5- التجويد، هل قرأ به النبيّ ﷺ؟
[القسم الثاني]
هل هناك شواهد قرآنيّةٌ أو نبويّةٌ توثّق قواعد التجويد؟
لقد اعتدنا أن نقول دائماً ونحن نبحث في أحكام السنّة النبويّة: ماذا قال رسول الله ﷺ في هذا الأمر أو ذاك؟ ولكنّ هناك جانباً آخر في السنّة النبويّة لا يقلّ أهمّيةً عن هذا الجانب، كثيراً ما نهمله، وهو: ما الذي لم يقله رسول الله ﷺ في ذلك الأمر؟
لماذا لا نسأل أنفسنا حين نصْدر هذا الحكم الخطير بربط علم التجويد بالنبوّة وبالقرآن: إذا كان للتجويد أصولٌ نبويّةٌ أو سماويّةٌ؛ فكيف يمكن أن يخلو الحديث الشريف من أدنى إشارةٍ إلى قاعدةٍ، ولو واحدة لا أكثر، من قواعده، على كثرة هذه القواعد وتفرّعها وتنوّعها، وعلى كثافة ممارسة الصحابة لها، لو صحّ وجود مثل هذه الممارسة حقّاً، وارتباطها اليوميّ بتلاوتهم، وصلواتهم، وعباداتهم؟
أين هي الأحاديث التي علينا أن نستند إليها حين نبتّ في حكمٍ عقَديٍّ خطيرٍ كهذا يتعلّق بكتاب الله، فنسمح لأنفسنا أن ننساق مع القائلين، هكذا من غير أيّ دليل، إنّ التجويد علمٌ توقيفيّ أخذناه عن نبيّنا ﷺ، الذي أخذه عن جبريل، والذي أخذه عن الله تعالى؟
هل المسألة بمثل هذه البساطة حين ننسب أمراً ما، أيّ أمرٍ، إلى الله، ونحن لا نملك الدليل القرآنيّ عليه، ولا النبويّ، ولا الصحابيّ، ولا التابعيّ؟
بين العشرات من الأحاديث التي وصلتنا عن النبيّ ﷺ، أو عن صحابته، أو عن التابعين، أو عن تابعي التابعين، في طريقة تلاوتنا للقرآن الكريم، والتغنّي به، وتحسين أصواتنا فيه، لا نجد ذكراً، تصريحاً أو تلميحاً، يدعو أحداً، أو ينبّهه، أو يصحّح له، أو يؤكّد له، أيّة قاعدةٍ من القواعد التي يقوم عليها اليوم علم التجويد، وما أكثرها!
فكيف بنا إذا لم يتوقّف الأمر عند انعدام وجود مثل هذه الأحاديث في السنّة النبويّة، بل تعدّاه إلى تحذير الرسول ﷺ تحذيراً شديداً، ونهيه نهياً صريحاً عن التشديد على الناس في تلاوة كتاب الله، وفي المبالغة في "تقويمهم" لألسنتهم، وفي وضع القواعد والشروط المحكمة لهذه التلاوة؟
هذا ما سوف نحاول أن نثبته ونبيّنه بجلاء في الصفحات القليلة التالية.
* * *
على الرغم من المساحة الواسعة التي يحتلّها علم التجويد في مجتمعاتنا الإسلاميّة اليوم، شرقاً وغرباً: في مساجدنا، وفي تعليمنا الدينيّ، وفي برامجنا الثقافيّة، وفي عقيدتنا أيضاً؛ فإنّنا لا نكاد نسمع في تاريخنا الثقافيّ، وعلى مدى العصور الإسلاميّة المتوالية، عن اهتمام علماء المسلمين به، ولا عن دعوتهم إلى تعلّمه أو تعليمه، ولا سيّما في قرون ازدهار الأمّة الإسلاميّة وارتفاع شأنها، تلك التي سبقت قرون الضعف، والتراجع الفكريّ والسياسيّ والحضاريّ! وقد سبق أن عرفنا كيف انتحلوا على عليٍّ بن أبي طالب قوله: "الترتيل: تجويد الحروف، ومعرفة الوقوف".
حتّى إن حدث وصحّ هذا القول عن واحدٍ من كبار الصحابة، وهو لم يصحّ، فإنّ ما جاء فيه يشرح نفسه بنفسه: إنّ تجويد التلاوة، إن وُجدَ مثل هذا المصطلح على الإطلاق، لن يعني أكثر من وضوح ألفاظها وحروفها، بحيث تكون "مفسَّرةً" للسامع. هكذا تصف لنا إحدى أمّهات المؤمنين، أمُّ سلَمة، قراءة النبيّ ﷺ:
- عن يَعلَى بنِ مَمْلَك: "أنه سأل أمَّ سلمةَ، زوجَ النبيِّ ﷺ، عن قراءةِ النبيِّ وصلاتِه، فقالت: وما لكم وصلاتُه – أي لا تسألوا عنها فلن تقدروا عليها –؟ كان يصلّي، ثمّ ينامُ قَدْرَ ما صلّى، ثمّ يصلّي قَدْرَ ما نام، ثمّ ينامُ قَدْرَ ما صلّى، حتّى يُصبحَ. ثمّ نَعَتَتْ قراءتَهُ – أي وصفتها –، فإذا هي تَنْعَتُ قراءةً مُفَسَّرَةً – أي تصفها بأنّها كانت قراءةً واضحةً – حَرْفاً حَرْفاً". [رواه ابن حجَر، وصحّحه الألباني]
هذا كلّ ما كان عند أمّ المؤمنين لتصف لنا تلاوته ﷺ، وفي ثلاث كلمات لا أكثر: "مفسَّرةً حرفاً حرفاً"! لا شيء عن الإدغام بغُنّة، أو الإدغام بغير غنّة، لا شيء عن الإظهار، أو الإقلاب، أو الإخفاء، أو الرَّوم، أو الإشمام، أو التحقيق، أو الترقيق، أو التفخيم، أو التسهيل، أو النقل، أو الإبدال.. لن نعثر في حديثها، ولا في أحاديث نبيّنا الكريم ﷺ، أو أزواجه، أو صحابته، أو تابعيهم، على أيّ شيءٍ من هذه المصطلحات.
الخصائص النبويّة الوحيدة، والثابتة، والموثّقة، في صفة تلاوته ﷺ لكتاب الله، هي الوضوح، والبساطة، والتيسير، وعدم التعقيد، والبعد عن المماراة والجدل فيها، فكلّ قراءتنا للقرآن، أيّاً كانت، شافٍ كافٍ:
- ".. إنَّ هذا القُرْآنَ أُنْزِلَ علَى سَبْعَةِ أحْرُفٍ، فَاقْرَؤُوا ما تَيَسَّرَ منه". [رواه البخاري]
- ".. حتَّى بلَغَ سبعةَ أحرُفٍ، فقال – أي جبريل –: اقرأهُ على سَبعةِ أحرفٍ، كلُّها شافٍ كافٍ". [رواه النَّسائي والسيوطي، وصحّحه الألباني]
- ".. إنَّ هذا القُرآنَ أُنزِلَ على سَبعةِ أحرُفٍ، فأيَّ ذلك قَرَأْتم فقد أصَبْتُم..". [رواه أحمد، وصحّحه شعيب الأرناؤوط]
وليس هذا غريباً، فقد كان كلّ ما وصلنا من وصايا رسول الله ﷺ في هذا الباب يوحي بتلك البساطة التي سنّها للمسلمين في شتّى أحكام سننه، بعيداً عن التعقيد والتفريع والمبالغة.
وفي حديثٍ آخر لأمّ سلَمة؛ لم تجد ما تخبرنا به، حين سئلت عن تلاوته ﷺ، إلّا صفة الترتيل، وهو الفصل بين الآية والأخرى، وتلاوتها مقطّعةً واحدةً بعد أخرى، تماماً كما أوصاه تعالى:
- عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، أمِّ المؤمنين، قَالَتْ: "كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُقَطِّعُ قِرَاءَتَهُ، يَقُولُ: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} ثُمَّ يَقِف، ثُمَّ يَقُولُ: {الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} ثُمَّ يَقِف..". [رواه أبو داود، وصحّحه الألباني]
وعندما سئل أحد أقرب الصحابة إلى النبيّ، وأكثرهم معايشةً له ومعرفةً بحياته الداخليّة، وهو خادمه أنس بن مالك، عن قراءته ﷺ للقرآن، لم يكن في ذهنه أيّة قاعدةٍ من "قواعد التجويد"، على كثرتها بين أيدينا اليوم، واختصر إجابته بكلمتين: "كانت مدّاً"!
وهذا المدّ النبويّ، الذي لم يجد أنس ما هو أهمّ منه في وصف تلاوته ﷺ، ليس له أدنى علاقةٍ، طبعاً، بالمدّ التجويديّ!
إنّ المدّ في ألفاظ آية البسملة يعني مَدَّه ﷺ لكلّ حروف المدّ الثلاثة، أينما وقعت في اللفظ، وأينما وقع اللفظ في الآية، خلافاً لقواعد التجويد التي تحصر المدّ في حالاتٍ محدّدةٍ.
وفي موقفٍ آخر؛ كان كلّ ما عند ابنة عمّه أمّ هانئ، حين أرادت أن تصف قراءته ﷺ، هو أنّها كانت "ترجيعاً"، أي إنّ توالي مدّه للحروف الصوتيّة الثلاثة واحداً بعد الآخر كان يطبع تلاوته بالحزن:
- عن أمّ هانئ، فاختةَ بنتِ أبي طالبٍ، قالت: "كنتُ أسمعُ صوتَ النبيِّ ﷺ وهو يقرأُ وأنا نائمةٌ على فِراشي، يُرَجِّعُ القرآنَ". [رواه النَّسائيّ، وحسّنه الألباني]
وقد عرفنا كيف سمع عبدُ الله بنُ مغفّلّ نبيّنا ﷺ وهو يقرأ مرجِّعاً على راحلته سورة الفتح قراءةً ليّنةً هادئةً أقرب إلى الحزن، فوصف ترجيعه بأنّه المدّ، هكذا (آ آ آ):
- عن عبدِ اللهِ بنِ مُغَفَّلٍ قال: "رأيتُ النبيَّ ﷺ يَقرَأُ وهو على ناقتِه (أو جَمَلِه) وهي تَسيرُ به، وهو يَقرَأُ سورةَ الفتحِ (أو مِن سورةِ الفتحِ) قراءةً ليّنةً، يَقرَأُ وهو يُرَجِّعُ". [متّفق عليه. وقد حكى عبد الله بن مغفَّل ترجيعَه هكذا: (آ آ آ). وقال الحافظ في شرحه: قولُه (آ آ آ): بهمزةٍ مفتوحةٍ بعدها ألِفٌ ساكنةٌ ثمّ همزةٌ أخرى. ونقل الشيخ علي القاري مثله عن غير الحافظ، ثم قال: والأظهر أنّها ثلاثُ ألِفاتٍ ممدوداتٍ – أي نحو: إنّا، بمدّ الألِف، فَتَحْنا، بمدّ الألِف، مُبينا، بمدّ الألِف –.](1)
وما وردنا من أحاديث نبويّةٍ عن دعوته ﷺ لقراءة القرآن "بحزن"، رغم تضعيف هذه الأحاديث، يلقي لنا بعض الضوء على معنى مصطلح "الترجيع" في التلاوة، كما في هذا الحديث مثلاً:
- عن بُريدةَ بنِ الحُصَيبِ الأسلميِّ قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: "اقرأوا القرآنَ بالحُزْن، فإنّه نزلَ بالحُزن". [رواه السيوطي، وضعّفه الألباني]
وطبيعيٌّ أنّ تكرار المدّ، حتّى في كلامنا العاديّ، وأيّاً كان موضوعه، من شأنه أن يضفي عليه ذلك الطابع الحزين، فيبدو حديثنا به أقرب إلى التأوّه والتوسّل والتذلّل والرجاء (آه أوه إيه). لو قلتَ مثلاً: (أمّاهْ) مع مدّها؛ فسيفهم من يسمعك أنّك تناديها، ولكن لو كرّرتها عدّة مرّات هكذا: (أمّاهْ، أمّاهْ، أمّاهْ)، فسيفهم أنّك تبكيها.
وتُروى عن عليّ بن أبي طالبٍ قراءةٌ للّفظ (نَعبُدُ) في الفاتحة تصبّ في هذا الاتجاه. وتقضي تلك القراءة "بإشباع حرف الدال فيها حتّى تتولّد منه واوٌ"، كما يورد ابن خالويه في "مختصر البديع" والكرماني في "شواذّ القراءة واختلاف المصاحف".(2) وإشباع الدال في (نَعبُدُ) من شأنه أن يساعد المصلّي على استحضار عمليّة انتقاله في قراءة الفاتحة من نصفها الأوّل، وفيه نرفع الثناء إلى الله تعالى ونمجّده، وينتهي هذا النصف عند عبارة {إيّاكَ نَعبُدُ}، إلى نصفها الثاني، حيث ينتقل الخطاب إلى سؤال الله تعالى، والطلب منه، والتوسّل إليه، ويبدأ هذا النصف عند قوله عزّ وجلّ {وإيّاكَ نَستَعِينُ}. وجاءت هذه الآية في وسط الفاتحة، ومنتصفُها هو منتصف الفاتحة كما يؤكّد لنا الحديث القدسيّ:
- عن أبي هريرةَ قال: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ: "يقولُ اللهُ تعالى: قَسَمْتُ الصلاةَ – أي الفاتحة – بيني وبينَ عبدي نِصْفَين، فنِصْفُها لي ونِصْفُها لِعبدي، ولِعبدي ما سأل. إذا قالَ العبدُ: الحمدُ للهِ ربِّ العالَمين، قال: حَمِدَني عَبدي، وإذا قال: الرحمنِ الرحيم، قال: أثنَى عَليّ عَبدي، فإذا قال: مالكِ يومِ الدين، قال: مَجّدَني عبدي، فإذا قال: إيّاكَ نَعبدُ وإيّاكَ نَستعين، قال: هذا بيني وبينَ عَبدي، ولِعبدي ما سأل، فإذا قال: اِهْدِنا الصِّراطَ المستقيم، صِراطَ الذين أنعمتَ عليهم غيرِ المغضوبِ عليهم ولا الضالّين، قال: هذا لِعبدي، ولِعبدي ما سأل". [رواه مسلم]
أقول في كتابي (المعجزة) معلّقاً على ما جاء في هذا الحديث:
"إنّ مدّ الكلمة في العربيّة من شأنه أن يمنحها شخصيّةً واستقلاليّةً تجعلانها تتميّز عمّا قبلها أو بعدها من الكلمات. ومدّ الدال في (نعبد) يوازي إلى حدٍّ كبيرٍ التوقّفَ القصير، والتوقّف في نهاية كلمةٍ أو عبارةٍ يعني استقلاليّتها واختلافها وانفصالها المعنويّ النسبيّ عن الكلمة أو العبارة التالية. ولذلك كان معظم آيات القرآن الكريم ينتهي بمدّ، وهو شأن أكثر القصائد الشعريّة أيضاً".(3)
ويُجمع العلماء والمؤرّخون على أنّ مسلمي القرن الهجريّ الأوّل، بل ربّما القرن الثاني أيضاً، لم يسمعوا بشيءٍ اسمه (التجويد)، ولا بأيّ اسمٍ آخر موازٍ له، ولم يعرفوا أيّاً من قواعده التي نتداولها اليوم. بل إنّ العلماء والمؤرّخين من بعدهم ليسوا متأكّدين حتّى الآن من اسم واضعه الحقيقيّ.
لقد اقترحوا بعض الأسماء من غير أن يرجّحوا أيّاً منهم. وكان على رأس المرشّحين أبو الأسود الدؤليّ (-69 هـ)، والخليل بن أحمد الفراهيدي (-170 هـ)، وأبو عبيد بن القاسم بن سلّام (-224 هـ). وقيل إنّ هذا الأخير كان أوّل من أفرد علم التجويد في كتابٍ، وذلك حين وضع مصنّفه المسمّى (كتاب القراءات).
وهذا التفاوت الكبير بين الأزمنة المحتملة لتاريخ علم التجويد، تلك عاش فيها هؤلاء الرجال الثلاثة المقترحون، وتتوزّع على مدى ثلاثة قرون، من شأنه أن يعطينا فكرةً عن مدى الشكوك التي تحيط بولادة علم التجويد، وبتوثيق أصوله وزمن ظهوره.
ثمّ جاء من اشتهر في هذا الباب، وجمع قواعد التجويد في كتابٍ، أو ربّما نظمها في قصيدة. فوضع أبو مزاحمٍ الخاقانيّ (-325 هـ) قصيدته الرائيّة في أواخر القرن الثالث. ثمّ جاءت بعده مؤلّفاتٌ عدّةٌ يأتي على رأس أصحابها أبو محمّدٍ مكيّ بن طالبٍ القيروانيّ (-437 هـ)، ثمّ أبو عمرو الدانيّ (-444 هـ)، ثمّ عبد الوهّاب بن محمّد القرطبيّ (-461 هـ)، ثمّ أبو العلاء الحسن بن أحمد الهمذانيّ (-569 هـ)، ثمّ ابن الجزريّ الشافعيّ في قرون الضعف المتأخّرة (-833 هـ) وقد وضع كتاب (التمهيد في علم التجويد)، وهو الذي يذهب إلى أنّ علم التجويد "فرضُ عينٍ على كلّ مسلم"، وقال في منظومته الشعريّة الجزريّة: "مَنْ لَم يُجَوِّدِ القُرَانَ آثمُ". بل ذهب بعضهم إلى أبعد من ذلك حين جعلوا الخروج عن قاعدةٍ من قواعد التجويد نوعاً من أنواع الخطأ أو اللحن، وسمّوه "اللحن الخفيّ"، من مثل: ترْك الغنّة، أو تقصير المدّ، على حين اكتفى آخرون بقولهم إنّ التجويد مستحبٌّ لا أكثر.
ولكنّ ابن الجزريّ، وهو المتشدّد، والمتمسّك بقواعد علم التجويد، لم يدّعِ في حديثه عن هذا العلم، رغم كلّ تشدّده، أنّه كان لدى الأوائل واحداً من تلك العلوم الشرعيّة التي اعتدنا أن نقرأ عن اهتمام المسلمين بها، وانكبابهم عليها، وانتشارها في المجتمعات الإسلاميّة في تلك العصور، مثلما هي حالنا اليوم حقّاً مع علم التجويد.
وفي مراجعتنا لسيَر الأعلام من العلماء والشيوخ والقرّاء والمفسّرين على مدى القرون، ولا سيّما في القرون الذهبيّة الأولى للحضارة الإسلاميّة، لا نكاد نجد إشارةً واحدة، تصريحاً أو تلميحاً، إلى اهتمامهم بهذا العلم بين جملة العلوم التي مارسوها، أو تعلّموها، أو أوصوا تلامذتهم بدراستها والاهتمام بها.
وظاهرة اختلاف العلماء حول اسم مَن وضعَ علم التجويد، وهي ظاهرةُ اختلافٍ فريدةٌ في تاريخ علوم القرآن من شأنها أن تبعث على الكثير من الشكوك، خير دليلٍ على أنّ القدماء لم يُوْلوا هذا العلم تلك الأهمّيّة حين وُضع، وإلّا لما وقعوا في مثل هذا اللبس، ولَاشتهر اسم واضعه "العبقريّ" بين العامّة والخاصّة، كأيّ مؤلّفٍ مبدع، منذ أن سمع بعلمه الناس، ولأصبح اسمه يتردّد على كلّ لسان، تماماً كما تردّد اسم الخليل بن أحمد على ألسنتنا منذ أن وضع لنا أوزان الشعر العربيّ، فلم ينازعه أحدٌ بعد ذلك هذا الشرف. فكيف وتجويد كتاب الله كان أجدر بما لا يقاس بأن ينال اهتمام المسلمين، واهتمام العلماء والمؤرّخين، وبأن يحظى بتوثيق اسم واضعه وزمنه؟
وأخيراً، والأهمّ من ذلك كلّه، هل حدث أن قبِل علماءُ الحديث توثيق حديثٍ نبويٍّ واحدٍ لا يُعرف اسم راويه؟ وإذا كانوا يتعاملون مع توثيق الحديث بمثل هذا التشديد والاحترافيّة والموضوعيّة، فكيف إذا كان الأمر متعلّقاً بالقرآن الكريم؟
كيف لنا أن نوثّق شيئاً يخصّ القرآن الكريم، أيّاً كان، ونحن لا نعرف اسم واضعه أو راويه؟ كيف نسمح لأنفسنا أن نعترف بعلمٍ يُنسب إلى شخصيّةٍ مجهولة؟ والأعظم من ذلك وأشدّ: كيف نجرؤ على الادّعاء بأنّ هذا الشخص المجهول قد استمدّ تلك القواعد من قراءة النبيّ نفسه، ونحن لا نملك أدنى دليلٍ على صلته أو معاصرته للنبيّ ﷺ؟!
أين علم التوثيق، وقواعد التوثيق، ونحن نتعامل مع أوثق كتاب، وأقدس كتاب؟
كيف كانت قراءته ﷺ للقرآن؟
عندما نقرأ عبارةً مثل "القراءة توقيفيّةٌ بالإجماع" في مصادرنا؛ فلا بدّ من التمييز بين معانٍ عدّة يحملها هذا اللفظ "قراءة".
فقد سبق أن عرفنا أنّ معنى هذا المصطلح يختلف تبعاً للسياق الذي ورد فيه، ولا بدّ من التمييز بين هذه المعاني المتعدّدة، وإلّا انزلق البحث العلميّ الجادّ من بين أيدينا، ووصلنا إلى نتائج غير حقيقيّةٍ أو علميّة، ومنها ذهابنا إلى أنّ التجويد مُنزلٌ من السماء.
إنّ اللفظ (قرأ) أو (أَقرأَ) في الكثير من الأحاديث لم يُشِر قطّ، كما يَفترض بعضهم، إلى القراءة التجويديّة. فقد يقتصر على معنى قراءتنا العاديّة، أيّة قراءة لأيّ نصّ، كما وجدنا في أحاديث الصفحات القليلة الماضية. وعندما يختلف الصحابة حول قراءة أحدهم فغالباً ما يكون الموضوع حول الحروف السبعة التي أُنزل بها القرآن، والتي تفسح المجال لتنوّع لفظ الكلمة عند الأفراد، على تفاوت طبقاتهم الاجتماعيّة، أو تستجيب لتنوّع اللهجات عند القبائل العربيّة المتعدّدة. ويمكن أن يكون اختلافهم حول تعدّد القراءات المنزلة من السماء، كما في الحديثين التاليين:
- عن عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ قال: "سمِعْتُ رجُلاً يقرَأُ آيةً أقرَأنيها رسولُ اللهِ ﷺ خلافَ ما قرَأ، فأتَيْتُ النَّبيَّ ﷺ وهو يُناجي عليًّا، فذكَرْتُ له ذلكَ، فأقبَل علينا علِيٌّ وقال: إنَّ رسولَ اللهِ يأمُرُكم أنْ تقرَؤوا كما عُلِّمْتُم". [رواه ابن حِبّان في صحيحه، وحسّنه شعيب الأرناؤوط]
- عن عَمرِو بنِ العاصِ أنّه: "سَمِعَ رَجلاً يَقرَأُ آيةً منَ القُرآنِ، فقال: مَن أقْرَأكَها؟ قال: رسولُ اللهِ ﷺ! قال: فقد أقْرَأَنِيها رسولُ اللهِ على غيرِ هذا! فذَهَبا إلى رسولِ اللهِ ﷺ، فقال أحَدُهما: يا رسولَ الله، آيةُ كذا وكذا، ثُمّ قرَأَها، فقال رسولُ اللهِ ﷺ: هكذا أُنزِلَتْ، فقال الآخَرُ: يا رسولَ الله، فقرَأَها على رسولِ الله وقال: أليس هكذا يا رسولَ الله؟ قال: هكذا أُنزِلَتْ. فقال رسولُ اللهِ ﷺ – أي بعد ذلك –: إنَّ هذا القُرآنَ أُنزِلَ على سَبعةِ أحرُفٍ، فأيَّ ذلك قَرَأْتم فقد أصَبْتُم، ولا تَمارَوْا – أي تُجادلوا – فيه؛ فإنَّ المِراءَ فيه كُفرٌ (أو آيةُ الكُفر)". [رواه أحمد، وصحّحه شعيب الأرناؤوط]
فهل تتصوّرون أن يختلف الصحابة مثل هذا الاختلاف، ويستغربون من تضارب القراءتين مثل هذا التضارب، لو كان الأمر متعلّقاً بمجرّد خروج أحدهم عن قاعدةٍ من قواعد التجويد؟
إنّ ممّا يساعدنا على استيعاب معاني الحديث الشريف، ويساعدنا كذلك على استيعاب معاني القرآن الكريم وتدبّره، وفهمِ ما وراء السطور فيهما، تطبيقنا للمبدأ الذي اقترحتُه في كتابي (مسلمون في مواجهة الإسلام، مسيحيّون في مواجهة المسيحيّة)، وهو قاعدة (استبعاد الحاضر واستحضار الغائب).
والغريب أن بعضهم قد فهم حديث أنسٍ عن أنّ قراءة الرسول ﷺ "كانت مدّاً"؛ على أنه إنّما يعني المدّ الطبيعي في كلامنا، والذي تحمله الحروف الصوتيّة الثلاثة: الألف والواو والياء، ويميّزها عن باقي الحروف. واعترض بعض هؤلاء على ما ذهبت إليه في كتاب (المعجزة) من أنّ المدّ النبويّ المقصود هو مدٌّ إضافيٌّ زائدٌ لكلّ حروف المدّ في القرآن" أينما وقعت هذه الحروف.
لو شئنا أن نتبادل الأدوار، وافترضنا أن أنساً سُئل مثلَ هذا السؤال:
- كيف كان نوم رسول الله ﷺ؟
فهل لعاقلٍ أن يتوقّع إجابةً مثل: كان نومُه في الليل؟
ولو افترضنا أنّه سئل:
- كيف كان كلامه ﷺ؟
فهل لعاقلٍ أن يتوقّع إجابةً مثل: كان يتكلّم العربية؟
ولو افترضنا أنّه سئل:
- كيف كان مشيه ﷺ؟
فهل لعاقلٍ أن يتوقّع إجابةً مثل: كان يمشي على قدميه؟!
هذا النوع من الأجوبة الافتراضيّة، والتي لا تعني للسائل شيئاً، ينطبق تماماً على حالة من قال: إن معنى (يمدّ ببسم الله) و (يمدّ بالرحمن) و (يمدّ بالرحيم) هو أنّه ﷺ كان يمدّ الألف المقدّرة في لفظ (الله)، ويمدّ الألف في لفظ (الرحمن)، ويمدّ الياء في لفظ (الرحيم)، تماماً كما تُمدّ هذه الحروف في لغتنا العاديّة، فما الجديد في مثل هذه الإجابات؟
وعندما تهيمن قواعد التجويد في تفكيرنا، تلك التي وضعها من وضعها من البشر، على قواعد القراءة النبويّة الأصليّة، وهي قواعد سماويّةٌ من غير شكّ، ونعتقد أنّهما أمرٌ واحد، فمن الطبيعيّ أن نَصدر في فهمنا للغة الأحاديث النبويّة عن هذه الهيمنة، فلا نميّز في دلالاتها بين المدّ النبويّ التوقيفيّ، وبين المدّ التجويديّ البشريّ.
إنّها الهيمنة نفسها التي تسيطر على عقل الإنسان، أيّ إنسان، عندما نواجهه بحقائق تخالف ما رضعه مع حليب أمّه من أفكارٍ و "مسلّماتٍ" يصعب عليه التخلّي عنها وتبديلها بغيرها. وهي الهيمنة نفسها التي جعلت قوم نوحٍ يرفضون دعوة نبيّهم لأنّها تخالف معتقداتهم التي شبّوا عليها، فكانوا يضعون أصابعهم في آذانهم حتى لا يسمعوا الحقائق:
- وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا [نوح: 7]
وهذا كان شأن المشركين عندما كانوا يسمعون القرآن وهو يخالف ما توارثوه عن آبائهم وأجدادهم من عقائد وانحرافات، فتُصمّ عن سماعه آذانهم، وتصدّ عن قبوله قلوبهم:
- وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَّسْتُورًا ﴿٤٥﴾ وَجَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا ۚ وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَىٰ أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا ﴿٤٦﴾ [الإسراء: 45-46]
نعم، لقد هيمنت على ألسنتنا، وعلى عقيدتنا، القواعد التجويديّة التي وضعها الإنسان. وأنا نفسي أعترف بأنّني أجد الآن صعوبةً كبيرةً في العودة إلى القراءة النبويّة التوقيفيّة، وهي قراءة المدّ وتقطيع الآيات لا أكثر، والتخلّص من هيمنة قواعد القراءة التجويديّة، بكلّ تفاصيلها الدقيقة، وقد سيطرت على لساني على مدى عقودٍ طويلة. كما أعترف بأن مفهوم "توقيفيّة التجويد" كان يهيمن على تفكيري حين كنت منكبّاً على تأليف كتاب (المعجزة)، وهو ما يمكن أن يقع لكبار علمائنا الذين هيمنت على ألسنتهم وعلى تفكيرهم تلك القواعد.
إنّ هذا ما حدث مؤخّراً في مقابلةٍ تلفزيونيّةٍ مع أحد كبار علمائنا الأجلّاء، وهو الدكتور أيمن سويد في إحدى حلقات قناة الجزيرة (الشريعة والحياة) (4)، وذلك عندما فهم المدّ في الحديث النبويّ التالي، ومنطلِقاً، مثلي تماماً، من هيمنة قواعد المدّ التجويديّ على تفكيره، على أنّه ينحصر في كلمةٍ واحدةٍ من الآية لا أكثر، وهي (الفقراء)، فردّد على المشاهدين هذه الكلمة ممدودةً مدّاً زائداً، لأنّها وحدها، في تقديره، وبوجود همزة المدّ فيها، تلك التي تفترضها قواعد التجويد (اء)، هي التي تخضع لمثل هذا النوع من المدّ:
- عن عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ: "أنّه كان يُقْرِئُ القرآنَ رجلاً، فقرأَ الرجلُ {إنّما الصّدقاتُ لِلفُقَراءِ والمَساكِينِ} [التوبة: 60] مُرْسَلَةً – أي قرأ ألفاظها عاديّةً من غير مدٍّ زائد عن المعتاد –، فقال ابنُ مسعودٍ: ما هكذا أَقرَأَنِيها رسولُ اللهِ ﷺ! قال: كيف أَقْرأَكَها يا أبا عبدِ الرحمنِ؟ قال: أَقْرَأَنِيها: "إنّما الصّدقاتُ لِلفُقَراءِ والمَساكِينِ"، فمَدَّها. وفي روايةٍ للطبراني في الكبير: فمُدّوها. – وهذا يعني أنّ ابنَ مسعودٍ مدَّ الألِفَ في الألفاظ الثلاثة مدّاً زائداً –". [رواه الهيثمي في مجمع الزوائد، وقال الألباني: إسناده رجاله موثّقون غير موسى بنِ يزيدَ الكِنديّ فإنّي لم أعرفه]
ولو كان الأمر مقتصراً على لفظ (الفقراء)؛ لاكتفى ابن مسعود في ردّه على الرجل بالاقتصار على ترديد هذا اللفظ وحده عليه، فلم يتلُ عليه العبارة القرآنيّة كاملةً بألفاظها الأربعة {إنّما الصّدقاتُ لِلفُقَراءِ والمَساكِينِ}.
وحديث أنس بن مالكٍ يؤكّد لنا هذا التفسير. فهو واضحٌ أشدّ الوضوح في أنّ قراءته ﷺ كانت مدّاً إضافيّاً زائداً لحروف المدّ جميعاً، حيثما وقعت في القرآن. إنّه في الحقيقة خلاصةٌ لقواعد القراءة النبويّة، ووصفٌ لطبيعة المدّ النبويّ المراد.
ترى، لو كان في قراءته ﷺ إدغامٌ بغُنّة، أو إدغامٌ بغير غنّة، أو إظهارٌ، أو إقلابٌ، أو إخفاءٌ، أو رَوٌم، أو إشمامٌ، أو.. أكان يليق بهذا الصحابيّ الجليل أن يتجاهلها كلّها ويهمل الحديث عنها، ويقتصر في حديثه على ظاهرة "المدّ" وحدها في قراءته ﷺ، ثمّ لا شيء غير ذلك؟
وإذا كان من الطبيعيّ أن نجد مثل هذه الأحاديث "التوضيحيّة" المفصّلة لدى الصحابة عن طبيعة قراءة النبيّ ﷺ؛ أفما كان من المنتظر، وبالتوازي، أن نجد، في جملة وصفهم لقراءته ﷺ، ولو حديثاً واحداً لا أكثر، يحدّثنا أو يصف لنا، ولو قاعدةً واحدةً من تلك القواعد الكثيرة، والدقيقة، والمحكمة، والذكيّة حقّاً، التي يقوم عليها علم التجويد؟
هوامش:
(1) انظر الألباني. صفة صلاة النبيّ. الطبعة الثانية لنسخة مكتبة المعارف. الرياض: 1996. ص: 124-125.
(2) تاريخ القرآن. عبد الصبور شاهين. القاهرة، دار القلم: 1961. ص 175.
(3) المعجزة. ج 2. ص: 72.
(4) بثّت الحلقة بتاريخ 26.3.2024.
بقلم: أحمد بسام ساعي
جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين


