3- معجزة نزول القرآن
حدث أن فرغت من تأليف كتابٍ من أربعمائة صفحةٍ وأرسلته إلى الناشر. وحين علم بعض الأصدقاء بحجم الكتاب الجديد ألحّوا عليّ بضرورة نشر رديفٍ مختصرٍ له في مائةٍ أو خمسين صفحة: أين ستجد اليوم يا بسّام من يقرأ كتاباً بمثل هذا الحجم؟
يحدث هذا في القرن الحادي والعشرين، في عصر البحث العلميّ، والثقافة، والاكتشاف، وعلوم الأرض، وعلوم الفضاء، عصر المكتبات المليونيّة، والإنترنت، وما لا يعدّ ولا يحصى من المواقع الإلكترونيّة العلميّة والثقافيّة المشحونة بملايين الكتب والموسوعات والدوريّات والتقارير التي ما تفتأ تتزايد وتتضاعف بسرعةٍ مذهلةٍ عاماً بعد عام.
ولكن ماذا لو وضعنا هذه الصورة العجيبة لعالمنا الثقافي والعلميّ اليوم بإزاء ما كان عليه العالم قبل أربعة عشر قرناً، وبالتحديد، بإزاء ما كان عليه الناس في قلب الجزيرة العربيّة، تلك الجزيرة الأمّيّة شبه المنعزلة عن الدنيا، حين ظهر فيها نبيٌّ جديدٌ سيكون، كما تؤكّد الرسالة السماويّة التي حملها للناس، وكما أكّدته القرون اللاحقة بعد ذلك، خاتماً للأنبياء والمرسلين، وسيؤسّس بدعوته، وفي زمنٍ قياسيٍّ لا يتجاوز عقدين من السنين، حضارةً علميّةً، وفكريّةً، وتشريعيّةً، واقتصاديّةً، وعسكريّةً، وإنسانيّةً، واسعةً، تمتدّ بسرعة لا سابق لها ولا لاحق، شرقاً، وغرباً، وشمالاً، وجنوباً، لتكون الإمبراطوريّة الأكبر والأقوى في العالم على مدى قرونٍ عديدة؟
حاولوا معي، مرّةً أخرى، أن تنتزعوا أنفسكم من مقاعدكم، وأن تأخذوا مقاعد أولئك الأمّيين في مكّة وما حولها ممّن عاشوا مع النبيّ ﷺ، ولم تعرف جزيرتهم قبله شيئاً اسمه (كتاب)، إلّا كتاباً واحداً كان يتداوله كبار رجال الدين من اليهود والنصارى ممّن عاشوا بينهم، وهو الكتاب المقدّس.
لم يكن الكتاب المقدّس مكتوباً بالعربيّة، بل بالعبرانيّة أو السريانية. فالعربيّة لم تكن حتّى ذلك الوقت لغة الكتابة لأيٍّ من الشعوب، ولا للقبائل العربيّة الأمّيّة التي عاشت في تلك الجزيرة:
- عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَال: "كَانَ أَهْلُ الْكِتَابِ يَقْرَأونَ التَّوْرَاةَ بِالْعِبْرَانِيَّةِ – أو السريانيّة كما يذكر بعض المؤرّخين – وَيُفَسِّرُونَهَا بِالْعَرَبِيَّةِ لأَهْلِ الإِسْلاَم – أي عندما يسألونهم ذلك –". [رواه البخاري]
- عن زيدِ بنِ ثابتٍ – وكان أحدَ كَتَبةِ القرآن – قال: "أَمَرَني رسولُ اللَّهِ ﷺ أن أتعلَّمَ لَهُ كتابَ يَهودَ – أي كتابةَ لغتِهم –، قالَ: إنِّي واللَّهِ ما آمَنُ يَهودَ علَى كتابي – أي لا يأمَن ﷺ لو اتّخذَ كاتباً يهوديّاً لهذا الغرضِ أن يُحرّفَ ما يكتبُه أو يقرأه له من رسائلِهم –. قالَ: فما مرَّ بي نِصفُ شَهْرٍ حتَّى تعلَّمتُهُ لَهُ. قالَ: فلمَّا تَعلَّمتُهُ؛ كانَ إذا كتبَ إلى يَهودَ كتبتُ إليهِم، وإذا كتَبوا إليهِ قرأتُ لَهُ كتابَهُم". [رواه التِّرمِذي، وصحّحه الألباني]
- عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّهَا قَالَتْ – في حديثٍ طويلٍ عن أوّل نزول الوحي على النبيّ ﷺ –: ".. ثمّ انطَلَقَتْ به خَديجةُ حتّى أَتَتْ به وَرَقَةَ بْنَ نَوْفَلِ بْنِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ العُزَّى بْنِ قُصَيّ، وهو ابْنُ عَمِّ خَدِيجَةَ (أخي أبيها) – توضيحٌ مِن الراوي –، وكان امْرَأً تَنَصَّرَ في الجاهليةِ، وكان يَكتبُ الكتابَ العِبرانيَّ، فيكتُبُ مِنَ الإنجيلِ بالعبرانيّةِ ما شاء اللهُ أنْ يكتُب –، وكان شَيْخاً كبيراً قد عَمِيَ، فقالتْ له خديجةُ: أَيِ ابْنَ عَمِّ، اسمَعْ مِنَ ابنِ أخيكَ. فقال ورَقةُ: ابنَ أخي، ماذا تَرَى؟ فأَخبَرَهُ النبيُّ ﷺ ما رَأَى، فقال ورقةُ: هذا النَّاموسُ – أي إنّه الوحي – الذي أُنزِلَ على موسى، يا لَيْتَني فيها جَذَعاً – أي لَيْتَني كنتُ في دعوتِك هذه شابّاً –، وليتني أكونُ حَيّاً حينَ يُخْرِجُكَ قَوْمُك. فقال رسولُ اللهِ ﷺ: أوَمُخْرِجِيَّ هم؟ فقالَ ورقةُ: نعم، لم يَأْتِ رجلٌ قَطُّ بِمِثْلِ ما جِئْتَ به إلّا عُودِيَ..". [رواه البخاري]
ويقول المؤرّخون إنّه لم يكن هناك من يكتب العربيّة في أكبر مدن الجزيرة العربيّة، وهي مكّة، أو (أمّ القرى)، إلّا ثمانية رجال. فلا كتابة منتشرة هناك، ولا علم، ولا حساب. يقول ﷺ:
- عن عبدِ اللهِ بنِ عمرَ قال: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ: "إنَّا أُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ، لا نَكْتُبُ ولَا نَحْسُبُ، الشَّهْرُ هَكَذَا وهَكَذَا (يَعْنِي مَرَّةً تِسْعَةً وعِشْرِينَ – يوماً –، ومَرَّةً ثَلَاثِين) – كما يوضّح الراوي –". [رواه البخاري]
ولقد كان على من يريد أن يكتب رسالةً آنذاك، إن كُتبت رسالةٌ على الإطلاق، أن يرحل من بلدٍ إلى آخر ليجد من يكتبها له.
وبدهيٌّ مع هذه الحال ألّا تكون هناك آنذاك قواعد إملائيّةٌ للعربيّة تَعارفَ عليها الناس، فكان كلّ كاتبٍ يكتب الكلمات كما يمليها عليه اجتهاده. ولم تكن هناك، كذلك، حركاتٌ، ولا نقاطٌ فوق الحروف أو تحتها.
في مثل هذا الجوّ الأمّي، وفي جزيرةٍ لم تعرف أيَّ نوعٍ من الثقافة أو العلوم، إلّا ثقافة التنازع والثأر والحروب بين قبائلها العربيّة، ولأتفه الأسباب، وبعد أربعين عاماً من العيش في مكّة كرجلٍ عاديٍّ جدّاً لا يميّزه عنهم إلّا لقبٌ أطلقوه عليه لصدقه وحسن سيرته (الأمين)، في مثل هذه البيئة يخرج محمّدٌ ﷺ على الناس ليفاجئهم دون سابق إنذارٍ قائلاً: أنا الآن نبيّ! لقد جئتكم بكتابٍ من السماء مكمِّلٍ للكتب السماويّة قبله، وخاتمٍ ومهيمنٍ عليها:
- وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ.. [المائدة: 48]
ثمّ ما يلبث الكتابُ الجديد أن يقدّم نفسَه للعرب في كلمات النزول الأولى، باسمٍ جديدٍ، وبصيغة صرفيّةٍ جديدةٍ لم يعرفوها من قبل (القرآن):
- يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ ﴿١﴾ قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا ﴿٢﴾ نِّصْفَهُ أَوِ انقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا ﴿٣﴾ أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا ﴿٤﴾ إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا ﴿٥﴾ [المزّمّل: 1-5]
كان أغرب ما في هذا النزول المفاجئ أنّ عنوان الكتاب السماويّ الجديد (القرآن) كان جاهزاً منذ الأيّام الأولى للرسالة: {وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ} ولمّا يتنزّل منه بعدُ على النبيّ ﷺ إلّا بضع آياتٍ!
إنّ القاعدة المعروفة عند كلّ المؤلّفين، وحتّى الآن، ورغم أنّهم لا بدّ أن يكونوا قد حدّدوا موضوع كتابهم قبل أن يشرعوا في كتابته، هي أنّ العنوان النهائيّ لا يتبلور في أذهانهم في شكله الأخير إلّا بعد إنجازهم للكتاب بشكلٍ كامل، ربّما حتّى قبيل طبعه بأيّامٍ أو ساعاتٍ قليلة!
ولم تكتفِ الآيات الأولى من الكتاب بأن تطلب من هؤلاء العرب، وهم الأمّيون تماماً، قراءة هذا الكتاب، الذي لم يعرفوا منه بعد إلّا هذه الآيات المعدودة، بل وضعت لهم، أيضاً، نظاماً لتلك القراءة، فحدّدت لهم أوقاتاً معيّنةً يقرأونه فيها {قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا}، كما رسمت لهم منهجاً خاصّاً لقراءته، بحيث يُتلى بشكلٍ هادئٍ مترسّلٍ ومتقطّع {وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا}.
لكنّ المفاجأة الكبرى ما تزال تنتظرنا عند المنعطف: إنّ الآيات ستحدّد لهم، أيضاً، طبيعة هذا الكتاب الجديد، وأنّه لن يكون كتاباً كباقي الكتب، إنّه يحمل لهم كلاماً من النوع الثقيل {قَوْلًا ثَقِيلًا}!
فكيف بهم لو عرفوا أنّ هذا الكتاب، وباسمه الجاهز هذا، وبطريقة تعاملهم معه، وبطريقة تلاوتهم له، ما زال أمامه أكثر من عشرين عاماً حتّى يكتمل، وليبلغ في النهاية ما لا يقلّ عن 600 صفحة (بمقاييس صفحاتنا اليوم)؟!
600 صفحة!! ومن النوع الثقيل!! وفي أمّةٍ أمّيّةٍ لم تعرف كتاباً قطّ!! ويحمله إليها نبيٌّ أمّيٌّ لم يكتب ولم يقرأ قطّ!! وفي هذه الجزيرة المنعزلة القاحلة والمنعدمة من كلّ أثرٍ أو إنجازٍ حضاريٍّ يؤهّلها لأن تكون دولةً كباقي دول العالم!!
لا شكّ أنّك تمزح! هكذا سيعلّق بعضهم اليوم، ربّما، لو عاشوا أو استحضروا واقع أولئك العرب الأوائل، وهم يتلقّون هذا الكتاب بهذه الثقة غير العاديّة في الطرح، وبهذه التحدّيات الخطيرة المحيِّرة!
وحاولوا أن تستحضِروا معي، أيضاً، تلك الثقة الكبيرة بالنفس، والتي لا يمكن أن يمتلكها إلّا نبيّ، وهو يملي على قومه الكلمات الأولى من الكتاب "الافتراضيّ" القادم، ضامناً من ربّه ضماناً أكيداً، أيضاً، أنّه سيعيش معهم لسنواتٍ طويلة، سنواتٍ تكفي لتتنزّل عليه خلالها بقيّة الآيات والسور، سورةً بعد سورة، وآيةً بعد آية، وبشكلٍ متباعدٍ متقطّع، حتّى يكتمل الكتاب بحجمه النهائيّ الذي أراده له مُنزلُه منذ البداية المبكّرة.
هذا القرار بالتدرّج الزمنيّ في نزول القرآن لم يكن أمراً طارئاً، ولم يأت عبثاً.
فحين حاول المشركون أن يجدوا منفذاً ليتحدّوا النبيّ ﷺ ويضعفوا ثقة الناس به؛ طلبوا منه أن يأتي لهم بالقرآن مرّةً واحدة:
ولمَ هذا التمهّل والتجزئة في النزول إذا كان الكتاب جاهزاً ومكتملاً كما تزعم؟ ماذا تنتظر؟ أرِنا هذا (القرآن) الذي تدّعيه!
ويأتيهم الجواب من السماء بسرّ الحكمة الإلهيّة وراء تقطيعه "ترتيله" ونزوله سورةً بعد سورة، أو آيةً بعد آية، وربّما جزءاً من آيةٍ بعد جزءٍ سبقه. إنّها الحكمة السماويّة العليا لتثبيت القرآن في ذاكرة النبيّ وذواكر المسلمين، وفي فؤاده وأفئدتهم، وفي حياته وحياتهم، لفظاً وعملاً وتطبيقاً على الأرض:
- وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً ۚ كَذَٰلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ ۖ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا [الفرقان: 32]
وتتوالى القواعد والتعليمات من الرسول ﷺ على المسلمين في كيفيّة التعامل مع "الكتاب الافتراضيّ"، والذي ما يزال في بداية طريقه إلى التمام، وإن كانت لغته، وبالرغم من أنّها لغتهم العربيّة أيضاً، لغةً جديدةً عليهم كلّياً، بأسلوبها، وألفاظها، وتراكيبها النحويّة، وسبائكها اللغويّة، وفنون بلاغتها، وصورها البيانيّة، وإيقاعها، وإن كان عليهم، فضلاً عن ذلك، أن يقرأوه قراءة فهمٍ وتذكّرٍ وتدبّرٍ، قراءةً تزيدهم رهبةً وخشوعاً وإيماناً وصلةً بمن أنزله:
- كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ [ص: 29]
- أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا [محمّد: 24]
- وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ [الأنفال: 2]
وكان لا بدّ أن يحتفظوا بهذا الكتاب في ذواكرهم، وأن يقرأوه في صلواتهم، وأن يتغنّوا به، وأن يتدبّروه، وأن يطبّقوا ما جاء فيه من آدابٍ، وأخلاقٍ، وأحكامٍ، وعباداتٍ، وتعاملات، فإنّه حبل الله، وستبقى يدهم بيد الله؛ ما داموا متمسّكين بحبل كتابه:
- عن أبي شُرَيحِ العَدْويِّ قال: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ: "أبشِروا، أليس تَشْهدون أنْ لا إلهَ إلّا الله، وأنّي رسولُ الله؟ قالوا: بلى! قال: إنَّ هذا القرآنَ سببٌ – أي حبلٌ – طَرَفُه بيدِ اللهِ، وطَرَفُه بأيديكم، فتمسَّكوا به، فإنّكم لن تَضِلُّوا ولن تَهلِكوا بعده أبداً". [رواه المنذري في الترغيب، وصحّحه الألباني]
وها نحن اليوم نعيش زمن لغة التواصل الاجتماعيّ، وننخرط في أساليبها وأجوائها. وهي لغةٌ اختزاليّةٌ جديدةٌ على المسلم، تخالف ما اعتاد أن يقوم به كلّ يومٍ، ليحافظ على الإمساك بحبل الله المتين، من تلاوةٍ شيءٍ من كتابه الكريم، بسوره المائة والأربع عشرة، وصفحاته الستمائة. فهل على المسلم أن يستجيب لإغراءات هذه اللغة الاختزاليّة الجديدة، لتنعكس على علاقته بالقرآن الكريم انعكاساً سلبيّاً، فيهجر كتاب الله لأنّ الزمن قد تجاوز هذا "الحجم الكبير" من الكتب، فيدعو إلى اختصاره في صفحاتٍ قليلة، ولينعكس هذا المنظور، من ثمّ، على صلواته اليوميّة الخمس، فيجعلها صلاةً واحدةً أو صلاتين لا أكثر، ولينعكس، أيضاً، على عدد ركعات كلّ صلاة، فيختصرها إلى ركعةٍ أو ركعتين، ثمّ لينعكس على الأحاديث النبويّة، فنختصرها له بحيث لا يتجاوز الحديث سطراً أو سطرين، أو جملةً أو جملتين؟ ثمّ لينعكس في النهاية على مختلف جوانب حياته، وعلى علاقته مع أهله وأسرته وأصدقائه ومعارفه، ثمّ على علاقته مع ربّه؟
أم سيكون القرآن، وحجم القرآن، وروح القرآن، هي التي ستحافظ على تشكيل شخصيّته وتفكيره وتعبيره، وهي التي ستنعكس على تعامله مع عباداته، ومع الأحاديث النبويّة، ومع دراسته وقراءاته وبحوثه، ومع أهله وأصدقائه، ومع الآخرين؟
إنّها أعجوبة القرآن، وأعجوبة النبيّ الأمّي ﷺ، وأعجوبة الأمّة الأمّيّة التي تسلّمت هذا الكتاب من يده الكريمة، لتحمله بعد ذلك إلى كلّ أطراف العالم، بنجاحٍ يفوق كلّ حساباتنا البشريّة، ولترسّخه على أرضهم، وفي نفوسهم، ليس بسواعدها القويّة فحسب، بل بأخلاقها، وبعزيمتها، وإيمانها، من خلال ثقتها وتمسّكها بهذا الطرف الآخر من حبل الله المتين.
* * *
أخيراً، هل تخيّلت نفسك يوماً أن تكون بين أولئك الذين تلقّوا رسالة القرآن الكريم لأوّل مرّة؟ لو حدث لك ذلك:
1- فكيف كنت ستتلقّى، أنت الأمّي، هذه الآيات العربيّة، بلغتها الجديدة كلّياً عليك(1)، وبلاغتها الفريدة التي وصلت إلى حدّ الإعجاز، ومن رجلٍ أمّيٍّ عاش معك أربعين عاماً وهو لا يعرف القراءة أو الكتابة؟
2- وكيف سيكون شعورك وأنت تسمع هذا الرجل الأمّي يقول لك: هذا الكلام لم آتِ به من عندي، فأنا نبيّ مرسَل، وأُنزل عليّ الكتاب من السماء؟ هكذا: من السماء؟
3- وكيف سيكون وقع كلمات تلك الآيات في نفسك، وقد تيقّنت في النهاية أنّها وحيٌ يوحَى، وأنّها قادمةٌ إليك، وفي تلك اللحظة، طازجةً دافئةً، من الله نفسه؟
4- وكيف سيكون تعاملك معها بعد إذ تلقّيتها: هل ستكتفي بمجرّد سماعها، أو حفظها، أو ترديدها، أو التغنّي بها؟ أم ستتحوّل في اللحظة نفسها إلى منهج حياةٍ، وقواعد تغيّر تفكيرك، وخططك، وحاضرك، ومستقبلك؟
5- وكيف ستكون نظرتك إلى ذلك الرجل الذي حمل لك تلك الرسالة؛ وأنت تكتشف أنّه كان حقّاً على اتصالٍ مباشرٍ مع ذلك الخالق الأعلى في السماء، وأنّه هو الذي حمّله الرسالة إليك؟
6- وهل تشعر اليوم بنوعٍ من "الصدمة" عندما تنتقل من قراءة رسائل التواصل الاجتماعيّ، والمرور بتغريداته، بلغتها "البرقيّة" السريعة، إلى تلاوة كتاب الله الكريم بحجمه الكبير، وتتمنّى لو يختصره المسلمون في بضع صفحات لا أكثر؟ أم تزيدك تلاوته اقتناعاً بشخصيّتك كمسلم، وبشخصيّة كتابك، وبشخصيّة عباداتك، وبشخصيّة كتاباتك وقراءاتك وتفكيرك وبحثك العلميّ؟
7- وأخيراً، في أيّة مرتبةٍ من مراتب "أهل الله" تصنّف نفسك حين تقرأ هذا الحديث الشريف، وماذا ستعني لك هذه المرتبة في حياتك، وفي آخرتك؟
- عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّ لِلَّهِ أَهْلِينَ مِنَ النَّاسِ. قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّه، مَنْ هُمْ؟ قَال: هُمْ أَهْلُ الْقُرْآن، أَهْلُ اللَّهِ وَخَاصَّتُه". [رواه ابن ماجه، وصحّحه الألباني]
هوامش:
(1) أثبتنا في كتابنا (المعجزة) أنّه في سورة (الفاتحة) وحدها، وهي مؤلّفةٌ من 29 كلمة، ما لا يقلّ عن 58 ظاهرةً لغويّةً جديدةً لم تعرفها العربيّة قبل القرآن، ومعظم هذه الظواهر لم تعرفه العربيّة حتّى الآن، ولا الحديث النبويّ. (المعجزة, إعادة قراءة الإعجاز اللغويّ في القرآن الكريم). ج 2. المعهد العالمي للفكر الإسلامي. هرندون – فرجينيا. الولايات المتّحدة. 2015. الصفحات: 51-92.
بقلم: أحمد بسام ساعي
جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين


