6-معجزة التلاوة المزدوجة:
هل نقرأ القرآن بأعيننا، أم بآذاننا؟
بين المنهج السماعيّ والمنهج البصريّ:
من المهمّ جدّاً أن نستحضر شعور ذلك العربيّ الأوّل وهو يواجه الشخصيّة اللغويّة الجديدة كلّياً للقرآن، في شكلها وإطارها العامّ، وفي معانيها، وألفاظها، ومصطلحاتها، وتراكيبها، وسبائكها اللغويّة، وصورها، وإيقاعها، وفي استخداماتها الجديدة للألفاظ والأدوات النحويّة التي أطلقها القرآن على مسامع العرب لأوّل مرّة.
لقد خرجت المصطلحات القرآنيّة الجديدة أوّلاً، وبكثافةٍ غير مسبوقة، عن التقاليد اللغويّة العربيّة. وكان على رأس هذه المصطلحات لفظ الفاتحة" الذي أُطلق على (مقدّمة) القرآن الكريم، وإن لم يعرف العرب آنذاك، فضلاً عن غير العرب، أيّ مصطلحٍ لمثل هذا الغرض.
ثمّ أطلق المصطلح الجديد "آية" على الوحدة اللغوية الأساسيّة في النصّ القرآنيّ، وكان يقابلها لفظ (العبارة) في النثر ولفظ (البيت) في الشعر، ليشير لنا اللفظ الجديد، بما شُحن به في أصله اللغويّ من معنى التفوّق والخروج على المألوف، إلى تفوّق هذه الوحدة اللغويّة الأساسيّة في القرآن، وإعجازيّتها، واستحالتها على التقليد.
وجاء معه المصطلح الجديد "سورة" ليُطلق على (الفصل) أو (المقال) القرآنيّ. إنّه يعبّر، بما يتضمّنه أصله اللغويّ من معنى الإحاطة، عن صفات "التسوير والحصانة والمناعة" التي تميّز هذه "المقالات". إنّها كالقلاع التي تحيط بها الأسوار من كلّ جهة، لتحفظها من الضياع، أو التحريف، أو التقليد.
وفي السياق نفسه جاء المصطلح الجديد "يتلو"، ليرسم لنا، في كلمةٍ واحدةٍ، خارطة المنهج الجديد لتوثيق النصّ القرآنيّ.
لم يعرف العرب هذا المعنى الجديد للّفظ قبل نزول القرآن الكريم. فلم يكن الفعل (تلا) عندهم يتجاوز معناه التقليديّ المتوارث، وهو (تَبِِعَ) أو (لَحِقَ)، فيقولون: دخل زيدٌ وتلاه عَمرٌو. ومن خلال هذا المعنى اللغويّ التقليديّ الذي كان يحمله اللفظ قبل القرآن، وما يزال، تتبيّن لنا طبيعة المنهج التوثيقيّ الفريد للنصّ القرآنيّ.
وأخطر ما يميّز هذا المنهج التوثيقيّ عن غيره من مناهج التوثيق التي عرفها العالم حتّى الآن هو اعتماده مبدأ النصّ المسموع أوّلاً، وليس مبدأ النصّ المنظور أو المكتوب الذي تعتمده اليوم كلّ جامعات العالم.
إنّ على المسلم الآن، ولأوّل مرّةٍ في تاريخ القراءة، وخلافاً لكلّ مفهوماتها وتقاليدها التي عرفتها الذاكرة البشريّة، قبل القرآن الكريم وبعده، ألّا يعتمد على عينيه أوّلاً في قراءته لسطور المصحف الذي أمامه.
فعلى المسلم الآن أن "يتلو" أو "يتبع" أو يستحضر بأذنيه وذاكرته قراءة شيخه أو معلّمه الذي سمع عليه هذا النصّ، وهو الذي سمعه بدوره، أو بالأحرى "تلا" به شيخه، وهو الذي سمعه بدوره، أو بالأحرى "تلا" به، شيخه الأسبق، وهكذا حتّى تصل السلسلة إلى النبيّ ﷺ، وهو الذي "تلا" جبريل في سماعه للنصّ القرآنيّ عنه، وهو الذي "تلا" الله تعالى حين سمع منه، ولأوّل مرّة، الآيات والسور المُنزلة.
هذا هو موجزُ منهج التوثيق السماعيّ للقرآن، وهو التوثيق الذي كان وما يزال هو المعتمد لدى جميع المسلمين، على اختلاف مذاهبهم، في توثيق كتابهم، ومنذ اليوم الأوّل لنزول الوحي.
وما يزال هذا المنهج السماعيّ غير معترفٍ به، كأداةٍ للتوثيق العلميّ، في أيٍّ من مناهج البحث الغربيّ أو الأكاديميّ في العالم. فلا تقبل الجامعات من أيّ باحثٍ أن يضمّن بحثه خبراً أو تصريحاً سمعه، مجرّد سماعٍ، من شخصٍ أو جماعةٍ. إذ لا بدّ من الرجوع في كلّ معلومةٍ إلى مصدرٍ مكتوبٍ، مع توثيق المعلومة بذكر اسم الكتاب، أو المجلّة، أو الدوريّة التي وردت فيها، مشفوعةُ باسم الكاتب، واسم الناشر، والبلد، وتاريخ النشر.(1)
على أنّ المنهج السماعيّ في توثيق النصّ القرآنيّ لم يهمل الجانب البصريّ أو المكتوب، والذي كان لا بدّ منه في مساندة الجناح الأوّل والأساسيّ، ودعمه في عمليّة التوثيق هذه.
ما "التلاوة":
يتكرّر المصطلح القرآنيّ الجديد "يتلو" ومشتقّاته 62 مرّةً في القرآن الكريم، تأكيداً وترسيخاً وتعريفاً بالمنهج التوثيقيّ الفريد الذي يلخّصه هذا الفعل، كما هو في الآيات:
- كما أرسلْنا فيكمْ رسولاً منكمْ يتلو عليكمْ آياتِنا ويُزكّيكمْ [البقرة: 151]
- قُل تعالَوا أَتْلُ ما حَرَّمَ ربُّكمْ عليكمْ [الأنعام: 151]
- واذكُرنَ ما يُتْلَى في بيوتِكُنَّ مِن آياتِ اللهِ والحكمةِ [الأحزاب: 34]
وتشير إحدى الآيات إلى الغاية التي أريدت من هذا المنهج الجديد، حين تربط بين "التلاوة" وبين "حماية" النصّ القرآنيّ من التحريف والتبديل. فيأتي اللفظ (واتْلُ) في مقدّمة الآية، لتشفعه بعد ذلك بالنتيجة المبتغاة من هذه التلاوة {لا مُبَدّلَ لِكَلِماتِه}:
- وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِن كِتَابِ رَبِّكَ ۖ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَلَن تَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَدًا [الكهف: 27]
ولو حدث وأراد مسلمٌ أن يتخلّى عن هذا المنهج السماعيّ؛ فالتزم في قراءته بما تراه عيناه أمامه على الورق، دون ما سمعته أذناه عن شيخه أو معلّمه، فكيف يمكن أن يقرأ، على سبيل المثال، هذه الآية الأولى من سورة (يس):
- يس ﴿١﴾ وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ ﴿٢﴾
فلو تركنا الأمر لأعيننا وحدها لقرأنا الآية (يَسْ)، هكذا مثلما تلفظ الجزءَ الأوّل من كلمة (يَسْلَم). أو ربّما قرأناها كما اعتدنا أن نقرأها في تهجئتنا للحروف العربيّة هكذا: (ياء سين). ولكنّ آذاننا وذواكرنا ستقرأها بطريقةٍ مخالفةٍ هي الطريقة الصحيحة، هكذا: (ياسين).
لقد سمعناها هكذا عن شيوخنا وقرّائنا، وسمعوها هم هكذا عن شيوخهم وقرّائهم، إلى أن تصل السلسلة إلى رسول الله ﷺ. وذلك ما قاد بعضهم فيما بعد إلى التوهّم خطأً بأنّ (يس) اسمٌ من أسماء النبيّ ﷺ.
وينطبق هذا أيضاً على الآية الأولى من سورة (طه):
- طه ﴿١﴾ مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَىٰ ﴿٢﴾
فلو استقلّت عيوننا بالتعامل مع هذه الآية لقرأناها هكذا: (طَهْ)، تماماً كما نلفظ الجزء الأوّل من كلمة (طَهْمان). أو ربّما تهجّأتْها عيوننا، كخيارٍ آخر، على طريقةِ تهجئتنا للحروف العربيّة، هكذا: (طاء هاء). وكلا القراءتين خطأ. إنّ على آذاننا وذواكرنا أن تقرأها، تماماً كما سمعتها، هكذا: (طاها).
ثمّ إنّه، لو صحّ أنّ اللفظين في كلتا الآيتين هما من أسماء النبيّ ﷺ، كما ذهبوا، لكان علينا أن نبنيهما على الضمّ، شأن أيّ اسم علَمٍ منادى، فنقرأهما: (ياسُ، وطاهُ).
والواقع أنّ الرسم القرآني يزخر بمثل هذه المفارقات السمعيّة – البصريّة. ولو حاولنا أن نقرأ كتاب الله بعيوننا من غير الرجوع إلى آذاننا وذواكرنا، وهي المرجعيّة التي لا بدّ منها في توثيقنا للنصّ القرآنيّ، لخرجنا عن هذا النصّ، بل خرجنا عن سلامة اللغة العربيّة وعن صحّة إملائها أيضاً.
وإلّا، فكيف يمكن، على سبيل المثال، أن نقرأ بعيوننا، بعيداً عن آذاننا وذواكرنا، هذه الكلمات والعبارات التي نعثر على أمثالها في كلّ صفحةٍ من صفحاتِ القرآن الكريم (مع الالتزام بالرسم القرآنيّ):
يَأيّها الذين (أي: يا أيُّها)، يَموسى (أي: يا موسى)، يَلُوطُ (أي: يا لوط)، ويَسَماءُ أقلِعِى (أي: يا سماءُ)، يَأَبَتِ (أي: يا أَبَتِ)، تأويلُ رُءْيَىَ (أي: رُؤياي)، أفَإينْ مات (أي: أفَإنْ)، مِن تِلقاءِى نفسي (أي: تِلْقاءِ)، فِرعَونَ وملإِيْهِ (أي: ومَلَئِه)، ولا تَقولَنَّ لِشَاْىْءٍ (أي: لشيءٍ )، ولا تايئَسُوا (أي: تَيأسوا)، يايئَسُوا (أي: يَيأسوا)، وَجِاىءَ بالنبيّين والشهداء (أي: وجِيءَ)، سَأُوْرِيْكُمْ (أي: سأُرِيْكُم)، ما نَشَؤُا (أي: ما نشاءُ)، لأَيكَة (أي: الأيكة)، لأاذْبَحَنَّه (أي: لَأَذْبَحَنّه)، بأيْيْدٍ (أي: بأيْدٍ، وهو القوّة)، بِأَييِّكُمُ (أي: بأَيِّكُم)، ما لِ هَذا الرَّسُولِ، وإنّا لَنَرَكَ (أي: لَنراكَ)، يُجَدِل (أي: يُجادِل)، القِيَمَة (أي: القيامة)، والطَّيرُ صَفّاتٍ (أي: صافّاتٍ)، قَلَ (أي: قال)، سَلَماً (أي: سَلاماً)، وجَزَؤا سَيّئةٍ، فَأُلَئِك، شُفَعاؤُا، إِِبْرَهِم وإسْمَعِيل، سُلَيمَن، داوُد، إلى فِرعَونَ وهَمَنَ وقَرُونَ، سَحِرٌ كذّاب، وأَورَثنا بَنى إسرئِيلَ الكِتَب، والصَّئِمِينَ والصَّئِمَتِ، فإيَّىَ فاعبُدُون، آذَنَّكَ، الإنسَن، قُرْءَناً عربيّاً، التورىة (التوراة)، إنّ ثَمُودَا، سَلاسِلَا، قَوارِيرَا، وحَرَّمَ الرِّبوا، الصَّلَوة، الزَّكَوة، الحَيَوة، مِشكَوة..
ولأنّ مرجعيّتنا في قراءتنا للمصحف هي آذاننا وذواكرنا، أوّلا، فمن الطبيعيّ، لو حدث أن تضارب ما تراه أعيننا مع ما اختزنته آذاننا وذواكرنا، أن يكون مرجعنا الأوّل والأخير هو آذاننا وليس عيوننا.
غير أن لفظ "التلاوة" لا يقتصر على هذا المعنى التوثيقيّ الجديد وحده.
"حقّ التلاوة"
لا يقتصر تعريف التلاوة على "اتّباع" المسلم لنبيّه، سماعاً وبصراً، في قراءته لآيات كتاب الله. فهناك بعدٌ آخر للتلاوة يدعوه إلى أن "يتلو"، أو "يُتبِع"، تلك القراءةَ السمعيّة – البصريّة بتطبيق معانيها، وما جاء فيها من أوامر وأحكامٍ إلهيّة؛ بشكلٍ عمليٍّ على الأرض:
- الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَٰئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ ۗ وَمَن يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ [البقرة: 121]
- إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَّن تَبُورَ [فاطر: 29]
فكيف يكون "حقّ التلاوة"؟
إنّه أوّلاً، كما يوضّحه الجزء الثاني من الآية الأولى، توثيق النصّ الإلهيّ والحفاظ عليه كما أُنزل، خلافاً لما فعله بنصوصهم أصحابُ الكتب السابقة. وهو، أيضاً، الإيمان بما جاء في هذه النصوص المتلوّة "أُولَٰئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ"، فيُثْبتون إيمانهم بهذه النصوص بتطبيقهم لها.
وقد حدث أن قالت اليهود للنبيّ ﷺ: إنّك تزعم أنّك على دين إبراهيم، وكان إبراهيم لا يأكل لحوم الإبل وألبانها وأنت تفعل، فنزلت الآية الكريمة بأنّ تحريم هذه الأطعمة وقع بعد إبراهيم، فقد حرّمها حفيده إسرائيل (يعقوب) على نفسه، وقبل أن تنزل التوراة:
- كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَىٰ نَفْسِهِ مِن قَبْلِ أَن تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ ۗ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ [آل عمران: 93]
لهذا يطلب تعالى منهم في آية سورة البقرة أعلاه أن يرجعوا إلى التوراة، وأن "يتلوها"، فيتتبّعوا نصوصها ويقرأوها، موثَّقةً كما أُنزلت، فيعملوا بما في هذه النصوص، وليس، كما اعتادوا أن يفعلوا، بإخفاء بعضها وإظهار أخرى، بحسب أهوائهم المتحوّلة، ومصالحهم الدنيويّة العارضة.
فما الفرق إذن بين "التلاوة اللفظيّة" و "التلاوة العمليّة"؟
إنّ التلاوة العمليّة، كما يوضّحها لنا الجزء الثاني من آية سورة (فاطر)، هي ما تقودنا إليه التلاوة اللفظيّة، من "إقامةٍ للصلاة"، ومن "إنفاقٍ" في سبيل الله سرّاً وعلانيةً، ومن ممارسة "تجارةٍ" رابحةٍ مع الله: {وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَّن تَبُورَ}.
يقول الصحابيّ عبد الله بن عبّاس مؤكّداً هذه المعاني في شرحه لآية سورة البقرة أعلاه:
- عن عِكرِمةَ عن ابنِ عبَّاسٍ، في قَوْلِ اللهِ: {يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ}، قالَ: "يَتَّبِعونَه حَقَّ اتِّباعِه، ثُمَّ قَرَأَ: {وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا * وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا}، يَعْني إذا اتَّبَعَها". [رواه الضياء المقدسيّ في الأحاديث المختارة، وقال: هذه أحاديث اخترتها ممّا ليس في البخاري ومسلم]
* * *
أخيراً، هل تستطيع أن تدرك أبعاد ما سوف يكون لتلاوتك اللفظيّة اليوم من متعة الحميميّة والارتقاء والتسامي؛ حين تُنزل نفسك منزل العربيّ الأوّل، فتستحضر انعكاسات مشاعره وهو "يتلو" رسولَ الله ﷺ في قراءة ما يسمعه من الوحي، ومتأكّداً آنذاك أنّه إنّما كان يتلو بهذه القراءة ما تلاه عليه الملاك جبريل لتوّه، وأنّه ﷺ بتلاوته لجبريل إنّما كان يتلو قراءة الله تعالى، تماماً كما ألقيت أوّل مرّةٍ على مسامع جبريل؟
لا شكّ أنّك ستجد بهذا من الحميميّة والدفء والمتعة في "تلاوتك" ما لم تعتد أن تجده في "قراءتك"، وشعورك بمثل هذا الارتباط المباشر مع الله، ومن خلال هذه السلسلة الشريفة من العنعنة السماعيّة التي تصلك به، لن يدانيه شعورٌ آخر.
لعلّك لستَ متأكّداً، بعدُ، أين تقف الآن؟ إذن فاطرح على نفسك هذه الأسئلة. إنّ إجاباتك الموضوعيّة عليها هي التي سترسم لك خطوات حياتك، وتقود خطاك إلى آخرتك:
1- هل يسبق قلبي في تلاوتي أذنيّ وعينيّ؟ هل تخرج تلاوتي من شفتيّ، فينطق بها لساني من غير أن ينطق بها قلبي؟
2- هل استطعت أن أتخيّل أبعاد ما سيكون لتلاوتي التطبيقيّة من تأثيراتٍ ارتداديّةٍ، ليس على آخرتي فحسب، بل على حياتي، وعلى حياة مَن حولي، ثمّ على حياة أمّتي بأكملها، حين أرتفع بنفسي عالياً فأحوّل ما أتلوه من آيات إلى واقعٍ عمليٍّ على الأرض؟
3- هل نجحت، وأنا أستحضر حقيقة أنّني إنّما "أتلو" بتلاوتي هذه قراءة الله تعالى نفسه، بألفاظها وحروفها تماماً كما ردّدها أوّل مرّةٍ على جبريل، في أن أجعل منها تلاوةً هادئةً، وخاشعةً، ووقورةً، بما يليق بالمقام الإلهيّ؟
4- هل كنت جديراً حقّاً بالمسؤوليّة الكبيرة التي أُسندت إليّ بهذه التلاوة، وهل استشعرت أثناء تلاوتي أنّ الله كان معي مباشرةً على الخطّ؟
* * *
من جديد، هل أنت متردّدٌ في قبول صفة "الإعجاز" التي أسبغناها على هذه التلاوة التوثيقيّة القرآنيّة المزدوجة؟
إن كنت تشكّ في ذلك، فتلفّت حولك وابحث في كلّ الاتّجاهات، زماناً ومكاناً، فهل تجد كتاباً في التاريخ، أو في زمننا الحاضر، أو هل تتخيّل احتمال وجود كتابٍِ في المستقبل، يقرأه، وبملء رغبتهم، مئاتُ الملايين من البشر، بآذانهم وأبصارهم معاً، ويستمتعون بهذه القراءة، ويتلهّفون لقطف ثمارها، العاجلة والآجلة؟
هوامش:
(1) يستثنى من ذلك طبعاً تلك الأبحاث التي تدور حول شخصيّاتٍ أو هيئاتٍ بعينها، فتكون هذه الهيئات ومن يحيط بها من أهمّ مصادر تلك الأبحاث.
بقلم: أحمد بسام ساعي
جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين


