5 - معجزة توثيق القرآن
في أواسط الثمانينيّات كنت أعمل مع المستشرق ألن جونز Alan Jones (1933-2021) في كلّية الدراسات الشرقيّة بجامعة أوكسفورد على تحقيق مخطوطةٍ نادرةٍ تضمّ عدداً كبيراً من (الموشّحات الأندلسيّة) غير المعروفة حتّى الآن، لابن بشر. وفاجأني جونز يوماً وهو يناولني قصيدةً للشاعر القُرشيّ عمر بن أبي ربيعة (23-93هـ)، ويطلب منّي أن أقرأها بإمعان ثمّ أخبره عن رأيي فيها.
كان ابن أبي ربيعة الشاعرَ الوحيد الذي نبغ من أهل مكّة في صدر الإسلام، وقد تفرّغ بشكلٍ شبه كاملٍ لشعر الحبّ والغزل. وكانت هذه القصيدة وصفاً غزليّاً للنساء الحاجّات وهنّ يطفن بالبيت، ويمارسن شعائر الحجّ.
قرأت القصيدة بتمعّنٍ شديد، ولكنّني لم أجد فيها ما يستحقّ أن أعلّق عليه! فسألني البروفيسور جونز مستغرباً:
- ألم تلاحظ أمراً غريباً في القصيدة؟
- عاديّة، لا أجد فيها ما يستحقّ الذكر!
- اقرأها مرّةً أخرى، ولا بدّ أن تكتشف فيها شيئاً غير عاديّ!
وأعدت قراءة القصيدة مرّةً ثانيةً ثمّ ثالثةً، وهو ما يزال يلحّ عليّ بوجود ظاهرةٍ هامّةٍ يجب ألّا تفوتني فيها. وعندما يئست ويئس من عثوري على ما يريد؛ قال لي وكأنّه يكشف سرّاً عظيماً:
- ألم تلاحظ أنّ وصف الحجّ في القصيدة ينطبق تماماً على وصف الحجّ كما جاء في القرآن؟
- ماذا تعني؟! وهل كنت تتوقّع أن يكون الوصف مختلفاً؟
- بل هذا يعني الكثير! إنّه الدليل على أنّ الآيات التي تصف شعائر الحجّ في القرآن لم يصبها أي تغييرٍ أو تحريفٍ مع الزمن؟
- غريب! وهل تعني أنّ بقيّة الآيات قد أصابها التحريف؟!
- هيّا، لنكن واقعيّين يا بسّام، شئنا أم أبينا، لا مفرّ من الاعتراف بأنّ القرآن قد تعرّض للتغيير مرّاتٍ عديدةً على مرّ القرون والأجيال.
صُدمت وأنا أسمع هذا التشكيك بموثوقيّة النصّ القرآني، واستخلصت من هذا أنّ جونز يفترض أنّه قد جرى على القرآن ما جرى على الإنجيل من تحريفاتٍ وتعديلاتٍ ما تزال مستمرّةً حتّى يومنا هذا. وخطرت في بالي حالاً فكرةٌ، فسألته:
- هل سمعت آخر الأخبار يا ألن عن مشكلة أيّام الأسبوع السبعة؟
- لا، ماذا حول أيّام الأسبوع؟
- يقولون إنّهم اكتشفوا أنّه قد حدث مرّةً أنّ البشريّة فاتها إحصاء يومٍ من أيّام الأسبوع فسقط من حسابها، وعلى هذا يكون اليوم الذي نحن فيه الآن ليس يوم الخميس بل الجمعة!
- وهل تصدّق مثل هذا الهراء يا بسّام؟!
- ولمَ لا؟
- قد يخطئ أو ينسى شخصٌ واحد، شخصان، مائة شخص في وقتٍ واحد، وبتاريخٍ واحد، لكن أن يصادف أن ينسى العالم كلّه، وفي يومٍ واحدٍ، وتاريخٍ واحد، إحصاء أحد الأيّام، أمرٌ مستحيل، كيف تصدّق مثل هذا التخريف؟
- إذا كان عليّ أن أصدّق أنّ مئات الملايين من المسلمين قد اجتمعوا كلّهم، وفي وقتٍ واحد، على تحريف القرآن، رغم أنّهم يرتّلونه يوميّاً وبشكلٍ جماعيّ، فعليّ أن أصدّق، أيضاً، أنّ البشريّة جمعاء يمكن أن تنسى يوماً من أيّام الأسبوع، في وقتٍ واحد، وفي تاريخٍ واحد، ما الفرق بين الأمرين؟
* * *
مع مرور الزمن، ربّما أصبحت أعجوبة توثيق القرآن في نظر أكثر المسلمين، ونظر غير المسلمين أيضاً، أمراً عاديّاً غير ذي بال، بعد أن أفقدتهم الألفةُ والعادة والتكرار إحساسَهم بعظمة هذا النظام، وغرابته وتفرّده. إنّه حقّاً أعجوبة الأعاجيب!
ولو استحضرت الغائب، واستبعدت الحاضر، لأدركت أنّه لم يسبق لي أبداً أن عرفت، أو أن تخيّلت، أيّ احتمالٍ لوجود مثل هذا المنهج التوثيقي الفريد لكتابٍ أو وثيقةٍ أو مخطوطة.
فكيف عمِلَ هذا البرنامج التوثيقيّ الإلهيّ عملَه على مرّ القرون، وكيف كانت السبيل لوضعه موضع التطبيق، رغم كلّ العوائق والعقبات؟
لقد عرفنا كيف كان النبيّ محمّدٌ ﷺ منذ اللحظات الأولى لنزول الوحي، وبقدرةٍ إلهيّةٍ إعجازيّةٍ زُرعت في ذاكرته حالاً بعد النزول، يستظهر ما يتلوه عليه جبريل من الآيات حال سماعها منه. ولكنّه ﷺ، مع ذلك، لم يكتفِ بالاعتماد على ذاكرته، بل جمع حوله ما لا يقلّ عن ستّين كاتباً يخطّون له تلك الآيات على صحائف. ثمّ، وفي مرحلةٍ تالية، اختار أربعة كتّابٍ من المدينة ليجمعوها له في صحفٍ، كما يخبرنا خادمُه وأقرب الناس إليه أنس بن مالك:
- عن أنسِ بنِ مالكٍ قال: "جَمَعَ القُرْآنَ علَى عَهْدِ النبيِّ ﷺ أرْبَعَةٌ، كُلُّهُمْ مِنَ الأنْصَارِ: أُبَيٌّ – ابنُ كعبٍ –، ومُعَاذُ بنُ جَبَلٍ، وأَبُو زَيْدٍ، وزَيْدُ بنُ ثَابِتٍ. قُلتُ لأنسٍ – يخبرنا الراوي عن أنسٍ –: مَن أبو زَيْدٍ؟ قالَ: أحَدُ عُمُومَتِي". [رواه البخاري]
وكان الرسول ﷺ يشير لكتّابه الأربعة في كلّ مرّة، تماماً كما أشار له جبريل، إلى موضع الآية الجديدة في القرآن، في أيّة سورةٍ هي، وفي أيّ موضعٍ تكون من السورة. ويصوّر لنا عبدُ الله بن عبّاسٍ الحلقة الأولى من السلسلة المتينة والممتدّة لذلك المنهج التوثيقيّ الذي لازم نزول القرآن منذ لحظاته الأولى، من أجل الحفاظ على نصوصه، وإلى الأبد، كما نزلت من السماء:
- عن عبدِ اللهِ بنِ عبّاسٍ قال: "قلتُ لعُثمانَ بنِ عفَّانَ: ما حَمَلَكُمْ إلى أنْ عَمَدتُمْ إلى (الأَنفالِ) وهي مِنَ المَثاني – أي السُّوَر التي يَقلُّ عددُ آياتها عن المائة – وإلى (بَراءَةٌ) وهي مِن المِئينَ – أي السُّوَر التي يقارب عددُ آياتها المائة أو يتجاوزها –، فقَرَنتُمْ بيْنَهما، ولمْ تَكْتُبوا بيْنَهما سَطْرَ {بِسمِ اللهِ الرَّحمنِ الرَّحيمِ}، ووضَعْتُموها في السَّبْعِ الطِّوالِ؟ ما حَمَلَكُمْ على ذلك؟ فقالَ عُثمانُ: إنَّ رسولَ اللهِ ﷺ كان يَأْتي عليه الزَّمانُ تَنزِلُ عليه السُّوَرُ ذَواتُ عَدَدٍ، فكان إذا نَزَلَ عليه الشَّيءُ يَدْعو بعْضَ مَنْ كان يَكتُبُهُ، فيقولُ: ضَعوا هذه في السُّورةِ الَّتي يُذكرُ فيها كذا وكذا – ولم يكن للسوَر أسماءٌ نهائيّةٌ تُعرَف بها بعد –، وتَنزِلُ عليه الآيةُ فيقولُ: ضَعوا هذه في السُّورةِ الَّتي يُذكَرُ فيها كذا وكذا، فكانتِ (الأنفالُ) مِن أوائلِ ما أُنزِلَ بالمدينةِ، و(بَراءَةٌ) مِن آخِرِ القرآنِ، وكانتْ قِصَّتُها شَبيهةً بقِصَّتِها – أي كان موضوع السورتين متشابهاً –، فقُبِضَ رسولُ اللهِ ﷺ ولمْ يُبيِّنْ لنا أنَّها منها – ولا العكس –، فمِنْ ثَمَّ قَرَنْتُ بيْنَهما، ولمْ أَكتُبْ بيْنَهما سَطْرَ {بِسمِ اللهِ الرَّحمنِ الرَّحيمِ}". [رواه الحاكم في المستدرك على الصحيحين، وأخرجه ابن حِبّان في صحيحه]
ولكنّ أمر التوثيق لم يتوقّف عند هذا الحدّ! لقد تكفّل الله لنبيّه بحفظٍ دائمٍ للنصّ القرآنيّ، وعدم ضياع شيءٍ منه مع الزمن، كما يمكن أن يجري لأيّ كتابٍ، في عصرٍ لم يعرف شيئاً اسمه الطباعة أو النشر.
ودعماً لهذا الضمان الإلهيّ، ألحَقَ تعالى وعده ببرنامجٍ عمليٍّ فريدٍ، مشفوعاً بدورةٍ سنويّةٍ ليليّةٍ متتابعة، يَخضع فيها الرسول ﷺ على مدى ثلاثين ليلةً من كلّ رمضان؛ لمراجعةٍ دقيقةٍ من جبريل، وتوثيقٍ لما نزل من القرآن على مدى العام الفائت، والتأكّد من صحّة كلّ آية، وكلّ كلمة، ومواضع الكلمات في كلّ آية، ومواضع الآيات في كلّ سورة.
وحدث مرّةً أن تضاعفت هذه الدورة السنويّة في آخر رمضان من حياة النبيّ ﷺ، فأدرك من هذا التوثيق الإضافيّ، وغير المعهود، أنّ الرسالة التي كُلّف بحملها إلى الناس توشك أن تكتمل، وأنّ دعوته شارفت على الانتهاء، وأنّ مهمّته في هذه الأرض قد اقتربت من أيّامها الأخيرة:
- عن عبدِ الله بنِ عبّاسٍ قال: "كانَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ أجْوَدَ النَّاسِ، وكانَ أجوَدَ ما يَكونُ في رَمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ. وكانَ جِبْرِيلُ يَلْقَاهُ في كُلِّ لَيْلَةٍ مِن رَمَضَانَ، فيُدَارِسُهُ القُرْآنَ – أي يَضبطُه معه ويدقّقُه –، فَلَرَسولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ أجْوَدُ بالخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ المُرْسَلَة – أي التي أرسلها الله بالخير والبركة –". [رواه البخاري]. وفي روايةٍ لأحمد صحّحها شعيب الأرناؤوط: "فلمَّا كان في الشَّهرِ الذي هلَكَ بَعدَهُ، عرَضَ عليه عَرضَتَيْن – أي راجعه معه مرّتين في رمضان الذي سَبَقَ وفاتَه ﷺ –".
هذا التدقيق السنويّ المستمرّ، والمراجعة المتوالية للنصّ القرآنيّ، كانا يقتصران على النبيّ وحده، فكيف كان الشأن مع المسلمين بعد وفاته؟ وما الضمان لحفاظهم على النصّ القرآنيّ بعد رحيل نبيّهم، تماماً كما تسلّموه منه، فلا يقع لكتابهم ما وقع لغيره من الكتب؟
كان عمر بن الخطّاب أوّل من نبّه الخليفة أبا بكرٍ الصدّيق إلى ضرورة جمع سوَر القرآن الكريم في مجلّدٍ واحد، وقد كانت حتّى ذلك الوقت موزّعةً في الذواكر، أو مجموعةً في صحفٍ خطّها الكتّاب للنبيّ ﷺ، كلٌّ حسب ما اجتهد من طرائق إملائه. وتردّد أبو بكرٍ في القيام بعملٍ خطيرٍ كهذا لم يقم به رسول الله ﷺ قبل وفاته. وحين قبل أبو بكرٍ، بعد لأيٍ، بالفكرة، وطلب من زيد بن ثابتٍ أن يتولّى تلك المهمّة الشاقّة؛ تردّد زيدٌ أيضاً، وللسبب نفسه، في تولّي هذه المسؤوليّة الكبيرة، ولكنّه قبِل في النهاية أن يأخذها على عاتقه كما يروي لنا بنفسه:
- عن زيدِ بنِ ثابتٍ قال: "أَرْسَلَ إلَيَّ – أي طلبَني – أبو بَكْرٍ مَقْتَلَ أهْلِ اليَمَامَةِ – أي أيّامَ استعارِ حربِ اليمامة، وهي موقعٌ في نجد، وقد قُتِل في نهايتها مُسيلمةُ الكذّاب – وعِنْدَهُ عُمَرُ. فَقالَ أبو بَكْرٍ – بحضورِ عمرَ بنِ الخطّاب –: إنَّ عُمَرَ أتَانِي فَقالَ: إنَّ القَتْلَ قَدِ اسْتَحَرَّ – أي اشتدّ – يَومَ اليَمَامَةِ بالنَّاسِ، وإنِّي أخْشَى أنْ يَسْتَحِرَّ القَتْلُ بالقُرَّاءِ في المَوَاطِنِ – أي يخاف أن يَكثرَ القتلى مِن حَفظَةِ القرآن في مختلف البقاع التي تشهدُ المعارك – فَيَذْهَبَ كَثِيرٌ مِنَ القُرْآنِ، إلَّا أنْ تَجْمَعُوهُ، وإنِّي لَأَرَى أنْ تَجْمَع القُرْآنَ – ما يزالُ الكلامُ لعمرَ –.
قالَ أبو بَكْرٍ: قُلتُ لِعُمَرَ: كيفَ أفْعَلُ شيئاً لَمْ يَفْعَلْهُ رَسولُ اللَّهِ ﷺ؟ فَقالَ عُمَرُ: هو واللَّهِ خَيْرٌ. فَلَمْ يَزَلْ عُمَرُ يُرَاجِعُنِي فيه حتَّى شَرَحَ اللَّهُ لِذلكَ صَدْرِي ورَأَيْتُ الذي رَأَى عُمَرُ! قالَ زَيْدُ بنُ ثَابِتٍ – وهو الراوي –: وعُمَرُ عِنْدَهُ جَالِسٌ لا يَتَكَلَّمُ. فَقالَ أبو بَكْرٍ – مخاطباً زيداً –: إنَّكَ رَجُلٌ شَابٌّ عَاقِلٌ، ولَا نَتَّهِمُكَ – أي لا أحدَ يشُكُّ بأمانتِك –، كُنْتَ تَكْتُبُ الوَحْيَ لِرَسولِ اللَّهِ ﷺ، فَتَتَبَّعِ القُرْآنَ فَاجْمَعْهُ.
فَوَاللَّهِ – والكلام الآن لزيدٍ – لو كَلَّفَنِي نَقْلَ جَبَلٍ مِنَ الجِبَالِ ما كانَ أثْقَلَ عَلَيَّ ممَّا أمَرَنِي به مِن جَمْعِ القُرْآنِ!
قُلتُ: كيفَ تَفْعَلَانِ شيئاً لَمْ يَفْعَلْهُ النبيُّ ﷺ؟ فَقالَ أبو بَكْرٍ: هو واللَّهِ خَيْرٌ. فَلَمْ أزَلْ أُرَاجِعُهُ – أي ظللتُ أناقشُ عمرَ في الأمر – حتَّى شَرَحَ اللَّهُ صَدْرِي لِلَّذِي شَرَحَ اللَّهُ له صَدْرَ أبِي بَكْرٍ وعُمَرَ. فَقُمْتُ فَتَتَبَّعْتُ القُرْآنَ أجْمَعُهُ مِنَ الرِّقَاعِ – وهي القطعُ من الجِلدِ أو غيرِه ممّا كانت تُكتَب عليه السُّوَر – والأكْتَافِ – أي أكتافِ الحيوانات –، والعُسُبِ – مِن جَريدِ النخيلِ – وصُدُورِ الرِّجَالِ – أي ذواكرِهم –، حتَّى وجَدْتُ مِن سُورَةِ التَّوْبَةِ آيَتَيْنِ مع خُزَيْمَةَ الأنْصَارِيِّ – وهو الذي "جَعلَ رسولُ اللهِ ﷺ شهادتَه كشهادةِ رجُلين" كما في حديثٍ آخر للبخاري – لَمْ أجِدْهُما مع أحَدٍ غيرِهِ: {لقَدْ جَاءَكُمْ رَسولٌ مِن أنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عليه ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ علَيْكُم} إلى آخِرِهِمَا [التوبة: 128-129]. وكَانَتِ الصُّحُفُ الَّتي جُمِعَ فِيهَا القُرْآنُ – أيّام النبيّ ﷺ – عِنْدَ أبِي بَكْرٍ حتَّى تَوَفَّاهُ اللَّهُ، ثُمَّ عِنْدَ عُمَرَ حتَّى تَوَفَّاهُ اللَّهُ، ثُمَّ عِنْدَ حَفْصَةَ بنْتِ عُمَرَ". [رواه البخاري]
وفي مرحلةٍ زمنيّةٍ تاليةٍ، في خلافة عثمان بن عفّان، ومع توسّع بقاع الدولة الإسلاميّة وتباعدها، ظهرت في الأفق مخاطر من نوعٍ آخر يُخشى منها على سلامة النصّ القرآنيّ مع الزمن، وتقتضي حلّاً سريعاً، وهي اختلاف المسلمين في الأمصار البعيدة حول القراءات القرآنيّة، وقد كانت قراءاتٍ متعدّدةً لنصٍّ مكتوبٍ واحد، كما سوف نفصّل القول فيما بعد.
ووجد عثمان أنّه لا بدّ من نسخ صحف أبي بكرٍ، وكانت عند حفصة بنت عمر، ومن جمعها في مصحفٍ واحدٍ، ثمّ توزيع نسخٍ من هذا المصحف على مختلف الأمصار الإسلاميّة، كما يروي لنا حُذيفةُ بن اليمان:
- عن أنسِ بنِ مالكٍ: "أنَّ حُذَيْفَةَ بنَ اليَمَانِ قَدِمَ علَى عُثْمَانَ، وكانَ يُغَازِي أهْلَ الشَّأْمِ في فَتْحِ أرْمِينِيَةَ وأَذَرْبِيجَانَ مع أهْلِ العِرَاقِ – أي كان يجهّزُ أهلَ الشامِ والعراقِ لغزوِ أرمينيةَ وأَذَرْبِيجان –، فأفْزَعَ حُذَيْفَةَ اخْتِلَافُهُمْ في القِرَاءَةِ، فَقالَ حُذَيْفَةُ لِعُثْمَانَ: يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ، أدْرِكْ هذِه الأُمَّةَ قَبْلَ أنْ يَخْتَلِفُوا في الكِتَابِ اخْتِلَافَ اليَهُودِ والنَّصَارَى! فأرْسَلَ عُثْمَانُ إلى حَفْصَةَ أنْ أرْسِلِي إلَيْنَا بالصُّحُفِ نَنْسَخْهَا في المَصَاحِفِ – أي لنضمّها كلّها في مجلّدٍ أو مُصحَفٍ –، ثُمَّ نَرُدُّهَا إلَيْكِ. فأرْسَلَتْ بهَا حَفْصَةُ إلى عُثْمَانَ، فأمَرَ زَيْدَ بنَ ثَابِتٍ، وعَبْدَ اللَّهِ بنَ الزُّبَيْرِ، وسَعِيدَ بنَ العَاصِ، وعَبْدَ الرَّحْمَنِ بنَ الحَارِثِ بنِ هِشَامٍ، فَنَسَخُوهَا في المَصَاحِفِ، وقالَ عُثْمَانُ لِلرَّهْطِ القُرَشِيِّينَ الثَّلَاثَةِ: إذَا اخْتَلَفْتُمْ أنتُمْ وزَيْدُ بنُ ثَابِتٍ في شيءٍ مِنَ القُرْآنِ فَاكْتُبُوهُ بلِسَانِ قُرَيْشٍ – أي بطريقةِ لفظِهم للكلمات، لأنّ زيداً كان وحدَه من أهلِ المدينةِ، وكان الثلاثةُ الآخرون من أهلِ مكّة، أي من قريش –، فإنَّما نَزَلَ بلِسَانِهِمْ، فَفَعَلُوا. حتَّى إذَا نَسَخُوا الصُّحُفَ في المَصَاحِفِ؛ رَدَّ عُثْمَانُ الصُّحُفَ إلى حَفْصَةَ، وأَرْسَلَ إلى كُلِّ أُفُقٍ – أي كلِّ جهةٍ من الدولة الإسلاميّة – بمُصْحَفٍ ممَّا نَسَخُوا، وأَمَرَ بما سِوَاهُ مِنَ القُرْآنِ في كُلِّ صَحِيفَةٍ أوْ مُصْحَفٍ أنْ يُحْرَقَ – أي ممّا تفرّق عند الأفراد، حتّى لا يختلفوا بَعدها حولَ لفظِ الكلمات، لأنّها كُتبت بطرقٍ مختلفةٍ باختلاف لهجات كتّابها واختلافِ إملائهم –". [رواه البخاري]
* * *
أمّا وقد أصبح بين أيدي المسلمين في مختلف الأمصار نسخةٌ موحّدة الكتابة والإملاء للقرآن الكريم، عُرفت بمُصحف عثمان، فقد كانت الحكمة الإلهيّة قد أعدّت منذ البداية برنامجاً توثيقيّاً سماويّاً أبديّاً لا يصيبه الوهن، ولا تتخلّله الثغرات مع مرور الحقب وتتالي الأجيال.
وكان على هذا البرنامج ألّا يقتصر على فريقٍ بشريٍّ محدودٍ يتولّى مثل هذه المسؤوليّة الخطيرة، فلو حدث أن ضعُف هذا الفريق، أو أخطأ، أو ضلّ، أو تلاشى، اهتزّ معه ذلك البرنامج التوثيقيّ، وانكشف النصّ القرآنيّ لرياح التحريف والحذف والزيادة والتبديل، وتقاذفته أمواج الأهواء البشريّة كما حدث لنصوص أهل الكتاب.
وكان المنهج السماويّ الأمثل، والأساسيّ، والجاهز، لهذا البرنامج؛ هو دعوة المسلمين جميعاً، بلا استثناء، وليس مجموعةً محدودةً من المختصّين أو العلماء أو رجال الدين، إلى المثابرة اليوميّة على تلاوة القرآن، جنباً إلى جنبٍ مع الحثّ على حفظ ما أمكن من سوَره غيباً، وتشجيعِهم على ذلك بشتّى الطرق، ومكافأتهم بأعظم الأجور عند الله، وتحذير المتكاسلين والمهملين من عواقب إهمالهم، ممّا ستوضّحه لنا الفصول القادمة.
ولكنّ ما يتوّج هذا النظام التوثيقيّ الإلهيّ للقرآن، ويضمن فاعليّته وسلامته، ويؤكّده ويرسّخه، نظامٌ توثيقيٌّ صارمٌ آخر يهيمن عليه، ويؤمّنه، وهو أشدّ إحكاماً، وأضمن نتيجةً، وأكثر تفرّداً وإثارةً للحيرة والدهشة معاً، ولم يعرفه، ولن يعرفه أبداً، كتابٌ آخر في تاريخ هذه المعمورة.
إنّه صلوات الجماعة عند المسلمين، والصلوات الجهريّة منها على وجه التحديد.
يؤدّي المسلمون خمس صلواتٍ كلّ يوم، اثنتان سرّيّتان في النهار، هما الظهر والعصر، وثلاثٌ جهريّةٌ في الليل، هي الفجر والمغرب والعشاء.
ويشدّد الإسلام بشكلٍ لافتٍ للنظر، حثّاً وترغيباً، ووعداً ووعيداً، على وجوب التزام المسلمين بأداء هذه الفرائض الخمس جماعةً في المسجد، وفي صفوفٍ متساويةٍ متراصّة، وخلف إمامٍ واحد.
ولا شكّ أنّ هناك أسباباً إلهيّةً عدّةً وراء ذلك التشديد، منها ما يمكن أن نجتهد نحن البشر فندرك، ومنها ما يفوتنا فلا ندرك. وقد يكون على رأس ما ندركه من هذه الأسباب تقويةُ الشعور لدى المسلمين بالانتماء الجماعي، والتكاتف، والفريق الواحد، والإحساس الآمن والمستمرّ بتقوّي أحدهم بإخوانه حين يجتمع بهم خمس مرّاتٍ كلّ يوم، ولا سيّما عند الملمّات والأحداث الكبيرة التي تصادفهم في رحلة هذه الحياة. وهذا شأنهم كذلك في اجتماعهم السنويّ الآخر، والأكبر، لشعيرة الحجّ، فضلاً عن شعيرة العُمرة المتتابعة على مدى العام.
وهكذا تكون كلّ صلاةٍ في المسجد بمثابة موعدٍ دوريٍّ للمسلمين، يجتمعون فيه على أرضٍ واحدة، فتتقارب قلوبهم وسواعدهم وآراؤهم على كلّ أمرٍ قد يواجههم في هذه الحياة، وتتقوّى معنويّاتهم، وتشتدّ أواصرهم وأخوّتهم وتعاونهم، فترتفع بهذا ثقتهم بأنفسهم وبقدرتهم على مواجهة كلّ الصعاب. ويتوّج كلَّ هذا توثيقُهم اليوميّ لكِتابِهم توثيقاً جماعيّاً لا يتوقّف:
- عن عبدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَال: "صَلاَةُ الْجَمَاعَةِ أَفْضَلُ مِنْ صَلاَةِ الْفَذِّ بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً". [متّفق عليه]
- عن عبدِ اللهِ بنِ عبّاسٍ قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: "مَن سمِعَ المنادي فلم يمنعْه من اتّباعه عذرٌ –، قالوا: وما العذر؟ قال: خوفٌ أو مرض، لم تُقبلْ منه الصلاةُ التي صلّى". [رواه أبو داود، ووثّق إسناده ابن باز في فتاوى نور على الدرب]
- عن النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ قال: "أَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى النَّاسِ بِوَجْهِهِ فَقَال: أَقِيمُوا صُفُوفَكُم، (ثَلاَثاً)، وَاللَّهِ لَتُقِيمُنَّ صُفُوفَكُمْ أَوْ لَيُخَالِفَنَّ اللَّهُ بَيْنَ قُلُوبِكُم. قَال: فَرَأَيْتُ الرَّجُلَ يُلْزِقُ مَنْكِبَهُ بِمَنْكِبِ صَاحِبِه، وَرُكْبَتَهُ بِرُكْبَةِ صَاحِبِه، وَكَعْبَهُ بِكَعْبِهِ". [رواه أبو داود، وصحّحه الألباني]
- عن أبي الدرداء قال: "سَمِعْتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقول:"ما مِنْ ثلاثةٍ في قريةٍ ولا بَدْوٍ لا تُقام فيهمُ الصلاةُ إلّا قدِ استَحْوَذَ عليهمُ الشيطان. فعليكم بالجماعة، فإنّما يأكلُ الذئبُ مِنَ الغنمِ القاصيةَ – أي المنفردةَ عنِ القطيع –". [رواه أبو داود، وصحّحه الألباني]
لقد جاء نظام "الجماعة" في الإسلام كإحدى المعجزات المنهجيّة المستمرّة التي حافظ بها على نصوص كتابه، وعلى وحدة عباداته، وسلامة خطّ سيره، من غير أن يترك للتحريف ثغراتٍ يتسلّل منها أصحاب الأغراض والأهواء مع مرّ العصور.
ومن الطبيعيّ أن نجد حولنا اليوم بعضاً من هؤلاء المنحرفين والمغرضين ممّن يحاول أن يتحيّن الفرص للتشكيك بالدين وبالقرآن وبالحديث النبويّ. فنسمع أحدهم يدّعي، مثلاً، أنّ المسلمين يصومون الآن الشهر الخطأ، وأنّ توقيت رمضان اليوم ليس هو توقيت رمضان الذي صام فيه النبيّ ﷺ، بل تبدّل مع الأيّام بشهرٍ آخر.
ولا شيء يدحض مثل هذا الادّعاء إلّا النظامُ الجماعيّ للصيام. فكيف يمكن أن يتبدّل شهرٌ كاملٌ يصومه معاً، وبالوقت نفسه، وبالتزامٍ جماعيٍّ وأمميٍّ وحسابيٍّ شديد، مع متابعةٍ وحرصٍ على دقّة بداية هذا التوقيت وعلى دقّة نهايته، مئاتُ الملايين كلّ عام، صغاراً وكباراً، يترقّبون مجيئه شهراً بعد شهر، ويترصّدون ظهور هلال بدايته، ثمّ هلال نهايته، يوماً بعد يومٍ، وساعةً بعد ساعة؟
ويدّعي آخر أنّ نظام الحجّ وزمنه وشعائره قد تغيّرت مع السنين. ويجيز آخرُ للمسلمين أن يحجّوا في أيّ وقتٍ من العام تخفيفاً للزحام الذي يتعرّضون له في شهر ذي الحِجّة. ويردّ على هؤلاء، أيضاً، هذا النظام الجماعيّ الفريد والمستمرّ لشعيرة الحجّ، فضلاً عن الاسم التاريخيّ الثابت لشهر الحجّ (ذي الحِجّة)، كما يردّ عليهم القرآن نفسه عندما يحدّد للمسلمين موعد الحجّ وأشهره "المعلومة" {أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ}، وكذلك أيّامه "المعلومة" من هذه الأشهر {فِي أيّامٍ مَعلُوماتٍ}:
- الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ [البقرة 197]
- وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ ﴿٢٧﴾ لِّيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ ۖ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ ﴿٢٨﴾ [الحجّ: 27-28]
من أجل هذا الغرض نفسه؛ فضلاً عن الأغراض الأخرى، يوجّه الإسلام عنايةً خاصّةً للصلوات الجماعيّة الليليّة الجهريّة، وبشكلٍ يفوق بكثيرٍ تركيزه على الصلوات النهاريّة السريّة. وتأتي هذه العناية بمثابة دعمٍ إلهيٍّ لهذا المنهج التوثيقيّ الجماعيّ السماعيّ لكتاب المسلمين؛ كما يؤكّد لنا العديد من الأحاديث النبويّة:
- عن عثمانَ بنِ عفّانَ قال: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ: "مَنْ صَلَّى العِشاءَ في جَماعةٍ فكأنّما قامَ نِصْفَ الليل، ومَنْ صَلَّى الصُّبحَ في جَماعةٍ فكأنّما صَلَّى الليلَ كُلَّه". [رواه مسلم]
- عن أبي هريرةَ قال: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ: "لو يَعْلَمُ النَّاسُ ما في النِّدَاءِ – أي ما ينالُهم من أجرٍ في الأذان –، والصَّفِّ الأوَّل – أي من صفوفِ صلاةِ الجماعة –، ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا إلَّا أنْ يَسْتَهِمُوا، لَاسْتَهَمُوا عليه – أي لتنافسوا عليه وأجرَوا القُرعة بينهم للفوز به –. ولو يَعْلَمُونَ ما في التَّهْجِيرِ – أي التبكيرِ لصلاةِ الجماعة – لَاسْتَبَقُوا إلَيْه. ولو يَعْلَمُونَ ما في العَتَمَةِ – أي صلاةِ العِشاء – والصُّبْح، لَأَتَوْهُما ولو حَبْواً – أي زحْفاً –". [متّفق عليه]
وحين جاء الأعمى إلى النبيّ ﷺ يستأذنه بالتخلّف عن الصلوات الليليّة، خوفاً ممّا يمكن أن يعترضه وهو في طريقه إلى المسجد من دوابّ مؤذيةٍ أو حيواناتٍ مفترسة، لم يأذن له بذلك ما دام بيته على مسافةٍ من المسجد يستطيع معها أن يسمع صوت الأذان:
- عن عبدِ اللهِ بنِ أمِّ مكتومٍ – وكان أعمى – قال: "قلتُ: يا رسولَ الله، إنّ المدينةَ كثيرةُ الهَوامِّ – جمع هامية، وهي ما يَهمي وينتشر من الحشرات والدوابّ في الليل – والسباع. قال: هل تسمعُ: حيَّ على الصلاة، حيَّ على الفلاح؟ قال: نعم. قال: فحَيَّهَلَا – أي أقبِل للصلاة –، ولم يُرخِّصْ له". [رواه النَّسائي، وصحّحه الألباني]
ولا شكّ أنّ هناك أكثر من حكمةٍ إلهيّةٍ للتأكيد على هذه الصلوات الجماعيّة الليلية، ولكنّ هذا "التوثيق الجماعيّ "الصوتيّ" لتلاوة القرآن الكريم قد يكون على رأس إنجازات هذه الصلوات.
في الصلوات الليليّة؛ يقرأ الإمام، وينصت المصلّون وراءه لما يقرأ. فإن حدث أن نسي أو أخطأ في آيةٍ أو لفظٍ؛ صحّح له مَن وراءه من جمهور المصلّين. يتكرّر ذلك، وبهذه الصورة الجماعيّة، ثلاث مرّاتٍ كلّ يوم، في كلّ مسجدٍ، وفي كلّ قريةٍ، وفي كلّ حيٍّ، في كلّ صقعٍ من أصقاع العالم الإسلاميّ وغيره. ويدعم هذا المنهج ويقوّيه صلواتُ الجمعة الأسبوعيّة، وصلاة قيام رمضان السنويّة، وصلوات التهجّد، وصلاتَا عيدَي الفطر والأضحى، وكلّها صلواتٌ جماعيّةٌ جهريّة.
لو قرّرنا أن نجري مثل هذا التوثيق السماعيّ لأيّة مخطوطةٍ أو كتابٍ، مرّةً واحدةً كلّ عامٍ، على يد فردٍ واحد، أو لنقُل على أيدي خمسة أفرادٍ أو عشرةٍ لا أكثر، يتوارثون هذه المهمّة التوثيقيّة أباً عن جدّ، لكان هذا كافياً في نظر الباحثين والمؤرّخين الموضوعيّين اليوم لحفظ نصوص أيّة مخطوطةٍ على مرّ القرون، من غير خوفٍ عليها من تبديلٍ أو تحريف.
فكيف بكتابٍ يوثّقه جهريّاً، وبشكلٍ جماعيٍّ، وعلى الملأ، مئات الملايين، ثلاث مرّاتٍ يوميّاً، ثمّ أسبوعيّاً، ثمّ شهريّاً، ثمّ سنويّاً، شرقاً وغرباً وشمالاً وجنوباً، وعلى مدى الأجيال المتوالية؟!
حتّى في عصرنا الحديث، عصر المطابع، والنشر، والإنترنت، والمواقع الإلكترونيّة، والذكاء الاصطناعيّ، وهي أكثر من أن تُحصى، نجد المسلمين حريصين على سدّ أيّة ثغرةٍ يمكن أن ينفذ منها المغرضون والمشكّكون وأصحاب الأهواء. فوضعوا قوانين صارمةً، وشكّلوا هيئاتٍ علميّةً، وتبنّوا قواعد غايةً في الدقّة والمنهجيّة، لمراقبة هذه الوسائل الحديثة وتضليلاتها المحتملة.
ويجسّد لنا مدى دقّة المسلمين وأمانتهم في منهجيّة حماية كتابهم؛ هذه الشريحةُ التوثيقيّة التي تمارسها جهةٌ رسميّةٌ واحدةٌ، ربّما كانت أكبر هيئات التوثيق الحديثة للقرآن على الإطلاق، وهي (مجمّع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف) في المدينة.
وتجري هذه الممارسة التوثيقيّة الجماعيّة عادةً عند إعادة طباعة القرآن كما يرويها لنا أحد أعضاء "اللجنة العلميّة للمصحف الشريف" في هذا المجمّع، وهو العالم الموريتاني محمّد الإغاثة (1940-2020)، وذلك في ندوةٍ أقامها مجمّع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف في تشرين الثاني/نوفمبر 2014. وجاءت كلمته تحت عنوان "طباعة القرآن الكريم ونشره بين الواقع والمأمول". يقول الشيخ (مع بعض التصرّف):
"بعد مراجعة اللجنة للمصحف مراجعتها النهائية، وقُبَيل الطباعة، تأتي مرحلةٌ أخيرةٌ يسمّونها (مرحلة التهجِّي). في هذه المرحلة تُطبع (أوّلاً) عيِّناتٌ من المصحف، وتوزّع الأجزاء (أجزاء القرآن الثلاثون) بالتساوي على أعضاء اللجنة العلميّة، ويقوم كلّ عضوين من اللجنة بالعمل معاً. يمسك أحدهما بصفحةٍ من المخطوطة، ويمسك الآخر بالصفحة نفسها من الطبعة الجديدة، ويتهجَّى الأوّل حرفاً حرفاً هكذا: (قُلْ أَعُوذُ)، فيبدأ قائلاً: قاف؟ فيجيبه الآخر: نعم موجودة. (ويتابع الأوّل): ضمّةٌ فوق القاف؟ فيجيب الآخر: نعم موجودة. (ويتابع الأوّل) لام؟ فيجيب الآخر: نعم موجودة. (ويتابع الأوّل): ساكنةٌ ومكانُ السكون مضبوط؟ فيجيب الآخر: نعم.. وهكذا حتى نهاية الجزء!
(ثمّ لا ينتهي العمل هنا)، فبعد انتهاء المدققين (من هذه العمليّة)؛ يتبادلان الأدوار، فالذي كان يتابع سابقاً يتهجَّى، والذي كان يتهجَّى يتابع، بحيث يعيد كلاهما عملَ الآخر. ويستغرق العمل في هذه المرحلة سنتين كاملتين".
من أجل هذا كلّه، وعلى عكس كافّة الكتب المقدّسة التي سبقت، لن نجد للقرآن نُسَخاً مختلفةً يختصّ كلّ مذهبٍ أو طائفةٍ أو فريقٍ بنسخةٍ منها مختلفةٍ عن نسخ الآخرين، ولو بحرفٍ واحد.
وأمام هذا المنهج التوثيقيّ الاستثنائيّ، بوجوهه المتعدّدة، الذي اختصّ به القرآن الكريم، والذي ما نزال نشهد بأعيننا صورةً أصليّةً عنه إلى يومنا هذا، لا يملك المرء إلّا أن يتساءل:
ترى، لماذا اختصّ القرآن الكريم وحده بهذه الخطّة التوثيقيّة الجماعيّة، فلم يَنعم بها أيّ كتابٍ سماويٍّ آخر؟ ألأنّه كان الرسالة الخاتمة من السماء، والفرصة الأخيرة أمام البشريّة لتكون بين أيديها أحكام السماء وتعاليمها كاملةً غير محرّفةٍ ولا منقوصةٍ ولا ضائعة، فلا يكون لهم أدنى حجّة يحتجّون بها أمام الله يوم الحساب؟
وما السرّ الذي يكمن وراء هذا الحثّ الكبير للمؤمنين على تلاوة القرآن وحفظه، ووعدهم بمثل هذه المكافآت التي تنتظرهم عند ربّهم؟ أم إنّ هناك أسراراً خفيّةً في هذه التلاوة، وأهدافاً سماويّةٌ غير معلنة، كان منها، وليس كلّها، هذه الخطّة التوثيقية الفريدة لآخر رسالةٍ للبشريّة، وكان منها أيضاً، وليس كلّها، بعض ما نصّ عليه القرآن من شفاءٍ وعلاجٍ ورحمةٍ للمؤمنين: {وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ} [الإسراء: 82]؟
وما الحكمة في أن يفرض الإسلام على المسلمين تلاوة كتابه في مختلف عباداتهم بلغته الأصليّة التي نزل بها، وهي العربيّة، وليس بأيّة لغةٍ أخرى؟
لا شكّ أنّ هناك، أيضاً، أسباباً عديدةً وراء هذه القاعدة الإلهيّة، منها ما يمكن أن ندركه بعقولنا البشريّة القاصرة، ومنها ما لا يمكن إدراكه. ويأتي على رأس هذه الأسباب أن تكون اللغة العربيّة لغةً للإسلام والمسلمين، فلا بدّ لكلّ من يعتنق هذا الدين من تعلّم هذه اللغة، فيفهم كتابه المقدّس كما أُنزل بالعربيّة، وليس من خلال الترجمات التي لا يمكن أن تكون صورةً صادقةً عن الأصل العربيّ. وبهذه القاعدة الإلهيّة استطاع الإسلام أن يحافظ على شريعته كما أنزلها الله، كما استطاع أن يعرّب لغات الكثير من الشعوب التي اعتنقته، أو أن يعرّب أبجديّاتها وكثيراً من مفرداتها.
وبإزاء كلّ هذه الحقائق، لا بدّ للمسلم من أن يطرح على نفسه مع كلّ تلاوةٍ، ومع كلّ صلاةٍ وكلّ عبادة، مثل هذه الأسئلة الخطيرة، وأن يحاول الإجابة عنها، ما استطاع، إجاباتٍ موضوعيّةً تريح ضميره، وتُطَمئن نفسه، وتضمن آخرته:
1- لماذا عليّ أن أتلو القرآن في صلواتي، وفي عباداتي الأخرى كذلك؟ ماذا يمكن أن تضيف كلّ هذه التلاوات إلى حسابي في الدنيا، وإلى حسابي في الآخرة؟
2- وما الذي أشعر أنّني أضفته إلى حساب المسلمين حين أؤدّي الصلاة جماعةً؟ وما الذي أشعر أنّني استلبته منهم لو فاتتني هذه الجماعة؟
3- ماذا يمكن أن يخسر المسلمون لو تحوّلت التلاوة في صلواتهم كلّها إلى سرّية؟ ماذا سيحدث لو خسروا ذلك الجانب التوثيقيّ الجهريّ، ودوره الهامّ في المحافظة على الوحدة الكاملة والحرفيّة للنصّ القرآنيّ لدى كلّ المذاهب الإسلاميّة، بحيث لا يختلف عليه مذهبان، إلّا أن يصرّ أحدهم على أن يفسّر هذا النصّ القرآنيّ، الثابت والمجمَع عليه، تفسيراً مغايراً يوافق مذهبه هو، وفلسفته وأهواءه هو، وإن خرج بهذا التفسير عن المنطق اللغويّ والفطريّ للّغة البشريّة، أيّة لغةٍ، إذا أريد لها أن تؤدّي وظيفتها كلغة، وأن تستحقّ اسمها؟
4- وأخيراً، هل بالغتُ حين وصفت هذا النظام التوثيقيّ الإلهيّ الفريد بأنّه "معجزة"؟
حسناً. هل تتصوّرون، ونحن في عصر التوثيق الإلكتروني، والطباعيّ، والإعلاميّ، والذكاء الاصطناعيّ، أن توجد حكومةٌ ما، الآن أو في المستقبل، مهما بلغت قدراتها، البشريّة والاقتصاديّة والسياسيّة والعسكريّة، قادرةٌ على أن تقنع، أو تغري، مستخدمةً كلّ وسائلها الذكيّة الحديثة، ملياراً أو مليارين من البشر، بأن يمارسوا توثيق كتابٍ ضخمٍ كالقرآن، فيحفظوه غيباً في ذواكرهم، ويتوارثوه سماعيّاً وبصريّاً بانتظامٍ، تلميذاً عن شيخ، وجيلاً عن جيل، وأن يجتمعوا لتلاوته ثلاث مرّاتٍ يوميّاً بدون انقطاع، إضافةً إلى مرّةٍ أخرى أسبوعيّاً، وثلاثين مرّةً أخرى سنويّاً على مدى شهرٍ كاملٍ، ومرّتين أخريين في أعيادهم؟
إن اقتنعنا بأنّ أيّة حكومةٍ أو قوّةٍ في الأرض لن تكون قادرةً على تحقيق هذا الهدف مع أيّ شعبٍ من شعوب العالم، فلا مناص لنا من أن نعترف بأنّنا أمام معجزةٍ سماويّةٍ حقيقيّةٍ لن تتكرّر مرّةً أخرى، وأيّة معجزة!
بقلم: أحمد بسام ساعي
جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين


