعضٍ ظَهيراً [الإسراء: 88]
- أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ ۖ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللَّـهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ [هود: 13]
- وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ‎﴿٢٣﴾‏ فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا وَلَن تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ ۖ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ ‎﴿٢٤﴾‏ [البقرة: 23-24]


ومن الطبيعيّ أن نجد في الكتب السماويّة كلّها إنذاراتٍ متكرّرةً للكافرين والفاسدين والفاسقين بدخول النار، وتبشيراً متكرّراً للمؤمنين والصالحين والمتّقين بدخول الجنّة، وإن ارتفعت نسبة هذه الإنذارات والتبشيرات في القرآن على ما هي عليه في الكتب السابقة. ولكنّ التحدّيات الحقيقيّة التي يتفرّد بها القرآن الكريم دون أيّ كتابٍ آخر؛ تتجلّى في تلك الأحكام الإلهيّة النهائيّة، وغير القابلة للتراجع، في حقّ جماعاتٍ أو أفرادٍ محدّدين أساؤوا أشدّ الإساءة لهذا القرآن، أو لحامل القرآن إليهم ﷺ.


فحين لجأ المشركون إلى أحد كبار بلغائهم، وهو الوليد بن المغيرة، ليدلي بشهادته حول لغة القرآن، أإلهيّةٌ هي حقّاً كما يدّعي (محمّد)، أم بشريّة؟ لم يجد مفرّاً من الاعتراف، للوهلة الأولى، بأنّ هذا القرآن "يَعلُو وما يُعلى":

- واللهِ ما فيكم رجلٌ أعلمُ بالأشعارِ منّي، ولا أعلَمُ برَجَزِه، ولا بقصيدِهِ منّي، ولا بأشعارِ الجِنّ، واللهِ ما يُشْبهُ الذي يقولُ شيئاً مِن هذا، وواللهِ إنّ لِقَولِه الذي يقولُ حلاوةً، وإنّ عليه لَطُلاوةً، وإنّه لَمُثمرٌ أعلاه مُغْدِقٌ أسفلُه، وإنّه لَيعلو وما يُعلَى، وإنّه لَيَحْطِمُ ما تحتَه". [رواه الحاكم في المستدرك وصحّحه على شرط البخاري] (1)


ولكنّه ما لبث أن تراجع عن أحكامه، حين أخذته العزّة بالجاهليّة وبأصنام الجاهليّة وعقائدها، وارتدّ عن شهادته الأولى فقال: إنّما هي نصوصٌ وضعها ساحرٌ وأخذها عنه النبيّ! حينئذٍ ينزل الحكم الإلهيّ، حاسماً ونهائيّاً ولا رجعة فيه، وأنّى يكون الرجوع في قرارٍ يُخلَّد في النصّ القرآنيّ إلى يوم القيامة، بأنّ هذا الرجل سيَصلى نارَ جهنّم.


يصدر هذا الحكم الإلهيّ؛ والوليد ما يزال لديه فسحةٌ من الزمن يغيّر بها رأيه، وليتحدّى النبيّ ﷺ، لو أراد، ويتحدّى القرآن، فيعلن إسلامه، ولو نفاقاً، أمام الملأ:
- إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ ‎﴿١٨﴾‏ فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ‎﴿١٩﴾‏ ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ‎﴿٢٠﴾‏ ثُمَّ نَظَرَ ‎﴿٢١﴾‏ ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ ‎﴿٢٢﴾‏ ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ ‎﴿٢٣﴾‏ فَقَالَ إِنْ هَٰذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ ‎﴿٢٤﴾‏ إِنْ هَٰذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ ‎﴿٢٥﴾‏ سَأُصْلِيهِ سَقَرَ ‎﴿٢٦﴾‏ وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ ‎﴿٢٧﴾‏ لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ ‎﴿٢٨﴾ [المدّثّر: 18-28]


ولكنّ الأحكام صدرت، وقرارات السماء لا رجعة فيها، ويموت الوليد بن المغيرة كافراً.


ويتكرّر التحدّي عندما همّ جماعةٌ من مشركي قريش، وجلّهم من عائلة النبيّ ﷺ وقبيلته الأقربين، بضربه وإيذائه حين "تضايقوا" من جهره بآيات القرآن على مسمعٍ منهم، ولكنّ الله يشلّ أيديهم ويعمي أبصارهم، فلا يجدون منجىً لهم إلّا أن يتوسّلوا للنبيّ ﷺ ويناشدوه "بحقّ الله" وبحقّ الرحم ليكشف ما وقع بهم، فدعا لهم النبيّ فكشف الله عنهم البلاء. ولكنّه تعالى، ورغم استجابته لدعاء الرسول ﷺ لهم، يؤكّد له أنّ أسماءهم جميعاً قد نزلت في سجلّ الخالدين في النار، فلا مهرب لهم منها، وهم لن يهتدوا إلى الإسلام أبداً، مهما عاشوا، وسيموتون في النهاية كفّاراً {وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ}. ولقد كان، فماتوا جميعاً، وبدون استثناء، على كفرهم:
- عن عبدِ اللهِ بنِ عبّاسٍ قال: "كان النبيُّ ﷺ يقرأُ في المسجدِ – أي المسجدِ الحرام بمكّة – فيَجهرُ بالقراءة، حتّى تأذَّى بهِ ناسٌ مِن قُريشٍ، حتّى قاموا ليأخذوهُ، وإذا أيديهم مجموعةٌ إلى أعناقهم، وإذا هم عُمْيٌ لا يُبصرون! فجاؤوا إلى النبيِّ ﷺ فقالوا: نَنشُدُكَ اللهَ والرَّحِمَ يا محمّد! قال – أي الراوي –: ولم يكن بطنٌ مِن بطونِ قُريشٍ إلّا وللنبيِّ فيهم قرابةٌ، فدعا النبيُّ ﷺ حتّى ذهب ذلك عنهم! فنزلت {يَس وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ} إلى قولِه {أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ} [يس: 1-10]. قال: فلمْ يؤمنْ مِن ذلك النفرِ أحدٌ – أي ظلّوا جميعاً على كفرهم حتّى ماتوا –". [رواه الشوكاني في فتح القدير، وقال: في الباب رواياتٌ في سبب نزول ذلك، هذه الرواية أحسنها وأقربها إلى الصحّة]


ويتكرّر التحدّي من جديدٍ بعد فتح مكّة عام 8 هـ، حين نزل الأمر الإلهيّ في سورة التوبة، وهي من أواخر ما نزل من السوَر، بمنع المشركين من دخول مكّة لزيارة المسجد الحرام، كما اعتادوا أن يفعلوا منذ أيّام الجاهليّة، فتخوَّفَ المسلمون في مكّة من سوء معيشتهم وانقطاع رزقهم، وقد كان يقوم في جلّه على زوّار مكّة من عرب الجزيرة. ولكنّ الله تعالى يُطمئنهم، وفي آية المنع نفسها، بألّا يخافوا عَيلةً أو فقراً، فالفرج آتٍ قريباً: إنّهم المسلمون الجدد الذين يوشكون أن يتدفّقوا عليهم ليحجّوا من أنحاء الأرض، فيملأوا مكّة بأعدادهم الغفيرة التي ستتزايد عاماً بعد عام. بل إنّ الأرض ستقذف لهم من أحشائها بما لم يكونوا يحلمون به من ثمرات معادنها وكنوزها وثرواتها:
- يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَٰذَا ۚ وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ إِن شَاءَ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ‎[التوبة 28]


ويتكرّر التحدّي مرّةً أخرى وأخرى؛ وتتوالى على النبيّ ﷺ أذيّةُ عمّه (أبي لهبٍ) وأذيّة امرأته في شتّى المناسبات، فيصدر بحقّهما الحكم الإلهيّ الذي لا رجعة فيه: إنّ مصيرهما معاً، وحتماً، إلى النار:
- تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ ‎﴿١﴾‏ مَا أَغْنَىٰ عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ ‎﴿٢﴾‏ سَيَصْلَىٰ نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ ‎﴿٣﴾‏ وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ ‎﴿٤﴾‏ فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِّن مَّسَدٍ ‎﴿٥﴾‏ [المسد: 1-5]


وحين اشترط العاصِ بنُ وائلٍ على الصحابيّ خبّاب بن الأرتِّ أن يكفر بمحمّد إذا أراد أن يردّ له دَينَه الذي عليه، وسخر بالبعث بعد الموت، نزل الحكم الإلهيّ بحقّه، وبكلّ الثقة المعتادة: "ونَمُدُّ له مِنَ العَذَابِ مَدًّا". وهكذا كان مصيره، فمات كافراً:
- عن خَبّابِ بنِ الأرتِّ قال: "كُنْتُ رَجُلاً قَيْناً – أي حدّاداً –، وكانَ لي علَى العَاصِ بنِ وائِلٍ دَيْنٌ، فأتَيْتُهُ أتَقَاضَاهُ، فَقالَ لِي: لا أقْضِيكَ حتَّى تَكْفُرَ بمُحَمَّدٍ! قالَ: قُلتُ: لَنْ أكْفُرَ به حتَّى تَمُوتَ ثُمَّ تُبْعَثَ! قالَ: وإنِّي لَمَبْعُوثٌ مِن بَعْدِ المَوْتِ؟! فَسَوْفَ أقْضِيكَ إذَا رَجَعْتُ إلى مَالٍ ووَلَدٍ – يستهزئ به وبالبعث –! قالَ: فَنَزَلَتْ: {أَفَرَأَيْتَ الذي كَفَرَ بآيَاتِنَا وقالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا ووَلَدًا (77) أطَّلَعَ الغَيْبَ أمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا (78) كَلَّا سَنَكْتُبُ ما يَقولُ ونَمُدُّ له مِنَ العَذَابِ مَدًّا (79) ونَرِثُهُ ما يَقولُ ويَأْتِينَا فَرْدًا (80)} [مريم: 77-80]". [رواه البخاري]


وللغرابة، ولا غرابة مع أحكام الله، تتعدّد الأذيّات للرسول ﷺ في حياته، ويتعدّد المُؤْذون. وكان منهم (أبو سفيان) زعيم قريش الذي قاد جيش المشركين في معركة (بدر)، و (خالد بن الوليد) الذي قاد جيشهم في معركة (أُحُد)، و (وحشيٌّ) قاتل عمّه حمزة، و (هند) ابنة أبي سفيان التي جنّدت وحشيّاً لقتل حمزة، ولاكت كبده بعد استشهاده، ولكنّ قرآناً لم ينزل بأيٍّ منهم، أو من آخرين أمثالهم ممّن كان في علم الله وقضائه أنّه سينتهي بهم المطاف إلى أحضان الإسلام. وقد كان، فأسلموا جميعاً بدون استثناء، وحسُن إسلامهم.


ولم يسكت القرآن عن المصير المحتوم للكافرين الذين سيصرّون على شركهم وعنادهم ومحاربتهم للنبيّ ﷺ، فيؤكّد لهم جميعاً، وبكلّ ثقةٍ ويقينٍ، نهايتهم المنتظرة التي كتبها الله عليهم: الهزيمة، ثمّ جهنّم. وقد كان، فهُزموا، وقتلوا وهم كفّار:
- قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَىٰ جَهَنَّمَ ۚ وَبِئْسَ الْمِهَادُ ‎[آل عمران: 12]


وتتتالى التحدّيات واحدةً بعد أخرى مع تنزّل السور والآيات. وتتنزّل سورة الأحزاب في العام الخامس للهجرة، وقد خاض المسلمون معركة الأحزاب ضدّ المشركين، فتضع آياتها النبيّ ﷺ وتضع معه أسرته، والأمّة الإسلاميّة جمعاء، أمام تحدّيين كبيرين يواجهونهما في عيون المشركين العرب، ثم في عيون العالم كلّه، وحتّى قيام الساعة:
- مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَٰكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ ۗ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا ‎﴿٤٠﴾‏ [الأحزاب: 40]


"إنّه التحدّي الإلهيّ الكبير، وعلى مسامع الجميع: على مسمع النبيّ ﷺ نفسه أوّلاً، ثمّ على مسامع معاصريه من البشر، مسلمين وغير مسلمين، ثمّ على مسامع الأجيال القادمة كلّها، وإلى يوم القيامة، ثانياً، بأنّه:


1- لن يبعث الله نبيّاً بعده أبداً. سيكون {خَاتَم النَّبِيِّين}. وها قد مرّ أربعة عشر قرناً على بعثته لتتأكّد هذه الحقيقة للعالم كلّه. إنّه فاصلٌ زمنيٌّ، منذ تاريخ ذلك التحدّي إلى الآن، لم يعرف مثلَه تاريخُ النبوّات، فلم يَحدث أن زاد أطولُ فاصلٍ بين نبيَّين عن خمسة قرونٍ أو أقلّ. (2)


2- لن يعيش للنبيّ ﷺ غلامٌ ذَكَرٌ يبلغُ مبلغَ الرجال. ولقد تجلّى هذا التحدّي في ذروته بعد عامين من نزول هذه الآية، وللمفاجأة المقلقة للجميع، عندما رُزق بولده الثالث والأخير (إبراهيم) من صفيّة بنت حُيَي. فكيف تنصّ الآية على أنّه لن يكون النبيّ ﷺ {أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ} وقد رُزقَ الآن بولدٍ ذكَر؟! ولكنّ الوعد الإلهيّ كان لا بدّ أن يتحقّق، فيموت إبراهيم في السنة الثامنة للهجرة ولمّا يتجاوز ستّة عشر شهراً (3) . وهكذا لم تكن وفاته مفاجأةً لأبيه ﷺ، بل كانت مزيداً من الاطمئنان والثقة والإيمان بالله وبنبيّه وبكتابه لكلّ المسلمين، وكانت صدمةً وقعت وقع الصاعقة على قلوب الكافرين.


ولعلّ من أعظم هذه التحدّيات وأكثرها امتداداً ورسوخاً على الزمن هو ذلك الحكم الإلهيّ القرآنيّ الجازم والحازم، وهو يعزّي نبيّه المسيح عليه السلام، حين انفضّ اليهود عنه، وحاربوه، وتآمروا لقتله، بأنّه سيرفعه من بينهم إليه في السماء. وليس هذا فحسب، فرغم قلّة أعداد من اتّبعوه من بينهم، فسوف يعلو هؤلاء المؤمنون المسيحيّون في النهاية على من كفر به من اليهود، وإلى يوم القيامة، وسوف ينال هؤلاء جزاءهم في الدنيا، فضلاً عن عذاب الآخرة، بتشرذمهم وتقطّعهم على مدى العصور، أمماً متناثرةً في أنحاء المعمورة، ولكن من غير تعميم الحكم على الجميع، ووجود استثناءاتٍ بينهم: {مِّنْهُمُ الصَّالِحُونَ}:
- إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَىٰ إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ ۖ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ‎﴿٥٥﴾‏ فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُم مِّن نَّاصِرِينَ ‎﴿٥٦﴾‏ [آل عمران: 55-56]
- وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَمًا ۖ مِّنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذَٰلِكَ ۖ وَبَلَوْنَاهُم بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ‎[الأعراف: 168]


ثمّ يتبعه تحدٍّ آخر أكثر امتداداً وأوسع شمولاً، وهو يشمل أتباع المسيح أنفسهم هذه المرّة، وليس أعداءه، ولكن، مرّةً أخرى، من غير تعميم هذا الحكم عليهم، ووجود استثناءاتٍ بينهم أيضاً: {وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَىٰ}.


فقد كان جزاء هجرانهم لكثيرٍ ممّا جاء في كتابه لهم وتعاليمه أن يقسّمهم إلى طوائف، وأن يغري بين هذه الطوائف العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة. إنّه تحدٍّ خالدٌ، سيمتدّ تحت أنظار العالم كلّه، وعلى مدى العصور المتوالية:
- وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَىٰ أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ ۚ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ [المائدة: 14]


إنّ كلّ واحدٍ من هذه التحدّيات القرآنيّة القاطعة بقراراتها وأحكامها، وعلى كثرة من تشملهم بعض هذه التحدّيات، ممّن سكت عنهم القرآن فماتوا مؤمنين، وممّن بشّرهم بالنار فماتوا مشركين، كان كافياً، لو حدث أن كذّبت شيئاً منه الأحداث والسنون، لأن ينفضّ الناس عن النبيّ ﷺ، وعن القرآن، وعن الإسلام، وأن تُجهَض الدعوة الإسلاميّة في مهدها، أو فيما يأتي من القرون والأجيال.


القرآن الكريم هو التحدّي الإلهيّ الأكبر، والمتكرّر على الزمن، وهو الثقة الإلهية الأبديّة في إصدار الأحكام، وفي إعلان هذه الأحكام في كتابٍ مفتوح، هكذا على الملأ، في مواجهة الأحداث القادمة، وإلى يوم القيامة.

* * *


حاولوا أن تستحضروا معي الآن تلك التحدّيات وكأنّكم كنتم هناك، وعشتموها بأنفسكم في زمنها، فكيف كانت ستكون مواجهتكم لها، وكيف ستكون ارتداداتها في نفوسكم وأنتم تعيشون أحداثها لحظةً بلحظة:


1- كيف ستتلقّون تحدّي القرآن الكريم بأنّكم، وبأنّ الأجيال المتعاقبة من بعدكم، لن تجدوا فيه، مهما حاولتم أو حاولوا، أدنى خطأٍ أو "اختلافٍ" أو تناقضٍ؟


2- وبماذا ستوحي لكم حساباتكم البشريّة وأنتم تسمعون تحدّي القرآن المطلق بأنّ الله سيحفظه من الضياع أو التحريف أو التبديل، وإلى الأبد؟


3- وبماذا ستساوركم أنفسكم وأنتم تسمعون القرآن يضمن للنبيّ ﷺ جمعه وحِفظه واستظهاره، ويعفيه من ترديد آياته بعد سماعه من جبريل، لأنّه سيكون في غنىً عن كلّ ذلك؟


4- وكيف ستكون ردّة فعلكم، وقلقكم، وتخوّفكم، وأنتم تسمعونه يتحدّى العرب وبلغاءهم، وعلى مدى الدهر، بأن يأتوا بمثله، ثم بمثل عشر سورٍ من سوره، ثمّ بمثل سورةٍ واحدةٍ لا أكثر، أيّاً كان حجمها؟


5- وكيف ستكون حيرتكم، وتخوّفكم، وحساباتكم البشريّة، وأنت تسمعونه يقطع بأنّ فلاناً وفلاناً وفلاناً من المشركين لن يؤمنوا أبداً، وبأنّهم سيموتون على كفرهم، وسيكون مصيرهم إلى النار؟ وكيف ستكون ردود فعلكم حين يسكت عن فريقٍ آخر منهم، فلا يهدّدهم بمثل ذلك المصير، فكان أن أسلموا جميعاً وحَسُن إسلامهم؟


6- وكيف سيكون قبولكم، أو كيف سيكون قلقكم وترقّبكم لما ستأتي به السنون والأحقاب، وأنتم تسمعون القرار الإلهيّ الكبير عن المصير الحتميّ، والأبديّ، لأمّةٍ كاملة: "وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَة"، ثمّ عن المصير الحتميّ، والأبديّ لأمّةٍ كاملةٍ أخرى: "فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ


7- وكيف سيكون موقفكم حين تسمعونه يؤكّد تأكيداً قاطعاً أنّ نبيّكم ﷺ لن يكون أباً لأحدٍ من الرجال، وأنتم تعلمون أنّ زوجاته التسع ما زلن في سنّ الحمل والإنجاب؟ ثمّ كيف ستواجهون، بعد سنين قليلةٍ، ولادة ولدٍ ذَكرٍ له هو إبراهيم؟


8- وكيف تتصوّرون مشاعر الرسول ﷺ نفسه، كأبٍ وكنبيٍّ، وهو يتلقّى هذا الحكم الإلهيّ المؤلم؟ ثمّ كيف تتصوّرون مشاعره وهو يتلقّى نبأ ولادة إبراهيم، وهو يعلم علم اليقين أنّه لن يبلغ مبلغ الرجال؟ ثمّ كيف تتصوّرون مشاعره، كأبٍ وكنبيٍّ، حين توفّي ولده الوحيد إبراهيم؟


9- أخيراً، كيف سيكون تخوّفكم وقلقكم، وكيف ستواجهون المسألة بإيمانكم، وأنتم تسمعون القرآن يؤكّد أنّ نبيّاً ما لن يأتي بعد محمّد ﷺ، ولا سيّما أنّكم تعلمون أنّ آلاف الأنبياء قد بُعثوا قبله على مدى العصور المتوالية. فكيف لهذه السلسلة الطويلة من الأنبياء أن تتوقّف فجأةً عند نبيّكم دون غيره؟


هوامش:
(1) وراجع الروايات والمواقف الأخرى للمشركين من القرآن في عدّة مواضع من كتاب (الجامع في السيرة النبويّة) لسميرة الزايد. المطبعة العلميّة. دمشق: 1995.
(2) كان بين موسى والمسيح عليهما السلام حوالى 1900 عام، جاء خلالها ما يقرب من 1000 نبيٍّ لبني إسرائيل وحدهم، حسب الروايات الدينيّة والتاريخيّة. ثمّ كان بين المسيح ومحمّد ﷺ 569 عاماً، بُعث في أوّلها إلياس (في بعلبك)، وبُعث كذلك ثلاثة أنبياء آخرون (وهم الذين أُرسلوا إلى قوم أنطاكية)، فكانت الفترة بين هؤلاء الأنبياء الثلاثة وبين بعثة النبيّ ﷺ 434 عاماً، وهي الفاصل الزمنيّ الأطول بين نبيّين.
(3) وفي روايةٍ غير مؤكّدةٍ للنوويّ أنّه" توفِّي يومَ الثلاثاءِ عاشرَ شهرِ ربيعِ الأوّلِ سنةَ عشرٍ من الهجرةِ". وعن البَراءِ بنِ عازبٍ قال: "تُوُفِّيَ إبراهيمُ ابنُ النَّبيِّ ﷺ ابنَ ستَّةَ عَشَرَ شَهراً، فقال: ادْفِنوه بالبَقيعِ – مدفَنِ المدينة شرقيّ المسجد النبويّ -؛ فإنَّ له مُرضِعاً تُتِمُّ رَضاعَه في الجنَّةِ". [رواه أحمد، وصحّحه شعيب الأرناؤوط على شرط الشيخين].


بقلم: أحمد بسام ساعي

تنويه:

جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين

مقالات ذات صلة

من مواعظ الإمام سفيان الثوري
الاثنين، ١ ربيع الأول ١٤٣١ هـ - ١٥ شباط ٢٠١٠من مواعظ الإمام سفيان الثوري
اختيار الشيح  صالح الشامي 1- أصلحْ سَرِيْرَتَك يصلح اللهُ علانيتَك، وأصلح فيما...
واقع الأمة وحتمية الدعوة إلى الله تعالى
الاثنين، ١ ربيع الأول ١٤٣١ هـ - ١٥ شباط ٢٠١٠واقع الأمة وحتمية الدعوة إلى الله تعالى
 بقلم: د/ عامر حسين أبو سلامةإن الناظر في واقع هذه الأُمة، يجدها منفصلةـ في كثير من ا...
الكلام الطيب طريق الدعاة إلى القلوب
الاثنين، ١ ربيع الأول ١٤٣١ هـ - ١٥ شباط ٢٠١٠الكلام الطيب طريق الدعاة إلى القلوب
الأستاذ : أبو معاذ جاهوش أفضل سبيل لتحقيق هدف المتكلم - متحدثاً كان ، أو محاضراً ، خط...