صفحات من كتاب (إدارة التلاوة.. أعد اكتشاف علاقتك مع القرآن الكريم) (34)

صفحات من كتاب (إدارة التلاوة.. أعد اكتشاف علاقتك مع القرآن الكريم) (34)

التصنيف: واحة التفسير
الجمعة، ٢٧ جمادى الأولى ١٤٤٨ هـ - ٦ تشرين الثاني ٢٠٢٦
19

3- التلاوة التفسيريّة


[القسم الثاني]


بين المُحكَم والمتشابه:
يضع لنا الرسول ﷺ حدوداً وأُطراً واضحةً للتمييز بين المُحكم والمتشابه من الآيات؛ حين يؤكّد أنّ مرجعيّة المسلم في هذا الأمر هم (الراسِخونَ في العِلْمِ)، وهؤلاء هم الذين (آمَنوا بمُتَشابِهِه)، فعرفوا كيف يميّزون بين المُحكم من الآيات فيعملون به، وبين المتشابه فيؤمنون به ثمّ لا يخوضون فيه. وربّما استخلصوا من بعضه مع الزمن ما يجيب عن الأسئلة التي يطرحها علينا توالي العصور، وتنوّع الأماكن، وتبدّل الظروف، واختلاف المقاصد، من غير الخروج على الثوابت كما حدّدها لنا القرآن الكريم والحديث الشريف:
- عن عائشةَ أمِّ المؤمنين قالت: "قال رسولُ اللهِ ﷺ: "الراسِخونَ في العِلْمِ همُ الذين آمَنوا بمُتَشابِهِه – أي تيقّنوا بوجود آياتٍ يشتبه علينا معناها، فلا ينبغي الخوض والجدل فيها –، وعَمِلوا بمُحكَمِه". [رواه الطحاوي، وصحّحه شعيب الأرناؤوط في تخريج مُشكل الآثار]
ولكنّ هذا لا يعني أن ينفرد كلٌّ منّا بشرح كتاب الله واستخراج الأحكام منه حسب وجهة نظره وتعميمها على المسلمين، ولا سيّما إذا لم يكن يمتلك النضج الفكريّ، والأدوات العلميّة الكافية التي تؤهّله لاستنباط مثل هذه الأحكام.
ونرى أحد هؤلاء اليوم؛ وقد "تطوّع" أمام العدسة ليشوّش عقول العامّة، ويعرض علينا "مواهبه" التفسيريّة، فيؤكّد للمذيعة أمامه، وأمامنا جميعاً، أنّ الإنسان هو الذي يختار لنفسه الهداية وليس الله تعالى، مستنداً في "فتواه" إلى الآية الكريمة:
- إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَـٰكِنَّ اللَّـهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ [القصص: 56]
فيفسّر لنا الآية على أَنّ الله يهدي من يشاء لنفسه الهداية، ولَيس من يشاء الله له الهداية!
وإذا تمكّن صاحبنا من اللعب على الحبال النحويّة لهذه الآية؛ فأعاد الضمير في الفعل (يشاء) لغير صاحبه، فكيف ينجو من السقوط عن تلك الحبال حين نضعه أمام عشرات الآيات التي تؤكّد، وبصورةٍ تفضح جهله المريب بالقرآن، وتكشف ثقافته السطحيّة وتأويلاته المنحرفة، أنّ الهداية لا تكون إلّا من الله وحده:
- أَتُرِيدُونَ أَن تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّـهُ ۖ وَمَن يُضْلِلِ اللَّـهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا [النساء: 88]
- وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا ۗ وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا ۖ وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ ‎[الأنعام: 107]
- مَّا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّـهُ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ [الأنعام: 111]
- فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ ‎[الأنعام: 125]
- وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَن فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا [يونس: 99]
- وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّـهِ [يونس: 100]
- وَمَن يُضْلِلِ اللَّـهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ [الرعد: 33]
ونرى آخر وهو يحاول أن يستغفل الجميع، رجالاً ونساءً، ليخرج بأفكارٍ يسترضي بها بعض المتطاولات على الله وعلى مشيئته، لأنّ إرضاءهنّ عنده يتقدّم على رضا الله وحكمته وآياته، فيبشّرهنّ بأنّ أمر "الحُور العين" في الجنّة لا يقتصر على النساء، بل هناك "حُورٌ" من الرجال أيضاً! ودليله الوحيد على ذلك هو التحايل اللغويّ على القرآن، وعلى الله!
فاللفظ (حُور) عنده، لغويّاً، يمكن أن يكون جمعاً للمؤنّث (حوراء)، وبالقدْر نفسه يمكن أن يكون جمعاً للمذكّر (أحوَر) أيضاً! ومثله اللفظ (عِين)، فهو جمعٌ للمذكّر (أعيَن) بقدر ما هو جمعٌ للمؤنّث (عيناء)! وهكذا يتجاهل حقيقة أنّه، وفي سياقاتٍ لغويّةٍ لا تقبل مثل هذا التحايل، لم يَرِد تذكير هؤلاء الحور العين، ولو مرّةً واحدةً، في نصّنا الإسلاميّ.
فأينما بحثت في الحديث النبويّ؛ فلن تجد إلّا الأحاديث الصريحة في تأنيث الحور العين، ولا شيء غير التأنيث، من مثل:
- عن مُعاذِ بنِ أنس، أنّ النبيَّ ﷺ قال‏:‏ ‏"مَن كَظَمَ غَيظاً، وهو قادرٌ على أنْ يُنْفِذَهُ، دعاهُ اللهُ سبحانَه وتعالى على رؤوسِ الخلائقِ – أي على مَرأىً مِن كلِّ مخلوقاتِه – يومَ القيامة، حتّى يُخَيّرَه مِنَ الحُوْرِ العِينِ ما شاء‏".‏ [رواه التِّرمِذي، وصحّحه الألباني]
- عنِ المِقدادِ بنِ مَعْدِيكَرِبَ قال: قالَ رسولُ اللهٍ ﷺ: "لِلشَّهيدِ عِندَ اللَّهِ سِتُّ خِصالٍ: يُغفَرُ لَه في أوَّلِ دَفعةٍ – أي مِن دمِه –، ويُرى مَقعدَه مِنَ الجنَّةِ، ويُجارُ مِن عذابِ القبرِ، ويَأمَنُ مِنَ الفَزعِ الأكبرِ، ويُوضعُ علَى رأسِه تاجُ الوَقارِ، الياقوتةُ مِنها – أي مِن يواقيتِ التاج – خيرٌ منَ الدُّنيا وما فِيها، ويُزوَّجُ اثنتَينِ وسبعينَ زَوجةً مِنَ الحُوْرِ العِينِ، ويُشفَّعُ في سبعينَ مِن أقاربِه". [رواه التِّرمِذي، وصحّحه الألباني]
- عن مُعاذِ بنِ جَبَلٍ قال: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ: "لا تؤذي امرأةٌ زوجَها في الدُّنيا؛ إلّا قالت زوجتُهُ مِنَ الحُورِ العين: لا تؤذيهِ قاتلَكِ اللَّه، فإنَّما هوَ عندَكِ دَخيلٌ يُوشِكُ أنْ يُفارِقَكِ إلينا". [رواه التِّرمِذي، وصحّحه الألباني]
والأهمّ من ذلك هو اقتصار ذكر الحور العِين في القرآن الكريم، أيضاً، مع تعدّد الآيات في ذكرهنّ، على هذا الإطار اللغويّ التأنيثيّ، الصريح والواضح، والذي لا سبيل معه لتحايل المتحايلين:
- كَذَٰلِكَ وَزَوَّجْنَاهُم بِحُورٍ عِينٍ ‎[الدخان: 54]
- مُتَّكِئِينَ عَلَىٰ سُرُرٍ مَّصْفُوفَةٍ ۖ وَزَوَّجْنَاهُم بِحُورٍ عِينٍ ‎[الطور: 20]
- وَحُورٌ عِينٌ ‎﴿٢٢﴾‏ كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ ‎﴿٢٣﴾ [الواقعة: 22-23]
إنّها الضمائر المذكَّرة دائماً في الآيات (زَوّجناهُم) و (مُتَّكِئين)، والمفهوم الفطريّ البسيط والواضح حول حقيقة (مَن يتزوّج مَن)، ونعومة التعبير القرآني وأنوثته {كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ}. هذا فضلاً عن جمع التأنيث الصريح والمباشر (مَّقْصُورَاتٌ) في آيةٍ أخرى:
- حُورٌ مَّقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ ‎ [الرحمن: 72]
المسألة ليست مجرّد "وجهات نظرٍ شخصيّةٍ" نلقي بها جُزافاً يميناً وشمالاً، ونغتفرها لأصحابها. إنّنا تتعامل مع الله، ومع كتاب الله!
هناك ثوابت لا يختلف فيها المسلمون، ولا ينبغي لهم. ولكن من العدالة، عندما نختلف في حكمٍ قرآنيٍّ ما، وحول مدى تماشيه مع العصر، ومع العقل، والظرف، والمكان، والبيئة، أن نرجع في ذلك، قبل أن نخرج بحكمٍ علميٍّ ومعترفٍ به، إلى هيئةٍ رسميّةٍ عامّة، تمثّل المسلمين تمثيلا ًحقيقيّاً، وليس إلى أشخاصٍ لا يمثّلون إلّا أنفسهم.
إنّنا لا نفاجأ لو علمنا أنّ معظم المذاهب التي انشقّت عن خطّ السنّة في الإسلام، وتخلّت عن الجوهر التوحيديّ للدين، أو تلك التي انبثقت عن أديانٍ وشرائع أخرى ثمّ حاولت أن تستظلّ بظلّ الإسلام وتحتمي بكتابه، أو أن تُموّه نفسها بالاعتراف الظاهري به، كان لها، أيضاً، تفسيرها الخاصّ، وغير الواقعيّ أو المنطقيّ أو الفطريّ للنصّ القرآنيّ.
فلأنّ أحداً لا يستطيع أن يحرّف القرآن، وقد امتلك مثل هذه المنهجيّة الإعجازيّة الفريدة لحفظ نصوصه من الضياع والتحريف، واستقلّ بها دون كلّ الكتب السماويّة والأرضيّة كما سبق أن فصّلنا القول، لم يكن أمام تلك المذاهب الجديدة من سبيلٍ لتسويغ انحرافها عن خطّ التوحيد، ولتستمدّ لفكرها الجديد سنداً قرآنيّاً معتمَداً من الجميع، إلّا أن تستثمر الجانب الانفتاحيّ للغة القرآن، فتَلْوي عنقَ الألفاظ والعبارات والآيات بما يوافق فكرها أو مذهبها الجديد، فتفسّر القرآن بهذا تبعاً لمقاييسها الجديدة:
- أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ ۚ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا ‎﴿٨٢﴾‏ وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ ۖ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ ۗ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا ‎﴿٨٣﴾‏ [النساء: 82-83]
إنّ من يُنعم النظر في هاتين الآيتين يجد أنّهما تختصران لنا منذ نزولهما ما سيشهده المسلمون في مستقبل دعوتهم من انقسامٍ ومذاهب خارجةٍ عن النصّ الدينيّ الصحيح، وعن عقيدة التوحيد:
1- إنّهما أوّلاً دعوةٌ إلى "تدبّر القرآن"، وليتبيّن أصحاب الأهواء والأغراض أنّه منزّهٌ عن أيّ احتمالٍ للخطأ، تلك التي لا يخلو منها أيّ كتاب، وأن لا موضع للاختلاف حول معانيه التوحيديّة الأساسيّة التي لا تسمح بأن يختلف عليها اثنان، وذلك لسببٍ واضحٍ وبسيط: إنّه مُنزلٌ من عند الله {وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا}.
2- وهما، أيضاً، دعوةً إلى استنباط مراميه القريبة والبعيدة، وإلى ردّها، عند أيّ اختلافٍ حولها، إلى الله ورسوله، وإلى الأمناء من المصلحين وأولي الأمر {وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ}.
3- وهما، أيضاً، تحذيرٌ مخيفٌ من أنّ الخيار الآخر، والذي لا مفرّ منه أمام من يحاولون الخروج بالنصّ الإلهيّ عن طريقه، لن يكون إلّا اتّباعهم سبيل الشيطان، وضياعهم في متاهاته، وخسارتهم الكبرى لفضل الله عليهم: {وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا}.
ويرسم لنا النبيّ ﷺ منذ ذلك الوقت صورةً لهؤلاء الذين {في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ}، ممّن سيأتون يوماً، ويَتجرّؤون على الخروج بكتاب الله عن معانيه، فيحذّرهم، ويحذّرنا منهم، فيفرّق لنا ولهم بين "الآيات المُحكَمات" و "الآيات المتشابهات".
أمّا الآيات "المُحكمات"؛ فهي، كما يسمّيها القرآن، {أُمُّ الكِتَابِ}. وهي ما نزل بلغةٍ صريحةٍ محدّدةٍ، وذات طبيعةٍ لا تقبل التأويل لغير ما نزلت به. وأمّا الآيات التي يطلق عليها القرآن اسم "مُتَشابِهاتٌ"؛ فهي الآيات الأكثر مرونةً في لغتها، والتي سيحاول هؤلاء "القادمون يوماً" أن ينحرفوا بها عن جادّتها، كما يحذّرنا الحديث الشريف [وقد سمحت لنفسي باستخدام علامات الترقيم في الآية التي تضمّنها الحديث بغاية المساعدة على فهمها وصحّة قراءتها]:
- عن عائشةَ أمِّ المؤمنين قالت: "تَلَا رَسولُ اللَّهِ ﷺ هذِه الآيَةَ: {هو الذي أنْزَلَ عَلَيْكَ الكِتَابَ، منه آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الكِتَابِ، وأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ. فأمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشَابَهَ منه ابْتِغَاءَ الفِتْنَةِ وابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ، وما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إلَّا اللَّهُ. والرَّاسِخُونَ في العِلْمِ يقولونَ: آمَنَّا به، كُلٌّ مِن عِندِ رَبِّنَا، وما يَذَّكَّرُ إلَّا أُولُو الألْبَابِ} [آل عمران: 7]. قَالَتْ: قَالَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ: فَإِذَا رَأَيْتِ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ ما تَشَابَهَ منه – أي يفسّرون بعض الآياتِ على غيرِ المعنى اللغويّ المراد – فَأُولَئِكِ الَّذِينَ سَمَّى اللَّهُ فَاحْذَرُوهُم". [متّفق عليه]

اللغة الفطريّة للقرآن:
أسهل وسيلةٍ للخروج بأيّة فكرةٍ أو عقيدةٍ عن مسارها هي أن تلغي وظيفة اللغة التي جاءت بها، وأن تحرفها عن طبيعتها الأساسيّة الفطريّة التي بنيت عليها، بحيث تفقد مصداقيّتها في عيون مستخدميها.
وأهمّ ما تقوم عليه فطريّة اللغة، وأهمّ ما تستمدّ منه مصداقيّتها، هو المنطق. فلا قيمة لأيّة لغةٍ إذا جرّدناها من النسيج العقليّ الذي استمدّت منه وجودها في الأصل، بحيث يملك هذا النسيج قوّة التواصل بينه وبين العقل والمنطق الإنسانيّ، فنفهم من خلاله ألفاظها، ونمسك بخيوط المعاني المتكشّفة من النسيج الطبيعيّ الذي يربط هذه الألفاظ فيما بينها.
ابحث دائماً، وبالمنطق الفطريّ الذي نمارسه ونحن نتعامل مع اللغة القرآنيّة، عمّا وراء الأسطر من كلمات الله تعالى، فاقرأها بعيني العربيّ الأوّل، واسمعها بأذنيه.
وحين نقف، مثلاً، أمام الآية الثانية من سورة الجمعة التي تتحدّث عن العرب، فنصرّ في تفسير لفظ "الأمّيّين" فيها، كما يذهب بعض المفسّرين، على أنّه اشتقّ من "أمّ القرى"، وهو الاسم الآخر لمكّة، ونغفل عن الخلفيّة الفكريّة التي يمكن أن نستشفّها من خلال هذا الوصف الإلهيّ للعرب، ولماذا بَعث من بينهم، وهم "الأمّيون"، رسولاً، أمّيّاً أيضاً، بل خاتماً للرسل، حين يقول:
- هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ ‎[الجمعة: 2]
إنّ الآية تركّز على كلّ ما تحتاج إليه هذه "الأمّة الأمّية" من الله، من رسولٍ {يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ} وقد جاء إليهم يهديهم و{يُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ}، وتُذكّرهم أيضاً، وتذكّرنا، بحقيقة أنّهم {كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ}.
لاحظ الشرارة الفكريّة التي تقدحها تلك المقابلةُ المقصودة بين معنى لفظ (الأُمّيّينَ) في الجزء الأوّل من الآية، وبين معاني الألفاظ التي تلحق به: (يَتلُو) و (يُعَلِّمُهُمُ) و (الكِتابَ) و (الحِكمَةَ) في الجزء الثاني. وعندما نتجاهل الغاية من هذه "المقابلة"، ونصرّ على أن نحصر معنى لفظ "الأمّيّين" في اسم مدينةٍ كبيرةٍ في الجزيرة العربيّة، ولا أكثر من ذلك، هي "أمّ القرى"، فإنّنا نتجاهل الحكمة الإلهيّة المرادة من الآية، وهي، والله أعلم بكتابه، فضله تعالى على هذه الأمّة، باختيارها، وهي الأمّيّة، دون غيرها، لتحمل راية الإسلام إلى العالم كلّه، وبما سيحمله هذا الدين للمعمورة من قفزةٍ حضاريّةٍ غير مسبوقة، ومن هديٍ، وأخلاقٍ، وفكرٍ، وثقافةٍ، وعلوم.
وفي موقعٍ قرآنيٍّ آخر؛ حين يذهب بعضهم إلى أنّ (طه) و (يس)، بين مجموعات الحروف التي افتُتحت بها بعض السور، هي من أسماء النبيّ ﷺ، فإنّه يتجاهل بهذا أبسط قواعد المنطق الفطريّ للّغة القرآنيّة. ولا يمكن لهذه الحروف أن تشير إلى النبيّ ﷺ، ولا إلى أيّ عَلَمٍ آخر غيره، لأسبابٍ عديدةٍ يوضّحها لنا طرح مثل هذه الأسئلة على أنفسنا:
1- لماذا اقتصر وجود كلا الاسمين على فواتح السور ولم يرِد أيٌّ منهما ضمن سياق هذه السور؟
2- لماذا يختفيان تماماً في نصوصنا الدينيّة الأخرى، فلا يرِدان بعد ذلك أبداً، لا في الحديث الشريف، ولا في السيرة النبويّة؟
3- والأهمّ من ذلك، واستناداً إلى أبسط قواعد النحو العربيّ، لماذا لم يُبنَ كلٌّ منهما على الضمّ، كأيّ اسم علَمٍ مفردٍ منادى؟
لقد كان الخروج عن الطبيعة الفطريّة للتعامل مع لغة الكتب السماويّة وراء معظم الاختلافات، والخلافات، التي وقعت بين الشرائع الثلاث، من ناحية، ووراء نشوء المذاهب المتعدّدة ضمن الشريعة الواحدة، من ناحيةٍ أخرى.
والواقع أنّ اقتراب أيّ مذهبٍ من المذاهب الإسلاميّة أو ابتعاده عن جوهر الشريعة، تماماً كما تنزّلت من السماء، يتناسب مع مدى التزام هذا المذهب بالتعامل الفطريّ والمنطقيّ مع أيّة لغةٍ من اللغات المعروفة عامّةً، ومع لغة القرآن خاصّةً.
لنبحث، على سبيل المثال، عن مستوى المنطق العقليّ، والتعامل الفطريّ مع اللغة، في قول من ذهب إلى أنّ اسم (إسماعيل) أينما ورد في القرآن لا بدّ أن يعني محمّداً ﷺ، وأن اسم (موسى) أينما ورد فيه لا بدّ أن يعني (يعقوب)! هذا هو بالضبط ما فعله على مدى القرون كثيرٌ من أصحاب المذاهب ممّن ألبسوا الإسلام عمائم لا علاقة لها بالإسلام، وألبسوا آلهتهم المبتكرة أسماء وصفاتٍ استلبوها من آيات القرآن الكريم.
هكذا تبدأ الانحرافات في الأديان والشرائع: كلمةٌ من أحدهم هنا، وأخرى من أحدهم هناك، ورأيٌ من هنا، وترجمةٌ من هناك، ثمّ ما تلبث الكلمات والآراء أن تتطور على أيدي آخرين، وتتوسّع احتمالاتها مع الزمن، فيكون المذهب الجديد.


لا جدَل ولا مِراء في القرآن:
- عن عبدِ اللهِ بنِ عَمْرٍو قال: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ: "لا تُجادِلوا في القرآنِ، فإنَّ جدالاً فيه كُفْرٌ". [رواه السيوطي، وصحّحه الألباني]
إنّه الكفر إذن!
أن تجادل أخاك في أمرٍ دنيويّ؛ فهذا جدال، وأن تجادله في أمرٍ أو معنىً من معاني القرآن الكريم، بحيث يمتدّ الجدل إلى غير طائل، ويستدعي تبادلُه الغضب والشحناء وتباعد القلوب، فهذا في الإسلام بابٌ من أبواب الكفر!
إنّه تحذيرٌ نبويٌّ مبكّرٌ ومخيفٌ ممّا قد ينزلق إليه بعض المسلمين، حين يخوضون في الجدل العقيم حول قضايا المُحكم والمتشابه من الآيات، مثلاً، أو حول الإنسان: مخيّرٌ هو أم مسيَّر؟ أو حول القضاء والقدر، ولا سيّما في الموضوعات الغيبيّة التي ليس لأحدٍ أن يعلمها إلّا الله، ومع ذلك؛ فكثيراً ما نسمع من يجادلون فيها عبثاً، ويتساءلون محتجّين على أقدارهم:
لماذا يحاسبنا الله على عملٍ كان قادراً على أن يمنعنا عنه؟ كيف له أن يُضلّنا ويُدخلُنا النار وهو القادر على هدايتنا لندخل الجنّة؟ لماذا كتب عليّ أن أولد من غير يدين أو رجلين أو عينين ويولد الآخرون أصحّاء؟ لماذا جعل جاري غنيّاً وجعلني فقيراً؟..
- عن عبدِ اللهِ بنِ عمرٍو قال: "خرجَ رسولُ اللَّهِ ﷺ علَى أصحابِهِ وهُم يختَصِمونَ في القَدَرِ، فَكَأنَّما يُفقَأُ في وجهِهِ حَبُّ الرُّمَّانِ منَ الغضَب، فقال: بِهَذا أُمِرتُمْ؟ (أو: لِهَذا خُلِقتُمْ؟)، تَضرِبونَ القُرآنَ بعضَهُ ببَعضٍ؟ بِهَذا هلَكَتِ الأمَمُ قبلَكُم. – وفي روايةٍ لابن تيمية: وإنّما نزَل كتابُ اللهِ ليُصَدِّقَ بعضُه بعضاً، لا لِيُكَذِّبَ بعضُه بعضاً، اُنظُروا ما أُمِرتُم به فافعَلوه، وما نُهيتُم عنه فاجتَنِبوه –. قال – أي الراوي عن عبدِ الله –: فقالَ عبدُ اللَّهِ بنُ عَمرٍو: ما غَبَطْتُ نَفسي بمجلسٍ تخلَّفتُ فيهِ عن رسولِ اللَّهِ ﷺ ما غبَطتُ نَفسي – أي كما غبطتُها – بذلِكَ المجلِسِ وتَخَلُّفي عَنه". [رواه ابن ماجه، وصحّحه الألباني]
ولكنّ تحذيره ﷺ وتخوّفه على أمّته من الخوض في موضوع القدر كان موجّهاً بشكلٍ خاصٍّ إلى المتأخّرين من أمّته "شِرار أمّتي"، ونرجو ألّا يكون زماننا هو آخر الزمان، وألّا نكون نحن من هؤلاء الأشرار، فقد غدت هذه الجائحة من الجدل كثيرة الشيوع من حولنا للأسف:
- عن أبي هريرةَ قال: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ: "أُخِّرَ الكلامُ في القَدَرِ – أي المِراءُ فيه – لِشرارِ أُمَّتِي في آخِرِ الزمانِ". [رواه السيوطي، وحسّنه الألباني]
كان أكثر ما ينزلق إليه المسلمون من الجدل في كتاب الله يتمحور حول القراءات والحروف السبعة التي نزل بها القرآن، ولذلك كان تحذيره ﷺ للمسلمين شديداً في هذا الباب، فدعاهم إلى تجنّب هذا النوع من "المراء"، وأن يرجعوا إذا اختلفوا فيه إلى أئمّتهم من العلماء والقرّاء:
- عن أبي هريرةَ قال: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ: "نَزلَ القرآنُ على سبعةِ أحرفٍ. والمِراءُ في القرآن كُفرٌ (قالها ثلاثاً). ما عرفتُمْ منهُ فاعمَلوا بِهِ، وما جَهِلْتُم منهُ فرُدُّوهُ إلى عالِمِهِ". [رواه أبو داود، وصحّحه أحمد شاكر]
ويؤكّد لنا ﷺ أنّ المتفيهقين والمتحذلقين من أمّته سيتحمّلون المسؤوليّة الأكبر أمام الله في أيّ جدلٍ حول قضايا القرآن ومعانيه. فقد يتغلّب من كانوا على ضلالٍ من المنافقين بحِرفيّتهم وبألسنتهم المتفوّهة، على من كانوا على صوابٍ من المؤمنين، إن لم يمتلك هؤلاء تلك المواهب اللسانيّة التي يمتلكها بعض المنافقين في جدلهم:
- عنِ النَّوّاسِ بنِ سَمعانَ قال: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ: "لا تُجادِلوا بالقرآنِ، ولا تُكَذِّبوا كتابَ اللهِ بعضَه ببعضٍ؛ فواللهِ إنَّ المؤمنَ لَيُجادِلُ بالقرآنِ فيُغلَبُ، وإنَّ المنافقَ لَيُجادِلُ بالقرآنِ فيَغلِبُ". [صحّحه الألباني في سلسلته]

قواعدنا الأمينة للتفسير:
سيكون من فضل الله على المسلم أن ييسّر له مفاتيح أمانٍ للتعامل مع القرآن، وتدبُّره، وتفسيره تفسيراً سليماً وآمناً، بعيداً عن المنزلقات الفكريّة والجدليّة التي تعترضه. وستكون هذه المفاتيح، لو أحرزها وتمسّك بها، بمثابة شهادة قيادةٍ تؤهّله للتحرّك آمناً بعربته على سكّة تعامله مع كتاب الله، وتقيه من أي زللٍ أو انحرافٍ أو تجاوزٍ للخطوط الحمر، في عقيدته، وفي حياته، وفي تفكيره.
ليحاول كلٌّ منّا أن يقيس مقدار قربه أو بعده عن امتلاك مثل هذه الشهادة الأمينة؛ من خلال نظره إلى نفسه في مرآة المؤهّلات التالية التي يجدر بكلّ مسلمٍ أن يسعى لإحرازها، ولتكون له مدخلاً آمناً لحديقة كتاب الله، وقطف أطايب ثمارها، وحرزاً لدنياه وآخرته من أي ضلالةٍ أو انحراف:
1- أن تكون على إلمامٍ جيّدٍ بقواعد اللغة العربيّة ونحوها وصرفها، وجوازاتها وممنوعاتها، وكذلك بالسنّة النبويّة، وبالفقه والعلوم الشرعية، حتّى إن لم تكن مختصّاً بهذه العلوم. إنّ تلاوتك التفسيريّة المتأنيّة لكتاب الله، وتوقّفك عند هذا المرفوع محاولاً أن تعرف سبب رفعه، وعند هذا المنصوب محاولاً أن تكتشف لماذا نُصب، أو عند ذلك المجرور متسائلاً عن سبب جرّه، وأن تجيب نفسك بنفسك من غير مساعدة أحدٍ، ومن غير الالتفات إلى أسماء كلّ ذلك في المصطلحات الإعرابيّة المعروفة، من شأنه أن يجعلك قادراً على التغلّب، خطوةً فخطوةً، على أيّة مصاعب تواجهها في تلاوتك التفسيريّة، والتعامل مع ألغاز النحو العربيّ، وفهم أسرار العربيّة.
2- أن تتوسّل بالمنطق العقلانيّ في تفكيرك وأحكامك. الخطاب القرآنيّ يدعو دائماً، بشكلٍ مباشرٍ أو غير مباشر، إلى تحكيم الإنسان لعقله في أيّ أمرٍ من أموره، فضلاً عن فهمه لشريعته، واستيعابه وتدبّره لمعاني كتابه. حاول أن تجعل من تلاوتك التفسيريّة؛ مدرسةً للتفكير العقلانيّ، تكتسب منها فنّ مخاطبة الآخرين، وأسلوب التعامل معهم.
3- أن تحافظ على الفهم الفطريّ للغته. فالخروج عن فطريّة اللغة، أيّة لغة، هو إلغاءٌ لدورها، وإهدارٌ لما تحمله إلينا من كنوز العلم والمعرفة. ولا تنس أنّ فطريّة اللغة القرآنيّة، وفهمك الفطريّ لها، لا بدّ أن تنعكس على تعاملك مع نفسك، ومع الآخرين.
4- أن تتفادى الخوض في أيّ جدلٍ لا طائل وراءه عندما تتعرّض لإغراء البحث عن معانٍ وأسرارٍ غيبيّةٍ أراد الله أن تبقى في عيوننا هكذا كما قدّمها لنا في كتابه. ليكن هذا مبدأك في مخاطبة الآخرين أيضاً.
5- أن ترجع إلى مناسبة النزول لكلّ آيةٍ تلتبس عليك، فتفهم ما أحاط بتنزّلها من ظروفٍ ودواعٍ، مع استئناسك بفهم المفسّرين لتلك الآية، ومن غير أن تقيّد نفسك تقييداً حرفيّاً بتفسيراتهم، فلكلّ مفسّرٍ مدرسته وآراؤه واجتهاداته المشكورة، ولكل عصرٍ ثقافته وعلومه وإضافاته الضروريّة.
6- أن تحافظ في فهمك للآية على السياق الخاصّ بها في القرآن. فتعود إلى الآيات الأخرى التي ترتبط بموضوعها، بحيث يتكامل المشهد أمامك بجوانبه المختلفة، فلا تخرج بتفسيرٍ لا يتّسق مع السياق القرآنيّ الخاصّ بذلك الموضوع. ومن المهمّ جدّاً الرجوع إلى ما يتوفّر من الأحاديث النبويّة التي تلقي المزيد من الضوء على المعنى المطلوب.
7- أن تحافظ، أيضاً، في فهمك للآية على السياق العامّ للقرآن، بحيث لا يختلّ ميزان التوافق بين تفسيرك للآية، وبين ثوابت السياق القرآنيّ، وكذلك ثوابت الروح العامّة للشريعة الإسلاميّة. ليكن هذا الالتزام أيضاً بمثابة منهجٍ لك في الحياة، واطرح على نفسك أمام كلّ كلمةٍ تقولها، أو عملٍ تهمّ بالقيام به هذا السؤال: هل تتناسب هذه الكلمة، أو يتماشى هذا العمل، مع روح القرآن، ومع المنهج القرآنيّ؟
8- أن تحافظ على روح التكامل بين الأحكام القرآنيّة والأحكام النبويّة. فلم تأت السنّة إلّا تكميلاً وتفصيلاً وتوضيحاً لأحكام القرآن. قد ترى حولك اليوم، للأسف، مَن بالغ وعاند في تجاهلها وإهمالها، وربّما إسقاطها كلّيّاً من حساباته. من أجل هؤلاء كان يحذّرنا رسول الله ﷺ، منذ ذلك الوقت، ويؤكّد لنا أن العمل بسنّته لا ينفصل عن العمل بكتاب الله، وأوجز لنا ذلك في أربع كلمات: "أوتيتُ القرآنَ ومثلَه معه" [رواه أبو داود، وصحّحه الألباني].
9- أن تكون على معرفةٍ جيّدةٍ بالآيات الناسخة والآيات المنسوخة، وذلك بالعودة إلى كتب التفسير، ومصادر الفقه الإسلاميّ، وإلى مناسبات النزول (وارجع أيضاً إلى ما سبق أن فصّلناه تحت عنوان: معجزة النسخ).
10- تذكّر في تلاوتك التفسيريّة أهمّيّة أن تراعي في فهم ما تتلو تَغيُّرَ الزمان، والمكان، والإنسان. إنّ لغة القرآن، وهي المنفتحة على هذه التغيّرات، قادرةٌ على أن ترفد المفسِّر كلّ يومٍ بالمزيد من المعاني الجديدة التي لم تكن في أذهان من سبقه من المفسّرين. من أجل ذلك أكّد لنا رسول الله ﷺ: "إنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ لِهَذِهِ الأمَّةِ على رَأسِ كلِّ مائةِ سَنَةٍ مَنْ يُجدِّدُ لَها دِينَها". [رواه أبو داود، وصحّحه الألباني]
11- ارجع في فهمك وتفسيرك إلى النصّ الأصليّ للقرآن، بلغته العربيّة، وليس إلى ترجماته في اللغات الأخرى. إنّ ترجمة كلمات الله تعالى إلى لغةٍ أخرى لن تنقل لك المعنى كاملاً. وتذكّر أيضاً أنّ لكلّ لغةٍ خصائصها المغايرة في معاني الكلمات والأدوات والعبارات، ويستحيل على اللغات الأخرى أن تنقل إليك المعنى القرآنيّ تماماً كما أُنزل في كتاب الله؛ مع وجود مثل هذه الفجوات الآساسيّة والهامّة بين اللغات، دعك من الفجوة الكبيرة بين اللغة القرآنيّة واللغة البشريّة. تذكّر أنّ معظم الانحرافات في الكتب السماويّة الأخرى جاءت، وما تزال في تزايد، عن طريق الترجمة.
12- أخيراً، خصّص لتلاوتك التفسيريّة كلّ يومٍ صفحةً أو صفحتين لا أكثر (يفضّل أن تكون قبل صلاة الفجر أو بعدها مباشرةً)، وليكن معك قلمك ونسختك الخاصّة من المصحف الشريف، ويفضّل أن تكون من القطع الكبير، بحيث تستطيع أن تضيف إلى هوامشها كلّ يومٍ، مع كلّ تلاوةٍ تفسيريّةٍ جديدةٍ لكتاب الله، المزيد من الشروح والتفاصيل والإضاءات. إنّها ستكون نسختك التفسيريّة الأمينة، والمتنامية باستمرار، وسترجع إليها كلّما طرأت في ذهنك فكرةٌ جديدة، أو احتجت إلى تفسير آيةٍ أو عبارةٍ قرآنيّة، أو أردت التأكّد من معلومةٍ قرآنيّةٍ، أو حكمٍ من الأحكام.

* * *
ليست التلاوة التفسيريّة قضيّةً فرديّةً منعزلةً تقتصر نتائجها وآثارها على شخصٍ أو بضعة أشخاصٍ أو جماعةٍ محدودة. إنّها تتجاوز جدران التلاوة أو الفهم النظريّ للفرد، لتكون جزءاً من تفكيرك وتفكير من تتعامل معهم، وبرنامج حياةٍ لك ولهم، ولتكون من ثمّ، لَبِنةً في بناء مجتمعك، ورسم ملامح عقيدة الأمّة كلّها، ومفهوماتها الموحّدة لمعاني كتابها ومنهجه الفكريّ، بحيث لا ينقلب القرآن إلى مجرّد نصٍّ مكتوبٍ، أو مقروء، أو مستظهر، أو معلّقٍ على جدران بيوتنا باحترام، ثمّ لا شيء بعد ذلك، لا شيء إلّا ذهاب العلم بكتاب الله، يتلوه ذهابُ العمل بهذا الكتاب، يتلوه ذهاب الأمّة:
- عَنْ زِيَادِ بْنِ لَبِيدٍ قَال: "ذَكَرَ النَّبِيُّ ﷺ شَيْئاً فَقَال: ذَاكَ عِنْدَ أَوَانِ ذَهَابِ الْعِلْم – أي العِلمِ بالدين والقرآن –.‏ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّه، وَكَيْفَ يَذْهَبُ الْعِلْمُ وَنَحْنُ نَقْرَأُ الْقُرْآنَ، وَنُقْرِئُهُ أَبْنَاءَنَا، وَيُقْرِئُهُ أَبْنَاؤُنَا أَبْنَاءَهُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَة؟ قال: ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ يا زِيَادُ، إِنْ كُنْتُ لأَرَاكَ مِنْ أَفْقَهِ رَجُلٍ بِالْمَدِينَة – أي كنت أظنّك من أفقهِ رجالِها –! أَوَلَيْسَ هَذِهِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى يَقْرَؤونَ التَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ، لا يَعْمَلُونَ بِشَيءٍ مِمَّا فِيهِمَا؟". [رواه ابن ماجه، وصحّحه الألباني]
من أجل هذا، وكي لا يقع لنا ما وقع للآخرين من قبلنا، لا بدّ أن نطرح على أنفسنا العديد من الأسئلة التي من شأنها أن تقينا مثل تلك النتائج التي تترصّدنا، وتترصّد كلّ صاحب عقيدة، والتي حذّرنا منها رسول الله ﷺ من خطورة الانتهاء إليها. ولتكن تلك الأسئلة دائماً في رؤوسنا ونحن نحاول أن نتعامل مع معاني آيات الكتاب الحكيم:
1- تُرى، ما الحكمة في أن يعرض علينا القرآن هذه الفكرة، أو يخبرنا، أو يأمرنا، أو ينهانا عنها؟ ما الذي أراده تعالى من وراء إيصال هذه الرسالة إلينا؟
2- ماذا لو لم تصل إلينا هذه الآية أبداً؟ ما مدى حاجتنا الحقيقيّة، وحاجة البشريّة إليها؟ ما الذي تسدّه من ثغراتٍ في حياتنا وتفكيرنا؟
3- ما الصدى الروحيّ والعمليّ الذي تتركه في نفوسنا؟ وما الشيء الذي أريدَ لها أن تغيّره فينا، وفي علاقاتنا مع الآخرين، ومع الله؟
4- كيف نربط، ربطاً سليماً، ومنطقيّاً، وصادقاً، ما تحمله هذه الآية أو الآيات من معانٍ، بالسياق العامّ للقرآن، وللسنّة النبويّة، ولروح الإسلام؟
5- هل استطعنا أن نستوعب من خلالها حقيقة أنّ روح الإٍسلام متكاملة، لا ينفصل فيها عمل الدنيا عن عمل الآخرة؟
6- كيف نتجنّب في تلاوتنا التفسيريّة تلك الانحرافات التي انزلق إليها أصحاب المذاهب المختلفة ممّن خرجوا عن المنطق الفطريّ للّغة، وعن السياقين القرآنيّين العامّ أو الخاصّ، فابتدعوا لنا تلك المذاهب، فخرجوا عن روح النصّ القرآنيّ، وعن رسالة الإسلام؟
7- كيف نتوقّع أن تكون استجابتنا العمليّة لهذه الرسالة بعد وصولها إلينا؟ ما الخطوات التي يُنتظر منّا أن نخطوها لتصل بنا إلى فلاح الدنيا والآخرة؟
8- أين نصنّف أنفسنا الآن بين الآخرين في هذه الاستجابة؟ ما الدرجة التي نمنحها لأنفسنا فيها؟ وما الدرجة التي نطمح للوصول إليها في السنوات القادمة؟


بقلم: أحمد بسام ساعي

تنويه:

جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين

مقالات ذات صلة

مختارات من تفسير "من روائع البيان في سور القرآن" (الحلقة 3)
الخميس، ٦ شعبان ١٤٤٠ هـ - ١١ نيسان ٢٠١٩مختارات من تفسير "من روائع البيان في سور القرآن" (الحلقة 3)
اللمسات البيانية في البسملة [بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ] {الفاتحة:1} السؤال الأول...
مختارات من تفسير "من روائع البيان في سور القرآن" (الحلقة 2)
الأربعاء، ٥ شعبان ١٤٤٠ هـ - ١٠ نيسان ٢٠١٩مختارات من تفسير "من روائع البيان في سور القرآن" (الحلقة 2)
  البسملة ومقاصد سورة القاتحة وأسماؤها وفضلها  القرآن الكريم منذ اللحظة التي نزل...
مختارات من تفسير "من روائع البيان في سور القرآن" (الحلقة 1)
الاثنين، ٣ شعبان ١٤٤٠ هـ - ٨ نيسان ٢٠١٩مختارات من تفسير "من روائع البيان في سور القرآن" (الحلقة 1)
  الاستعاذة قال الله تعالى : [خُذِ العَفْوَ وَأْمُرْ بِالعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الجَا...