صفحات من كتاب (إدارة التلاوة.. أعد اكتشاف علاقتك مع القرآن الكريم) (25)

صفحات من كتاب (إدارة التلاوة.. أعد اكتشاف علاقتك مع القرآن الكريم) (25)

التصنيف: فقه الدعوة
الجمعة، ٢٣ ربيع الأول ١٤٤٨ هـ - ٤ أيلول ٢٠٢٦
11

5- التجويد، هل قرأ به النبيّ ﷺ؟
[القسم الثالث]



بين القراءة النبويّة والقراءة التجويديّة:
تبدأ المشكلة عندما يتجرّأ أحدنا، منطلقاً من مجرّد أقوالٍ وتقديراتٍ متوارثةٍ لا تستند إلى أصولٍ دينيّةٍ أو تاريخيّةٍ أو علميّةٍ موثّقة، وأضفى عليها القِدم، ككلّ أمرٍ متوارث، هالةً من القدسيّة والموثوقيّة، فيقول: من المؤكّد أنّ التجويد قواعد نبويّة، وأنّ من وضع علم التجويد قد استمدّ هذه القواعد من القراءة النبويّة ولم يأتِ بها من عنده، وأنّه قد استخلص لنا قواعدها كما وصلت إليه عن النبيّ ﷺ ليساعدنا على ضبط تلاوتنا تبعاً لها، وأنّ من الطبيعيّ لتلاوتنا للقرآن الكريم مجوَّدةً؛ أن تكون قد وُثّقت سماعيّاً، وتلقائيّاً، عن رسول الله ﷺ جنباً إلى جنبٍ مع توثيق النصّ القرآنيّ، وعبر سلسلة القرّاء أنفسهم!
ونحن نعتقد أنّ من وضع هذه القواعد، وبغضّ النظر عن جهلنا باسمه وهويّته، وجهلنا بالزمن الذي عاش فيه، إنّما أراد، مستعيناً بمهاراته الاحترافيّة العالية، وبخبرته اللغويّة بالأصوات، وبلفظ الكلمات والحروف، ومتغافلاً، أو غافلاً لو أحسنّا الظنّ، عن حكم السنّة النبويّة في إنكار مثل هذا العمل من "تقويم القِدح"، وكذلك عن الأحاديث التي تخالف قواعده الجديدة، أن يساعدنا على تحسين قراءتنا للقرآن الكريم و "تجويد" هذه القراءة لا أكثر، ولهذا السبب نفسه اختار أن يطلق على قواعده ذلك الاسم. هذه هي حقيقة الأمر فيما أذهب إليه، ولا أظنّ أنّ هناك ما يستحقّ من الأسباب للتشكيك في ذلك.
وقد يتساءل سائل: وكيف يتأتّى لمثل هذه الإضافة أن تتمّ؛ ونحن نمتلك ذلك التوثيق السماعيّ اليوميّ الفريد للنصّ القرآنيّ، والذي يتناقله المسلمون شيخاً عن شيخ، وقارئاً عن قارئ؟! كيف يمكن، مع وجود هذه الآليّة التوثيقيّة الجماعيّة المتواصلة ليلاً ونهاراً لكتاب الله، ومنذ نزول الوحي، أن يتسرّب إلى ألسنة القرّاء نظامٌ صوتيٌّ غريبٌ لا تمتّ قواعده بصلةٍ إلى القراءة النبويّة؟!
وفي تقديرنا أنّ هذه القواعد الجديدة الطارئة كانت من "الجودة" والدقّة والذكاء بحيث بدأ يتقبّلها القرّاء، رغم صعوبة "ابتلاعهم" لتلك الجرعة الكبيرة، قاعدةً فقاعدة، وقارئاً بعد آخر. ومع الزمن؛ استطاعت أن تهيمن بشكلٍ كاملٍ على قراءتهم النبويّة الأولى، تلك التي كانوا يتناقلونها تباعاً عن أشياخهم، فأقبلوا عليها، واستسلموا لها، و "جوّدوا" تلاوتهم بها، من غير أن يجدوا في النهاية، وبعد أن تجاوزوا المراحل الصعبة الأولى لتقبّلها، حرجاً علميّاً "توثيقيّاً" يمكن أن يمسّ أصول النصّ القرآنيّ في هذا الجانب الصوتيّ "التجويديّ" البحت.
والواقع أنّ هذه الآليّة الإعجازيّة في التوثيق، كما سبق أن فصّلنا القول، لم تقف يوماً حائلاً دون تطلّع القرّاء المستمرّ، والمتوقّع، أيّاً كان مستواهم الثقافيّ، للارتفاع بمستوى كلّ ما يخدم كتاب الله، ومن ذلك تلاوتهم لآياته، و "تجويدهم" لألفاظه، ما أمكنهم ذلك.
لقد كان شأن تقبّل القرّاء لقواعد التجويد الوضعيّة بالأمس؛ شأن تقبّل كبار قرّائنا اليوم لعلامات الوقف، الوضعيّة أيضاً.
فبدهيٌّ أن يكون لكلّ قارئٍ من قرّائنا الكبار الذين أتاحت لنا وسائل الإذاعة والتلفزة والتسجيل اليوم سماعهم؛ اجتهادُه الخاصّ في هذه العلامات. فربّما يقف في تلاوته حيث لا يقف الآخرون، وربّما يصل حيث لا يصلون.
ويرتبط التزام القرّاء بعلامات الوقف والوصل بعوامل فرديّةٍ عدّة خاصّةٍ بكلٍّ منهم. منها ما يمليه النغم على كلّ قارئ من وصلٍ هنا أو وقفٍ هناك، ومنها مدى طول نفَس أحدهم أو قِصَره، ومنها أيضاً الاجتهاد الخاصّ بكلٍّ قارئٍ بشأن هذه العلامات، وإعادة النظر في طبيعتها وفي مواضعها، لتتناسب مع فهمهم الخاصّ، والمختلف، للآيات.
وهكذا يقف محمّد رفعت حيث لا يقف المنشاوي، ويقف المنشاوي حيث لا يقف محمود علي البنّا، ويقف البنّا حيث لا يقف عبد الباسط عبد الصمد، وكذلك الآخرون. وقد يقرأ أحدهم الفاتحة كلّها ويختمها ويبدأ بما بعدها على نَفَسٍ واحدٍ من غير توقّف، إظهاراً لملكاته وقدراته وامتداد نَفَسه.
ونؤكّد من جديدٍ أنّ مثل هذه الانتقالة النوعيّة من النظام النبويّ إلى النظام التجويديّ؛ لم تكن لتتمّ في ليلةٍ وضحاها، وأنّ هذه الإضافة الخطيرة إلى تلاوتنا، ثمّ ترسيخها في قناعاتنا، لا بدّ أن تكون قد تسلّلت إلى ألسنة القرّاء بالتدرّج، قاعدةً بعد قاعدة، وشيخاً بعد شيخ، وجيلاً بعد جيل، حتّى اكتسبت هذه الشموليّة، وهذا الاعتراف الجماعيّ الشامل من المسلمين.
ورغم ذلك؛ فأنا أعتقد أنّنا ما زلنا قادرين، مع اعترافنا بقوّة هذه الهيمنة واتّساع هذه الشموليّة، على إحياء القراءة النبويّة الشريفة الأولى من جديد، ونفضِ الغبار عنها، فقط لو نظرنا إلى الأمر نظرةً موضوعيّةً وعلميّةً متجرّدة، متحرّرين من تحكّم الموروثات الثقافيّة التي ترسّخت في أذهاننا، ومقتصرين في مرجعيّتنا وأحكامنا النهائيّة على تفكيرنا العلميّ، ومنطلقين من الأحاديث الموثّقة، والقليلة، التي بين أيدينا، تلك التي تصف لنا بساطة القراءة النبويّة.
وبغضّ النظر عن جدل العلماء والمؤرّخين حول اسم المبتكر الحقيقيّ لقواعد التجويد، فأنا أميل إلى فكرة أنّ من وضع هذه القواعد لا يُحتمل أن يكون عربيّاً.
فالعرب لم يعرفوا في لغتهم، ولا في فنونهم، ولا في آدابهم، ولا في هندسة عمارتهم، ولا في أزيائهم، ولا في طرائق تفكيرهم وحياتهم، ولا في سلوكيّاتهم، ولا في لغة خطابهم، ميلاً إلى الإسراف في الزخرفة، والتفنّن، والتصنيف، والتفريع، والتقعيد، والتعقيد. حتّى تلك القواعد التفريعيّة الكثيرة التي تقوم عليها علوم البلاغة العربيّة، من بيانٍ وبديع، قد استوحاها البلاغيّون العرب من علوم الأعاجم، شرقاً وغرباً، كما يؤكّد لنا المؤرّخون لهذه العلوم.
ويجسّد لنا تلك البساطة والسهولة والواقعيّة التي طبعت حياة الإنسان العربيّ في الجزيرة العربيّة، هذا الشكلُ المكعب، العاديّ والبسيط، الذي جاءت عليه هندسة بناء الكعبة. إنّ بساطة بنائها تتناسب تماماً مع الواقعيّة العربيّة المتأصّلة، وتتوافق مع الواقعيّة النبويّة والقرآنيّة التي جاء عليها الإسلام، تلك التي جعلته أكثر قبولاً في عيون الأمم الجديدة من دول الشرق، وقد كان يشدّها إلى الدين الجديد واقعيّته وفطريّته وبساطته. ولهذا السبب نفسه ظلّت أمم الغرب حتّى يومنا هذا، وهي الأبعد في طبيعتها عن تلك الفطرة والبساطة والواقعيّة، أشدّ تحفّظاً تجاه الإسلام، وكذلك تجاه الفتح العربيّ الإسلاميّ الذي كان يجسّد ببصماته الحضاريّة تلك الواقعيّة.
حتّى الشخصيّة الواقعيّة للسيّد المسيح عليه السلام، وهو النبيّ الشاميّ – الشرق أوسطيّ، نجدها وقد أصرّ الغرب على أن يلبسها أثواب رومانسيّته، بحيث غدت في العديد من صفحات العهد الجديد شخصيّةً مسالمةً مثاليّةً طوباويّةً، بعيدةً عن الصبغة الواقعيّة التي اصطبغ بها المسيح حقّاً، شأنه شأن كلّ الأنبياء، تلك التي يمكن أن نجدها واضحةً، رغم ذلك، في أماكن عديدةٍ أخرى لو قلّبنا صفحات العهد الجديد نفسه!
يقول الكولونيل البريطاني (بودلي) الذي خدم في المغرب العربيّ، وعاش سنواتٍ مع البدو المغاربة، وألّف من خلال تجربته هناك كتاباً عن حياة النبيّ ﷺ:
"ما كانت أوروبّا لتعتنق الإسلام لو أنّ شارل مارتل قد هُزم في تور [مدينةٌ قرب بواتييه في فرنسا، وهو يقصد معركة بلاط الشهداء التي خاضوها ضدّ الجيش الإسلاميّ بقيادة عبد الرحمن الغافقي]، فهذا الدين يوائم أناساً غير معقَّدين، أناساً أرواحهم قريبةٌ من الطبيعة، والعرب حقّاً غير معقَّدين، وكان محمّدٌ غير معقَّد، أمّا المسلمون فقد كانوا كالغيث الذي يُخصب المكانَ الذي ينزل فيه".(1)
لقد جاءت قواعد التجويد، بشموليّتها، وبدقّتها، وبتفاصيلها ودقائقها اللغويّة والصوتيّة، وبملاحقتها للسان القارئ ملاحقةً ملحّةً، أبعد ما يكون عن البساطة والتلقائيّة والواقعيّة التي اصطبغ بها العرب، واصطبغ بها الإسلام عامّةً، واصطبغت بها حياة نبيّه ﷺ خاصّةً، وهو الذي حذّر أمّته دائماً من الغلوّ والتشديد على الناس، ومن التكلّف والزخرفة، حتّى لبيوت الله وللمصاحف، كما يؤكّد لنا العديد من الأحاديث:
- عنِ ابنِ عبّاسٍ قال: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ: "ما أُمِرتُ بتشييدِ المساجد – أي الإسراف في علوّها وتزيينها –". قال ابنُ عباس – معلِّقاً –: "لَتُزَخْرِفُنَّها كما زَخْرَفتِ اليهودُ والنصارى – أي كما زَخْرَفوا بيوتَ عِبادتِهم –". [رواه أبو داود، وصحّحه الألباني]
- عنِ ابنِ خُزَيمةَ: "أنّ عُمرَ أمرَ ببناءِ المساجدِ فقال – أي أوصى مَنْ أمَرَهُ ببنائها –: أَكِنَّ الناسَ مِنَ المَطَر – أي لِتَكُنْ بحيثُ يَحْمِيهم بناؤها مِنَ المطرِ لا أكثر –، وإيّاكَ أنْ تُحَمِّرَ أو تُصَفِّرَ – أي تُلَوِّنَها – فتَفْتِنَ الناسَ". [رواه البخاري مُعلّقاً مجزوماً به، ورواه الألباني في دفاع عن الحديث]
- عن عبدِ الله بنِ مسعودٍ قال: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ: "إنَّ مِن أشراطِ السَّاعةِ – أي علاماتِها – أن يَكونَ الولدُ غَيظاً، والمطرُ قَيظاً، وتَفشو الأسرارُ، ويُصدَّقُ الكاذبُ، ويُكذَّبُ الصَّادقُ، ويؤتمَنُ الخائنُ، ويُخوَّنُ الأمينُ، ويَسودُ كلَّ قبيلةٍ مُنافقوها، وَكلَّ سوقٍ فُجَّارُها، وتُزخرَفُ المَحاريبُ – أي في المساجد –، وتَخْرَبُ القلوبُ". [رواه ابن كثير في البداية والنهاية، وله شواهد]
- عن أبي الدرداءِ قال: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ: "إذا زَخْرَفْتُم مَساجِدَكُم، وحَلَّيْتُم مَصاحِفَكُم، فالدَّمارُ علَيكُمْ". [رواه السيوطي، وحسنه الألباني]
- عن أنسِ بنِ مالكٍ قال: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ: "لا تَقومُ السَّاعةُ حتَّى يَتباهى النَّاسُ في المساجِدِ". [رواه ابن ماجه، وصحّحه الألباني]
- عن عليِّ بنِ أبي طالبٍ قال: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ: "كيف بكم إذا غدا أحَدُكم في حُلةَّ ٍ – أي خَرَجَ في الصباح بثوب – وراح في حُلَّةٍ – أي ظهرَ في المساء بثوبٍ آخر –، ووُضِعَتْ بين يديه صَحْفةٌ – وهي الطبق الكبير مِنَ الطعام – ورُفِعَتْ أخرى، وسَتَرْتُم بُيوتَكم – أي جُدرانَها – كما تُستَرُ الكعبةُ؟! فقالوا: يا رسولَ الله، نحن يومئذٍ خيرٌ منّا اليوم؛ نتفرّغُ للعبادة ونُكفى المُؤنةَ! قال: لا، بل أنتمُ اليومَ خيرٌ منكم يومئذٍ". [رواه التبريزي في مشكاة المصابيح، وحسّنه الألباني]
- عن أنسِ بنِ مالكٍ قال: "كُنَّا عِنْدَ عُمَرَ – بنِ الخطّاب – فَقال: نُهِينَا عَنِ التَّكَلُّف". [رواه البخاري]
- عن شَقيقٍ قال: "دَخَلْتُ أنا وصاحبٌ لي علَى سلمانَ – الفارسيّ، وكان يقيم بالشام – فقرَّبَ إلينَا خُبْزاً ومِلْحاً فقال: لولا أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ نهانَا عنِ التكلُّفِ لتكلَّفْتُ لكم. فقالَ صاحِبي: لو كان في مِلحِنا سَعْتَرٌ – وفي رواية أخرى: صَعْتَر –! فبَعَثَ بِمَطهَرَتِه – وهي آنيةٌ للوضوء – إلى البقَّالِ فرهَنَها، فجاءَ بسَعْتَرٍ فألقاهُ فيه – أي في الملح –. فلما أكلْنا قال صاحبِي: الحمدُ للهِ الذِي قنَّعنَا بما رزقَنا. فقال سلمانُ: لو قَنَعْتَ بما رُزِقْتَ لَمْ تَكُنْ مَطْهَرَتِي مَرْهُونةً عندَ البقّال". [رواه الهيثمي، وحسّنه الألباني]
ولماذا نحوّم حول هذا الموضوع بتردّد؟ لقد أنبأنا النبيّ ﷺ، وبوضوحٍ تامٍّ، وكأنّه يراه، عن حتميّة حدوث مثل هذا التكلّف، والتدقيق، والتضييق على الناس، و "التجويد" المفتعل في قراءتنا للقرآن الكريم، وحذّرنا تحذيراً مباشراً لا يختلف على فهمه وتفسيره اثنان؛ من المبالغة والصنعة في قراءتنا للقرآن، ومن التشديد على أنفسنا وعلى الآخرين فيها.
ولو أتينا بقواعد التجويد التي بين أيدينا، بتفاصيلها وتفريعاتها وتعريفاتها الكثيرة، ونظرنا إلى الفروق الدقيقة، والحِرفيّة، والصارمة، بين أنواعها، وعرضناها على المقاييس النبويّة التحذيريّة لقواعد تلاوة القرآن الكريم، تلك التي يجسّدها لنا الحديث التالي، الأساسيّ والهامّ، فكيف نتصوّر أن يكون حكمُ النبوّة بحقّها وبحقّ من وضع تلك القواعد، وبحقّ من تبنّاها من بعده، وتَمسَّك بها، ودافع عنها، وقال بتوقيفيّتها، واتّهم من عارضه فيها بشتّى الاتّهامات؟
- عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَال: "خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَنَحْنُ نَقْرَأُ الْقُرْآن، وَفِينَا الأَعْرَابِيُّ – أي البدويّ غيرُ المتعلِّم – وَالأَعْجَمِيُّ، فَقَال:‏ اقْرَأوا، فَكُلٌّ حَسَنٌ – أي لا تُشَدّدوا على أنفُسِكم في القراءة، فأيَّ نَوعٍ مِنها مَقبولٌ عندَ الله –، وَسَيَجِيءُ أَقْوَامٌ يُقِيمُونَهُ كَمَا يُقَامُ الْقِدْح – أي يبالغون في تصويبِ قراءةِ القرآن كالمبالغةِ في تقويمِ صانع السَّهمِ لسهمه –، يَتَعَجَّلُونَهُ وَلا يَتَأَجَّلُونَه – أي يبتغون عاجلَ أجرِه في الدنيا، بثناءِ الناسِ عليهم وإكبارهم لعلمهم وتفوّقهم في قراءته، ولكنّهم يَحرمون أنفسهم من آجلِ أجرهم في الآخرة –". [رواه أبو داود، وصحّحه الألباني]
تُرى، لو أراد أحدنا أن يجعل من هذا الحديث النبويّ موضوعاً لمحاضرةٍ أو لخطبة جمعة؛ فماذا يمكن أن يقول فيها؟



سأحاول الآن، وبموضوعيّةٍ كاملة، أن أقترح عناصر لهذه الخطبة الافتراضيّة، مستمدَّةً من نصّ هذا الحديث. وأرجو أن يحكم القارئ على هذه العناصر بتجرّدٍ واحترامٍ، ومن أحقّ بالاحترام منّا، وبالصدق والتجرّد، من نبيّنا الكريم ﷺ ومن سنّته، وأن ينظر بروحٍ علميّةٍ بحتة؛ إن كان لدينا من العناصر ما هو أكثر صدقاً، وأفضل تمثيلاً، لمضمون هذا الحديث:


أ‌- سماع الرسول ﷺ لجماعةٍ من المسلمين الأعاجم، غير العرب، وللبدو غير المتعلّمين (الأعرابيّ والأعجميّ) يقرأون القرآن. وقد ترك لنا الحديث أن نتخيّل مستوى ثقافتهم وقراءتهم، ومستوى ضبطهم للحروف والألفاظ.


ب‌- استحسانه ﷺ، رغم ذلك، لقراءتهم كيفما كانت (فكلٌّ حَسَن)، وعدم اعتراضه أو تصحيحه لقراءة أيٍّ منهم.


ت‌- إخباره ﷺ لهم، وإخبارنا نحن من ورائهم، عن مجيء أقوامٍ في المستقبل يشدّدون ويدقّقون على المسلمين في قراءتهم لكتاب الله، تماماً كما يدقّق صانع السهم في صناعته لسهمه، وفي ضبط مقاييسه ضبطاً محكماً (يقيمونه كما يُقامُ القِدْح)، بحيث لا ينحرف عن هدفه عند الإطلاق قيد أنملة، مع شرح وجه الشبه بين العملين، عمل القارئ المتكلّف، وعمل صانع السهم.


ث‌- تأكيده ﷺ أنّ هؤلاء الأقوام الذين سوف يغالون في تدقيقهم على المسلمين في تلاوتهم، وسيعقّدون أمرها عليهم؛ إنّما يتعجّلون أجرهم بعملهم هذا، لينالوه في هذه الحياة الدنيا، من شهرةٍ، ومركزٍ، ومالٍ، وثناءٍ، واحترام (يتعجّلونه).


ج‌- وتأكيده ﷺ أنّ هؤلاء إنّما يضيّعون على أنفسهم بهذا الأجر الدنيويّ المعجّل ما كان ينتظرهم في الآخرة من الأجر المؤجّل (ولا يتأجّلونه).
هل لديكم أفكارٌ أخرى تضيفونها إلى هذه العناصر؟ وهل لديكم فنٌّ آخر تقترحونه، وعلى مدى تاريخنا الطويل، أو في زمننا الحاضر، أو ما يمكن أن يحمله لنا المستقبل، غير فنّ التجويد، ممّا ينطبق عليه تحذير نبيّنا الكريم ﷺ؟

كيف انعكست ظاهرة "تقويم القِدح" على رسم مصاحفنا، وعلى تلاوتنا:
ويمكن أن أجسّد لكم حجم هذه الظاهرة؛ لو وضعنا تلك التحذيرات النبويّة بإزاء هذه الرموز اللغويّة التجويديّة التي أُقحمت على تلاوتنا وأضيفت إلى رسم مصاحفنا، كتلك العلامة التي جاءت بشكلِ (مُعَيَّنٍ) فوق حرف الميم في اللفظ "تَأْمَ۫نَّا" من الآية {قَالُوا۟ يَـٰٓأَبَانَا مَا لَكَ لَا تَأْمَ۫نَّا عَلَىٰ يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُۥ لَنَـٰصِحُونَ} [يوسف: 11]. لقد أضيفت إلى رسم المصحف للدلالة على (الإشمام)، وهو ضمّ الشفتين كمن يريد النطق بضمّةٍ، وذلك إشارةً إلى حركةٍ محذوفةٍ في الفعل هي الضمّة [أي إنّ أصل الفعل هو: تأمَنُنا، بضمّ النون الأولى]، من غير أن يظهر ذلك في النطق!
وكذلك تلك النقاط الثلاث التي وُضعت بعد كلمة (رَيبَ)، ثمّ بعد الكلمة التي تتبعها (فِيهِ)، فيما يسمّونه (تعانُق الوقف)، ويعرّفونه بأنّه "إذا وُقف على أحد الموضعين فلا يصحّ الوقف على الآخر"، وذلك في الآية: {ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ ۛ فِيهِ ۛ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ} [البقرة: 2]. وكذلك ما أضيف بعد اللفظين (قُلُوبُهُم) و (هادُوا) في الآية: {مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ ۛ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا ۛ سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ} [المائدة: 41].
والسؤال الذي لا بدّ أن يطرح نفسه علينا هنا: من منّا يمكن أن يفكّر في الوقوف مرّتين بعد كلا اللفظين في أيٍّ من الآيتين؟ ولو أردنا أن "نتكلّف" مثل هذا التكلّف، ونطبّق مثل هذه القاعدة، أو ما يوازيها من قواعد تجويديّةٍ "تقويميّةٍ" كثيرةٍ مشابهة، لشملت تلك العلامات، وأنا لا أبالغ في هذا، معظم آيات كتاب الله!
ومن ذلك، أيضاً، الامتناع عن مدّ الهاء في اللفظ (فيه) من قوله تعالى {ماكثِينَ فِيهِ أَبَدا} في الآية 3 من سورة الكهف، على حين تُمدّ الهاء في اللفظ (بهِ) من الآية 5 التي تليها {مَّا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ}؟ ويعلّلون ذلك بقولهم: مُدّت الهاء في الثانية لتَباعُدِ مَخرجَي الهاء والميم التي تليها، وذلك لإعطاء فسحةٍ زمنيّةٍ للانتقال من مخرج الهاء (الحَلق) إلى مخرج الميم (الشفتين)، على حين يتقارب المخرجان في كلٍّ من الهاء والهمزة في الآية الأولى، فلا نمدّ الهاء في حالتهما لعدم الحاجة لمثل هذه الفسحة الزمنيّة بين الحرفين!
ألا يتطابق مثل هذا التدقيق، والتشديد، و"التقويم"، تمام التطابق مع وصف نبيّنا ﷺ: (يُقِيمُونه كما يُقامُ القِدح)؟ وإذا لم يكن هذا الحديث إشارةً واضحةً مسبقة، ووصفاً نبويّاً دقيقاً، ومبكّراً، لما سيجري في المستقبل من "تقويم" ألسنتنا وتلاوتنا بقواعد التجويد، وتقنينها، وفرضها على قارئي القرآن ومتعلّميه؛ فإلى أيّ شيءٍ آخر يمكن أن يشير؟
لقد تتلمذ الصحابة على ذلك المبدأ النبويّ في تسهيل التلاوة على الناس، فكانوا يحذّرون من المبالغة والإفراط في وضع الشروط والأحكام على قراءة القرآن الكريم، وأن يزجروا كلّ من سوّلت له نفسه بالتكلّف فيها، وتعقيد الأمور على نفسه وعلى الآخرين.
هذا عبد الله بن مسعود، وهو أحد كبار الصحابة ممّن نرجع إليهم في قضايا القرآن وعلومه خاصّةً، يتعلّم على يدَي نبيّه الكريم الدرس الأوّل في بساطة التلاوة، وفي البعد عن التقويم والتعقيد في قواعدها، فانظر كيف كان موقف الرسول ﷺ من اختلاف قراءته مع آخر في الحديث الذي سبق أن ألممنا به:
- عن عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ قال: "سَمِعْتُ رَجُلاً قَرَأَ آيَةً، وسَمِعْتُ النبيَّ ﷺ يَقْرَأُ خِلَافَهَا – أي بحروفٍ مختلفةٍ ولفظٍ مغايِر –، فَجِئْتُ به النبيَّ ﷺ فأخْبَرْتُهُ، فَعَرَفْتُ في وجْهِهِ الكَرَاهيةَ، وقالَ: كِلَاكُما مُحْسِنٌ، ولَا تَخْتَلِفُوا، فإنَّ مَن كانَ قَبْلَكُمُ اخْتَلَفُوا فَهَلَكُوا". [رواه البخاري]
كان ابن مسعود من خيرة خرّيجي المدرسة النبويّة القرآنيّة. وها هو، بعد هذا الدرس النبويّ، ينهَى ذلك الرجل الذي جاء يطرح عليه أسئلةً في قواعد التلاوة، وعن الطريقة الصحيحة للنطق بأحد الألفاظ القرآنيّة، حين لم يكن هناك شيءٌ اسمه (علم التجويد) بعد، فيحذّره ابن مسعود من الانجرار إلى مثل هذه المبالغات والتطرّف في محاسبة النفس على تلاوة كتاب الله، حتّى لا يكون من أولئك الذين (يُقِيمُونَهُ كَمَا يُقَامُ الْقِدْح):
- عن شقيقِ بنِ سلَمَةَ قال: "جَاءَ رَجُلٌ يُقَالُ له: نَهِيكُ بنُ سِنَانٍ إلى عبدِ اللهِ – ابنِ مسعودٍ – فَقالَ: يا أَبَا عبدِ الرَّحْمَنِ، كيفَ تَقْرَأُ هذا الحَرْفَ، أَلِفاً تَجِدُهُ أَمْ يَاءً: {مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ} [محمّد: 15]، أَوْ: (مِن مَاءٍ غَيرِ يَاسِنٍ)؟ قالَ: فَقالَ عبدُ اللهِ: وَكُلَّ القُرْآنِ قدْ أَحْصَيْتَ غيْرَ هذا – أي وهل أتقنتَ قراءةَ القرآنِ كلِّه وفهمتَه وتدبّرتَه، فلم يبقَ ما تَسألُ عنه إلّا طريقة لفظ هذا الحرف –؟!..". [رواه مسلم]
وذلك تماماً ما كان رسول الله ﷺ يشفق منه على أمّته عندما رفع رسالة رجاءٍ إلى ربّه طالباً منه التخفيف عليهم في تلاوة كتابه، فمنهم الأمّي، والأعرابيّ الجاهل، والشيخ العجوز، والصبيّ الصغير، والصبيّة الصغيرة، فكان أن نزل عليه ذلك الجواب الفطريّ، والواقعيّ، والمطَمئن، بأنّ لكلّ مسلمٍ أن يقرأ كتاب الله حسب إمكاناته، وكلّ قراءات المسلمين في النهاية ستكون مقبولةً عند الله، كما رأينا في حديث أبيّ بن كعب عن الأحرف السبعة.
وفي غمرة المبالغات والشروط التي سنّها من سنّها بعد ذلك في قواعد التلاوة؛ اختلط الأمر عليهم أحياناً عندما أضافوا الحركات إلى الرسم القرآنيّ، جنباً إلى جنبٍ مع علامات الوقف، ومع علامات التجويد أيضاً، فبالغوا فيها، ووضعوا حركاتٍ إضافيّةً فوق بعض الحروف بطريقةٍ مُلبِسةٍ على القارئ. بل يصل الأمر بهؤلاء إلى مرتبة الخطأ، في رأينا.
ومن ذلك إصرارهم في رسم المصاحف، مستندين إلى قواعد الإدغام التجويديّة، على إضافة الشَّدّة فوق (كاف المخاطَبين) في اللفظ "يُدْرِككُّمُ"، ليكون بثلاث كافاتٍ بدلاً من اثنتين، وكذلك فوق (هاء الغائب) في اللفظ "يوجِّهْهُّ"، ليكون بثلاث هاءاتٍ بدلاً من اثنتين، وكذلك فوق (تاء المخاطَب) في اللفظ "عَبَّدْتَّ"، ليكون بتاءين بدلاً من تاءٍ واحدة، رغم انتفاء وجود مثل هذه الشدّة في لفظنا لهذه الحروف:
- أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِككُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ [النساء: 78]
- وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَّجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَىٰ شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَىٰ مَوْلَاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّههُّ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ.. ‎[النحل: 76]
- وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدتَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ ‎[الشعراء: 22]
ومن الواضح أنّ المشكلة الحقيقيّة هنا، والأكثر تعقيداً، والأشدّ خسارةً وإيلاماً، هي أنّ هيمنة القراءة التجويديّة على ألسنة القرّاء والشيوخ، باحترافيّتها، وذكائها، وقوّة نفوذها وهيمنتها، وباتّخاذها لَبوساً سماويّاً مقدّساً عندهم، قد جعلت من الصعب علينا اليوم أن نفرّق بين معالم القراءة النبويّة، تماماً كما قرأها النبيّ ﷺ، ومعالم القراءة التجويدية البشريّة التي أُلحقت بها بعد ذلك، وطغت عليها، وأخفت تماماً نسختها النبويّة الأصليّة.

حاجة المسلمين العلميّة الماسّة إلى إعادة النظر في قواعد تلاوتهم:
لقد غدا المسلمون جميعاً اليوم، وبصورةٍ تكاد تخلو من أيّة استثناءات، يقرأون القرآن ملتزمين بقواعد التجويد الوضعيّة، وليس بقواعد القراءة النبويّة. حتّى كبار العلماء والمختصّين في العلوم القرآنيّة؛ نجد القراءة التجويديّة وقد أضحت مترسّخةً في قناعاتهم، ومهيمنةً على ألسنتهم، وجزءاً لا يتجزّأ من عقيدتهم اللغويّة، فباتت هي مرجعهم الأوّل والأخير في ضبط تلاوتهم، كما وجدنا في حالة الدكتور سويد مع آية سورة التوبة مثلاً.
إنّنا اليوم في أمسّ الحاجة إلى أن يتصدّى أحد الدارسين الموضوعيّين المتخصّصين في هذا الباب؛ لمهمّة وضع بحثٍ متعمّقٍ، وذكيٍّ، ومتجرّد، يحاول فيه أن يستعيد لنا قواعد القراءة النبويّة، نقيّةً سماويّةً كما أُنزلت، ويحرّرها من قيود القراءة التجويديّة التي امتزجت بها وهيمنت عليها، بحيث خضعت لها قناعاتنا الدينيّة وتفكيرنا اللغويّ، وسيطرت على ألسنتنا وطرائق تلاوتنا.
ونحن، أيضاً، بحاجةٍ إلى باحثٍ موضوعيٍّ متخصّص؛ يميّز لنا في الإدغام بين ما هو خاصٌّ بالقرآن الكريم وحده، أو لنقل ما هو خاصٌّ بالعربيّة وحدها، وبين ما هو ظاهرةٌ لسانيّةٌ عالميّة، لا تستأثر بها لغةٌ دون أخرى، ولا يستقلّ بها كتابٌ دون آخر.
ومن الأمثلة على ذلك، والأمثلة كثيرة، تفخيم الحرف (t)، في الإنكليزيّة أحياناً ليصبح لفظه أقرب إلى الحرف (ط) في العربيّة، كما في لفظنا لعبارة (Shut up). وكذلك تفخيم الحرف (s) أحياناً ليصبح أقرب إلى الحرف ﷺ في العربيّة، كما في لفظنا لكلمة (son)، أو ليتحوّل إلى الحرف (ز) في حالاتٍ أخرى كما في لفظنا لكلمة (result).
وينقل السيوطي أنّه حدث، حقّاً، أن "كَرِهَ قومٌ الإدغام في القرآن، وعن حمزة أنّه كرهه في الصلاة".(2) بل إنّ كَتَبة القرآن في نسخته العثمانيّة الأولى، وكظاهرةٍ إملائيّةٍ لا علاقة لها بقواعد التجويد، أثبتوا في رسمه أحياناً بعض مظاهر هذا الإدغام الطبيعيّ في اللغة، تماماً مثلما كانوا ينطقونه، فاختلف عندهم رسم الكلمات تبعاً لهذا الإدغام، كما نرى في رسمهم للأداتين (وأنْ لو) حين أدغموا الحرفين فيهما كتابيّاً، فجعلوا منهما كلمةً واحدةً، وذلك في الآية:
- وأَلَّوِ استَقامُوا علَى الطَّرِيقَةِ [الجنّ: 17]
ونحن، أيضاً، بحاجةٍ، إلى باحثٍ موضوعيٍّ متخصّصٍ يميّز لنا في المصاحف بين علامات الوقف وعلامات التجويد. لقد كان من المفترض أنّ من وضع علامات الوقف أراد بها أن تساعدنا على تحسين فهمنا لآيات الله وتدبّرها، على حين جاءت علامات التجويد لغرضٍ لفظيٍّ تزيينيٍّ "تجويديٍّ" بحت، ومع ذلك فكثيراً ما يختلط الأمر على القارئ: أيّها علامةٌ للوقف؟ وأيّها علامةٌ للتجويد؟
إنّ إضافة الحرف (س)، مثلاً، في نهاية بعض الألفاظ، للدلالة على (سكتة يسيرة)؛ ليس الغرض منها أن تزيد القارئ فهماً لهذه الكلمات أو الآيات، وإنّما جاء الحرف لغايةٍ محض لفظيّة تجويديّة.
وقد حاولت، وباجتهادٍ لغويٍّ خالص، أن أعرف ما إذا كان لوجود الحالات الأربع، وربّما الستّ، التي يرمز إليها هذا الحرف في مصاحفنا؛ أي داعٍ لغويٍّ يستدعي تمييزها بهذا السكت عن غيرها!
فنحن نجد هذه "السكتة اليسيرة"، على سبيل المثال، بعد اللفظ (مَن) في الآية 27 من سورة القيامة {وَقِيلَ مَنْ ۜ رَاقٍ}، ونجدها أيضاً بعد اللفظ (بل) في الآية 14 من سورة المطفّفين {كَلَّا ۖ بَلْ ۜ رَانَ}. والواقع أنّنا لا نرى في أيٍّ من الموضعين، ولا في أيٍّ من المواضع الأربع الأخرى لهذه السكتة، سبباً لغويّاً مقنعاً لوجودها، إلّا أن نتكلّف فرضيّاتٍ لا تخطر ببال القارئ، كافتراضهم مثلاً، مسوّغين لهذه السكتة، أنّ لفظ الكلمتين متّصلتين في كلٍّ من الآيتين المذكورتين سيكون مُلبِساً على الفهم، لأنّهما ستلفظان من غير السكتة هكذا: (مَرّاق) و (بَرّان)، وربّما حملتا للقارئ بهذا الاتّصال معنىً مغايراً وغير مناسبٍ في الآية.
والآن، هل هناك أدنى مفرٍّ لمثل هذه المبالغة والتكلّف في الافتراضات والتخيّلات غير الواقعيّة، من أن ندخلها تحت باب التصنيف النبويّ "تقويم القِدح"؟ إنّ هذا من شأنه أن يفتح الباب أمام أصحاب الأغراض والنوايا السيّئة ليتساءلوا عن حالاتٍ كثيرةٍ أخرى مشابهةٍ في القرآن، من مثل: لماذا، إذن، لم يقترحوا مثل هذه السكتة في الآية 83 من سورة التوبة {فإن رَجَعَكَ اللهُ}؟ ولماذا لم يقترحوا مثلها في الآية 80 من سورة الواقعة {تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ}؟ وغير ذلك كثير..
إنّ روح القراءة النبويّة، ومنهجيّتها البسيطة، والواقعيّة، والبعيدة عن التكلّف، لم تكن لتدغم النون بالراء في آية سورة القيامة {وَقِيلَ مَنْ ۜ رَاقٍ}، ولم تكن لتدغم اللام بالراء في آية سورة المطفّفين {كَلَّا ۖ بَلْ ۜ رَانَ}، ولا في أيٍّ من مواضع السكتات الأربع الأخرى. ولكنّها، وانطلاقاً من فهمي للمنهج النبويّ الفطريّ والواقعيّ والبسيط، لم تكن، من ثمّ، لتتكلّف هذا التكلّف، فتفصل بين هذه الحروف بمثل هذه السكتات الدخيلة.
إنّنا نحيل الأمر في هذا إلى المختصّين بالقراءات ليحكموا لنا في مثل هذه القضايا العلميّة المُلبسة، على أن يتجرّدوا في أحكامهم، وهل هناك ما هو أولى بمثل هذا التجرّد من القرآن الكريم، فلا يسقطوا في شباك الموروثات الثقافيّة التي هيمنت على قناعاتنا، وتمكّنت من ألسنتنا، وتماهت مع تفكيرنا العلميّ السليم.


هوامش:
(1) الكولونيل رونالد فيكتور بودلي. الرسول: حياة محمد (1946). مكتبة مصر، القاهرة، 1989. ص252. وقد أطلقت جامعة أوكسفورد اسم هذا الضابط على مكتبتها الكبيرة Bodleian Library.
(2) الإتقان. ج 1. ص: 195.


بقلم: أحمد بسام ساعي

تنويه:

جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين

مقالات ذات صلة

من مواعظ الإمام سفيان الثوري
الاثنين، ١ ربيع الأول ١٤٣١ هـ - ١٥ شباط ٢٠١٠من مواعظ الإمام سفيان الثوري
اختيار الشيح  صالح الشامي 1- أصلحْ سَرِيْرَتَك يصلح اللهُ علانيتَك، وأصلح فيما...
واقع الأمة وحتمية الدعوة إلى الله تعالى
الاثنين، ١ ربيع الأول ١٤٣١ هـ - ١٥ شباط ٢٠١٠واقع الأمة وحتمية الدعوة إلى الله تعالى
 بقلم: د/ عامر حسين أبو سلامةإن الناظر في واقع هذه الأُمة، يجدها منفصلةـ في كثير من ا...
الكلام الطيب طريق الدعاة إلى القلوب
الاثنين، ١ ربيع الأول ١٤٣١ هـ - ١٥ شباط ٢٠١٠الكلام الطيب طريق الدعاة إلى القلوب
الأستاذ : أبو معاذ جاهوش أفضل سبيل لتحقيق هدف المتكلم - متحدثاً كان ، أو محاضراً ، خط...