3- أسماء السُّوَر، وتسلسلها، وترتيب آياتها، وتقطيعها، وترقيمها
[القسم الثاني]
تجزئة الآيات وترقيمها:
وهو جانبٌ خطيرٌ لم أجد في المراجع التي وصلتُ إليها، للأسف، من حاول الوقوف عنده، أو الإجابة عن أسئلته بإجاباتٍ علميّةٍ ونهائيّة، رغم أهمّيته الفائقة، ورغم تخصيص عددٍ من المؤلّفين أبواباً عن (فواصل الآي)، على نحو ما فعل السيوطي في كتابه (الإتقان).
كيف كان الرسول ﷺ يجزّئ الآيات للمسلمين بحيث استطاعوا بسهولةٍ، في مرحلةٍ لاحقةٍ، وضعَ رقمٍ تسلسليٍّ لكلّ آية، هو الرقم الذي نجده في مصاحفنا اليوم؟ كيف كان يخبرهم أنّ الآية السابقة تنتهي عند ذلك اللفظ، وأنّ الآية اللاحقة تبدأ عند هذا اللفظ؟
هل كانت تجزئة الآيات، وابتداء كلٍّ منها حيث تبدأ، وانتهاؤها حيث تنتهي، عملاً توقيفيّاً من السماء، أم اقترحه الصحابة في حياة النبيّ ﷺ، أو ربّما بعد وفاته؟
هل كان جبريل يدلّه على بداية الآيات ونهايتها في كلّ مرّةٍ يتنزّل بها الوحي؟ لماذا لا نجد بين أيدينا أيّ حديثٍ نبويٍّ قاطعٍ وواضحٍ نرجع إليه في هذه المسألة؟
إنّه لا ينبغي أن نستهين بصعوبة التحقّق من هذا الجانب التوثيقيّ لآيات الكتاب الكريم.
تصوّروا معي أوّلاً كيف كان يمكن للرسول ﷺ أن يتسلّم الآية أو الآيات من جبريل، وعلى مدى ثلاثةٍ وعشرين عاماً، ومن كتابٍ ضخمٍ بهذا الحجم، فيَعرف ترتيبها التسلسليّ في السورة، مستحضراً ما قبلها وما بعدها من آياتٍ، ليحدّد لكتَبة القرآن تماماً: في أيّة سورةٍ سيكون مكان هذه الآية، ثمّ في أيّ مكانٍ من تلك السورة سيكون ترتيبها، ويقول لهم: "ضَعوا هذه في السُّورةِ الَّتي يُذكرُ فيها كذا وكذا"، كما سبق أن عرفنا في حديث عبد الله بن عبّاس.
ولكنّ الأصعب من هذا بمراحل هو الشقّ الآخر، والدقيق، من تلك العمليّة التوثيقيّة الهامّة: كيف كان الرسول ﷺ يحدّد للصحابة فواصل الآيات: هذه الآية تنتهي عند هذه الكلمة، وتلك الآية تبدأ من تلك الكلمة؟
إنّنا لا نجد بين أيدينا نصّاً قرآنيّاً أو نبويّاً يجيب عن هذا السؤال إجابةً مباشرةٌ وقطعيّة. كلّ ما نملكه في هذا الصدد آيةُ سورة (المزّمّل) سالفة الذكر، والتي توصي الرسول ﷺ، وتوصينا، بأن "نرتّل"، أو نقطّع، آيات كتاب الله في تلاوتنا، فنقرأها مجزّأةً، آيةً بعد آية:
- قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا ﴿٢﴾ نِّصْفَهُ أَوِ انقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا ﴿٣﴾ أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا ﴿٤﴾ [المزّمّل: 2-4]
ولكنّنا نذهب إلى أنّ في هذه الآية الرابعة من (المزّمّل)، لو فهمناها حقّ الفهم، ما يكفينا من دلالةٍ على استقرار أمر تقطيع الآيات عند المسلمين، ومعرفتهم بفواصلها، منذ اللحظة التي كانت تتنزّل فيها من السماء.
كان هذا الجزء الأوّل من السورة من أوائل ما نزل من القرآن. وهو يؤكّد لنا أنّ أمر "ترتيل" الآيات، أو بمعنىً آخر: تجزئتها، والتوقّف بين الآية والأخرى، قد ارتبط ارتباطاً عضويّاً بتلاوتها منذ لحظة التنزّل. من أجل هذا عدّه الصحابة والمدوّنون أمراً تلقائيّاً ومسلّماً به، وجزءاً لا يتجزّأ من آليّة قراءة كلمات الوحي، فلم يعنوا به، ولم يهتمّوا بتوثيقه أو تدوينه. وكان ﷺ، فوق هذا، يمنح نفسه من الوقت، ومن الفواصل بين الآية والآية، ما يجعل السورة التي يتلوها تبدو أطول ممّا هو أطول منها من السوَر، كما تخبرنا إحدى أمّهات المؤمنين:
- عن حفصةَ أمِّ المؤمنين قالت: "ما رَأيتُ رَسولَ اللهِ ﷺ في سُبحَتِه – أي في نوافله – قاعِداً، حتَّى كان قَبلَ وفاتِه بعامٍ، فكان يُصَلِّي في سُبحَتِه قاعِداً. وكان يَقرَأُ بالسُّورةِ فيُرَتِّلُها – أي يتوقّف بين آياتها – حتَّى تَكونَ أطولَ مِن أطولَ منها – أي حتّى تبدو تلاوتها أطول ممّا هو أطول منها من السوَر –. وفي رِوايةٍ: بعامٍ واحِدٍ أوِ اثنَينِ". [رواه مسلم]
إنّ هذا يجيبنا عن تساؤلنا الذي طرحناه على أنفسنا مع بداية حديثنا: لماذا لم يكلّفوا أنفسهم عناء توثيق هذه الحقيقة وإخبارنا بها أو تدوينها، رغم أنّها ارتبطت عندهم منذ البداية هذا الارتباط العضويّ بتلاوة القرآن، واستمرّت على ذلك الارتباط حتّى وفاة النبيّ ﷺ؟
أمّا الاستعمال الآخر لهذا اللفظ في كتاب الله فهو في وصف نزول القرآن من السماء "مرتّلاً"، أي مجزّءاً على مراحل زمنيّةٍ متفاوتةٍ، ومتناسبةٍ في خطابها ومعالجاتها مع تطوّر ظروف الدعوة، وما يطرأ على المسلمين ومن حولهم من أحداثٍ فرديّةٍ أو عامّةٍ امتدّت على مدى أكثر من عشرين عاماً:
- وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً ۚ كَذَٰلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ ۖ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا [الفرقان: 32]
ويذهب بعض المفسّرين مذاهب بعيدةً، ومُشكلةً، في معنى اللفظ كما ورد في سورة (المزّمّل)، فقالوا إنّه يمكن أن يعني البطء، والترسّل، والانتظام، ووضوح الحروف في القراءة. واستشهدوا لإثبات هذا المعنى بحديثٍ ضعيفٍ عن عائشة تصف لنا فيه تلاوة النبيّ ﷺ للقرآن:
- قالت عائشةُ في صفةِ قراءتِه ﷺ: "..لا كسَرْدِكمْ هذا، لو أراد السامعُ أن يَعُدَّ حروفَه لَعَدَّها – وفي روايةٍ أخرى لها عن قراءته: كانت بيّنةً مترسّلة –". [رواه الزيلعي في تخريج الكشّاف، ولم أجد من خرّجه]
ولكن يقوّي معنى هذا الحديث، ويمنحه المزيد من الوضوح، روايةٌ أخرى لعائشة في البخاري ومسلم، وأخرى لأبي داود، جاء فيها:
- عن عُروةَ بنِ الزبيرِ، عن عائشةَ أمِّ المؤمنين قالت – لعروة –: ألا يُعجِبُكَ أبو فُلانٍ؟ - وفي رواية مسلم: ألا يُعجبكَ أبو هريرةَ؟ - جاءَ فجَلَسَ إلى جانِبِ حُجرَتي، يُحَدِّثُ عن رَسولِ اللهِ ﷺ، يُسمِعُني ذلك، وكُنتُ أُسَبِّحُ – أي أصلّي نافلةً –، فقامَ قَبلَ أن أقضيَ سُبْحَتي، ولو أدرَكتُه لَرَدَدتُ عليه: إنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ لَم يَكُنْ يَسرُدُ الحَديثَ كَسَردِكُم – أي لم تكن كلماته تتوالى الواحدة بعد الأخرى من غير أن تتناسب في نغمتها وطريقة نطقها مع السياق. وتضيف روايةٌ لأبي داود صحّحها الألباني: ولكنَّه كان يتكلَّمُ بكلامٍ بيِّنٍ فصلٍ، يحفظُه من جلس إليه –". [متّفق عليه، واللفظ للبخاري]
والواضح أنّ لفظ "الترتيل"، ومن خلال السياقين القرآنيّين اللذين ورد فيهما، ومن خلال حديث حفصة، يشير بشكلٍ عامّ إلى معنى "التقطيع" أو "التجزئة". ويبدو هذا واضحاً في سورة (الفرقان) حين تصف الآية نزول القرآن مجزّءاً على مراحل، وليس مرّةً واحدة {وَرَتّلناهُ تَرتِيلًا}، وكذلك في سورة (المزّمل) التي يُفهم معنى الترتيل فيها على أنّه طريقة قراءتنا للقرآن مجزّءاً أو مقطّعاً، آيةً فآية.
ومعنى التقطيع أو التجزئة هذا هو في الواقع أحد المعاني الأهمّ للفظ (الترتيل) حسب المعجم العربيّ. فيقال (ثغرٌ رَتَلٌ) أي حَسَنُ تنضيد الأسنان، أو أسنانه متفرّقةٌ متباعدةٌ. ويؤكّد لنا هذا المعنى حديثُ أمّ سلَمة عن أنّ رسول الله ﷺ كان "يُقطّعُ قراءتَه"، فيقف بعد كلّ آيةٍ قبل أن ينتقل إلى التي تليها:
- عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، أمِّ المؤمنين، قَالَتْ: "كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُقَطِّعُ قِرَاءَتَهُ، يَقُولُ: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} ثُمَّ يَقِف، ثُمَّ يَقُولُ: {الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} ثُمَّ يَقِف..". [رواه أبو داود، وصحّحه الألباني]
بين التجزئة البشريّة والتجزئة الإلهيّة:
كثيراً ما كنت أتساءل وأنا أقرأ آية المُداينة، وهي الآية الأطول في القرآن، وتمتدّ إلى صفحةٍ كاملة، فأقول في نفسي: لماذا جُمعت كلّ هذه المعاني في آيةٍ واحدة؟ ما الحكمة الإلهيّة من إطالتها؟ وما الذي كان يمنع المسلمين، لو حدث أن أُسند أمرُ تقطيع الآيات إليهم، من تقسيمها إلى عدة آيات؟
ولنقرأ الآية معاً:
- يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ ۚ وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ ۚ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَن يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ ۚ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا ۚ فَإِن كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَن يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ ۚ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِن رِّجَالِكُمْ ۖ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَن تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَىٰ ۚ وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا ۚ وَلَا تَسْأَمُوا أَن تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَىٰ أَجَلِهِ ۚ ذَٰلِكُمْ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَىٰ أَلَّا تَرْتَابُوا ۖ إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا ۗ وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ ۚ وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ ۚ وَإِن تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ ۗ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۖ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ ۗ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [البقرة: 282]
لو حدث أن أُسند الأمر إلى الصحابة، وهم بشرٌ مثلي أيضاً، ويمكن أن يكونوا قد طرحوا على أنفسهم أسئلةً كأسئلتي حول طول الآية، لقسّموا، ربّما، هذه الآية إلى خمس آياتٍ على الأقلّ تنتهي بالعبارات التالية: {وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا – فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى – وَأَدْنَىٰ أَلَّا تَرْتَابُوا – أَلَّا تَكْتُبُوهَا – بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيم}.
ولم أجد إجابةً عن تساؤلاتي إلّا أمراً منطقيّاً واحداً قد يكون فيه بعض هذه الإجابة، وليس كلّها قطعاً، وهو أنّ من المنهجيّة العلميّة، وقياساً لتفكيرنا البشريّ، أن تُختتم أطول سورةٍ في القرآن؛ بأطول آيةٍ فيه أيضاً. إنّ طول هذه الآية يمثّل جزءاً من الشخصيّة اللغويّة للسورة.
فسورة البقرة تتفرّد بكثرة هذا النوع من الآيات، لأنّها تستأثر، دون غيرها من السوَر، بأكبر عددٍ من الآيات المطوّلة في القرآن الكريم، والتي قد تمتدّ أحياناً إلى نصف صفحةٍ أو أكثر، ومنها الآيات (61 – 102 – 177 – 187 – 196 – 217 – 233 – 249 – 259).
ولكن هناك وجهٌ آخر معاكسٌ للصورة يخرج بنا عن مقاييسنا البشريّة هذه، ولا نجد تفسيراً له في مناهجنا العلميّة المتداولة، ويؤكّد لنا من جديد، أنْ لا يد للصحابة، ولا لأيّ بشرٍ آخر، في أمر تقطيع الآيات، وأنّه لا يمكن لمثل هذا التقطيع أن يتمّ إلّا من قِبل السماء.
وإلّا فما الذي جعل هؤلاء البشر، لو كان النظام التقطيعيّ للآيات من صنعهم، يتوقّفون عند مثل هذه النهايات التي تنتهي عندها بعض آيات الكتاب الحكيم حيث لا نتوقّع، نحن كبشر، أن تنتهي، لتبدأ بعدها الآيات التي تليها، ممّا تنبّه البلاغيّون إلى غرابته، وأطلقوا عليه مصطلح (التضمين)؟
ولنبدأ بهاتين الآيتين التوضيحيّتين:
- يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ ۖ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا ۗ وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ ۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ ﴿٢١٩﴾ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ۗ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَىٰ ۖ قُلْ إِصْلَاحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ ۖ وَإِن تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ ۚ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ ۚ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴿٢٢٠﴾ [البقرة: 219-220]
فنحن من حقّنا أن نتساءل هنا: ما دام مَطلع الآية الثانية {فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة} متعلّقاً بختام الآية الأولى {لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ}، بحيث يمكن أن تُقرأ العبارتان القرآنيّتان موصولتين هكذا: {لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة}، فلماذا، إذن، لم تُضمّ عبارة {فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة} إلى الآية الأولى فتُختتم بها تلك الآية، لتبدأ الآية بعدها بعبارة {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَىٰ}؟
قد يعلّق أحد المشكّكين: طبعاً، إنّها السجعة! إنّها هي التي جعلت الآية الأولى تتوقّف عند (تَتَفَكَّرُونَ) لتبدأ بعدها الآية الثانية ولمّا تكتمل عبارة الآية السابقة نحويّاً بعد!
ولو كان الأمر كذلك حقّاً؛ فهل كان القارئ سيشعر بأيّ فارقٍ لو حدث أن استُغني تماماً، في سبيل الحفاظ على هذه السجعة، عن عبارة {فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة}، فتُختتم الآية الأولى عند عبارة {لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ}، لتبدأ الآية بعدها هكذا: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَىٰ}؟
ومن السهل جدّاً أن تطالعك مثل هذه الخواتيم أو الفواصل في آياتٍ عديدةٍ أخرى، مثل:
- كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ [البقرة: 266]
- قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَىٰ وَالْبَصِيرُ ۚ أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ [الأنعام: 50]
- فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ [الأعراف: 176]
منهجيّة القرآن في تقطيع الآيات:
وما يؤكّد خصوصيّة منهجيّة القرآن في هذا المنحى من تقطيع الآيات؛ أنّ هذه المنهجيّة تشكّل في الواقع ظاهرةً جليّةً من ظواهره البلاغيّة. فهذه الحالة تتكرّر في مواضع عديدةٍ أخرى من القرآن، مع اختلاف نوعها وطبيعتها النحويّة في كلّ مرّة. وقد استطعت أن أحصي منها هذه النماذج على الأقلّ، مثالاً لا حصراً:
- نّزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنجِيلَ ﴿٣﴾ مِن قَبْلُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَأَنزَلَ الْفُرْقَانَ ۗ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ ۗ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انتِقَامٍ ﴿٤﴾ [آل عمران: 3-4] [فقد كان يمكن أن تنتهي الآية الأولى عند لفظ (الْفُرْقَانَ) وليس عند لفظ (وَالْإِنجِيلَ)]
- إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ ﴿٩٦﴾ وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّىٰ يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ ﴿٩٧﴾ [يونس: 96-97] [فقد كان يمكن للآية الأولى أن تستمرّ حتّى نهاية الآية التي تليها].
- إِن نَّقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ ۗ قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ ﴿٥٤﴾ مِن دُونِهِ ۖ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنظِرُونِ ﴿٥٥﴾ [هود: 54-55]
- وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُّبِينٍ ﴿٩٦﴾ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ ۖ وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ ﴿٩٧﴾ [هود: 96-97]
- وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُّوحِي إِلَيْهِمْ ۚ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴿٤٣﴾ بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ ۗ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ﴿٤٤﴾ [النحل: 43-44]
- قَالَ يَا هَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا ﴿٩٢﴾ أَلَّا تَتَّبِعَنِ ۖ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي ﴿٩٣﴾ [طه: 92-93]
- أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُم بِهِ مِن مَّالٍ وَبَنِينَ ﴿٥٥﴾ نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ ۚ بَل لَّا يَشْعُرُونَ ﴿٥٦﴾ [المؤمنون: 55-56]
- .. وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴿٣٥﴾ فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ ﴿٣٦﴾ رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ ۙ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ ﴿٣٧﴾ [النور: 35-37]
- وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ تَعْبُدُونَ ﴿٩٢﴾ مِن دُونِ اللَّهِ هَلْ يَنصُرُونَكُمْ أَوْ يَنتَصِرُونَ ﴿٩٣﴾ [الشعراء: 92-93]
- نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ ﴿١٩٣﴾ عَلَىٰ قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ ﴿١٩٤﴾ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ ﴿١٩٥﴾ [الشعراء: 193-195]
- وَجَدتُّهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ ﴿٢٤﴾ أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ ﴿٢٥﴾ [النمل: 24-25]
- قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ ﴿٢٩﴾ إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿٣٠﴾ أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ ﴿٣١﴾ [النمل: 29-31]
- غُلِبَتِ الرُّومُ ﴿٢﴾ فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ ﴿٣﴾ فِي بِضْعِ سِنِينَ ۗ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ ۚ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ ﴿٤﴾ بِنَصْرِ اللَّهِ ۚ يَنصُرُ مَن يَشَاءُ ۖ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ ﴿٥﴾ [الروم: 2-5] [لاحظ انقطاع حرف الجرّ هنا عن متعلَّقهِ ثلاث مرّاتٍ في ثلاث آياتٍ متتالية]
- قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ ۖ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ ﴿٢٦﴾ بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ ﴿٢٧﴾ [يس: 26-27]
- احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ ﴿٢٢﴾ مِن دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَىٰ صِرَاطِ الْجَحِيمِ ﴿٢٣﴾ [الصافّات: 22-23]
- أَلَا إِنَّهُم مِّنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ ﴿١٥١﴾ وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ ﴿١٥٢﴾ [الصافّات: 151-152]
- وَإِن كَانُوا لَيَقُولُونَ ﴿١٦٧﴾ لَوْ أَنَّ عِندَنَا ذِكْرًا مِّنَ الْأَوَّلِينَ ﴿١٦٨﴾ [الصافّات: 167-168]
- أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ ﴿٥٨﴾ إِلَّا مَوْتَتَنَا الْأُولَىٰ وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ ﴿٥٩﴾ [الصافّات: 58-59]
- رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ ﴿٦٦﴾ قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ ﴿٦٧﴾ أَنتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ ﴿٦٨﴾ [ص: 66-68]
- قُلْ يَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَىٰ مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ ۖ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ﴿٣٩﴾ مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُّقِيمٌ ﴿٤٠﴾ [الزمر: 39-40]
- وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُّبِينٍ ﴿٢٣﴾ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَقَارُونَ فَقَالُوا سَاحِرٌ كَذَّابٌ ﴿٢٤﴾ [غافر: 23-24]
- الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتَابِ وَبِمَا أَرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا ۖ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ﴿٧٠﴾ إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلَاسِلُ يُسْحَبُونَ ﴿٧١﴾ فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ ﴿٧٢﴾ ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ تُشْرِكُونَ ﴿٧٣﴾ مِن دُونِ اللَّهِ ۖ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا بَل لَّمْ نَكُن نَّدْعُو مِن قَبْلُ شَيْئًا ۚ كَذَٰلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكَافِرِينَ ﴿٧٤﴾ [غافر: 70-74] [ولاحظ هنا أيضاً تكرار الانقطاع في الآيات ثلاث مرّات]
- إِنَّ هَٰؤُلَاءِ لَيَقُولُونَ ﴿٣٤﴾ إِنْ هِيَ إِلَّا مَوْتَتُنَا الْأُولَىٰ وَمَا نَحْنُ بِمُنشَرِينَ ﴿٣٥﴾ [الدخان: 34-35]
- إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ ﴿٤٣﴾ طَعَامُ الْأَثِيمِ ﴿٤٤﴾ كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ ﴿٤٥﴾ كَغَلْيِ الْحَمِيمِ ﴿٤٦﴾ [الدخان: 45-46]
- وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلَا نُزِّلَتْ سُورَةٌ ۖ فَإِذَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ مُّحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ ۙ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ ۖ فَأَوْلَىٰ لَهُمْ ﴿٢٠﴾ طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَّعْرُوفٌ ۚ فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ ﴿٢١﴾ [محمّد: 20-21]
- إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ ﴿٣٩﴾ فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ ﴿٤٠﴾ عَنِ الْمُجْرِمِينَ ﴿٤١﴾ مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ ﴿٤٢﴾ [المدّثّر: 39-42]
- أَلَا يَظُنُّ أُولَٰئِكَ أَنَّهُم مَّبْعُوثُونَ ﴿٤﴾ لِيَوْمٍ عَظِيمٍ ﴿٥﴾ [المطفّفين: 4-5]
وبمقابل ذلك؛ نجد آياتٍ أخرى كان يمكن لكلّ منها، لو نظرنا إليها، أو لو نظر إليها المسلمون عند تنزّل الوحي، بمقاييسنا البشريّة، أن تتوزّع إلى آيتين أو أكثر، كما في هذه الآيات:
- قُلْ يَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَىٰ مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ ۖ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ ۗ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ [الأنعام: 135]
- إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ ۚ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ ۗ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَىٰ جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ [الأنفال: 36]
- قُلْ مَن كَانَ فِي الضَّلَالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَٰنُ مَدًّا ۚ حَتَّىٰ إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ إِمَّا الْعَذَابَ وَإِمَّا السَّاعَةَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَّكَانًا وَأَضْعَفُ جُندًا ﴿٧٥﴾ وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى ۗ وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ مَّرَدًّا ﴿٧٦﴾ [مريم: 75-76]
- قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ ﴿٤٧﴾ رَبِّ مُوسَىٰ وَهَارُونَ ﴿٤٨﴾ قَالَ آمَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ ۖ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ۚ لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِّنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ ﴿٤٩﴾ [الشعراء: 47-49]
وهناك ظاهرةٌ قرآنيّةٌ هامّةٌ أخرى في هذا الباب.
فلو نظرنا إلى المنهج القرآنيّ في تقطيع الآيات المكوّنة من حروف في بعض فواتح السوَر؛ لتبيّنّا أنّه لا يقوم على نظامٍ واحد يغطّي السور الثماني والعشرين التي تبدأ بمثل هذه الفواتح. فنجد حروف أوائل السور وقد انفردت بآيةٍ مستقلّةٍ في سبع عشرة سورةً، كما في هذه المطالع:
- الم ﴿١﴾ ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ ۛ فِيهِ ۛ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ ﴿٢﴾ [البقرة: 1-2]
- كهيعص ﴿١﴾ ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا ﴿٢﴾ [مريم: 1-2]
- طسم ﴿١﴾ تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ ﴿٢﴾ [الشعراء: 1-2]
على حين أُدمجت هذه الحروف في عشر سورٍ أخرى مع كلماتٍ إضافيّةٍ لتكوّن معها الآيةَ الأولى من السورة، فلا تختصّ تلك الحروف بآية مثلما حدث في السورَ السبع عشرة الأولى، كما نرى في مطالع هذه السوَر:
- الر ۚ تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ ﴿١﴾ [يونس: 1]
- ص ۚ وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ ﴿١﴾ [ص: 1]
- ق ۚ وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ ﴿١﴾ [ق: 1]
على حين نجد الحروف الخمسة في مطلع سورةٍ أخرى واحدة، وخلافاً للتوزيعين السابقين، قد انفصلت إلى آيتين اثنتين:
- حم ﴿١﴾ عسق ﴿٢﴾ [الشورى: 1-2]
ولكن، وبعد كلّ هذا التنقّل بين محطّات الأحاديث والآيات والنتائج المستخلصة منها، لا مفرّ من أن نحطّ رحالنا في النهاية عند المحطّة التوثيقيّة الهامّة الأولى، تلك التي انطلقنا منها في التعامل مع توقيفيّة كتاب الله، وهي المحطّة التي ستغنينا، ونحن نتحقّق من توقيفيّة نظام تقطيع السور وتقطيع الآيات، عن كلّ المحطّات الفرعيّة الأخرى التي مررنا بها.
إنّها محطّتنا الأخيرة، ومعجزة التوثيق الجماعيّ اليوميّ المسموع للمسلمين، في كلّ أنحاء الأرض، لكتاب الله تعالى، والذي لم تتوقّف آليّتها على ألسنة القرّاء منذ اللحظة التي أخذوا فيها كلماته عن النبيّ ﷺ، مقطّعةً سوَرُه، ومقطّعةً آياتُه، روايةً على الألسن، وكتابةً في المصاحف، إلى يومنا هذا. وهو سببٌ أكثر من كافٍ ليغنينا عن التوقّف عند المحطّات التوثيقيّة الأخرى، على أهميّتها.
بقلم: أحمد بسام ساعي
جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين


