صفحات من كتاب (إدارة التلاوة.. أعد اكتشاف علاقتك مع القرآن الكريم) (3)

صفحات من كتاب (إدارة التلاوة.. أعد اكتشاف علاقتك مع القرآن الكريم) (3)

التصنيف: فقه الدعوة
الجمعة، ٣ رمضان ١٤٤٧ هـ - ٢٠ شباط ٢٠٢٦
81

2- معجزة الوحي

حين نتحدث عن (الوحي) في يومنا هذا؛ فإننا نتحدّث عن موضوعٍ أو مصطلحٍ ولِدنا ونشأنا عليه كجانبٍ أساسيٍّ من عقيدتنا، وجزءٍ لا يتجزّأ من إيماننا بالقرآن الكريم، وبنبيّنا الذي خصّه الله به ﷺ.


ولكن، وحتّى نعرف كيف سمع ذلك العربيّ الأوّل بشيءٍ اسمه (الوحي) من نبيّه، وهو يعايش مولد الرسالة، لا بدّ أن نستحضر تلك الدوائر التي كانت تنداح في تفكيره وخياله وهو يسمع النبيّ ﷺ يردّد على مسامعه هذا المصطلح الجديد:
- عن أبي هُريرةَ قال: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ: "ما مِنَ الأنْبِياءِ نَبِيٌّ إلَّا أُعْطِيَ ما مِثْلُهُ آمَنَ عليه البَشَرُ – أي مِنَ المُعجِزات –، وإنَّما كانَ الذي أُوتِيتُ وَحْياً أوْحاهُ اللَّهُ إلَيَّ – أي مُعجزتي الحقيقيّةُ الكبرى هي نزول القرآن عليّ وحياً –، فأرْجُو أنْ أكُونَ أكْثَرَهُمْ تابِعاً يَومَ القِيامَة". [رواه البخاري]


فما حقيقة هذه المعجزة؟ وما هذا الوحي؟ وكيف يكون؟ هل هو ما اعتاده العرب من "إيحاء" الجنّ لمن يتعامل معهم من البشر؟ أم هو ما كانوا يعتقدون أنّ الجنّ يوحون به للشعراء من قصائد، فلكلّ شاعرٍ جنّيّه الخاصّ به؟ أم هو ما توحيه الأشياء للإنسان من خيالاتٍ وأفكار؟ كيف فهموا الوحي للوهلة الأولى؟


هل كان الوحي في نظرهم مجرّد صوتٍ يُسمَع من غير أن نرى صاحبه، كما يوحي به اسمه، أم هو صوتٌ وصورةٌ؟ وصوتُ من؟ أو صورة من؟ وكيف كان يتكرّر على هذا الرجل من آل هاشم، ليس يوماً أو يومين، أو مرّةً أو مرّتين، بل امتدّ وتوالى على مدى سنواتٍ عديدة؟ وهل كان محمّدٌ يسمعه أو يراه وحده، أم كان الآخرون من حوله يسمعونه ويرونه أيضاً؟


لقد عرف العرب الشعر، وعرفوا الأرجوزة أو الأنشودة، وعرفوا الخطابة، وعرفوا سجع الكهّان، وعرفوا الرُّقى والتعويذات، فما هذا النوع الجديد من الخطاب الذي يدّعيه محمّد؟ وكيف له أن يحفظ نصوصه الكثيرة والمتوالية غيباً، كلمةً كلمةً، وحرفاً حرفاً، وينقلها إلى أصحابه بهذه الدقّة من غير خطأ أو نسيان؟ وكيف كان يُسند هذا الوحي إلى غيره، الملاك جبريل كما يقول، على حين كان هو وحده من يحمله إليهم، وهو وحده من يقرأه عليهم؟


كلّ هذه الأسئلة، وأكثر، كانت تدور في رؤوس أولئك العرب الذين بدأوا يسمعون لأوّل مرّةٍ عن مثل هذا النوع من "الخطاب" أو "الإبداع الفكريّ" أو "الفنّ الأدبيّ" الجديد، كما كان يمكن أن يخطر في بالهم للوهلة الأولى!


ولكن ما كان يصعب عليهم تصديقه، لأنّه كان أبعد من آفاق خيالهم بكثير، هو أنّه كان يتنزّل على هذا الرجل، وقد عاش بينهم لأربعة عقودٍ أو أكثر كأيّ رجلٍ منهم، من أبعد نقطةٍ يمكن أن يتصوّرها إنسان: هناك في السماء، من الله! وأنّ من يحمله إلى هذا الرجل هنا في الأرض؛ ملاكٌ كبيرٌ يفوق التصوّر، ينزل عليه من هناك في السماء، اسمه (جبريل)!


نقرأ اليوم عن نزول الملاك جبريل على النبيّ ﷺ بالوحي، وقد فقدنا الإحساس بدهشة تلك اللحظة الأولى التي عاشها العربيّ الأوّل، فغدونا نؤمن بالوحي وبنصوصه فقط لأنّنا مسلمون، ولأنّنا ورثنا الإسلام عن آبائنا وأجدادنا، ولأنّ محمّداً ﷺ نبيّنا، ولأنّنا نؤمن بما نقرأ من أحاديثه، وبما نطالع من سيرته، من غير أن نحاول استحضار الصدمة الفكريّة والخياليّة الأولى التي عاشها ذلك العربيّ الأوّل في لحظاتها البكر، وتفاعل مع معطياتها، وتعاطى مع أدقّ تفاصيلها.


ولكنّنا، لو استحضرنا الغائب واستبعدنا الحاضر، وهو المبدأ الهامّ الذي لا بدّ أن نعتمده دائماً في أيّة دراسةٍ علميّةٍ وموضوعيّةٍ لتاريخ الإسلام عامّةً، وللوحي وللقرآن خاصّةً، وكذلك لتاريخ الكتب والشرائع السماويّة الأخرى، بل للتاريخ الإنسانيّ عامّةً، ووضَعنا أنفسنا، كما يقول الإنكليز، في أحذية من عاشوا فترة الوحي الأولى من العرب، فنظرنا إليه بعيونهم، واستمعنا إليه بآذانهم وأرواحهم، لاستطعنا أن نتجاوز هذا البعد التقليديّ الواحد في رؤيتنا للصورة، وتجسّدت لنا الأحداث صادقةً واضحةً ثلاثيّة الأبعاد.


إنّنا نؤمن اليوم، نحن المسلمين، بقصّة بداية نزول الوحي على رسول الله ﷺ في غار حراء، فنردّدها مثلما نردّد أيّة قصّةٍ تاريخيّةٍ عظيمة، وأشدّد هنا على كلمة "تاريخيّة"، لأنّ طريقة تفاعلنا معها، غالباً، وقد فقدنا دفء اللحظة الأولى، لا تتجاوز بعداً واحداً، وهو البعد الذي نسمع ونرى به أيّ حدثٍ تاريخيّ عظيم، حتّى إن كان حدثاً إعجازيّاً أو دينيّاً، غير ملتفتين، غالباً، إلى استحضار البعدين الآخرين، الزماني والمكانيّ، اللذين جرى فيهما ذلك الحدث، واللذين يُضفيان عليه الرؤية الموضوعيّة، والواقعيّة، والعادلة التي يستحقّها.


لقد تدرّج نزول الوحي على النبيّ ﷺ خطوةً خطوة، وهذا من تقديرات الله سبحانه وتعالى، وحبّاً منه لنبيّه، وإشفاقاً عليه من وقع الصدمة الأولى.


وأيّة صدمةٍ كانت تلك التي سمع فيها لأوّل مرّةٍ كلامَ مَن لا يراه، بصوتٍ ليس كالأصوات، وبضغطاتٍ شديدةٍ عليه تتجاوز أو تكاد ما يتحمّله البشر، حين حمل جبريل إليه الرسالة الأولى من السماء، رسالةً لم تكن كأيّة رسالة، وتكليفاً لم يكن كأيّ تكليف.


ورغم أنّ الوحي، وبفضل تلك العناية الربّانيّة الخاصّة، المتفوّقة، والمشفقة، والمُحبّة، قد جاء صوتاً من غير صورةٍ في اللقاء الأوّل، لم تكن الصدمة، مع كلّ هذا، ممّا كان يمكن أن يتحمّله النبيّ ﷺ وحده، فهرول عائداً إلى بيته وهو يرتجف مردّداً: زمّلوني، زمّلوني، ليجد هناك الحضن الدافئ عند زوجته، وهي السيّدة الأمينة الحكيمة خديجة بنت خويلد (68 ق.ه-3 ق.ه)، وليجد عندها التهدئة، والطمأنينة، والكلمات الطيّبة، والأمان.


كانت السيّدة خديجة واثقةً، بما خبِرته من أخلاق زوجها على مدى سنواتٍ طويلة من زواجهما، ومن تعامله معها ومع الآخرين، بأنّ أمراً جللاً يوشك أن يقع في مكّة، وفي بيتهم:
- عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّهَا قَالَتْ: ".. فَجِئَهُ الحقُّ ﷺ وهو في غارِ حِرَاء، فجاءه المَلَكُ فيه فقال: اقْرَأْ. قال: ما أنا بقارِئٍ! قالَ: فأخَذَنِي فَغَطَّنِي حتَّى بَلَغَ مِنِّي الجَهْدَ، ثُمَّ أرْسَلَنِي فقال: اقْرَأْ. قُلتُ: ما أنا بقارِئٍ! فأَخَذَني فغَطَّني الثانيةَ حتّى بَلَغَ مِنِّي الجَهْدُ، ثمّ أَرْسَلَني فقال: اقْرَأْ. فقُلْتُ: ما أنا بِقَارِئٍ! فأخَذَنِي فَغَطَّنِي الثالثةَ حتّى بَلَغَ مِنِّي الجَهْدُ، ثمّ أَرْسَلَنِي فقال: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَحتّى بَلَغَ، {عَلَّمَ الإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلم} [العَلَق: 1-5]. فرَجَعَ بِهَا – أي بما جرى معه – تَرْجُفُ بَوادِرُهُ – وهي ما يرتجفُ من الجسمِ عند الخوف –، حتّى دَخَل على خَدِيجَةَ، فَقَال: زَمِّلوني زَمِّلوني – أي غطّوني وأدفئوني–، فزَمَّلوه، حتّى ذهبَ عنه الرَّوْعُ. فقال: يا خَدِيجَة، ما لي – أي ما الذي جرى لي؟! – وأَخْبَرَها الخبرَ، وقال: قد خَشِيتُ عَلَى نفسي! فقالَتْ له: كَلَّا، أَبْشِرْ، فواللَّهِ لا يُخْزيكَ اللَّهُ أبداً، إنّك لَتَصِلُ الرَّحِمَ، وَتَصْدُقُ الحديثَ، وَتَحْمِلُ الكَلَّ – أي تساعدُ الضعيف –، وَتَقْري الضيفَ – أي تُكْرِمُه –، وَتُعينُ عَلَى نَوائبِ الحَقِّ..". [رواه البخاري]


كان هذا في التجربة الأولى، ولكنّ التجربة التالية مع الوحي جاءت هذه المرّة صوتاً وصورةً، وتمثّل له فيها جبريل قاعداً على كرسيٍّ هائل الحجم يسدّ ما بين السماء والأرض، فكان من الطبيعيّ أن تكون أشدّ وقعاً عليه، وأصعب تحمّلاً، بحيث جعلت النبيّ ﷺ يهوي إلى الأرض من وطأة ما رأته عيناه، وما سمعته أذناه، كما يصف لنا في حديثه:
- عن جابرِ بنِ عبدِ اللهِ: "أنَّهُ سَمِعَ رَسولَ اللَّهِ ﷺ يُحَدِّثُ عن فَتْرَةِ الوَحْيِ – ويقول –: فَبيْنَا أنَا أمْشِي؛ سَمِعْتُ صَوْتاً مِنَ السَّمَاءِ، فَرَفَعْتُ بَصَرِي قِبَلَ السَّمَاءِ، فَإِذَا المَلَكُ الذي جَاءَنِي بحِرَاء قَاعِدٌ علَى كُرْسِيٍّ بيْنَ السَّمَاءِ والأرْضِ، فَجَئِثْتُ منه – أي خِفتُ وارتعبْتُ – حتَّى هَوَيْتُ إلى الأرْضِ، فَجِئْتُ أهْلِي – يقصد زوجتَه خديجةَ – فَقُلتُ: زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي، فَزَمَّلُونِي، فأنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: {يَا أيُّها المُدَّثِّرُ. قُمْ فأنْذِرْ} إلى قَوْلِهِ: {والرُّجزَ فَاهْجُرْ} [المُدّثّر: 1-5]، (قالَ أبو سَلَمَةَ – أحد الرواة –: والرِّجْز: الأوْثَانَ). ثُمَّ حَمِيَ الوَحْيُ وتَتَابَعَ". [رواه البخاري]


وتوثّق السماء ذلك اللقاء الفريد والمميّز بين رسول الله ﷺ وبين الملاك جبريل، وتدحض ادّعاءات المكذّبين من المشركين واتّهاماتهم لرسول الله ﷺ بالجنون، وبأنّه إنّما كان يقابل الشيطان وينقل لهم أقواله، لا أقوال الله، فتؤكّد الآيات أنّه إنّما يحمل إليهم، بل إلى كلّ العالمين، كتاباً وذِكراً يهتدون به ويهدون به إلى الأبد:
- إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ‎﴿١٩﴾‏ ذِي قُوَّةٍ عِندَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ ‎﴿٢٠﴾‏ مُّطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ ‎﴿٢١﴾‏ وَمَا صَاحِبُكُم بِمَجْنُونٍ ‎﴿٢٢﴾‏ وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ ‎﴿٢٣﴾‏ وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ ‎﴿٢٤﴾‏ وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَّجِيمٍ ‎﴿٢٥﴾‏ فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ ‎﴿٢٦﴾‏ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ ‎﴿٢٧﴾‏ [التكوير: 19-27]


ولا نشكّ في أنّ هذين اللقاءين "التمهيديّين" الصعبين كانا بمثابة "لقاحٍ" مناعيٍّ من شأنه أن يخفّف عن الرسول ﷺ شدّة اللقاءات القادمة، والتي ستستمرّ على مدى أكثر من عقدين من السنين، يتنزّل عليه الوحي خلالهما، قرآناً، وتشريعاً، وإخباراً، وتسديداً، وطمأنةً، وثناءً، وتنبيهاً، وعتاباً، وتحذيراً، ويتنزّل كذلك دعاءً، وأذكاراً، وحديثاً قدسيّاً، وإجابةً عن المواقف والأسئلة الصعبة التي كانت تواجهه كلّ يومٍ من أيّام دعوته على مدى هذه السنوات.


ويحدّثنا النبيّ ﷺ بنفسه، ويحدّثنا أصحابه، عن الشدّة التي كان يتعرّض لها عند نزول الوحي، رغم كلّ المناعات الوقائيّة المخفِّفة التي اكتسبها في اللقاءين الأوّلين، وكأنّ مُنْزل الوحي يريد أن يؤكّد له بهذا، ولمن حوله أيضاً، أنّ ما يجري ليس مجرّد أمرٍ "عارضٍ"، كما يمكن أن يظنّ بعضهم. إنّ أمرَ السماء سيكون مختلفاً تماماً عن أمر الأرض والبشر:
- عن عائشةَ أمِّ المؤمنين: "أنَّ الحارِثَ بنَ هِشامٍ سَأَلَ رَسولَ اللَّهِ ﷺ فقالَ: يا رَسولَ اللَّهِ، كيفَ يَأْتِيكَ الوَحْيُ؟ فقالَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ: أحْياناً يَأْتِينِي مِثْلَ صَلْصَلَةِ الجَرَسِ، وهو أشَدُّهُ عَلَيَّ، فيُفْصَمُ عَنِّي – أي يَترُكُني – وقدْ وعَيْتُ عنْه ما قالَ – أي فهمتُه وحفِظتُه –، وأَحْياناً يَتَمَثَّلُ لِيَ المَلَكُ رَجُلاً فيُكَلِّمُنِي فأعِي ما يقولُ". [متّفق عليه]. وفي روايةٍ أخرى لعائشة في (صحيحِ ابنِ حِبّان): "ولقد رأَيْتُه ينزِلُ عليه في اليومِ الشَّاتي الشَّديدِ البردِ فينفصِمُ عنه وإنَّ جبينَه ليتفصَّدُ عرَقاً".
- عن زيدِ بنِ ثابتٍ: "أنَّ رَسولَ اللَّهِ ﷺ أمْلَى عليه: {لَا يَسْتَوِي القَاعِدُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ.. وَالمُجَاهِدُونَ في سَبيلِ اللَّهِ} [النساء: 95]، فَجَاءَهُ ابنُ أُمِّ مَكْتُومٍ وهْوَ يُمِلُّهَا عَلَيَّ – أي والنبيُّ ﷺ يُمليها على كاتبِه زيدٍ، وفي رواية: ومعه الدواةُ واللوحُ أو الكَتِف (عَظْمٌ ليكتبَ عليه زيد) –، قال: يا رَسولَ اللَّه، واللَّهِ لو أسْتَطِيعُ الجِهَادَ لَجَاهَدْت، وكانَ أعْمَىً، فأنْزَلَ اللَّهُ علَى رَسولِهِ ﷺ، وفَخِذُهُ علَى فَخِذِي، فَثَقُلَتْ عَلَيَّ – ِمِن شدّةِ نزولِ الوحيِ – حتَّى خِفْتُ أنْ تَرُضَّ فَخِذِي، ثُمَّ سُرِّيَ عنْه – أي خَفَّت وطأةُ نزولِ الوحيِ عنه ﷺ –، فأنْزَلَ اللَّهُ – كلماتٍ أخرى في وسَطِ الآية مستثنياً من الجهاد –: {..غَيْرَ أُولِي الضَّرَرِ}". [رواه البخاري]


ولا يعني هذا ألّا يتنوّع شكل هذه اللقاءات، ولا سيّما حين ينزل جبريل على النبيّ ﷺ في شكل رجل،ٍ وربّما سمعه وشاهده بعض الصحابة معه، كما في حديث عمر المشهور الذي يصف أحد هذه اللقاءات الاستثنائيّة، وننقل منه هذا المقطع:
- عن عُمرَ بنِ الخطّاب قال: "بينما نحن جُلوسٌ عندَ رسولِ اللهِ ﷺ ذاتَ يومٍ إذْ طَلَعَ علينا رجلٌ شديدُ بياضِ الثياب، شديدُ سوادِ الشعر، لا يُرى عليه أثرُ السفر، ولا يَعرفُه منّا أحد! حتّى جلسَ إلى النبيِّ ﷺ، فأسْنَدَ رُكبتيه إلى رُكبتيه، ووضَعَ كفّيهِ على فَخِذَيه، وقال‏:‏ يا محمّد، أخبِرْني عنِ الإسلام. فقال‏‏ رسولُ اللهِ ﷺ‏:‏ الإسلامُ أنْ تشهدَ أنْ لا إلهَ إلّا الله، وأنّ محمّداً رسولُ الله، وتُقِيمَ الصلاة، وتؤتيَ الزكاة، وتصومَ رمضان، وتَحُجَّ البيتَ إنِ استطعتَ إليه سبيلاً‏.‏ قال: صَدَقْتَ‏.‏ فعَجِبْنا له: يَسألُه ويُصَدِّقُه‏!‏... ثمّ انطلَقَ. فلبِثْتُ مَلِيّاً – أي انتظرتُ وقتاً –، ثمّ قال ﷺ‏:‏ يا عُمر، أتَدْري مَنِ السائل‏؟‏ قلتُ‏:‏ اللهُ ورسولُه أَعْلَم‏!‏ قال‏:‏ فإنّه جِبريلُ أتاكم يُعلّمُكم أمْرَ دِينِكم‏"‏. [رواه مسلم]‏


وكذلك حديث ابن عمّه عبد الله بن عبّاس حين زاره مع والده فصادف وجود جبريل معه ﷺ في بيته، فلاحظا عليه بعض الإعراض والانشغال عنهما برجلٍ آخر كان معه يحدّثه. والعجيب أنّ عبد الله بن عبّاس قد رأى ذلك الرجل، الذي هو جبريل، ولكنّ والده العبّاس لم يستطع رؤيته أو سماعه، كما يخبرنا عبد الله نفسه في حديثه:
- عن عبدِ اللهِ بنِ عبّاسٍ قال: "كُنتُ مع أبي – أي العبّاسُ عمُّ النبيّ – عندَ النَّبيِّ ﷺ، وكان كالمُعرِضِ عن أبي! فخَرَجْنا مِن عِندِه، فقال: ألم تَرَ ابنَ عَمِّكَ – يعني النبيّ ﷺ – كالمُعرِضِ عَنِّي؟! فقُلتُ: إنَّه كان عِندَه رَجُلٌ يُناجيه. قال: أوَكان عِندَه أحَدٌ؟! قُلتُ: نَعَمْ. فرَجَعَ إليه، فقال: يا رَسولَ الله، هل كان عِندَكَ أحَدٌ – وتضيف روايةٌ: فإنّ عبدَ اللهِ أخبرَني أنّ عندكَ رجلاً تناجيه –؟ فقال لي: هل رأيْتَهُ يا عَبدَ الله؟ قال: نَعَمْ. قال: ذاكَ جِبريلُ؛ فهو الذي شَغَلَني عنكَ". [رواه الذهبيّ في سيَر أعلام النبلاء، ووثّق رجالَه شعيب الأرناؤوط]


وقد يغيب عن أذهان الكثيرين ذلك السؤال الهامّ الذي ينبغي ألّا يفوت أحدَنا ونحن أمام هذا الكتاب العظيم بهذا الحجم الكبير، وقد حمله كلّه جبريل إلى النبيّ ﷺ من ربّه: كيف استطاع نبيّنا أن يستظهر كلّ هذه النصوص الضخمة والمتوالية التي كانت تتنزّل عليه؟ أما كان يحدث أحياناً أن ينساها أو ينسى بعضها؟ إنّه كتابٌ في ستّمائة صفحةٍ (تبعاً لمواصفاتنا الطباعيّة اليوم)، فكيف لذاكرته البشريّة أن تحافظ عليه وتنقله إلى المسلمين هكذا بتمامه كما نزل؟


والواقع أنّ النبيّ ﷺ، كما تخبرنا الأحاديث النبويّة والقرآن الكريم نفسه، كان يَشغل بالَه أمرُ هذا الحفظ والتوثيق حقّاً: ماذا لو حدث أن أخللتُ بالأمانة، ونسيتُ، أو أخطأتُ، أو خلطت في قراءة كلمةٍ أو آيةٍ، أو في وضعها بمكانها الصحيح من القرآن؟


فكيف حاول نبيّنا ﷺ أن يتعامل مع هذا التخوّف؟ وكيف طمأنه ربُّه وهدّأ من رُوعه؟
- عَن سعيدِ بنِ جُبَيرٍ عَنِ ابْنِ عبَّاسٍ في قَوْلِهِ تَعالَى: {لا تُحَرِّكْ به لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بهِ} [القيامة: 16] قالَ: "كانَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ يُعالِجُ – أي يعاني – مِنَ التَّنْزِيلِ شِدَّةً، وكانَ ممَّا يُحَرِّكُ شَفَتَيْه – أي كان حِرصُه على حفظ الوحي يدفعُه إلى ترديدِه وراءَه وتحريكِ شفتيه به – (فقالَ ابنُ عبَّاسٍ: فأنا أُحَرِّكُهُما لَكُمْ كما كانَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ يُحَرِّكُهُما. وقالَ سَعِيدٌ: أنا أُحَرِّكُهُما كما رَأَيْتُ ابْنَ عبَّاسٍ يُحَرِّكُهُما، فَحَرَّكَ شَفَتَيْه)، فأنْزَلَ اللَّهُ تَعالَى: {لا تُحَرِّكْ به لِسانَكَ لِتَعْجَلَ به * إنَّ عليْنا جَمْعَهُ وقُرْآنَهُ} [16-17]، قال – أي تابَعَ ابنُ عبّاس يشرحُ الآيات –: جَمْعُهُ لكَ في صَدْرِكَ وتَقْرَأُهُ، {فَإذا قَرَأْناهُ فاتَّبِعْ قُرْآنَهُ} [18]، قالَ: فاسْتَمِعْ له وأَنْصِتْ، {ثُمَّ إنَّ عليْنا بَيانَهُ} [19]: ثُمَّ إنَّ عليْنا أنْ تَقْرَأَهُ. فَكانَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ ذلكَ إذا أتاهُ جِبْرِيلُ اسْتَمَع، فإذا انْطَلَقَ جِبْرِيلُ قَرَأَهُ النبيُّ ﷺ كما أقَرَأَه". [متّفق عليه، واللفظ للبخاري]


هل تتصوّرون معي مدى قلق رسول الله ﷺ، وهو يتلقّى القرآن من جبريل، ومدى خشيته من أن ينسى من آياته أو كلماته شيئاً، بحيث لم يجد ما يتّقي به ضياع أيّ جزءٍ منه، وهو احتمالٌ واردٌ وخطير بمنطقنا البشريّ، إلّا أن يتابع تلاوة جبريلَ بشفتيه، ويحرّك لسانه إثْرَه كلمةً كلمةً، وآيةً آيةً، بحيث يتأكّد تماماً من صحّة لفظه وتمام حفظه؟


ولكنّ الله تعالى يطمئن نبيّه إلى أنّ هذا لن يقع له أبداً، ويطلب منه أن يترك ضمان استيعاب قراءته وتَذَكُّرِه وحفظ موضعه من القرآن لعنايته تعالى: {سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنسَىٰ} [الأعلى: 6].


أيّ نوعٍ كان هذا النوع من المعجزات الإلهيّة التي جعلت النبيّ ﷺ يحفظ غيباً، وبأدقّ صورة، كلّ ما يتنزّل به جبريل عليه من وحيٍ حال سماعه له؟ ثمّ أيّ نوعٍ من الإيمان المطلق ذلك الذي جعل محمّداً ﷺ، وهو يتعامل مع الله، يطمئنّ تمام الاطمئنان، إلى أنّ الله تعالى، ومن غير أدنى شكّ: سيُقرئه الوحيَ فلا ينساه بعدها أبداً؟


وعلى الضفّة الأخرى، كيف كانت انعكاسات هذا الوحي على من سمعه من النبيّ ﷺ لأوّل مرّةٍ من أبناء قومه؟


تُرى، أيّ اختبار عجيبٍ عاشه المسلمون الأوائل وهم يتلقّون الوحي من نبيّهم، ويسمعون رأي السماء في كلّ أمرٍ يَعرِض لهم في حياتهم اليوميّة، ويستقبلون، بالبثّ المباشر وعلى الهواء، تعليماتها التي لا تقبل الجدل أو الشكّ، وأحكامَها الإلهيّة فيما يجري لهم من أحداثٍ، وما يترتّب على هذه الأحكام من تبرئةٍ، أو إدانةٍ، أو تصحيحٍ، أو إلغاءٍ، أو تعديلٍ، أو وعدٍ، أو وعيدٍ، لأناسٍ يعيشون بينهم، ويتحرّكون أمامهم؟!


لقد غدا وحي السماء جزءاً لا يتجزّأ من حياة النبيّ ﷺ، ليلاً أو نهاراً، بل جزءاً لا يتجزّأ من حياة كلّ من يحيط به من العرب، مسلمين وغير مسلمين، قبل أن يصبح الوحي، في مرحلةٍ تاليةٍ، جزءاً من حياة الأمم الأخرى من حولهم، والتي سيتواصل معها النبيّ ﷺ والمسلمون.


وهكذا، وبعد أن بدأ الوحي بتلك الشدّة على النبيّ ﷺ، شدّةً جعلته يرتجف من هول الصدمة وهو ينادي مستنجداً: زمّلوني، زمّلوني، نجده الآن ينتظر نزول جبريل عليه بفارغ الصبر، ويستبطئ زيارته له، بل يقلق أشدّ القلق لو تأخّر عليه، فيطمئنه ربّه ويهدّئ مخاوفه {مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَىٰ} [الضحى: 3]، فيسأل جبريل المزيد من هذه "الزيارات":
- عن عبدِ اللهِ بنِ عبّاسٍ قال: "قالَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ لِجِبْرِيلَ: ما يَمْنَعُكَ أنْ تَزُورَنَا أكْثَرَ ممَّا تَزُورُنَا؟ فَنَزَلَتْ: {وَما نَتَنَزَّلُ إلَّا بأَمْرِ رَبِّكَ له ما بيْنَ أيْدِينَا وما خَلْفَنَا} [مريم: 64]". [رواه البخاري]

* * *

والآن، هل نستطيع حقّاً أن نستعيد بخيالنا تلك اللحظات النورانيّة الأولى التي فجّرت في نفوس المسلمين الأوائل ما فجّرته، من قوّةٍ وإيمانٍ وثقةٍ وعزيمةٍ وتصميم، بنَوا بها حضارةً ممتدّةً غيّرت وجه التاريخ؟!


تخيّل أنّك واحدٌ من أولئك الأوائل الذين نزل الوحي على محمّدٍ ﷺ وهو يعيش، ويتكلّم، ويتحرّك بين ظهرانَيهم:


1- كيف كنت ستتلقّى كلماته وهو يخبرك بأنّ ملاكاً اسمه جبريل نزل عليه فجأةً يحمل رسالةً خاصّةً من السماء بتسميته نبيّاً ورسولاً من الله؟


2- كيف كنت ستتقبّل روايته العجيبة عن الصوت الذي سمعه في الغار من غير أن يرى صاحبه، يأمره عدّة مرّاتٍ، وهو الأمّيّ، بأن يقرأ، ويجيبه حائراً: "ما أنا بقارِئٍ"؟


3- وكيف كنت ستتقبّل روايته الأعجب عن ظهور صاحب الصوت في اللقاء الثاني صوتاً وصورةً وهو "قَاعِدٌ علَى كُرْسِيٍّ بيْنَ السَّمَاءِ والأرْضِ"؟


4- وكيف سيكون تقبّلك وتصديقك لهذه اللغة العربيّة، ولكن السماويّة، كما يؤكّد لك، تلك التي كان ينقلها عن جبريل، والجديدة عليك بكلّ أُطرها وأبعادها، اللغويّة، والبيانيّة، والفكريّة؟


5- وكيف ستفسّر بعقلك البشريّ ظاهرة حفظه لكلّ تلك الآيات التي كان يتلقّاها من جبريل، حفظاً دقيقاً لا تختلف روايته في كلّ مرّةٍ، رغم تعدّد قراءاتها، وهو يكرّرها عليك وعلى الناس بكلّ هذه القراءات؟


6- وكيف ستكون ردّة فعلك وأنت تسمع كلّ يومٍ كلمات السماء وهي تتعامل مباشرةً مع المشكلات اليوميّة التي كنت تعيشها بنفسك، أو يعيشها الناس من حولك، وتقدّم إجاباتٍ وحلولاً سماويّةً قاطعةً لها؟


7- وهل أنت متأكّدٌ، لو حدث أن عشت تلك التجربة، من أنّك ستتلقّى كلّ أحداثها بثقةٍ وإيمانٍ وتصديقٍ لهذا النبيّ، تماماً كما تلقّتها السيّدة خديجة بنت خويلد، وكما تلقّاها أبو بكرٍ الصدّيق، وبلالٌ الحبشيّ، وأنّك لن تكون آنذاك أبا جهلٍ، أو أبا لهبٍ، أو عبدَ الله بنَ أبيِّ بنِ سَلول؟

بقلم: أحمد بسام ساعي

تنويه:

جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين

مقالات ذات صلة

من مواعظ الإمام سفيان الثوري
الاثنين، ١ ربيع الأول ١٤٣١ هـ - ١٥ شباط ٢٠١٠من مواعظ الإمام سفيان الثوري
اختيار الشيح  صالح الشامي 1- أصلحْ سَرِيْرَتَك يصلح اللهُ علانيتَك، وأصلح فيما...
واقع الأمة وحتمية الدعوة إلى الله تعالى
الاثنين، ١ ربيع الأول ١٤٣١ هـ - ١٥ شباط ٢٠١٠واقع الأمة وحتمية الدعوة إلى الله تعالى
 بقلم: د/ عامر حسين أبو سلامةإن الناظر في واقع هذه الأُمة، يجدها منفصلةـ في كثير من ا...
الكلام الطيب طريق الدعاة إلى القلوب
الاثنين، ١ ربيع الأول ١٤٣١ هـ - ١٥ شباط ٢٠١٠الكلام الطيب طريق الدعاة إلى القلوب
الأستاذ : أبو معاذ جاهوش أفضل سبيل لتحقيق هدف المتكلم - متحدثاً كان ، أو محاضراً ، خط...