صفحات من كتاب (إدارة التلاوة.. أعد اكتشاف علاقتك مع القرآن الكريم) (5)

صفحات من كتاب (إدارة التلاوة.. أعد اكتشاف علاقتك مع القرآن الكريم) (5)

التصنيف: فقه الدعوة
الجمعة، ١٧ رمضان ١٤٤٧ هـ - ٦ آذار ٢٠٢٦
59

4- معجزة إقناع النبيّ ﷺ قومَه بنفسه

من هم الأقوام الذين تخاطبهم الآيات الكريمة التالية؟
- وَعَجِبُوا أَن جَاءَهُم مُّنذِرٌ مِّنْهُمْ ۖ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَٰذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ ‎[ص: 4]
- أَأُنزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِن بَيْنِنَا ۚ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِّن ذِكْرِي ۖ بَل لَّمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ ‎[ص: 8]
- وَمَا كُنتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ ۖ إِذًا لَّارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ ‎[العنكبوت: 48]
- وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ ۖ أَفَلَا تَتَّقُونَ ‎﴿٢٣﴾‏ فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ مَا هَٰذَا إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُرِيدُ أَن يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَنزَلَ مَلَائِكَةً مَّا سَمِعْنَا بِهَٰذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ ‎﴿٢٤﴾ [المؤمنون: 23-24]
- وَقَالَ الْمَلَأُ مِن قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاءِ الْآخِرَةِ وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا مَا هَٰذَا إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ ‎﴿٣٣﴾‏ وَلَئِنْ أَطَعْتُم بَشَرًا مِّثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَّخَاسِرُونَ ‎﴿٣٤﴾‏ [المؤمنون: 33-34]


لقد نزلت الآيات الثلاث الأولى في المشركين العرب الذين كذّبوا نبيّهم واتّهموه بشتّى الاتّهامات رفضاً لدعوته الجديدة، ولكنّ بقيّة الآيات تعرض علينا التّهم التي أثارها المشكّكون قبلهم على مدى التاريخ ضدّ أنبيائهم منذ نوحٍ وهود عليهما السلام. ومن الطبيعيّ أنّ تصدر التّهم عندهم جميعاً من مشكاةٍ واحدة: إنكار أيّ احتمالٍ لتواصل إنسانٍ مع السماء!


لذا، كان من الطبيعيّ أن يثير المشركون مثل هذه التّهم والشكوك حول النبيّ ﷺ أيضاً: كيف يمكن أن يتحوّل واحدٌ منّا بين ليلةٍ وضحاها، إلى نبيٍّ يحمل رسالةً من السماء؟


كانت هذه الشكوك أكبر حاجزٍ يفصل بين النبيّ ﷺ وقومه، ويحول بينه وبين إقناعهم بنفسه كنبيٍّ مرسل. أضف إلى ذلك أنّهم لم يعهدوه قبل نزول الوحي خطيباً أو محدّثاً أو شاعراً، أو حتّى واحداً من بلغاء قومه: إنّه مجرّد رجلٍ أمّيٍّ مثلنا تماماً، لا يقرأ ولا يكتب؟


ولم تكن سمعته الطيّبة، ولا سيرته النقيّة، ولا لقبه (الأمين)، ولا مكانة أسرته ومركزيّة قبيلته بين القبائل، ولا المُثُل العليا التي حملتها الرسالة الجديدة إلى الناس، ولا الأفكارُ والتعاليم الجليلة والجديدة التي تضمّنتها، لتشفع له وتخفّف من غُلَواء المقاومة التي واجهه بها قومه.


والأهمّ من ذلك أنّه ﷺ، وقد غدا الآن نبيّاً، لم يحاول أن يجترح أمامهم، في الحقبة الأولى من الدعوة، أيّة معجزةٍ حسّيةٍ من تلك التي اعتاد الأنبياء أن يقنعوا بها قومهم بأنفسهم وبصحّة رسالتهم. فتكاد تخلو المرحلة المكّية من مثل هذه المعجزات، إذا استثنينا رحلة الإسراء والمعراج التي لم يصدّقوها على أيّة حال.


لقد كان المسيح عليه السلام معجزةً بالولادة، وتكلّم وهو في المهد ليبرّئ أمّه من التهم التي وُجّهت إليها بسببه. ثمّ ما فتئ بعد ذلك، وقد شبّ عن الطوق، يجترح لقومه كلّ يومٍ شتّى أنواع المعجزات المادّية المحسوسة، وغير المسبوقة، عسى أن يقتنعوا بأنّه رسولٌ من الله إليهم، فخلق لهم من الطين طيراً، بإذن الله، وشفى الأعمى والأبرص، وأحيا الموتى، ونبّأهم بما يدّخرون في بيوتهم:
- قَالَتْ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ ۖ قَالَ كَذَٰلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ ۚ إِذَا قَضَىٰ أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ ‎﴿٤٧﴾‏ وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنجِيلَ ‎﴿٤٨﴾‏ وَرَسُولًا إِلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُم بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ ۖ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ ۖ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَىٰ بِإِذْنِ اللَّهِ ۖ وَأُنَبِّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ‎﴿٤٩﴾ [آل عمران: 47-49]


ولكن، ومع كلّ هذه المعجزات الحسّيّة التي لم يحلموا يوماً بوقوع مثلها أمام أعينهم، ومع تعدّدها وتنوّع أشكالها، لم يؤمن بالمسيح، بعد سنواتٍ من الدعوة، إلّا الحواريّون الاثنا عشر:
- فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَىٰ مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللَّهِ ۖ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ ‎[آل عمران: 52]


أمّا في حالة النبيّ محمّدٍ ﷺ؛ فخلافاً للمسيح عليه السلام، كانت ولادته عاديّةً جدّاً كولادة كلّ البشر. وشأنه شأن أبناء الجزيرة العربيّة آنذاك، وشأن شعوب بقيّة الأمم أيضاً، لم يهتمّ أحدٌ بتأريخ يوم ولادته، ولا نعرف أكثر من أنّه ولد في (عام الفيل) وهو العام الذي غزا فيه أبرهةُ الحبشيّ الكعبةَ، كما يروي لنا الصحابيّ الجليل، وابن عمّ النبيّ ﷺ، عبد الله بن عبّاس:
- عن عبدِ اللهِ بنِ عبّاسٍ قال: "وُلِدَ النَّبيُّ ﷺ عامَ الفيل - 570 م/ 53 قبل الهجرة –". [صحّحه الألباني في سلسلته على شرط الشيخين]


ويخبرنا ﷺ بنفسه أنّه ولد وبُعث يوم الإثنين، ثمّ لا يضيف إلى ذلك أيّة تفاصيل أخرى:
- عن أبي قَتادة: "أنّ رسولَ اللهِ ﷺ سُئِلَ عن صَوْمِ يَومِ الإثْنَيْنِ؟ قالَ: ذَاكَ يَوْمٌ وُلِدْتُ فِيهِ، وَيَوْمٌ بُعِثْتُ (أَوْ أُنْزِلَ عَلَيَّ) فِيه، – ثمّ تُوفّي فيه ﷺ –". [رواه مسلم]


ويؤكّد لنا عبد الله بن عبّاسٍ في حديثٍ آخر أنّ يوم الإثنين كان في الواقع ركيزةً أساسيّةً للأحداث الكبرى في حياة النبيّ ﷺ:
- عنْ عبدِ اللهِ بنِ عبّاسٍ قال: "وُلِدَ النبيُّ ﷺ يومَ الإثنين، واستُنْبِئَ – أي أُنزِلَ عليه الوحي – يومَ الإثنين، وتُوفِّيَ يومَ الإثنين، وخَرَجَ مُهاجِراً مِنْ مَكّةَ إلى المدينةِ يومَ الإثنين، وقَدِمَ المدينةَ يومَ الإثنين، ورَفَعَ الحَجَرَ الأسْوَدَ – عندما اختَلَفَ أهلُ مكّةَ في الجاهليّة حولَ مَنْ يُعيدُه لمكانِهِ بعد إعادة بناء الكعبة – يومَ الإثنين". [رواه أحمد، وصحّحه أحمد شاكر]


حتّى المسيح عليه السلام، وهو الذي استُؤثر بين كلّ الأنبياء بولادته الإعجازيّة الفريدة، لم يبرح النصارى مختلفين، شرقاً وغرباً، حول اليوم أو الشهر الذي ولد فيهما.


فليس في كتابهم المقدّس ما يجمعون عليه في هذا الأمر، إلّا ما حاولوا أن يُجروه من حساباتٍ على ضوء تاريخ ولادة ابن خالته النبيّ يحيى عليه السلام، وأنّ أمّه كانت في شهرها السادس من الحمل عند زيارة جبريل لمريم وتبشيرها بأنّها ستحمل بالمسيح عليه السلام كما يروي لنا لوقا في سيرته التي وصلتنا عن المسيح:
- 26 وحينَ كانت أليصاباتُ في شهرها السادسِ أرسلَ اللهُ الملاكَ جبريلَ إلى بلدةٍ في الجليلِ اسمها الناصرة، 27 إلى عذراءَ اسمُها مريم، كانت مخطوبةً لرجلٍ من بيتِ داودَ اسمُه يوسُف.. 30 فقال لها الملاك: لا تخافي يا مريم، نِلْتِ حُظوةً عند الله: 31 فستَحبَلين وتلِدينَ ابناً تُسمّينَه يَسوع [لوقا: 26-31]


وهكذا، ومستسلمين إلى قاعدة أشهر الحمل التسعة المعروفة لدى البشر، ومفترضين أنّ الشهر السادس من الحمل، كان، وبمحض المصادفة، هو أيضاً الشهر السادس من السنة الرومانيّة، أي حزيران/يونيه، ومفترضين، كذلك، أنّ العبارة الإنجيليّة غير المحدّدة عن ولادة مريم للمسيح عليه السلام: "وجاء وقتُها لِتَلِد" [لوقا: 2: 6] تعني: أكملت شهورها التسعة، وليس وقتاً آخر مختصراً قدّره الله لولادتها، توصّلوا من كلّ هذه الافتراضات إلى أنّ ولادته لا بدّ أن تكون قد حدثت بعد تسعة أشهر من زيارة جبريل لمريم، أي في شهر آذار/مارس.


ولكنّ هذه الحسابات تتناسى أنّ الاستثناء الإعجازيّ الفريد لحمل مريم بالمسيح عليه السلام قد يعني أيضاً، بين الكثير ممّا يعنيه، الاستثناء الإعجازيّ من كلّ قواعد الحمل التقليديّة الأخرى، ومنها قاعدة الأشهر التسعة للحمل هذه.


والواقع، أنّ هذا هو ما انزلق إليه بعض المسلمين، أيضاً، حين حاولوا استنباط تاريخ ولادة المسيح من إحدى آيات القرآن الكريم.


فقد ذهبوا إلى أنّ ولادته لا بدّ أن تكون قد تمّت في مطلع فصل الخريف، أي في موسم نضج ثمار النخيل وتحوّلها إلى (رُطَب)، مستندين في ذلك إلى الآية الكريمة التي يطلب فيها جبريل من السيّدة مريم، حين اعتزلت الناس وهي حامل، أن تهزّ جذع النخلة بجانبها لتأكل ممّا سيتساقط عليها من الرُّطَب:
- وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا ‎[مريم: 25]


لقد تناسوا بهذا، مثلما تناسى أتباع المسيح، البعد الإعجازيّ في القرآن حين يروي لنا قصص الأنبياء، ومنها روايته عن ولادة المسيح عليه السلام من روح الله وكلمته التي ألقاها إلى مريم:
- يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّـهِ إِلَّا الْحَقَّ ۚ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّـهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ ۖ فَآمِنُوا بِاللَّـهِ وَرُسُلِهِ ۖ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ ۚ انتَهُوا خَيْرًا لَّكُمْ ۚ إِنَّمَا اللَّـهُ إِلَـهٌ وَاحِدٌ [النساء: 171]


لقد تجاهلوا في تفسيرهم، ثلاث مرّاتٍ، الأبعاد الإعجازيّة التي لا بدّ أن تكون قد أحاطت بكلّ ما يمتّ بصلةٍ إلى تلك المعجزة الأساسيّة والمركزيّة: ولادة إنسانٍ من غير أبٍ:


1- لقد تناسوا مسألة: كيف يمكن أن تهزّ امرأةٌ حاملٌ نخلةً مثمرةً، وهو ما يعجز عنه أقوى الرجال؟


2- وتناسوا مسألة: كيف يمكن أن يتساقط من النخلة رُطَبٌ وهي في غير موسم إثمارها؟


3- وتناسوا إمكان أن تضع السيّدة مريم حملها الإعجازيّ خلال أسابيع أو أيّامٍ لا أكثر.


أخوض معكم هذه التفاصيل في محاولةٍ لإلقاء بعض الضوء على موقف العالم القديم، شرقاً وغرباً، من التأريخ للأحداث الكبرى، ومنها ميلاد الأنبياء أو وفاتهم.


وهكذا، لا نعثر على حديثٍ صحيحٍ واحدٍ يحدّد تاريخ ولادة نبيّنا الكريم ﷺ، إلّا روايةً واحدةً لابن كثيرٍ عن عبد الله بن عبّاسٍ وصحابيٍّ آخر؛ لم أجد من قوّاها أو صحّحها. وتذهب هذه الرواية إلى أنّ ولادته ﷺ كانت في اليوم الثامن عشر من شهر ربيع الأوّل:
- عن جابرِ بنِ عبدِ اللهِ وعبدِ اللهِ بنِ عبّاسٍ قالا: "وُلِدَ رسولُ اللهِ ﷺ عامَ الفيلِ، يومَ الإثنينِ، الثامنَ عشرَ من شهرِ ربيعِ الأوّلِ، وفيه – أي في الشهرِ نفسِه –، بُعِثَ، وفيه عُرِجَ به إلى السماءِ، وفيه هاجرَ، وفيه مات". [رواه ابن كثير في البداية والنهاية، ولم أجد من خرّجه]


ثمّ لم نسمع، وهذا طبيعيٌّ على ضوء ما قدّمنا، على حديثٍ صحيحٍ واحدٍ يحدّد تاريخ وفاته! فهناك ثلاثة أحاديث في هذا الموضوع لم أجد من علمائنا من صحّح أيّاً منها. واثنان من هذه الأحاديث يحدّدان وفاته ﷺ في اليوم الثاني من شهر ربيع الأوّل، أمّا الثالث فينصّ على أنّها كانت يوم الإثنين، ولكنّه يُغفل ذكر الشهر أو اليوم:
- عن سليمانَ التَّيميِّ: "أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ مرِض لاثنتَيْن وعشرين (من) ليلة مِن صَفَرٍ، وكان أوَّلَ يومٍ مَرِضَ فيه يومُ السَّبتِ، وكانت وفاتُه اليومَ العاشرَ – أي مِن مرَضِه – يومَ الإثنين لليلتَيْن خَلَتا مِن ربيعٍ الأوَّلِ". [رواه السيوطي، ولم أجد من خرّجه]
- عَنْ بعضِهِمْ: "أنَّ وفاتَهُ ﷺ كانَتْ يومَ الإثنينِ ثانيَ ربيعٍ الأوَّلِ". [رواه العلائي في الأربعين المغنية، وقال: صحيحٌ على بعض التقادير]
- عن مالكِ بنِ أنَسٍ: "أَنَّ رسولَ اللهِ ﷺ تُوفِّيَ يومَ الإثنين، ودُفِنَ يومَ الثُّلاثاء، وصَلَّى الناسُ عليهِ أَفْذَاذاً – أي جماعاتٍ متفرّقَةً – لا يَؤُمُّهُمْ أحدٌ – وكان ذلك، في تقديرنا، تحرّجاً من كبارِ الصحابةِ مِن إمامة الناس، متجنّبين شُبهةَ السعي لخلافتِه ﷺ –. فقال ناسٌ: يُدْفَنُ عِندَ المِنبر، وقال آخرونَ: يُدْفَنُ بالبَقِيع، فجاء أبو بكرٍ فقال: سمعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقول: ما دُفِنَ نبيُّ قَطُّ إلّا في مكانِهِ الذي تُوفِّيَ فيه. فحُفِرَ لهُ فيه. فلمَّا كان عندَ غَسْلِهِ أرادوا نَزْعَ قميصِهِ فسمِعوا صوتاً يقول: لا تَنزِعوا القَميص، فلم يُنْزَعِ القميصُ، وغُسِلَ وهو عليهِ ﷺ". [رواه ابن عبد البَرّ في التمهيد، وقال: صحيحٌ من وجوهٍ مختلفة]


ومن الطبيعيّ أن يتساءل بعضنا مستغرباً: إذا لم يكن العرب مهتمّين بتأريخ ولادة الطفل "محمّد"، لأنّ أحداً لم يكن يعرف آنذاك أنّه سيكون نبيّاً عظيماً بعد أربعين عاماً، فكيف يمكن للمسلمين، على كثرتهم وكثرة علمائهم ومؤرّخيهم ومحدّثيهم عند وفاته ﷺ، أن يهملوا جميعاً تاريخ هذه الوفاة، وقد أصبح الآن نبيّاً، بل خاتم الأنبياء، وقائد الأمّة التي حقّقت تلك الانتصاراتٍ التاريخيّة على أقوى إمبراطوريّات العالم آنذاك؟!
نعم، لقد كان العالم كلّه كذلك! والعرب أيضاً!


إنّهم، وحتّى خلافة عمر بن الخطّاب، لم يهتمّوا أبداً بشيءٍ اسمه التأريخ للأحداث، مهما بلغت هذه الأحداث من الأهمّية، كما يروي لنا سهلٌ الساعديّ:
- عن سهلِ بنِ سعدٍ الساعديِّ قال: "ما عَدُّوا – أي لم يؤرّخوا – مِن مَبْعَثِ النبيِّ ﷺ، ولا مِن وفَاتِهِ، ما عَدُّوا إلَّا مِن مَقْدَمِهِ المَدِينَةَ – أي بعد هجرتِه إليها، منذ أن سُنّ قرار التأريخ بها –". [رواه البخاري]


وللسبب نفسه نجد المسلمين غير متّفقين على تاريخٍ موحّدٍ للأحداث الكبرى في عهد النبوّة. وقد يكون خلافهم حول بضعة أيّامٍ أو أشهر، ولكن قد يكون حول سنواتٍ أيضاً، إلى أن يأتي اليوم الذي يتسنّم فيه عمر بن الخطّاب الخلافة، ويشرّع للمسلمين تاريخهم الهجريّ، بادئاً من السنة التي هاجر بها الرسول ﷺ من مكّة إلى المدينة.

* * *


وفضلاً عن ذلك، لم يكن للنبيّ ﷺ سجلٌّ إعجازيّ سابقٌ لمبعثه عند قومه حين بدأ يدعو إلى الإسلام، مثلما كان للمسيح عليه السلام، إلّا ما جاء على لسانه، فيما بعد، من رواياتٍ عن أحداثٍ إعجازيّةٍ أخافت مَن حوله حين كان طفلاً مع حاضنته (حليمة السعديّة). ووصلتنا هذه الروايات في أحاديث صحيحةٍ عنه ﷺ:
- عن عُتبةَ بنِ عبدٍ السُّلَميِّ قال: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ: "كانتْ حاضِنَتي – حين كان ﷺ طفلاً – مِن بني سَعدِ بنِ بكرٍ – وهي حَليمةُ السعديّة –، فانطلقتُ أنا وابنٌ لها في بُهمٍ لنا – أي لرَعْيِها –، ولم نأخُذْ معنا زاداً. فقلتُ: يا أخي، اذهَبْ فأتِنا بزادٍ مِن عندِ أمِّنا. فانطلقَ أخي ومَكَثْتُ عند البُهمِ. فأقبل طائران أبيضان كأنَّهما نَسران، فقال أحدُهما لصاحبِه: أهو هو؟ قال الآخرُ: نعم. فأقبَلا يَبتدراني – أي يُسابقُ أحدُهما الآخرَ للإمساكِ به –، فأخَذاني فبَطَحاني للقَفا، فشَقَّا بَطني، ثمَّ استَخرَجا قلبي فشَقَّاه، فأخرَجا منه عَلَقَتَيْن سوداوَيْن، فقال أحدُهما لصاحبِه: ائتِني بماءِ ثلجٍ، فغَسَلَ به جَوْفي، ثمَّ قال: ائتِني بماءِ بَرَدٍ، فغَسَلَ به قلبي: ثمَّ قال: ائتِني بالسَّكينةِ، فذَرَّه في قلبي. ثمَّ قال أحدُهم لصاحبِه: خِطْه، فخاطَهُ، وخَتَمَ عليه بخاتَمِ النُّبوَّةِ، ثمَّ قال أحدُهم لصاحبِه: اجعَلْه في كِفَّةٍ واجعَلْ ألْفاً مِن أمَّتِه في كِفَّة. قال رسولُ اللهِ: فإذا أنا أنظُرُ إلى الألْفِ فوقي أُشفِقُ أنْ يَخِرَّ عليَّ بعضُهم، فقال: لو أنَّ أمَّتَه – أي كلَّها – وُزِنَتْ به لَمالَ بهم – أي لَرَجَحَ عليهم –. ثمَّ انطَلَقا فتركاني. قال رسولُ الله: وفرَقْتُ – أي خِفْتُ – فرَقاً شديداً. ثمَّ انطلقتُ إلى أمِّي – يقصد حَليمةَ – فأخبرتُها بالَّذي لَقِيتُ، فأشفقتْ أنْ يكونَ قد التبَسَ بي – أي أصابَ عقلي شيء –، فقالت: أُعِيذُك باللّهِ. فرَحَلَتْ بَعيراً لها، فجعلَتْني على الرَّحلِ ورَكِبَتْ خَلْفي حتَّى بَلَغْنا إلى أمِّي، فقالت: أدَّيْتُ أمانتي وذِمَّتي. وحدَّثتُها – أي حدَّثَ أمَّه آمنة – بالَّذي لَقِيتُ، فلم يَرُعْها ذلك – أي لم تَخَفْ عليَّ ممّا وقَعَ لي –، وقالت: إنِّي رأيتُ خَرَجَ منِّي نورٌ أضاءت منه قصورُ الشَّامِ". [رواه أحمد، وصحّحه الألباني]
- عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِك – خادمِ رسولِ الله –: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَتَاهُ جِبْرِيلُ – حين كان صغيراً في حِضانةِ حَلِيمةَ السَّعديّة – وَهُوَ يَلْعَبُ مَعَ الْغِلْمَان، فَأَخَذَهُ فَصَرَعَهُ – أي طَرَحَهُ أرضاً – فَشَقَّ عَنْ قَلْبِهِ، فَاسْتَخْرَجَ الْقَلْبَ، فَاسْتَخْرَجَ مِنْهُ عَلَقَةً فَقَال: هَذَا حَظُّ الشَّيْطَانِ مِنْك.‏ ثُمَّ غَسَلَهُ فِي طَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ بِمَاءِ زَمْزَم، ثُمَّ لأَمَهُ – أي خاطَهُ – ثُمَّ أَعَادَهُ فِي مَكَانِه. وَجَاءَ الْغِلْمَانُ يَسْعَوْنَ إِلَى أُمِّهِ (يَعْنِي ظِئْرَهُ) – أي حاضِنَتَه حَليمة – فَقَالُوا: إِنَّ مُحَمَّداً قَدْ قُتِلَ!‏ فَاسْتَقْبَلُوهُ وَهُوَ مُنْتَقَعُ اللَّوْنِ – أي شاحبُ الوجه –.‏ قَالَ أَنَس: وَقَدْ كُنْتُ أَرَى أَثَرَ ذَلِكَ الْمِخْيَطِ – أي إبرةِ الخِياطَة – فِي صَدْرِه". [رواه مسلم]
- عن أنسِ بنِ مالكٍ، عن النبيِّ ﷺ: "أنّه جَاءَهُ ثَلَاثَةُ نَفَرٍ قَبْلَ أنْ يُوحَى إلَيْهِ، وهو نَائِمٌ في مَسْجِدِ الحَرَامِ، فَقالَ أوَّلُهُمْ: أيُّهُمْ هُوَ؟ فَقالَ أوْسَطُهُمْ: هو خَيْرُهُمْ، وقالَ آخِرُهُمْ: خُذُوا خَيْرَهُمْ. فَكَانَتْ تِلْكَ. فَلَمْ يَرَهُمْ – أي بعدَ ذلك – حتَّى جَاؤُوا لَيْلَةً أُخْرَى فِيما يَرَى قَلْبُهُ، والنَّبيُّ ﷺ نَائِمَةٌ عَيْنَاهُ ولَا يَنَامُ قَلْبُهُ، وكَذلكَ الأنْبِيَاءُ؛ تَنَامُ أعْيُنُهُمْ ولَا تَنَامُ قُلُوبُهُمْ، فَتَوَلَّاهُ جِبْرِيلُ ثُمَّ عَرَجَ به إلى السَّمَاءِ". [رواه البخاري]


وفي المدينة؛ تتوالى معجزات النبيّ المحسوسة في مناسباتٍ عديدةٍ، وعلى مرأى المئات أو الآلاف من المسلمين. وتتنوّع معجزاته بين تكثير الطعام، ومضاعفة الحصاد، وتكثير الماء، حين كان ينبع من بين أصابع يده ﷺ بغزارة، وشفاء المريض، وإعادة النظر إلى الأعمى، والإخبار عمّا سيجري قريباً أو بعيداً، أو عمّا جرى ويجري في أماكن بعيدةٍ من أنحاء العالم. (1)


وكان ﷺ حريصاً على ألّا يلجأ إلى اجتراح المعجزة إلّا كحلٍّ أخير. وكان الصحابة كثيراً ما يضطرّون، إذا اشتدّ بهم الأمر، إلى تذكيره بأنّه نبيٌّ، ويلحّون عليه بالمعجزة لإنقاذهم ممّا هم فيه.


ولكن ما كان أشدّ تأثيراً وأبلغ وقعاً في نفوسهم من كلّ هذه المعجزات المادّية المحسوسة، وأنفَذَ في عقولهم، وأوقعَ في قلوبهم، وأبعث على تصديقهم لنبوّة محمّدٍ ﷺ، حين كانت الدعوة ما تزال في سنواتها الأولى، ولمّا يجترح لهم بعدُ أيّة معجزة، سماعهم للآيات الأولى من ذلك "القرآن المفترض" الذي يبشّرهم بنزوله عليه، وهو الأمّي الذي لا يقرأ ولا يكتب، وبتلك اللغة الجديدة المخالفة للغتهم، والخارجة عن أساليبهم وأعرافهم اللغويّة، والمتجاوزة بتفوّقها وبلاغتها وبيانها لكلّ توقّعاتهم، والمتحدّية لكلّ خطبائهم وشعرائهم ومتحدّثيهم. إنّها هذه اللغة الخارجة عن مألوفهم، والتي لم يعرفوا مثيلاً لها من قبل، وسوف لن يعرفوا مثيلاً لها من بعد، رغم أنّها كانت محضَ عربيّة، ويفهمها كلّ عربيّ!


كان العرب من أشدّ الناس افتخاراً واعتزازاً بلغتهم وأدبهم وشعرهم وبلاغتهم، وهو فخرٌ كثيراً ما تجاوزوا به إلى حدّ التعالي والغرور، فنزل القرآن، بلغته الجديدة والمتفوّقة، والمخالفة كلّياً لأعرافهم اللغويّة السائدة، وكأنّه يتحدّاهم في أعظم ما كانوا يمتلكونه، وأقدسِ ما اعتادوا أن يتفاخروا ويرفعوا رؤوسهم به، فكيف، وقد حمله إليهم رجلٌ أمّيٌ عاش بينهم سنين طويلةً كأيّ رجلٍ عاديّ، ولم يُعرف عنه يوماً ما يميّزه عن غيره من قوّة حديثٍ، أو شعرٍ، أو خطابةٍ، أو بلاغة؟!


ولا نملك اليوم، ونحن نجرّب أن نحتلّ مقاعد أولئك العرب الأوائل، إلّا أن تأخذنا الحيرة والإعجاب حين نركّز الضوء على شخصيّة ذلك الرجل الذي كان الصديق الأوّل لمحمّدٍ ﷺ، وعايشه في مكّة لعشرات السنين، وأن نستحضر أيضاً تلك اللحظة الفاصلة، والموقفَ الاختباريّ الشديد الذي وضعه فيه صديقه محمّدٌ ﷺ، وهو يفاجئه ذات يومٍ بالخبر الصاعق: يا أبا بكر، لقد أصبحتُ نبيّاً!


لم يكن أبو بكرٍ الصدّيق قد قرأ أو سمع حتّى تلك اللحظة شيئاً من القرآن، ولمّا يتنزّل منه بعد إلّا كلماتٌ معدودة. وليس أمامه الآن ما يجعله يؤمن بمقالة صديقه (الأمين) إلّا شيءٌ واحد: هو ما عرفه من كرم أخلاقه، وصدقه، وأمانته، وسلامة عقله، وعفّة لسانه، وحسن طويّته.


هل تستطيع الآن، وأنت في القرن الواحد والعشرين، استحضار موقف أبي بكرٍ في تلك اللحظة الحاسمة وهو يفاجأ بمثل ذلك الخبر، غير العاديّ مطلقاً، من صديقه الصدوق وهو يقول له: لقد أصبحت نبيّاً يا أبا بكر؟


ربّما يتسرّع أحدنا في الإجابة ويقول: وماذا في هذا؟ إذا كان يثق بصديقه حقّاً، ويعرف عنه الاستقامة والأمانة، فلم لا يصدّقه؟ ولم لا يصدّقه الآخرون أيضاً؟


ولكن، لو تصوّرت نفسك تمام التصوّر في ذلك الموقف الفريد، وافترضت بصدقٍ أنّ أعزّ الأصدقاء عندك، وأقربهم وأحبّهم إليك، فاجأك ذات صباح وقال لك: يا بسّام، لقد أصبحتُ نبيّاً! فهل تستطيع أن تكون صادقاً مع نفسك، وأن تتخيّل الآن كيف يمكن أن تكون ردّة فعلك؟


أغلب الظنّ، لو كنتَ حقّاً على درجةٍ عاليةٍ من الخُلق والاحترام والأدب الجمّ، وعلى ثقةٍ واهتمامٍ ومحبّةٍ حقيقيّةٍ لصديقك، أنّك ستسارع للاتّصال بأقرب طبيبٍ وتقول له متألّماً: دكتور، أرجوك، لديّ صديقٌ عزيزٌ عنده مشكلةٌ تحتاج إلى مساعدتك العاجلة!


حتّى محمّدٌ ﷺ لم يكد يصدّق نفسه فيما جرى معه في الغار، وخشي على عقله، وركض إلى زوجته المخلصة (خديجة) مستنجداً.


ولكنّه (الصِّدّيق)! هكذا دُعي بعد ذلك، فهو الذي لم يتردّد في تصديق نبوّة محمّدٍ ﷺ، رغم أنّه عاش معه تلك السنين الطويلة كأيّ صديقٍ عاديٍّ ومخلصٍ وأمين، وليس أكثر. من أجل هذا كان هو وحده الذي أُسبغ عليه هذا اللقب الرفيع (الصدّيق)، ثمّ كان هو وحده الذي فاز بمرتبة (الصاحبيّة) بشهادةٍ رسميّةٍ صادرةٍ عن السماء، دون أيّ صحابيٍّ آخر:
- إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا [التوبة: 40]


هذا، مثلاً، ما فعله بحقّ هذا النبيّ الكريم بعض أعمامه الأقربين، وهو الذي عاش طفولته معهم لسنواتٍ طويلة، يتيمَ الأب والأمّ:
- عن ربيعةَ بنِ عَبّادِ الدِّيلِيّ قال: " رأَيْتُ رسولَ اللهِ ﷺ – وهذا قبل أن يُسلِم ربيعةُ – بَصَرَ عَيْنِي بسُوقِ ذي المَجازِ – في أطرافِ مكّة – يقولُ: يا أيُّها الناسُ، قُولوا: لا إلهَ إلا الله تُفلِحوا! ويدخُلُ في فِجاجِها – أي يتنقّل في أوديةِ مكّة – والناسُ مُتقصِّفون عليه – أي يحيطون به –، فما رأَيْتُ أحداً يقولُ شيئاً، وهو لا يسكُتُ، يقولُ: أيُّها الناسُ، قُولوا: لا إلهَ إلا الله تُفلِحوا! إلّا أنَّ وراءه رجُلاً أحوَلَ وَضِيءَ الوجهِ، ذا غَدِيرتَيْنِ – أي جديلتين من الشعر – يقولُ: إنَّه صابئٌ – أي خارجٌ عن دينِنا – كاذبٌ. فقلتُ: مَن هذا؟ قالوا: محمَّدُ بنُ عبدِ الله، وهو يذكُرُ النُّبوَّةَ – أي يدّعيها –. قلتُ: مَن هذا الذي يكذِّبُهُ؟ قالوا: عَمُّهُ أبو لَهَبٍ – وفي روايةٍ: "عمُّه عبدُ العُزّى"، وهو اسمُ أبي لهَب –". [رواه أحمد، وصحّحه شعيب الأرناؤوط لغيره]


في مثل هه المواقف؛ لا ينبغي لأحدنا أن يكون شديد الثقة بنفسه. حتّى عمر بن الخطّاب، وهو من هو في تاريخ الإسلام، وهو من قال فيه النبيّ ﷺ: "لو كانَ نبيٌّ بعدي لَكانَ عُمرَ بنَ الخطَّاب" [رواه التِّرمِذي، وحسّنه الألباني]، كان قد وقف من النبيّ ﷺ في أوّل الدعوة وقفة عداءٍ وإنكارٍ وتهديد، ولقي النبيُّ منه عنتاً قبل أن يخصّه في النهاية بدعوته الشريفة بأن يعزّ الله الإسلامَ به خاصّةً:
- عن عائشةَ أمِّ المؤمنين قالت: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ: "اللَّهمَّ أَعِزَّ الإسلامَ بعُمرَ بنِ الخطَّابِ خاصَّةً". [رواه أحمد، وصحّحه شعيب الأرناؤوط]


وهؤلاء قومه وأهلُه في مكّة، وقد عُرفوا، رغم جاهليّتهم، بمكارمَ عاليةٍ تفوّقوا بها على باقي القبائل، ولكنّهم، مع ذلك، يقفون منه تلك الوقفة العدائيّة المرّة، ويعمدون إلى إيذائه واضطهاده ومن معه، حتّى وصل بهم الأمر إلى أن يعكسوا اسمه إلى "مذمّم":
- عن أبي هريرةَ قال: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ: "ألَا تَعْجَبُونَ كيفَ يَصْرِفُ اللَّهُ عَنِّي شَتْمَ قُرَيْشٍ ولَعْنَهُمْ؟! يَشْتِمُونَ (مُذَمَّماً) ويَلْعَنُونَ (مُذَمَّماً)، وأنا مُحَمَّدٌ! – اعتاد المشركون أن يَقلبوا اسمَه ﷺ إلى (مُذَمَّم) واعتادت العَوراءُ زَوجةُ أبي لَهبٍ أن ترتجز: مُذمَّماً قَلَيْنا، ودِينَه أبَيْنا، وأمرَه عَصَيْنا –". [رواه البخاري]
- عن جُندُبِ بنِ عبدِ اللهِ قال: "اشْتَكَى رَسولُ اللَّهِ ﷺ – أي مَرِضَ – فَلَمْ يَقُمْ لَيْلَتَيْنِ (أوْ ثَلَاثاً) – أي لم يَقُم لصلاةِ الليل –، فَجَاءَتِ امْرَأَةٌ – وهي العَوراءُ بنتُ حربٍ، أختُ أبي سفيان، وزوجةُ أبي لَهَبٍ – فَقالَتْ: يا مُحَمَّد، إنِّي لَأَرْجُو أنْ يَكونَ شيطَانُكَ قدْ تَرَكَكَ – تقصِد الوحيَ –، لَمْ أرَهُ قَرِبَكَ مُنْذُ لَيْلَتَيْنِ (أوْ ثَلَاثٍ)! فأنْزَلَ اللَّهُ عزَّ وجلَّ: {وَالضُّحَى * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى * مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى} [الضحى: 1-3]". [رواه البخاري]


إنّها المعجزة العظيمة الأخرى للنبيّ الجديد، "معجزة التصديق"، تلك التي أسبغها الله على أصدقاء محمّد ﷺ أوّلاً، ثمّ على أعدائه الألدّاء الذين اضطهدوه وحاربوه لزمن، حتّى منّ الله عليهم بنعمة الهداية، فصدّقوه وآمنوا بنبوّته وبرسالته، ثمّ دافعوا عنه وعن دعوته حتّى الرمق الأخير، وشاركوا في بناء الدولة الإسلاميّة القادمة.

* * *


وإنّها، أيضاً، "معجزة "البلاغة النبويّة الطارئة" التي امتلكها الرسول ﷺ فجأةً بعد نزول الوحي، والتي أدهشت العرب، وما تزال، ببيانها وتفوّقها، رغم اختلافها الشاسع عن لغة الوحي.


وتُجسِّد لنا صورةَ هذا التفوّق البلاغيّ المفاجئ الذي ظهر بعد الوحي على لسان النبيّ ﷺ؛ تلك المواجهةُ الأولى بين بلاغته النبويّة الجديدة الطارئة، وبين البلاغة التي اعتاد العرب أن يسمعوها ويستخدموها في جزيرتهم:
- عن عبدِ اللهِ بْنِ عَبَّاس: "أنَّ ضِمَاداً قَدِمَ مَكَّةَ، وَكانَ مِن أَزْدِ شَنُوءَةَ، وَكانَ يَرْقِي مِن هذِه الرِّيحِ – أي التي تأتي من الجنّ وتنتابُ الإنسانَ في عقلِه –، فَسَمِعَ سُفَهَاءَ مِن أَهْلِ مَكَّةَ يقولون: إنَّ مُحَمَّداً مَجْنُونٌ! فَقال: لو أَنِّي رَأَيْتُ هذا الرَّجُلَ، لَعَلَّ اللَّهَ يَشْفِيهِ علَى يَدَيّ. قالَ: فَلَقِيَهُ، فَقالَ: يا مُحَمَّدُ، إنِّي أَرْقِي مِن هذِه الرِّيحِ، وإنَّ اللَّهَ يَشْفِي علَى يَدَيَّ مَن شَاءَ، فَهلْ لَكَ؟ فَقالَ رَسولُ اللهِ ﷺ: إنَّ الحَمْدَ لِلَّهِ، نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ، مَن يَهْدِهِ اللَّهُ فلا مُضِلَّ له، وَمَن يُضْلِلْ فلا هَادِيَ له، وَأَشْهَدُ أَنْ لا إلَهَ إلَّا اللَّه، وَحْدَهُ لا شَرِيكَ له، وَأنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسولُهُ، أَمَّا بَعْدُ. قال – أي الراوي –: فَقال: أَعِدْ عَلَيَّ كَلِمَاتِكَ هَؤُلَاءِ، فأعَادَهُنَّ عليه رَسولُ اللهِ ﷺ، (ثَلَاثَ مَرَّاتٍ)، قال: فَقال: لقَدْ سَمِعْتُ قَوْلَ الكَهَنَةِ، وَقَوْلَ السَّحَرَةِ، وَقَوْلَ الشُّعَرَاءِ، فَما سَمِعْتُ مِثْلَ كَلِمَاتِكَ هَؤُلَاءِ، وَلقَدْ بَلَغْنَ نَاعُوسَ البَحْرِ – أي هي في فصاحتِها وبلاغتِها كأعماقِ البحر –. قال: فَقالَ: هَاتِ يَدَكَ أُبَايِعْكَ علَى الإسْلَامِ. قالَ: فَبَايَعَهُ، فَقالَ رَسولُ اللهِ ﷺ: وعلَى قَوْمِكَ! قالَ: وعلَى قَوْمِي..". [رواه مسلم]


لم يكن ضِمادُ الأزْديّ قد سمع شيئاً، بعد، من لغة القرآن الإعجازيّة الجديدة، وإنّما هي عباراتٌ نبويّةٌ منتقاةٌ، أراد الرسول ﷺ أن يعرّفه من خلالها بدعوة الإسلام، فكانت المفاجأة التي أذهلت ضِماداً، وجعلته يُصدر تقييمه هذا للّغة النبويّة، ويؤكّد تفوّقها على لغة بلغاء العرب جميعاً.


تلك الصدمة اللغويّة التي تلقّاها ضماد، ومعه كلّ فصحاء العرب، ستتضاعف بعد ذلك حين يسمعون النبيّ ﷺ وهو يلقي على المسلمين أدعيته اليوميّة التي ألهمته إيّاها السماء، ومعها التسبيحات والأذكار والأحاديث القدسيّة، بأسلوبها المميّز، والمختلف حتّى عن لغة أحاديثه البليغة التي اعتاد المسلمون أن يسمعوها منه كلّ يوم.


لقد كان الرسول ﷺ يعلّمها لأصحابه لتكون بمثابة شبكة أمانٍ تغطّي حياتهم على مدار الساعة، وعلى مدار العام، وعلى مدار حياتهم، من مثل هذه الأدعية والتسبيحات. وحاولوا أن تتبيّنوا ببطءٍ وأناةٍ وموضوعيّةٍ تفوّق لغتها وبلاغتها وصورها وأفكارها، واختلافها الواضح عن لغة الحديث النبويّ العاديّ:


- "اللَّهُمَّ أعُوذُ برِضَاكَ مِنْ سَخَطِكَ، وبِمُعَافَاتِكَ مِن عُقُوبَتِكَ، وأَعُوذُ بكَ مِنْكَ، لا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْك، أنْتَ كما أثْنَيْتَ علَى نَفْسِك". [رواه مسلم]


- "اللهمَّ لكَ الحمدُ كلُّه، اللهمَّ لا قابضَ لِما بَسَطْتَ، ولا مُقَرِّبَ لِما باعَدْتَ، ولا مُباعِدَ لِما قرَّبتَ، ولا مُعْطِيَ لِما مَنَعْتَ، ولا مانعَ لِما أَعطَيتَ، اللهمَّ ابسُطْ علينا مِن بَرَكاتِكَ ورَحْمَتِكَ وفَضلِكَ ورزقِك، اللهمَّ إنّي أسألُكَ النَّعيمَ المُقيمَ الذي لا يَحُولُ ولا يَزُولُ، اللهمَّ إنّي أسألُكَ النَّعيمَ يومَ العَيْلَة، والأمنَ يومَ الحَرْبِ، اللهمَّ عائذاً بكَ مِنْ سُوءِ ما أُعطِينا، وشرِّ ما مَنَعْت مِنّا، اللهمَّ حَبِّبْ إلينا الإيمانَ وزَيِّنْه في قلوبِنا، وكَرِّه إلينا الكُفْرَ والفُسُوقَ والعِصْيان، واجعلْنا مِنَ الراشدين. اللهمَّ تَوَفَّنا مُسْلِمِين، وأحْيِنا مُسْلِمِين، وألحِقْنا بالصالحين، غيرَ خَزايا ولا مفتونين..". [رواه البخاري في الأدب المفرد، وصحّحه الألباني]


- "اللهمَّ أنتَ ربّي، لا إلهَ إلّا أنتَ، خلقتَني وأنا عبدُك، وأنا على عهدِكَ ووعدِكَ ما استطعت، أعوذُ بكَ مِن شَرِّ ما صَنعت، أبوءُ لكَ بنِعمتِكَ عليّ، وأبوءُ بذَنْبي، فاغفِر لي فإنّه لا يَغفِرُ الذنوبَ إلّا أنت". [‏رواه البخاري‏]‏


- "اللَّهمَّ بعِلْمِكَ الغيبَ، وقُدرتِكَ على الخَلْق، أحْيِني ما عَلِمْتَ الحياةَ خيراً لي، وتَوَفَّني إذا عَلِمْتَ الوفاةَ خيراً لي، وأسألُكَ خَشْيتَكَ في الغيبِ والشَّهادة، وَكَلِمَةَ الإخلاصِ في الرِّضا والغضب، وأسألُكَ نَعيماً لا يَنْفَد، وقُرَّةَ عينٍ لا تَنقَطِع، وأسألُكَ الرِّضاءَ بالقضاء، وبَرْدَ العَيشِ بعدَ الموت، ولَذَّةَ النَّظَرِ إلى وَجْهِكَ، والشَّوقَ إلى لِقائِك، وأعوذُ بِكَ مٍن ضَرَّاءَ مُضِرَّة، وفِتنةٍ مُضِلَّة، اللَّهمَّ زَيِّنَّا بزينةِ الإيمان، واجعَلنا هُداةً مُهتَدين". [رواه النَّسائي، وصحّحه الألباني]


- "اللهمَّ إليكَ أشْكُو ضَعْفَ قُوَّتي، وقِلّةَ حِيلَتي، وهَواني على النّاس، يا أرحَمَ الراحمِينَ، أنتَ رَبُّ المْسْتَضْعَفِين، وأنتَ ربِّي، إلى مَن تَكِلُني؟ إلى بعيدٍ يَتجَهَّمُني؟ أو إلى عَدُوٍّ مَلَّكْتَهُ أمري؟ إنْ لَمْ يَكُنْ بكَ غَضَبٌ عَلَيَّ فلا أُبالي، غَيرَ أنّ عافِيَتَكَ هي أَوْسَعُ لي، أعُوذُ بِنُورِ وَجْهِكَ الذي أشْرَقتْ له الظُّلُمات، وصَلُح عليه أمرُ الدُّنيا والآخرة، أنْ يَحِلَّ عليَّ غضَبُك، أو أنْ يَنزِلَ بِي سَخَطُك، لكَ العُتْبَى حتّى تَرْضَى، ولا حَوْلَ ولا قوَّةَ إلّا بك". [رواه ابن القيّم في زاد المعاد، وصحّحه شعيب الأرناؤوط وقال: مرسل ورجاله ثقات دون قوله: اللهمَّ إليكَ أشكو..]


- "سُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ، عَدَدَ خَلْقِهِ، وَرِضَا نَفْسِهِ، وَزِنَةَ عَرْشِهِ، وَمِدَادَ كَلِمَاتِه". [رواه مسلم]


إنّ عباراتٍ مميّزةً في هذه الأدعية والتسبيحات لا يمكن أن نقارنها أو تتساوى مع أيّة عبارةٍ لأيٍّ من فصحاء العرب حتّى الآن، مهما تفوّقوا على أقرانهم. هناك علاقاتٌ جديدةٌ بين الألفاظ، وصياغةٌ مختلفةٌ للعبارات، وأبعادٌ بيانيّةٌ لا نعهدها عند العرب. قف مثلاً عند هذه العبارات خاصّةً: "أعُوذُ برِضَاكَ مِنْ سَخَطِكَ" و "أَعُوذُ بكَ مِنْكَ" و "لا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْك" و "اللهمَّ لا قابضَ لِما بَسَطْتَ" و "لا مُعْطِيَ لِما مَنَعْتَ، ولا مانعَ لِما أَعطَيتَ" و "أسألُكَ النَّعيمَ المُقيمَ" و "اللهمَّ عائذاً بكَ مِنْ سُوءِ ما أُعطِينا" و "غيرَ خَزايا ولا مفتونين" و "أبوءُ لكَ بنِعمتِكَ عليّ، وأبوءُ بذَنْبي" و "أعوذُ بِكَ مٍن ضَرَّاءَ مُضِرَّة، وفِتنةٍ مُضِلَّة" و "غَيرَ أنّ عافِيَتَكَ هي أَوْسَعُ لي، أعُوذُ بِنُورِ وَجْهِكَ الذي أشْرَقتْ له الظُّلُمات، وصَلُح عليه أمرُ الدُّنيا والآخرة"..


لاحظ، على سبيل المثال، كيف يتعامل كلّ جزءٍ من التسبيحة النبويّة الأخيرة مع بعدٍ عقليٍّ وبلاغيٍّ جديدٍ ومتطوّر، وبعيدٍ عن أبعاد لغتنا، فضلاً عن لغة أولئك العرب الأوائل. فالبعد الأوّل يتعامل مع المحسوس، ولكن غير القابل للإحصاء، وهو عدد مخلوقات الله: (عدد خلقه)، والبعد الثاني يتعامل مع المجرّد الذي لا يمكن أن يقاس بمقاييسنا البشريّة: (رضا نفسه)، والثالث مع الوزن، ولكن لما لا يمكن وزنه: (زنة عرشه)، والرابع مع الكثرة، ولكن لما لا يمكن حسابه: (مداد كلماته).


وبغضّ النظر عمّا إذا كانت لغة الأدعية والأذكار هذه لغةً سماويّةً أوحي بها إلى النبيّ ﷺ، شأنها شأن الحديث القدسيّ، فإنّ لهذه اللغة، وكذلك للغة الأحاديث النبويّة العاديّة، ريادتها النحويّة والبلاغيّة والتصويريّة التي تميّزها عن لغة العرب، وتُميّزها تميّزاً كبيراً عن اللغة القرآنية، تلك اللغة السماويّة المعجزة التي تفرّدت بجدّتها واختلافها وتفوّقها عن أيّة لغةٍ أخرى عرفها بلاغيّو العرب من قبل ومن بعد(2) .


ولا يملك أحدنا، وهو يقف بإزاء هذه الحقائق التاريخيّة واللغويّة الخارجة عمّا ألِفناه، إلّا أن يطرح على نفسه مثل هذه الأسئلة:


1- تُرى، لو حدث أن كنتُ واحداً من أولئك العرب الذين تلقّوا هذه الصدمات اللغويّة المتتالية على يدَي فردٍ أمّيٍّ منهم، كان حتّى ذلك الوقت إنساناً مثل أيّ شخصٍ عاديٍّ تعاملوا وتعايشوا معه سنين طويلةً حتّى بلغ الأربعين، فكيف سيكون وقع تلك الصدمات عليّ، وكيف ستكون استجابتي لها؟


2- وكيف أفسّر ذلك التحوّل المفاجئ لألدّ الخصوم عن تشدّدهم وتهديداتهم المستمرّة له، ومواقفهم المتعنّتة نحوه، وآرائهم المنكِرة أشدّ الإنكار لدعوته، ليصبحوا بين ليلةٍ وضحاها أقرب الناس إليه، وأخلصهم حبّاً له، وأشدّهم اقتناعاً وإيماناً به وبرسالته، وأكثرهم دفاعاً عنه وعن الدعوة الجديدة؟


3- وكيف سأفسّر، بعقلي البشريّ، وبمنطقي الفطريّ، هذا التحوّل المفاجئ الذي طرأ على لسان ذلك الرجل، من لغةٍ يوميّةٍ عاديّة لا تختلف عن لغتي ولغة قومي، إلى لغةٍ بليغةٍ ترتفع فوق مستوى لغتي ولغتهم جميعاً، ثمّ إلى لغةٍ أكثر بلاغةً وغرابةً وحلاوةً في الأدعية والأذكار والتسبيحات والحديث القدسيّ، ثمّ إلى لغةٍ أكثر تفوّقاً وتفرّداً وجدّةً وتحدّياً وإبهاراً وإعجازاً فيما ينقله إليّ وإلى مَن حولي كلّ يومٍ ممّا يؤكّد لنا أنّه من وحي السماء، أو القرآن؟


4- وكيف أفسّر صدور ثلاث لغاتٍ عربيّةٍ مختلفة الأساليب عن رجلٍ واحدٍ في اليوم نفسه، بل في الساعة أو الدقيقة نفسها، من غير أن يقع في أيّ خطأٍ أو اختلاطٍ أو تداخلٍ بين الأساليب الثلاثة؟ وهل يستطيع أحدنا، مهما بلغ من العبقريّة اللغويّة أو الأدبيّة، أن يفرض على نفسه مثل هذا التمايز الأسلوبيّ الشديد، من غير الوقوع في أيّ خطأٍ أو سهوٍ أو نسيانٍٍ، وعلى مدى ثلاثةٍ وعشرين عاماً؟


5- وأخيراً: هل جرّبت أن تمسك بالقلم، أيّاً كان مستواك الثقافيّ أو العلميّ، وأن ترسم مخطّطاً لجداول لغويّةٍ مقارنةٍ ثلاثة، في الألفاظ والعبارات والصور البيانيّة والسبائك النحويّة والإيقاع، بحيث تميّز من خلالها بين مستويات اللغات الثلاث: لغة الحديث النبويّ العاديّ، ولغة الأدعية والأذكار والحديث القدسيّ، ولغة القرآن الكريم، لتتبيّن بنفسك، وتضع أصابعك على الفروق الحقيقيّة بين هذه اللغات الثلاث؟



هوامش:
(1) استطعت أن أحصي من هذه المعجزات في كتابي (كما قال الله وقال رسول الله)، وقد ضمّنته ما يقرب من أربعة آلاف حديث، فضلاً عن الآيات، وفضلاً عن النصوص التوراتيّة والإنجيليّة في القسم المقارن منه، ما يقرب من سبعين معجزة، ليس منها المعجزات التي تكرّرت أو تشابهت وهي كثيرة، ولا سيّما تكثير الطعام والماء. الكتاب قيد النشر. دار البشير: جدّة.
(2) يمكن الرجوع في تفصيل كلّ ذلك إلى كتابنا (المعجزة، إعادة قراءة الإعجاز اللغويّ في القرآن الكريم). ج1 و 2.


بقلم: أحمد بسام ساعي

تنويه:

جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين

مقالات ذات صلة

من مواعظ الإمام سفيان الثوري
الاثنين، ١ ربيع الأول ١٤٣١ هـ - ١٥ شباط ٢٠١٠من مواعظ الإمام سفيان الثوري
اختيار الشيح  صالح الشامي 1- أصلحْ سَرِيْرَتَك يصلح اللهُ علانيتَك، وأصلح فيما...
واقع الأمة وحتمية الدعوة إلى الله تعالى
الاثنين، ١ ربيع الأول ١٤٣١ هـ - ١٥ شباط ٢٠١٠واقع الأمة وحتمية الدعوة إلى الله تعالى
 بقلم: د/ عامر حسين أبو سلامةإن الناظر في واقع هذه الأُمة، يجدها منفصلةـ في كثير من ا...
الكلام الطيب طريق الدعاة إلى القلوب
الاثنين، ١ ربيع الأول ١٤٣١ هـ - ١٥ شباط ٢٠١٠الكلام الطيب طريق الدعاة إلى القلوب
الأستاذ : أبو معاذ جاهوش أفضل سبيل لتحقيق هدف المتكلم - متحدثاً كان ، أو محاضراً ، خط...