[القسم الأوّل]
تاريخ علامات الوقف:
لقد خلط بعض الدارسين لعلوم القرآن، قديماً وحديثاً، بين المعاني العديدة المحتملة لألفاظٍ أو مصطلحاتٍ في هذه العلوم، فالتبس أمرها عليهم، ثمّ على بقيّة الدارسين مِن بعدهم، ولا سيّما عند حديثهم عن علامات الوقف، كاللبس في تعريف مصطلح (الحرف) عندهم، وكاختلاط الأمر عليهم في المعاني المحتملة للفظ (القراءة) أيضاً.
وتبدأ مشكلة الخلط والتداخل عندهم من فهمٍ خاطئ لمعنى (الوقوف) الذي ورد في حديثٍ لعبد لله بن عمر ينبّه فيه المسلمين إلى أهمّية فهم كتاب الله جنباً إلى جنبٍ مع إحسان قراءته، فلا يُكتفى بالجانب الثاني دون الأوّل:
- عن عبدِ اللهِ بنِ عمرَ قال: "لقد عِشْنا بُرهةً من دَهرٍ – يعني في حياةِ النبيِّ ﷺ أيّامَ تنزُّل القرآن –، وأحدُنا يُؤتَى الإيمانَ قبلَ القُرْآنِ، وتَنزِلُ السُّورةُ على مُحمَّدٍ ﷺ فيتعلَّمُ – أي أحدُنا – حَلالَها وحَرامَها، وآمِرَها وزاجِرَها، وما يَنبَغي أنْ يوقَفَ عندَه منها – أي يُفهم معناه وحُكمُه –، كما تتعلَّمونَ أنتمُ اليومَ القُرْآنَ. ثم لقد رأيتُ اليومَ رِجالاً يُؤتى أحدُهمُ القُرْآنَ قبلَ الإيمانِ، فيَقرَأُ ما بينَ فاتِحَتِه إلى خاتِمَتِه، ولا يَدْري ما آمِرُه، ولا زاجِرُه، ولا ما يَنبَغي أنْ يوقَفَ عِندَه منه، ويَنتَثِرُه نَثْرَ الدَّقَلِ – أي ينثرُ كلماتِه وآياتِه حين يقرأه كما يُنثَرُ ويُرمى أردأُ التمر –". [رواه الطحاوي، وصحّحه شعيب الأرناؤوط لغيره في تخريج مُشكل الآثار]
وتدور الفكرة الأساسيّة لعبد الله بن عمر حول أهمّية ارتباط القراءة السليمة للقرآن الكريم بالفهم السليم لآياته، ومعرفة ما فيها من حلالٍ وحرام، وأمرٍ ونهي، و "ما ينبغي أن يوقَف عنده منه"، أي ما ينبغي "الوقوف" عند معانيه، والتمعّن فيها، وإدراك أحكامه ومراميه، القريبة والبعيدة. ولو أراد ابن عمر المعنى الذي ذهب إليه بعضهم للوقف، أي عكس الوصل، لأكمل عبارته بقوله: (وما ينبغي أن يوقف عنده، وما ينبغي أن يوصل). ولكنّ أبا جعفر النحّاس ذهب بقول ابن عمر مذهباً آخر، وتبعه فيه آخرون، حين أخذ بالمعنى الأوّل للفظ وهو (التوقّف) دون الثاني وهو (الفهم والتدبّر)، بل جعل ذلك المفهوم الخاصّ به إجماعاً ثابتاً عن الصحابة:
"قال النحّاس: فهذا الحديث يدلّ على أنّهم كانوا يتعلّمون الأوقاف كما يتعلّمون القرآن. وقول ابن عمر: "لقد عشنا برهةً من دهرنا" يدلّ على أنّ ذلك [يقصد إدراك مواقع الوقف في القراءة] إجماعٌ من الصحابة ثابت".(1)
وإضافةً إلى ذلك؛ نُسب لعددٍ من العلماء، بل ربّما لبعض كبار الصحابة أيضاً، دعواتٌ لم تثبت صحّة رواية أيٍّ منها إلى معرفة مواقع الوقف في القرآن الكريم، كمثل هذا القول الذي يُنسب إلى عليٍّ بن أبي طالب، ولم أجد له أثراً في أيٍّ من الصحاح:
- عن عليٍّ في قوله تعالى {وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا} [المزّمّل: 4]، قال: "الترتيل: تجويد الحروف، ومعرفة الوقوف".
ثمّ، ومع الزمن، بدأوا يفصّلون في أنواع الوقف والابتداء تفصيلاً تجاوز بهم إلى المبالغة الشديدة في تجزئتها وتفريعها. يقول السجاوندي: الوقف على خمس مراتب: لازم، ومطلق، وجائز، ومجوَّزٌ لوجه، ومرخَّصٌ ضرورةً.
ويمكن أن نأخذ فكرةً عن مثل تلك المبالغات والتمحّل من خلال هذا المقطع الذي يعرّف فيه السجاوندي الوقف اللازم:
"فاللازم: ما لو وُصلَ طرفاه غَيّر المراد، نحو قوله: "وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ" [البقرة: 8]، يلزم الوقف هنا، إذ لو وُصل بقوله "يُخَادِعُونَ اللَّهَ" [البقرة: 9] تُوهِّم أنّ الجملة صفةٌ لقوله: "بِمُؤْمِنِينَ"، فانتفى الخداع عنهم، وتقرّر الإيمان خالصاً من الخداع، كما تقول: ما هو بمؤمنٍ مخادع. والقصد في الآية إثبات الخداع بعد نفي الإيمان. وكما في قوله: "لَّا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ" [البقرة: 71]، فإنّ جملة "تُثِيرُ" صفةٌ لـ "ذَلُولٌ" داخلةٌ في حيّز النفي، أي ليست ذليلةً مثيرةً للأرض [وهي الفِلاحة]". ونحو: "سُبْحَانَهُ أَن يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ" [البقرة 171]، فلو وصلها بقوله "لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ" لأوهم أنّه صفةٌ لولدٍ، وأنّ المنفيّ ولدٌ موصوفٌ بأنّ له ما في السموات، والمراد نفي الولد مطلقاً". (2)
وتجاوز آخرون تفصيل السجاوندي وتفريعه، فجعلوا أنواع الوقف ثمانيةً كما ينقل السيوطي:
"وقال غيره: الوقف في التنزيل على ثمانية أضرب: تامّ، وشبيهٌ به، وناقصٌ، وشبيهٌ به، وحسن، وشبيهٌ به، وقبيحٌ، وشبيه به".(3)
وقد سبق أن عرفنا كيف أنّ علماء المسلمين، وفي سبيل الحفاظ على كتاب الله بعيداً عن أيّة ثغرةٍ قد يتسرّب منها التحريف أو التغيير أو الزيادة أو النقصان، وقبل أن تُعرف الطباعة بقرون، منعوا إضافة أدنى كتاباتٍ بشريّةٍ على أوراق المصحف.
ولقد قاوموا أوّلاً فكرة وضع النقاط على الحروف لتسهيل تمييز الحرف عن شبيهه، ثمّ قاوموا فكرة وضع الحركات على هذه الحروف، ثمّ سَمح بعضهم بإضافة هذه الحركات بشكلٍ محدود، مشترطاً "ألّا يُشْكَل فيه إلّا ما يُشْكِل"، كما ذهب مجاهد.
وكان أحدَ أوائل من فكّروا بإضافة علامات الوقف إلى المصحف، ولكن من غير أن يقوم بتنفيذ هذه الفكرة وإضافتها إلى المصحف بنفسه، أبو عبد الله السجاوندي (-560 هـ). وقد اقترح في كتابه (علل الوقوف) عدّة علاماتٍ للوقف، أُثبت منها فيما بعد علامتان في مصاحفنا، وهما (لا) لما لا ينبغي الوقف عليه، و (م) للوقف اللازم. ثم جاء غيره فأضاف المزيد من هذه العلامات، إلى أن انتهى الأمر باكتمالها في هذا الشكل الذي بين أيدينا، وإضافتها جميعاً، وبشكلٍ نهائيٍّّ، إلى المصحف، وكان ذلك بعد ظهور المطبعة وانتشار طباعة المصاحف.
والواقع أنّ السجاوندي لم يكن أوّل من كتب في هذا الموضوع، ولا أوّل من اقترح بعض هذه العلامات، فقد سبقه في هذا الأمر آخرون، كما تبعه فيه آخرون.
ولسنا هنا بصدد الاعتراض على اجتهادات أيّ من هؤلاء الدارسين فيما اقترحوه من علامات الوقف، فهي اجتهاداتٌ ذاتيّةٌ تساعد واضعها على أن يربط بين تلاوته وفهمه الخاصّ لما يتلوه. ولكنّ المشكلة طفت إلى السطح حين انتشرت هذه الاجتهادات وتعمّمت مع ظهور الطباعة، فأقرّت هيئةٌ رسميّةٌ ما، لم أستطع للأسف تتبّع أثرها، إثباتَ هذه العلامات في المصاحف التي بين أيدينا.
ثمّ تباينت هذه العلامات، كما هو متوقّع، بين نسخ المصاحف في مختلف البلدان العربيّة والإسلاميّة. فهي تختلف ببعض تفاصيلها في المشرق العربي عنها في المغرب العربي، وعنها في تركيا أو ماليزيا أو أندونيسيا. بل اعتادت اللجان المشرفة على طباعة المصاحف في هذه البلدان أن تبدّل بعض تلك العلامات بين الطبعة السابقة والطبعات اللاحقة، تبعاً لما يتكشّف لها كلّ يومٍ من معاني الآيات.
وهكذا نجد القارئ المسلم، وقد وجد بين يديه هذه النسخة المطبوعة الميسّرة، وبحكم أنّ الطباعة منحتها حصانة المشاركة والعموميّة والثبات، فقد غدا مضطرّاً، وبشكلٍ آليٍّ، إلى الالتزام بهذه العلامات في قراءته، ومن ثمّ، الثبات عليها، والامتناع عن التفكير أو البحث عن البدائل الأخرى في تفسيره وفهمه لمعاني القرآن أيضاً.
لقد اكتسبت هذه العلامات بنظر القارئ المسلم، بعد أن أصبحت، وبشكلٍ رسميٍّ معترفٍ به، جزءاً لا يتجزّا من المصحف، صفةً رسميّةً معتمدةً، وهذا من شأنه أن يُشعره بضرورة الالتزام بالوصل، وكذلك بالمعنى الذي يمليه عليه، حيث تشير تلك العلامات بالوصل، وأن يلتزم بالوقف، وكذلك بالمعنى الذي يمليه عليه، حيث تشير تلك العلامات بالوقف، أيّاً كان نوع هذا الوصل أو الفصل. ولن يتجرّأ القارئ العاديّ بعد هذا على أن "يتعدّى حدوده" ويفهم الآية بغير الطريقة التي فهمها من اقترح تلك العلامات وأقرّها، إذا استثنينا طبعاً الخاصّة من القرّاء، وربّما خاصّة الخاصّة منهم.
وعلى الرصيف المقابل، نجد رجالاً أخذوا الأمر بموضوعيّةٍ أكبر، وبمنهجيّةٍ أكثر عمقاً واعتدالاً وبعداً في النظر، وفنّدوا ما ذهب إليه أهل المبالغة والتكلّف في هذه التقسيمات والتفريعات، كما يتّضح لنا في هذا المقطع النقديّ لابن الجزريّ:
"ليس كلّ ما يتعسّفه بعض المُعْربين، أو يتكلّفه بعض أهل الأهواء، ممّا يقتضي وقفاً او ابتداءً ينبغي أن يُتعمّد الوقف عليه، بل ينبغي تحرّي المعنى الأتمّ، والوقف الأوجَه، وذلك نحو:
- الوقف على "وَارْحَمْنَا ۚ أَنت"، والابتداء: "مَوْلَانَا فَانصُرْنَا" [البقرة: 286]
- ونحو: "ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ"، ويبتدئ: "باللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا" [النساء: 62]
- ونحو: "يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ" [لقمان: 13]، ويبتدئ: "بِاللَّهِ ۖ إِنَّ الشِّرْكَ"، على معنى القسَم
- ونحو: "وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ"، ويبتدئ: "اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ" [التكوير: 81]
- ونحو: "فَلَا جُنَاحَ"، ويبتدئ: "عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِما" [البقرة: 158]
فكلّه تعسّفٌ وتمحّلٌ وتحريفٌ للكلِم عن مواضعه. (4)
والحقّ أنّ المصدر الحقيقيّ لمثل هذا التعسّف والتمحّل هو تلك القواعد التفصيليّة التي تَكَلّفها بعض الأئمّة بغرض تحسين أو "تجويد" تلاوة القرآن، مثلما فعلوا مع "الوقف" عندما قسّموه إلى أنواعٍ تفصيليّةٍ عديدةٍ لا أجد لها، أو لمعظمها، تعريفاً إلّا أنّها مبالغةٌ وخروجٌ عن البساطة والواقعيّة والفطريّة التي جاء بها الإسلام، ونزل بها الوحي، وأكّدها الرسول ﷺ في حياته العمليّة اليوميّة، كما سوف نرى، لتكون نبراساً ومنهجاً للمسلمين.
يقول السيوطي وهو يُحصي لنا بعض تلك القواعد المضافة:
"للوقف في كلام العرب أوجهٌ متعدّدة، والمستعمل منها عند أئمّة القراءة تسعة: السكون، والرَّوم، والإشمام، والإبدال، والنقل، والإدغام، والحذف، والإثبات، والإلحاق".(5)
وينقل صاحب (الإتقان) عن جملةٍ من العلماء أقوالهم ومذاهبهم في الوقف، ومن ثمّ، ما يقابل هذا الوقف أو يوازيه من قواعد التلاوة الأخرى. ويَحسن بنا أن نلمّ ببعض هذه الأقوال والشروط والقواعد التي سنّوها لنا في الوقف، قبل أن نقيسها بالمقياس الذي سنّته لنا النبوّة:
"قال ابن مجاهد: لا يقوم بالتمام في الوقف إلّا نحويٌّ عالمٌ بالقراءات، عالمٌ بالتفسير والقصص وتخليصها بعضها من بعض، عالمٌ باللغة التي نزل بها القرآن.
وقال غيره: وكذا عِلمُ الفقه.. وممّن صرّح بذلك النُّكراويّ، فقال في كتاب الوقف: لا بدّ للقارئ من معرفة بعض مذاهب الأئمّة المشهورين في الفقه، لأنّ ذلك يعِين على معرفة الوقف والابتداء، لأنّ في القرآن مواضع ينبغي الوقف على مذهب بعضهم، ويمتنع على مذهب آخرين..
وأمّا احتياجه إلى التفسير؛ فلأنّه إذا وقف على "فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ ۛ أَرْبَعِينَ سَنَةً" [المائدة: 26] كان المعنى: أنّها محرّمةٌ عليهم هذه المدّة، وإذا وقف على "عَلَيْهِمْ" كان المعنى أنّها محرّمةٌ عليهم أبداً، وأنّ التيه "أربعين"، فرجع في هذا إلى التفسير. وقد تقدّم أيضاً أنّ الوقف يكون تامّاً على تفسيرٍ وإعراب، غير تامٍّ على تفسيرٍ وإعرابٍ آخر.
وأمّا احتياجه إلى المعنى فضرورة، لأنّ معرفة مقاطع الكلام إنّما تكون بعد معرفة معناه، كقوله: "وَلَا يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ ۘ إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ" [يونس: 65]. فقوله "إِنَّ الْعِزَّةَ" استئنافٌ، لا مقولُهم. وقوله "فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا ۚ بِآيَاتِنَا"، ويبتدئ "أَنتُمَا" [القصص: 35]. وقال الشيخ عزّ الدين: الأحسن الوقف على "إِلَيْكُمَا"، لأنّ إضافة الغلَبة إلى الآيات أَولى من إضافة عدم الوصول إليها، لأنّ المراد بالآيات: العصا وصفاتها، وقد غلبوا بها السحرة، ولم تمنع عنهم فرعون. وكذا الوقف على قوله: "وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ"، ويبتدئ "وَهَمَّ بِهَا" [يوسف: 24] على أنّ المعنى: لولا أن رأى برهانَ ربّه لهمّ بها، فقدّم جواب (لولا)، ويكون همُّه منتفياً. فعُلِم بذلك أنّ معرفة المعنى أصلٌ في ذلك كبير".(6)
ولا ينسى السيوطي أن يُرفق هذه الآراء والتفصيلات الكثيرة بأقوال بعض المعتدلين ممّن أدرك روح المعاني النبويّة في البساطة والواقعيّة والتسهيل على الناس في تلاوة كتاب الله، فينقل عن أحد كبار أئمّة الأحناف رأياً مخالفاً لتلك الآراء:
"حَكَى ابن برهان النحويّ عن أبي يوسف القاضي صاحب أبي حنيفة: أنّه ذهب إلى أنّ تقدير الموقوف عليه من القرآن بالتامّ، والناقص، والحسن، والقبيح، وتسميته بذلك، بِدعة، ومتعمِّدُ الوقوفِ على نحوه مبتدِع. قال: لأنّ القرآن معجِز، وهو كالقطعة الواحدة، فكلّه قرآن، وبعضه قرآن، وكلّه تامٌّ حسن، وبعضه تامٌّ حسن".(7)
ومنطلقاً من واقعيّة الإسلام وفطريّته، ومن المبدأ القرآنيّ والنبويّ الهامّ، البسيط والمبسِّط، والذي سهّل على المسلمين أمور دينهم، متمثّلاً في العبارة النبويّة "ما استطعت"، حذّر النبيّ ﷺ من الوقوع في مصيدة هذه المبالغات والقواعد التي كان يتوقّع أن يسنّها بعضهم فيما بعد لتكون بمثابة القيد لقارئ القرآن، لا يخرج عنه في تلاوته، ولا في فهمه للنصّ الذي يتلوه، كما سوف نرى.
"الموصول لفظاً والمفصول معنىً" بين قواعد الوقف وفنّ الالتفات:
ويتحدّث السيوطي عمّا يسمّيه "الموصول لفظاً والمفصول معنىً" في الذكر الحكيم، ويَعرض لنا العديد من الأمثلة على هذا الجانب. وسنرى أنّ ما ساقه في هذا السبيل لا يخرج عن باب الفنّ البلاغيّ الذي أطلقنا عليه في كتاب (المعجزة) اسم "فنّ الالتفات"، وأثبتنا أنّ هذا الأسلوب الأدبيّ الجديد، وخلافاً لما يذهب إليه البلاغيّون العرب، وخلافاً لما يسوقه السيوطي من أقوال العلماء فيه، قد اختُصّ به القرآن وحده، ولم يعرفه العرب، ولا غير العرب، من قبل ولا من بعد.
إنّه فنٌّ قرآنيٌّ لم يستطع أحدٌ اقتباسه أو استعماله، شأنه شأن كثيرٍ من الظواهر اللغويّة والبلاغيّة الأخرى التي اختصّ بها القرآن وحده. وأنّى لك أن تجد، أينما بحثت في التراث العربيّ، أو حتّى في الحديث النبويّ، مثل هذا التنقّل السريع، في الآية نفسها، من صيغة الماضي (أرسَلَ)، إلى صيغة المضارع (فتُثيرُ) ثمّ إلى الماضي من جديد (فسُقناهُ). وكذلك الانتقال من حديث الله تعالى عن نفسه بصيغة المفرد الغائب {واللهُ الذي أرسَلَ}، إلى الحديث عن نفسه بصيغة جمع المتكلّمين {فَأحيَينا به}:
- وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَىٰ بَلَدٍ مَّيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا ۚ كَذَٰلِكَ النُّشُورُ [فاطر: 9]
يقول السيوطي في تعريف "الموصول لفظاً والمفصول معنىً":
"هو نوعٌ مهمٌّ جديرٌ أن يُفرد بالتصنيف، وهو أصلٌ كبيرٌ في الوقف، ولهذا جعلتُه عقِبه. وبه يحصل حلُّ إشكالاتٍ، وكشف معضلاتٍ كثيرة.
من ذلك قوله تعالى: "هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا" إلى قوله: "جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا ۚ فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ" [الأعراف: 189-190]. فإنّ الآية في قصّة آدم وحوّاء، كما يُفهِمه السياق، وصُرّح به في حديثٍ أخرجه أحمد والتِّرمِذيّ.. بسندٍ صحيحٍ عن ابن عبّاس.
لكنّ آخر الآية مشْكل، حيث نسب الإشراك إلى آدم وحوّاء، وآدم نبيٌّ مكلَّم، والأنبياء معصومون عن الشرك، قبل النبوّة وبعدها، إجماعاً. وقد جرّ ذلك بعضَهم إلى حمل الآية على غير آدم وحوّاء، وأنّها في رجلٍ وزوجته كانا من أهل المُلك، وتعدّى إلى تعليل الحديث والحكم بنكارته.
وما زلت في وقفةٍ من ذلك حتّى رأيت ابن أبي حاتمٍ قال: أخبرَنا أحمد بن عثمان بن حكيم، حدّثنا أحمد بن مفضَّل، حدّثنا أسباط، عن السُّدّيّ في قوله: "فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ" قال: هذه فصلٌ من آية آدم [أي مفصولةٌ عنها بالمعنى]، خاصّةٌ في آلهة العرب.
وقال عبد الرزّاق: أخبرنا ابن عُيينة، سمعت صدقة بن عبد الله بن كثيرٍ المكّي، يحدّث عن السُّدّيّ قال: هذا من الموصول المفصول..
فانحلّت عنّي هذه العقدة، وانجلت لي هذه المعضلة، واتّضح بذلك آنّ آخر قصّة آدم وحوّاء [هو قوله:] "فِيمَا آتَاهُمَا"، وأنّ ما بعده تخلّصٌ إلى قصة العرب، وإشراكهم الأصنام.
ويوضّح ذلك تغييرُ الضمير إلى الجمع بعد التثنية، ولو كانت القصّة واحدةً لقال: (عمّا يشركان)، كقوله: "دَّعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا لَّنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ ﴿١٨٩﴾ فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا.. ﴿١٩٠﴾ [الأعراف: 189-190]، وكذلك الضمائر في قوله بعده: "أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا..﴿١٩١﴾، وما بعده إلى آخر الآيات. وحُسن التخلّص والاستطراد من أساليب القرآن.
ومن ذلك قوله تعالى: "وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ ۗ وَالرَّاسِخُونَ" [آل عمران: 7] الآية، فإنّه على تقدير الوصل يكون: الراسخون يعلمون تأويله، وعلى تقدير الفصل بخلافه..". (8)
ويستشهد السيوطي في حديثه عن "الموصول المفصول"، نقلاً عن ابن الجوزيّ، بعددٍ من الآيات الكريمة، وهي لا تخرج في حقيقتها عن ذلك الفنّ البلاغيّ الجديد، والذي يختصّ به القرآن الكريم وحده: أسلوب الالتفات. يقول السيوطي:
"وقال ابن الجوزيّ في كتابه (التفسير): قد تأتي العرب بكلمةٍ إلى جانب كلمةٍ أخرى كأنّها معها، وهي غير متّصلةٍ بها. وفي القرآن "يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُم مِّنْ أَرْضِكُمْ"، هذا قول الملأ، فقال فرعون: "فَمَاذَا تَأْمُرُونَ" [الأعراف: 110].
ومثله: "أَنَا رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ"، انتهى كلامها، فقال يوسف: "ذَٰلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ" [يوسف: 51-52].
ومثله: "إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً"، هذا منتهى قولها، فقال تعالى "وَكَذَٰلِكَ يَفْعَلُونَ" [النمل: 34].
ومثله: "مَن بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا"، انتهى قول الكفّار، فقالت الملائكة: "هَٰذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَٰنُ" [يس: 52].
وأخرج ابن أبي حاتم، عن قتادة في هذه الآية قال: آيةٌ من كتاب الله، أوّلها أهل الضلالة، وآخرها أهل الهدى، قالوا: "يَا وَيْلَنَا مَن بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا"، هذا قول أهل النفاق، وقال أهل الهدى حين بُعثوا من قبورهم: "هَٰذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَٰنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ".(9)
ولو نظرنا إلى هذه الآيات من زاوية فنّ "الالتفات" القرآنيّ لما وجدنا فيها إشكالاً أو غرابةً. وعلى العكس، فإنّ تدبُّرَنا لها ونظرتنا إليها بمنظار الالتفات يكشفان لنا جانباً آخر من المعنى أكثر قبولاً وأقرب إلى العقل والمنطق الفطريّ. أقول في تعريف الالتفات القرآنيّ:
"ومن المؤكّد أنّ ما حوَتْه كتب البلاغة من الشواهد الشعرية على فنّ الالتفات يَدخل كلّه، إن كان له أن يدخل في أيّ فنٍّ من فنون البلاغة على الإطلاق، في باب التجريد، وهذا لا يمتّ بصلةٍ إلى فنّ الالتفات القرآنيّ.
واقرأوا معي هذين البيتين لعلقمة الفحل (ت 20 ق.هـ) ويستشهد بهما السكّاكي في باب (الالتفات) [مفتاح العلوم. ص 298]:
طحا بكَ قلبٌ في الحِسانِ طَروبُ ** بُعَيدَ الشبابِ عصرَ حانَ مَشيبُ
يكلّفُنـــــي ليلَى وقد شَــــــــــــــطَّ وَلْيُـــــــــها ** وعــادتْ عَــوادٍ بيننـــا وخُطــــــــــــــــوبُ
هل نستطيع أن نعثر هنا على أيّ نوعٍ من أنواع الالتفات، أو ما يمتّ إلى الالتفات بصلة؟ لقد أصرّ أكثر البلاغيين، إن لم يكن كلّهم، على ذلك. والحقّ أنّنا لا نرى فيه، مهما تكلّفنا، إلّا حديثاً عاديّاً مع النفس. فعلى عادة الشعراء، بل عادة أيٍّ منّا، يجرِّد علقمة من نفسه إنساناً يتوجّه إليه بضمير المخاطَب (بك) فيحدّثه حديث النفس للنفس وكأنّه شخصٌ آخر أمامه، قبل أن يعود إلى نفسه فيتحدّث بضمير المتكلّم (يكلّفني).
لقد انعكس خلط البلاغيّين بين (الالتفات) و (التجريد) على فهمهم لهذا الفنّ القرآنيّ المميَّز، فخلطوا، حتّى في شواهدهم القرآنيّة، بين الالتفات وبين التحوّل الطبيعيّ لمجرى لحديث، كما هو في كلّ لغات البشر، بين ماضٍ ومضارعٍ وأمر، تحوّلاً لا مفرّ منه حتّى في أحاديثنا العاديّة.
وهذا جلال الدين السيوطي، وقد صحّح أخطاء الكثيرين ممّن سبقوه في كتابه المرجعيّ (الإتقان في علوم القرآن)، يقع في هذا المحذور نفسه عندما يعدّد أنواع الالتفات، فيأتي، في جملة ما يأتي، بأمثلةٍ على ما يسمّيه (الالتفات بين الأفعال) فيقول:
مثاله من الماضي إلى الأمر: {وأُحِلَّتْ لكمُ الأنعامُ إلّا ما يُتلَى عليكمْ فاجتنبوا..} [الحجّ: 30].
ومن المضارع إلى الأمر: {قالَ إنّي أُشهِدُ اللهَ واشهَدوا أنّي بريء} [هود: 54].
ومن الأمرِ إلى الماضي: {واتّخِذوا مِن مقامِ إبراهيمَ مُصَلًّى وعَهِدْنا} [البقرة: 125ٍ].
ومن الأمر إلى المضارع: {وأن أقيموا الصلاةَ واتقُّوه وهو الذي إليه تُحشَرون} [الأنعام: 72] [ج 2، ص 169 – 170. ولعلّ السيوطي انزلق إلى مثل هذا الخطأ مستنداً إلى من نقل عنهم في هذا الباب، ولا سيما التنوخي وابن الأثير].
والواضح أنّ الحالة في الآية الأولى لا تخرج عن مثل قولنا: أعطيتك أوامري فأسرِع بتنفيذها،
والحالة في الآية الثانية لا تخرج عن مثل قولنا: أنا أعرف الحقيقة، فاعرفوها أنتم،
والحالة في الآية الثالثة لا تخرج عن مثل قولنا: زوروا صديقكم فقد أخبرناه بنيّتكم لزيارته،
والحالة في الآية الرابعة لا تخرج عن مثل قولنا: اقرأوا الكتاب جيداً فمنه ستُسألون في الامتحان.
ولو قارنّا هذه الآيات، وكذلك الجمل التي مثّلنا بها، بأيّ شاهدٍ نستشهد به من القرآن، فسوف يتبيّن لنا بسهولة أن لا علاقة لكلّ هذا بفنّ الالتفات.
إنّ من العبث محاولة البحث عن مثل هذا الفنّ في الشعر أو في أيّ فنٍّ قوليٍّ آخر، إذ لا تدخل أمثلتها وشواهدها في هذا الباب، والفجوة كبيرةٌ بينه وبينها. ومن السهل أن نتبيّن مدى نضج هذا الفنّ وسهولتِه ووضوحه، وكذلك مدى تميّزه وتنوّعه، لو عدنا إلى الآيات القرآنيّة التي تتضمّنه، بأنواعه الكثيرة المختلفة، إذ لا تكاد تخلو صفحةٌ واحدةٌ من القرآن الكريم من عددٍ من الالتفاتات، قلّ أو كثر..
ولو نظرنا في الآيات التالية لبرزت لنا حقيقة هذا الفنّ البيانيّ الجديد: واضحاً أشدّ ما يكون الوضوح، ومتنوّعاً أكثر ما يكون التنوّع. وقد أشرنا إلى مواضع الالتفات بخطوطٍ تحت الكلمات:
1. مَثَلُهم كمَثَلِ الذي استوقدَ ناراً فلمّا أضاءتْ ما حولَه ذهب الله بنورِهم [البقرة: 17]
2. كُلوا مِن طيّبات ما رزقْناكُم وما ظلَمونا ولكنْ كانوا أنفسَهمْ يظلِمون [البقرة: 57]
3. وإذ جَعَلْنا البيتَ مَثابةً للناسِ وأمْناً واتّخِذوا مِن مَقام إبراهيمَ مُصلَّى [البقرة: 125]
4. وما جَعَلْنا القِبلةَ التي كنتَ عليها إلّا لنَعْلمَ مَن يتّبعُ الرسولَ ممّن ينقلبُ على عَقِبَيه [البقرة: 143]
5. يُخرجُ الحيَّ من الميّتِ ومُخرجُ الميّتِ من الحيّ [الأنعام: 95]
6. إنْ كنتُم آمنتُم بالله وما أَنزلْنا على عبدِنا [الأنفال: 41]
7. حتّى إذا كنتم في الفُلْكِ وجرَينَ بهِم [يونس: 22]
8. مَن كان يريدُ الحياةَ الدنيا وزينتَها نُوَفِّ إليهم أعمالَهم فيها وهم فيها لا يُبخَسون [هود: 15]
9. قال اذهب فمَن تَبِعَكَ منهم فإنّ جهنّمَ جزاؤكم [الإسراء: 63]
10. وشارِكْهمْ في الأموالِ والأولادِ وعِِدْهُم وما يَعِدُهمُ الشيطانُ إلّا غروراً [الإسراء: 64]
11. وأَنزَلَ لكم من السماءِ ماءً فأنبَتْنا به حدائقَ ذاتَ بهجةٍ [النمل: 60]
12. ويومَ يُنفَخُ في الصُوْرِ ففَزِعَ مَن في السموات ومَن في الأرض [النمل: 87]
13. وما كان ربُّكَ مُهلِكَ القُرى حتّى يَبعَثَ في أُمِّها رسولاً يتلو عليهمْ آياتِنا [القَصص: 59]
14. والذين كَفروا بآياتِ اللهِ ولِقائِه أولئكَ يَئسوا مِن رحمتي [العَنكبوت: 23]
15. واللهُ الذي أرسلَ الرياحَ فتثيرُ سَحاباً فسُقناه إلى بلدٍ ميّت [فاطر: 9]
16. وأَوحَى في كلّ سماءٍ أمرَها وزيّنّا السماءَ الدنيا بمصابيحَ [فُصِّلت: 21]
17. ومن يَعصِ اللهَ ورسولَه فإنّ له نارَ جهنّمَ خالدين فيها أبدا [الجنّ: 23]
18. وكنّا نكذِّبُ بيومِ الدِّين. حتّى أتانا اليقين. فما تنفعُهم شفاعةُ الشافعين [المدّثّر: 46 – 48]
19. يا أيّتها النفْسُ المطْمئنّة * اِرجِعي إلى ربِّكِ راضيةً مَرْضِيَّة * فادخلي في عِبادي [الفجر: 27 – 29]
20. وإنّ لنا لَلآخرةَ والأولى. فأنذرتُكم ناراً تَلَظَّى [الليل: 13 – 14]. (10)
ولنسلّط الضوء الآن على الآيات الثلاث التالية ليتبيّن لنا كيف يتنقّل الضمير العائد على ذي الجلالة في النموذج الأوّل ستّ مرّاتٍ بين الضمائر الثلاثة: هو، وأنا، ونحن، رغم أنّ هذه الضمائر تعود جميعاً على الذات الإلهيّة. وقد أضفنا الضمائر المعنيّة للتوضيح بين قوسين [ ]:
- سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ [هو] بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا [نحنُ] حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا ۚ إِنَّهُ [هوَ] هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ﴿١﴾ وَآتَيْنَا [نحن] مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلَّا تَتَّخِذُوا مِن دُونِي [أنا] وَكِيلًا ﴿٢﴾ ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا [نحن] مَعَ نُوحٍ ۚ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا ﴿٣﴾ [الإسراء: 1-3]
ولاحظوا معي كيف يتنقّل التعبير في النموذج التالي بين كلٍّ من الزمن الحاضر، والمستقبل، والماضي، ويتنقّل كذلك بين المبنيّ للمعلوم والمبنيّ للمجهول، وكذلك بين ضمائر الغائب المفرد، والغائب الجمع، وضمائر المخاطبين، والغائبين، والمتكلّمين:
- وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ ۖ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّىٰ إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ ﴿٦١﴾ ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ ۚ أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ ﴿٦٢﴾ [الأنعام: 61-62]
فالألفاظ العائدة على الله تعالى بدأت بالزمن الحاضر (القاهر)، ثمّ تحوّلت إلى المستقبل (ويُرسل). كما تحوّلت الضمائر من صيغة الغائب المفرد (وهو، ويرسل) إلى صيغة المتكلّمين الجمع (رسُلُنا)، ثمّ إلى صيغة الغائب المفرد من جديد (اللهِ مولاهم، له الحُكم وهو). كما تحوّل الحديث من صيغة الماضي المبنيّ للمعلوم (جاء، تَوَفّتْه) إلى صيغة الماضي المبنيّ للمجهول (رُدّوا). مع ملاحظة كيف تحوّلت الألفاظ العائدة على الناس أيضاً من صيغة المخاطَب المفرد (جاء أحدَكم) إلى صيغة الغائبين الجمع (رُدّوا إلى الله).
وسوف نرى في هذا النموذج الثالث كيف التفَتَ الخطاب القرآنيّ من المضارع الدالّ على المستقبل (نبعث)، إلى الماضي الدال على المستقبل (وجئنا)، ثمّ إلى الماضي الدالّ على الحاضر (ونزّلنا)، بل نجد في هذا الأخير التفاتاً من حديث الآخرة إلى حديث الدنيا أيضاً:
- وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِم مِّنْ أَنفُسِهِمْ ۖ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَىٰ هَٰؤُلَاءِ ۚ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَىٰ لِلْمُسْلِمِينَ [النحل: 89]
وقد يتّخذ الالتفات القرآنيّ شكلاً أكثر تطوّراً وتميّزاً؛ وذلك حين ينتقل الحديث فجأةً من الحالة الفرديّة إلى الحالة الجمعيّة من غير أيّة إشارةٍ إلى هذه الانتقالة، ممّا يمكن أن أسمّيه "الالتفات الخفيّ". فما على القارئ في مثل هذا النوع من الالتفات إلّا الاسترسال في المزيد من التأمّل ليكتشف المعنى الخفيّ في الآيات. يقول تعالى:
- هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا ۖ فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ ۖ فَلَمَّا أَثْقَلَت دَّعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا لَّنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ ﴿١٨٩﴾ فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا ۚ فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴿١٩٠﴾ [الأعراف: 189-190]
لقد بدأت الآية الأولى بالحديث عن خلق آدم {خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ} ومن بعده خلق حوّاء {وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا}، ثمّ ما يلبث الحديث أن يتطوّر ليدخل أوّلاً في منطقة حياديّة {فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ}. فالغشيان والحمل ينطبقان على كلّ النسل البشريّ بعدهما، وكذلك الدعاء بعدهما بالذرّية الصالحة، ثمّ بالشكر والحمد على ذلك {لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا لَّنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ}، ولكن لينتهي الحديث في الآية بعدها، وبخفاء، إلى نسلٍ بشريٍّ لآدم وحوّاء خارجٍ عن ملّة التوحيد {فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ}.
ويأخذ الالتفات القرآنيّ أبعاداً بلاغيّةً ولغويّةً وفكريّةً مختلفةً فصّلنا الكلام عنها في كتاب (المعجزة). ومن أبرز هذه الأبعاد: التفات الضمائر، والتفات المشهد، والتفات الشخصيّات، والتفات الحدث، والتفات الزمن، والتفات الجنس، والتفات العدد (المفرد والمثنّى والجمع)، والتفات العاقل وغير العاقل، والتفات النصب، والتفات الحذف والإثبات.
ولا بدّ لقارئ القرآن الكريم من الإلمام بأوجه هذا الفنّ البلاغيّ القرآنيّ الفريد لتحقيق فهمٍ أكبر، واستيعابٍ أكثر لآياته وأحكامه، بعيداً عن التعثّر بالحدود البشريّة التي اقتُرِحت للوقف والوصل والابتداء، وما يحيط بها أو يتفرّع عنها من أنواعٍ وتعريفات.
وقد يدخل تحت أنواع الالتفات ما أطلق عليه النحاة مصطلح (الاستثناء المنقطع). وهو فنٌّ بلاغيٌّ خاصٌّ بالقرآن وحده أيضاً، فلا نجده في الحديث النبويّ، ولا في الشعر الجاهليّ، ولا في أيّة لغةٍ من اللغات المعروفة لنا. وهو "منقطعٌ" لأنّ ما بعد الأداة (إلّا) ليس مستثنىً ممّا قبلها، فهو نوعٌ من الانتقال في الحديث من موضوعٍ إلى آخر باستخدام الأداة (إلّا)، يكون فيه لِما يأتي بَعد (إلّا) علاقةٌ من نوعٍ ما بما يأتي قبلها، ولكن ليست هي علاقةَ الاستثناء بالمعنى النحويّ الذي نعرفه، كما يتوضّح لنا في هذه الآيات:
- يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَٰنِ وَفْدًا ﴿٨٥﴾ وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَىٰ جَهَنَّمَ وِرْدًا ﴿٨٦﴾ لَّا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِندَ الرَّحْمَٰنِ عَهْدًا ﴿٨٧﴾ [مريم: 85-87]
- قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلَّا مَن شَاءَ أَن يَتَّخِذَ إِلَىٰ رَبِّهِ سَبِيلًا [الفرقان: 57]
- ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَىٰ آثَارِهِم بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْنَاهُ الْإِنجِيلَ وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا ۖ فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ ۖ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ [الحديد: 27]
- بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ ﴿٢٢﴾ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ ﴿٢٣﴾ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ﴿٢٤﴾ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ ﴿٢٥﴾ [الانشقاق: 22-25]
- فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ ﴿٢١﴾ لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ ﴿٢٢﴾ إِلَّا مَن تَوَلَّىٰ وَكَفَرَ ﴿٢٣﴾ فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الْأَكْبَرَ ﴿٢٤﴾ [الغاشية: 21-24]
هوامش:
(1) الإتقان. ج 1. ص: 166.
(2) الإتقان. ج 1. ص: 168-169.
(3) الإتقان. ج 1. ص: 169.
(4) الإتقان. ج 1. ص: 177.
(5) الإتقان. ج 1. ص: 177.
(6) الإتقان. ج 1. ص: 173-174.
(7) الإتقان. ج 1. ص: 174.
(8) الإتقان. ج 1. ص: 180-181.
(9) الإتقان. ج 1. ص: 180-181.
(10) المعجزة. ج1. ص: 259-266.
بقلم: أحمد بسام ساعي
جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين


