صفحات من كتاب (إدارة التلاوة.. أعد اكتشاف علاقتك مع القرآن الكريم) (18)

صفحات من كتاب (إدارة التلاوة.. أعد اكتشاف علاقتك مع القرآن الكريم) (18)

التصنيف: فقه الدعوة
الجمعة، ٣ صفر ١٤٤٨ هـ - ١٧ تموز ٢٠٢٦
32

3- أسماء السُّوَر، وتسلسلها، وترتيب آياتها، وتقطيعها، وترقيمها
[القسم الأوّل]


ترتيب سوَر القرآن الكريم، هل تمّ في حياة النبيّ ﷺ؟
تباينت مواقف العلماء تبايناً واضحاً حول هذا الموضوع. فقد ذهب بعضهم إلى أنّ ترتيب السوَر توقيفيّ من عند الله، شأنه شأن ترتيب الآيات، وذهب آخرون إلى أنّ النبيّ ﷺ ترك أمر هذا الأمر للصحابة من بعده، فهو إذن أمرٌ توفيقيّ.
ومن المفيد أوّلاً أن نستأنس بأقوال هؤلاء العلماء لنكوّن فكرةً عن أبعاد هذا التباين في مواقفهم، وذلك من خلال ما جاء في كتاب (الإتقان في علوم القرآن) من روايات حول هذا الموضوع. يقول السيوطي:
"وقال القاضي أبو بكرٍ في (الانتصار): "يمكن أن يكون الرسول ﷺ قد رتّب سوَره، و [يمكن] أن يكون قد وكَل ذلك إلى الأمّة بعده ولم يتولّ ذلك بنفسه. قال: وهذا الثاني أقرب.
وأخرج عن ابن وهْبٍ قال: سمعت مالكاً يقول: إنّما أُلِّف القرآن [أي رُتّبت سوَره] على ما كانوا يسمعون من النبيّ ﷺ.
وقال البغويّ في (شرح السنّة): إنّ سعي الصحابة كان في جمعه في موضعٍ واحدٍ لا في ترتيبه. فإنّ القرآن مكتوبٌ في اللوح المحفوظ على هذا الترتيب، أنزله الله جملةً إلى السماء الدنيا، ثم كان يُنزله مفرَّقاً عند الحاجة، وترتيب النزول غير ترتيب التلاوة.
وقال ابن الحصّار: ترتيب السور ووضع الآيات مواضعها إنّما كان بالوحي. كان رسول الله ﷺ يقول: "ضعوا آية كذا في موضع كذا"، وقد حصل اليقين من النقل المتواتر بهذا الترتيب من تلاوة رسول الله ﷺ، وممّا أجمع الصحابة على وضعه هكذا في المصحف..
قال ابن فارس: جَمْع القرآن على ضربين: أحدهما: تأليف السوَر [أي ترتيبها]، كتقديم السبع الطوال وتعقيبها بالمئين، فهذا هو الذي تولّته الصحابة. وأمّا الجمع الآخر: وهو جمع الآيات في السوَر، فهو توقيفيٌّ تولّاه النبيّ ﷺ كما أخبر به جبريل عن ربّه.
وممّا استُدِلَّ به لذلك؛ اختلاف مصاحف السلف في ترتيب السوَر. فمنهم من رتّبها على النزول، وهو مصحف عليّ، كان أوّله: اقرأ، ثمّ المدّثّر، ثمّ ن، ثمّ المزّمّل، ثم تبّت، ثمّ التكوير، وهكذا إلى آخر المكّيّ والمدنيّ.
وكان أوّلَ مصحف ابن مسعود: البقرة، ثمّ النساء، ثمّ آل عمران، على اختلافٍ شديد، ثمّ مصحف أُبيّ وغيره..
قال أبو بكرٍ الأنباريّ: أنزل الله القرآن كلّه إلى سماء الدنيا، ثمّ فرّقه في بضعٍ وعشرين [أي سنة]. فكانت السورة تنزل لأمرٍ يَحدث، والآيةُ جواباً لمستخبِر، ويوقِف جبريلُ النبيّ ﷺ على موضع الآية والسورة. فاتّساق السوَر كاتّساق الآيات والحروف [أي الألفاظ]، كلّه عن النبيّ ﷺ، فمن قدّم سورةً أو أخّرها فقد أفسد نظم القرآن.
وقال الكرماني في (البرهان): ترتيب السوَر هكذا هو عند الله في اللوح المحفوظ على هذا الترتيب..
وقال البيهقيّ في (المدخل): كان القرآن على عهد النبيّ ﷺ مرتّباً سوَرُه وآياته على هذا الترتيب [أي الحاليّ]، إلّا الأنفال وبراءة، لحديث عثمان السابق. ومال ابنُ عطيّة إلى أنّ كثيراً من السوَر كان قد عُلِم ترتيبها في حياته ﷺ، كالسبع الطوال، والحواميم، والمفصّل، وأنّ ما سوى ذلك يمكن أن يكون قد فَوّض الأمر فيه إلى الأمّة بعده." (1)
ونفهم من دراسة هذه الأقوال، وبالعودة إلى المصادر التي اعتمدتها في الحديث الشريف، أنّ النبيّ ﷺ قد سنّ الطريق أوّلاً للمسلمين في ترتيب سوَر القرآن الكريم، وذلك حين ميّز لهم تمييزاً واضحاً بين أربع مجموعاتٍ كبرى من هذه السور تبعاً لأحجامها، وكأنّه كان بيّن لهم ترتيب هذه المجموعات كما ينبغي أن يكون في القرآن عندما كان يحدّثهم عنها، وذلك على الشكل التالي: السبع الطوال، ثمّ المئين، ثمّ المثاني، ثمّ المفصّل:
- عن واثلةَ بنِ الأسقَعِ اللَّيثيّ قال: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ: "أُعطِيتُ مكانَ التَّوراةِ السَّبعَ الطِّوالَ، وأُعطِيتُ مكانَ الزَّبورِ المئين – وهي السوَرُ التي يقترب عدد آياتها من المائة أو يتجاوزها –، وأُعطِيتُ مكانَ الإنجيلِ المثانيَ – وهي السوَرُ التي يقلُّ عددُ آياتِها عن المائة –، وفُضِّلتُ بالمُفصَّلِ – وهي السوَر من (محمّد) أو (ق) حتّى آخرِ القرآن –". [رواه أحمد، وصحّحه الألباني]
ويتكوّن المفصّل، كما يحدّده العلماء، من ثلاث مجموعات: طِوالٌ، وأوساطٌ، وقصار. فطِواله إلى سورة (عمّ)، وأوساطه إلى سورة (الضحى)، وقصاره من هذه السورة حتّى آخر القرآن. ولا تجد، ضمن أيٍّ من هذه المجموعات الثلاث، ترتيباً قسرياً للسوَر تبعاً لطولها كما يدّعي بعض المستشرقين.
فسورة (الأحزاب)، مثلاً، عشر صفحات، تسبقها مباشرةً سورة (السجدة) وهي ثلاث صفحات، وتسبقهما مباشرةً سورة (لقمان) وهي أربع صفحات! ممّا يشير إلى أنّ هناك ترتيباً نبويّاً أوّليّاً توزّعت فيه السور في مجموعاتٍ تبعاً لأطوالها: الطوال، ثمّ المئين، ثمّ المثاني، ثمّ المفصّل، ولكنّ ترتيب السور بعد ذلك، داخل كلّ مجموعةٍ، لا يلتزم التزاماً مطلقاً بطولها.
وتوثّق لنا ترتيبَ السوَر كما هي بين أيدينا الآن؛ عدّةُ روايات. ويأتي على رأس هذه الروايات حديث يوسُف بن ماهَكَ عن عائشة أمّ المؤمنين، وقد احتفظت بنسخةٍ كاملةٍ من القرآن الكريم بعد وفاة النبيّ ﷺ، وجاء إليها الراوي ليوثّق ترتيب السور في نسخته من خلال ترتيب مصحف عائشة:
- عن يوسُفَ بنِ ماهَكَ قال: "إنِّي عِنْدَ عَائِشَةَ أُمِّ المُؤْمِنِينَ، إذْ جَاءَهَا عِرَاقِيٌّ فَقال: .. يا أُمَّ المُؤْمِنِينَ، أرِينِي مُصْحَفَكِ؟ قالَتْ: لِمَ؟ قال: لَعَلِّي أُوَلِّفُ القُرْآنَ عليه – أي أرتّبُ سوَرَ نسختي منه وفقاً لترتيب نسختك الأصليّة –، فإنَّه يُقْرَأُ غيرَ مُؤَلَّفٍ. قالَتْ: وما يَضُرُّكَ أيَّهُ قَرَأْتَ قَبْلُ؟ إنَّما نَزَلَ أوَّلَ ما نَزَلَ منه سُورَةٌ مِنَ المُفَصَّلِ، فِيهَا ذِكْرُ الجَنَّةِ والنَّارِ – أي فيها آياتٌ تُرغّبُ الناسَ بالجنّة وتُرهِبُهم مِنَ النار حتّى يُسلِموا –، حتَّى إذَا ثَابَ النَّاسُ إلى الإسْلَامِ – أي اطمأنّوا ورسخَ الإيمانُ في نفوسِهم – نَزَلَ الحَلَالُ والحَرَامُ، ولو نَزَلَ أوَّلَ شيءٍ: لا تَشْرَبُوا الخَمْرَ، لَقالوا: لا نَدَعُ الخَمْرَ أبَداً، ولو نَزَلَ: لا تَزْنُوا، لَقالوا: لا نَدَعُ الزِّنَى أبَداً. لقَدْ نَزَلَ بمَكَّةَ علَى مُحَمَّدٍ ﷺ وإنِّي لَجَارِيَةٌ – أي ما أزالُ طفلةً – ألْعَبُ: {بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ والسَّاعَةُ أدْهَى وأَمَرُّ} [القمر: 46] – أي نزلت السورة التي فيها هذه الآية مبكّراً، على حين جاء ترتيبُها متأخّراً في المُصحَف –، وما نَزَلَتْ سُورَةُ البَقَرَةِ والنِّسَاءِ إلَّا وأَنَا عِنْدَهُ – أي نزلتا متأخّرتين بعد زواجي منه، ومع ذلك فقد جاء ترتيبُهما في مقدّمة المُصحَف –. قال: فأخْرَجَتْ له المُصْحَفَ، فأمْلَتْ عليه آيَ السُّوَر – أي الآيةَ التي على رأسِ كلِّ سورة فيَعرِفُ منها موضعَ هذه السورة في المُصحَف، وكان ذلك قبل أن يتوافق المسلمون على اسمٍ نهائيٍّ لكلّ سورةٍ فتُعرف به –". [رواه البخاري]
ويؤكّد لنا الحديث الذي سبق ذكره عن نسخة المصحف العثمانيّ أنّ هذه النسخة قد أُخذت عن النسخة النبويّة التي كانت عند حفصة بنت عمر "وكَانَتِ الصُّحُفُ الَّتي جُمِعَ فِيهَا القُرْآنُ – أيّام النبيّ ﷺ – عِنْدَ أبِي بَكْرٍ حتَّى تَوَفَّاهُ اللَّهُ، ثُمَّ عِنْدَ عُمَرَ حتَّى تَوَفَّاهُ اللَّهُ، ثُمَّ عِنْدَ حَفْصَةَ بنْتِ عُمَرَ". [رواه البخاري].
وهناك أحاديث عدّةٌ توثّق لنا، لو اجتمعت، أصول الترتيب النبويّ للسور في القرآن الكريم، ومنها هذا الحديث الذي يذكر فيه النبيّ ﷺ عدّة سورٍ، بأسمائها، وهذه السوَر تتوزّع مواقعها بين أوائل المصحف وأوسطه وأواخره، ولكنّها جاءت في الحديث الشريف بالترتيب المصحفيّ نفسه الذي بين أيدينا اليوم:
- عن عبدِ اللهِ بنِ عبّاسٍ قال: "قالَ أبو بَكْرٍ – الصِّدِّيق –: يا رسولَ اللَّه، قد شِبتَ! قالَ: شيَّبَتْني هُودٌ، والواقعةُ، والمُرْسَلاتُ، وعَمَّ يتَسَاءَلُونَ، وإِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ". [رواه التِّرمِذي، وصحّحه الألباني]
وهكذا في الحديث الآخر عندما صنّف الرسول ﷺ مجموعات السوَر التي يمكن أن يبدأ بها ذلك الذي طلب منه أن يساعده في قراءة القرآن، فعرض عليه ثلاث مجموعاتٍ في ثلاثة خياراتٍ من السوَر، متدرّجاً في سرد أسمائها تبعاً لتدرّجها في مصاحفنا اليوم، بدءاً من السوَر التي تبدأ بـ (الر)، يليها السوَر التي تبدأ بـ (حم)، ثمّ السوَر التي تبدأ بالتسبيح (المسبّحات)، وإن انفردت سورة الإسراء من هذه المجموعة الأخيرة بتقدّمها في الترتيب، رغم بدئها بالتسبيح أيضاً، وربّما كان ذلك بالنظر إلى حجمها (وقد قمت بترقيم كلّ سورةٍ وردت في الحديث كما هو ترتيبها في المصحف):
- عن عبدِ اللهِ بنِ عَمْرٍو قال: "أتى رجُلٌ رسولَ اللهِ ﷺ فقال: أَقرِئْني يا رسولَ الله! فقال: اقرَأْ ثلاثاً مِن ذواتِ (الر) – أي السُّوَرِ التي تبدأُ بهذه الحروف، وهي خمسٌ: يونُس (10)، وهُود (11)، ويوسُف (12)، وإبراهيم (14)، والحِجر (15) –. فقال: كَبِرَتْ سِنِّي، واشتَدَّ قلبي – أي ضاق حِفظي وضَعُفَت ذاكرتي –، وغَلُظَ لِساني – أي أصبحَ ثقيلاً –، قال: فاقرَأْ ثلاثاً مِن ذواتِ (حم) – أي السُّوَرُ المبدوءةُ بهذين الحرفين، وهي سبعٌ: غافِر (40)، وفُصِّلَت (41)، والشُّورَى (42)، والزُّخْرُف (43)، والدُّخان (44)، والجاثِيَة (45)، والأحقاف (46) –، فقالَ مِثلَ مَقالتِه، فقال: اقرَأْ ثلاثاً مِن المُسبِّحاتِ – أي تلك التي تبدأ بالتسبيح، وهي سبعٌ أيضاً: الإسراء (17)، والحديد (57)، والحشر(59)، والصف (61)، والجمعة (62)، والتغابن (64)، والأعلى (87) –، فقالَ مِثلَ مَقالتِه. فقالَ الرجُلُ: يا رسولَ اللهِ، أَقرِئْني سورةً جامعةً، فأَقرَأَه النَّبيُّ ﷺ: {إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ} – سورةَ الزلزلة (99) – حتّى فَرَغَ منها، فقالَ الرجُل: والذي بعَثَكَ بالحقِّ، لا أَزيدُ عليها أبداً. ثمَّ أَدبَرَ الرجُلُ، فقال النَّبيُّ ﷺ: أَفْلَحَ الرُّوَيْجِلُ (مرَّتين)". [رواه أبو داود، وحسّنه شُعَيب الأرناؤوط]
إنّ في هذه الأحاديث، وفي غيرها من الأحاديث، ما يكفي للدلالة على أنّ ترتيب السور قد تمّ بشكلٍ نهائيّ، أو لنقلْ شبه نهائيّ، في حياة النبيّ ﷺ، خلافاً لما يذهب إليه القاضي أبو بكر في (الانتصار) عندما عمّم الأمر وقال: إنّ الرسول ﷺ يمكن أن يكون قد وكل ترتيب السور إلى الأمّة بعده، وهو ما قال به غيره أيضاً، وإن عارضهم في هذا آخرون، كالبيهقيّ والأنباريّ والكرماني، كما أسلفنا.
وقد عرفنا كيف كان ردُّ عثمان بن عفّان حين سأله حَبرُ الأمّة وترجمان القرآن وابن عمّ النبيّ ﷺ، عبد الله بن عبّاس، حول أسباب ترتيبه لبعض سور القرآن المتأخّرة في النزول، ممّا لم يكن قد اطّلع عليه ابن عبّاس، فلم يواجه عثمان ذو النورين من الصعوبات، كما ورد في الحديث، ما يجعله متردّداً في ترتيب السوَر إلّا أمرَ الفصل أو الجمع بين سورتَي (الأنفال وبراءة). فقد كان موضوع السورتين واحداً ومتكاملاً، وكانت (براءة) من آخر ما نزل من القرآن، فكان أن قرن وفصل بين السورتين، في الوقت نفسه، وبطريقةٍ توفيقيّةٍ ذكيّةٍ، فجعل (براءة) بعد (الأنفال) مباشرةً، ثمّ حذف البسملة بينهما:
- ".. فكانتِ (الأنفالُ) مِن أوائلِ ما أُنزِلَ بالمدينةِ، و(بَراءَةٌ) مِن آخِرِ القرآنِ، وكانتْ قِصَّتُها شَبيهةً بقِصَّتِها – أي كان موضوع السورتين متشابهاً –، فقُبِضَ رسولُ اللهِ ﷺ ولمْ يُبيِّنْ لنا أنَّها منها – ولا العكس أيضاً –، فمِنْ ثَمَّ قَرَنْتُ بيْنَهما، ولمْ أَكتُبْ بيْنَهما سَطْرَ {بِسمِ اللهِ الرَّحمنِ الرَّحيمِ}". [رواه الحاكم في المستدرك على الصحيحين]
ولكنّنا، ورغم كلّ هذه الأقوال المتضاربة حول الزمن الذي تمّ فيه ترتيب سوَر القرآن الكريم، لا ينبغي أن نشكّ لحظةً في حقيقة هذا الترتيب، وفي اكتماله بشكله الأخير، أو شبه الأخير، في حياة النبيّ ﷺ ونحن نسمع عبدَ الله بنَ عَمرٍو يسأله عن أقصر مدّة يَسمح له بها أن يختم قراءة كتاب الله، فكان ردّ النبيّ ﷺ وخيارُه الأوّل (في شهر):
- عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، أَنَّهُ قَال: "يَا رَسُولَ اللَّه، فِي كَمْ أَقْرَأُ الْقُرْآن؟ قَال: فِي شَهْر.‏ قَال: إِنِّي أَقْوَى مِنْ ذَلِكَ (يُرَدِّدُ الْكَلاَمَ أَبُو مُوسَى – وهو أحدُ الرواة، أي أعاد عبدُ اللهِ الطلبَ أكثر من مرّة -). وَتَنَاقَصَهُ – أي ظلّ يطلبُ منه إنقاصَ مُدّةِ قراءتِه – حَتَّى قَال: اقْرَأْهُ فِي سَبْعٍ،‏ قَال: إِنِّي أَقْوَى مِنْ ذَلِك‏.‏ قَال: لا يَفْقَهُ مَنْ قَرَأَهُ فِي أَقَلَّ مِنْ ثَلاَث". [رواه أبو داود، وصحّحه الألباني]
ومن الواضح في سؤال عبد الله بن عَمرٍو "في كَم أقرأُ القرآن؟"، ثمّ في ردّ النبيّ ﷺ عليه "في شهر"، أنّ الحديث بينهما كان يدور في مرحلةٍ متأخّرةٍ من نزول الوحي توشك على الاكتمال، إن لم تكتمل تماماً، وأنّ محور الحديث كان حول "كتابٍ" كاملٍ وكبير لا بدّ أن تستغرق قراءته شهراً على الأقلّ، وليس بضعة أجزاءٍ من هذا الكتاب، وأنّه قد اكتمل جمعه وترتيبه، وله الآن مقوّماته التامّة ككتاب، بسوَره جميعاً وقد أخذت مكانها النهائيّ فيه، كلٌّ في موضعه المحدّد.

الشخصيّة اللغويّة المختلفة لنصفَي القرآن الكريم:
وممّا يزيدنا تأكّداً من أنّ ترتيب السور كما هو عليه الآن، بشكلٍ كاملٍ أو شبه كامل، أمرٌ توقيفيّ؛ ذلك التمايز اللغويّ الفريد بين النصف الأوّل من القرآن الكريم والنصف الثاني. وهو تمايزٌ يضفي على كلٍّ من النصفين شخصيّته اللغويّة التي يختلف بها عن النصف الآخر.
ومن مظاهر هذا التمايز، مثالاً لا حصراً، تلك الاستعمالات القرآنيّة اللفظيّة الجديدة التي انحصرت، وبشكلٍ لا يمكن تغافله، في النصف الثاني من القرآن دون النصف الأوّل، وكذلك العكس.
لقد جاءت هذه الفروق اللفظيّة بين الفترة المكّيّةٍ ثمّ الفترة المدنيّة؛ بمثابة برهانٍ على هذا التمايز المقصود، والمحيِّر حقّاً، لنصفَي الكتاب الكريم بالترتيب الذي بين أيدينا للمصحف الشريف، وبغضّ النظر عن الزمن الذي نزلت به سوَر القرآن الكريم، واختلاطها في النصفين بين مكّيٍّ ومدنيّ من غير أيّ تمايز.
فالاستخدام القرآنيّ الفريد، والجديد كلّيّاً، للفعل الناقص (كان) الذي يأتي فيه بمعنى (إنّ)، كقوله تعالى {وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا} والذي لم تعرفه العربيّة قبل القرآن ولا بعده، وإلى الآن، ولم يعرفه الحديث النبويّ كذلك، هذا المعنى الجديد للفعل (كان) يتكرّر في القرآن الكريم 190 مرّةً. ولكنّ نظام توزيع هذا الفعل على السوَر القرآنيّة، في هذا الاستخدام الجديد، أكثر إثارةً للدهشة.
فأمرٌ طبيعيٌّ في سورةٍ صغيرةٍ لا تكاد تزيد عن سطرٍ واحد، كسورة (الإخلاص)، أن تكون حصّتها من المرّات الـ 190 مرّةً واحدةً على الأقلّ، وقد جاءت فيها بصيغة المضارع {ولم يكن له كفواً أحد}. فالفعل المنفيّ هنا {لَم يَكُن}، وخلافاً لاستعماله التقليديّ في تراثنا اللغويّ، قديماً وحديثاً، بما فيه الاستعمال النبويّ أيضاً، حيث كان يغطّي الزمنَ الماضي وحده، أصبح يغطّي في الاستعمال القرآنيّ الجديد الأزمنةَ الثلاثة معاً: الماضي، والحاضر، والمستقبل: (لمْ يكن، ولا يكون، ولنْ يكون).
فماذا نتوقّع أن تكون حِصّةُ سورةٍ كبيرةٍ كالبقرة من هذا الاستعمال الجديد، وهي التي يقارب حجمها 1/12 من حجم القرآن بكامله؟ والجواب: لا شيء! فماذا حول السور التي تليها ضخامةً؟ آل عمران مثلاً؟ لا شيء! والمائدة؟ لا شيء! والأنعام؟ والأعراف؟ والأنفال؟ والتوبة؟ لا شيء، لا شيء! وهكذا حتّى السورة السادسة عشرة، أي ما يقرب من نصف القرآن!! كلّ هذه السوَر تخلو تماماً من هذا الاستعمال القرآنيّ الجديد، والفريد، للفعل الناقص (كان)، ولكن مع استثناء سورةٍ واحدة.
ففي وسط هذا السهل المنبسط الفسيح، والخالي من أيّ أثرٍ لهذا الفعل في استعماله الجديد، تشرئبّ أمامنا، فجأةً، قمّةٌ شاهقةٌ من هذا الاستعمال للفعل في سورة النساء، وهي الرابعة في الترتيب القرآنيّ، فيتكرّر فيها هذا الاستعمال الجديد، وبشكلٍ حادٍّ في خروجه عن هذه القاعدة، 53 مرّة، ولكن ليختفي بعدها تماماً في السور الاثنتي عشرة التالية، حتّى منتصف القرآن!
وفي النصف الثاني نجد لهذا الفعل نظاماً جديداً في الظهور والاختفاء. فهو يتكرّر في السورة رقم (17) وهي (الإسراء)، وبشكلٍ مكثّفٍ، 27 مرّة، ثمّ يختفي على مدى سبع سورٍ متواليةٍ، لتظهر بعدها قمّةٌ جديدةٌ في السورة رقم (25) وهي (الفرقان)، فيتكرّر فيها 11 مرّة، ثمّ يعود فيختفي لسبع سورٍ أخرى حتّى يظهر في السورة (33) وهي (الأحزاب) 26 مرّةً، ثمّ يختفي تماماً لسوَرٍ عديدةٍ متواليةٍ، حتّى يعود إلى الظهور من جديدٍ في بعض السوَر المتأخّرة.
وهذه الحقيقة تدعّم فكرة أنّ لكلّ سورةٍ من سور القرآن الكريم حصنها أو "سُوْرَها" المنيع، وشخصيّتها اللغويّة المستقلّة التي تميّزها عن السور الأخرى، بحيث يصعب اختلاطُ السوَر، أو آيات هذه السور، وتَداخلُها فيما بينها.. (2)
ويكشف لنا عبد الخالق عضيمة، أيضاً، أنّ الأداة (كلّا) في القرآن لا تقتصر على السوَر المكّية دون المدنيّة، فحسب، بل يقتصر وجودها، فوق ذلك، على النصف الثاني من القرآن الكريم دون الأوّل، رغم اشتمال النصفين القرآنيّين على المكّي والمدنيّ معاً. كما يكشف لنا، إضافةً إلى ذلك، أنّ كلّ أبنية الرباعيّ المجرّد جاءت في النصف الثاني من القرآن دون النصف الأوّل، باستثناء اللفظ (زخرف). (3)
ولكنّ الأهمّ من ذلك كلّه هو حقيقة أنّ هذا التمايز اللغويّ بين نصفي القرآن الكريم ليس تمايزاً مكانيّاً، مكّياً أو مدنيّاً، ولا تمايزاً زمنيّاً، بمنظار مقاييسنا البشريّة، فقد استمرّ تنزّل القرآن على مدى ثلاثةٍ وعشرين عاماً. فالأداة (كلّا)، وهي التي اقتصرت على النصف الثاني من القرآن، ترِد، مع ذلك، ثلاث مرّاتٍ في إحدى أوائل السور زمنيّاً على الإطلاق، وهي سورة العلق، وقد نزلت في مكّة:
- كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ ‎﴿٦﴾‏ .. كَلَّا لَئِن لَّمْ يَنتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ ‎﴿١٥﴾‏ .. كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِب ۩ ‎﴿١٩﴾‏
ولكنّ هذه السورة المكّيّة، المتقدّمة زمنيّاً في النزول، وتأكيداً لهذا التمايز اللغويّ بين نصفَي القرآن الكريم، يتأخّر ترتيبها لتأخذ مكانها في الجزء الأخير من كتاب الله. وعلى ذلك فقِس العديد من الظواهر اللغويّة وتوزّعها في كتاب الله.

ترتيب الآيات ضمن السورة:
إذا سمح بعض العلماء لأنفسهم أن يختلفوا حول توقيفيّة ترتيب السوَر؛ فإنّك لن تجد مثل هذا الاختلاف حول ترتيب الآيات في كلّ سورةٍ. إنّه أمرٌ مقطوعٌ في توقيفيّته، وقد أجمع العلماء على ذلك كما يؤكّد السيوطي في كتابه (الإتقان):
"أمّا الإجماع؛ فنقلَه غير واحدٍ، منهم الزركشيّ في (البرهان)، وأبو جعفر بن الزبير في (مناسباته) وعبارتِه: ترتيب الآيات في سوَرها واقعٌ بتوقيفه ﷺ وأمرِه، من غير خلافٍ في هذا بين المسلمين".(4)
ومن الطبيعيّ، كأيّ أمرٍ يتعلّق بموثوقيّة القرآن الكريم، شأنها شأن كلّ ثوابت الإسلام الأخرى، أن تجد بين المستشرقين، ويتبعهم المستغربون كالعادة، من يشكّك بالتسلسل التوقيفيّ لآيات القرآن الكريم ضمن كلّ سورة، رغم وجود نصوصٍ أمينةٍ وواضحةٍ تؤكّده في التراث النبويّ، كما يتبيّن لنا في بعض الأحاديث التي تتكامل فيما بينها ليؤكّد تكاملها توقيفيّة هذا التسلسل:
- عن أبي الدرداءِ قال: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ: "مَن حَفِظَ عَشْرَ آياتٍ مِن أوَّلِ سُورَةِ الكَهْفِ؛ عُصِمَ مِنَ الدَّجَّالِ". [رواه مسلم]
- عن عبدِ اللهِ بنِ عبّاسٍ قال: "بينما جِبريلُ قاعدٌ عندَ النبيِّ ﷺ سَمِعَ نَقِيضاً – أي صوتاً قويّاً – مِن فوقِه، فرَفَعَ رأسَهُ فقال – أي جِبريل –: هذا بابٌ مِنَ السماءِ فُتِحَ اليَومَ، لَمْ يُفْتَحْ قَطُّ إلّا اليومَ! فنزلَ منه – أي مِنَ الباب – مَلَكٌ، فقال – أي جِبريل –: هذا مَلَكٌ نَزَلَ إلى الأرض، لَمْ يَنْزِلْ قَطُّ إلّا اليومَ! فسَلَّمَ – أي المَلَكُ – وقال – للنبيِّ ﷺ –: أبْشِرْ بنُورَيْنِ أوتِيْتَهُما، لَمْ يُؤتَهُما نَبيٌّ قَبْلَك: فاتحةِ الكتاب، وخواتيمِ سورةِ البقرة، لن تَقرأَ بحَرفٍ منهما إلّا أُعْطِيْتَه. – وقيل إنّ الفاتحة وهذه الخواتيم قد انفردت وحدها بالنزول على يد هذا الملك دون جبريل –". [رواه مسلم]
- عن عمرَ بنِ الخطّابِ قال: "ما رَاجَعْتُ رَسولَ اللهِ ﷺ في شَيءٍ ما رَاجَعْتُهُ في (الكَلالَة)، وَما أَغْلَظَ لي في شَيءٍ ما أَغْلَظَ لي فِيهِ، حتَّى طَعَنَ بإصْبَعِهِ في صَدْرِي وَقالَ: يا عُمَرُ، أَلَا تَكْفِيكَ آيَةُ الصَّيْفِ الَّتي في آخِرِ سُورَةِ النِّسَاءِ؟! وإنِّي إنْ أَعِشْ أَقْضِ فِيهَا بقَضِيَّةٍ يَقْضِي بهَا مَن يَقْرَأُ القُرْآنَ، وَمَن لا يَقْرَأُ القُرْآن". [رواه مسلم]
ولكنّ البرهان القاطع لتوقيفيّة ترتيب الآيات كما هو عليه الآن؛ ليس ما وصلنا عن الرسول ﷺ أو ما رواه الصحابة أو التابعون، ولا ما ذهب إليه فلانٌ أو فلانٌ من العلماء والدارسين، فحسب، بل هو تلك الآليّة التوثيقيّة العجيبة والمستمرّة لآيات القرآن الكريم في الأمّة الإسلاميّة، ليلاً نهاراً، وشرقاً وغرباً، كما كان يؤدّيها الرسول ﷺ في صلواته وتلاوته أمام المسلمين، ثمّ كما تلاها المسلمون على نحو ما سمعوها منه، وتناقلوها شيخاً عن شيخ، وجيلاً بعد جيل، وحتّى الآن، في حياتهم اليوميّة، وفي عباداتهم، وفي التلاوة الجماعيّة التوثيقيّة الجهريّة المستمرّة لسور القرآن الكريم، في صلواتهم وخارج صلواتهم.
إنّ في هذه العمليّة التوثيقيّة الفريدة الدائبة ما يغنينا عن الاسترسال في البحث عن أيّ دليلٍ آخر حول قطعيّة الترتيب التوقيفيّ للآيات، كما كانت في حياة النبيّ ﷺ، وكما هي الآن بين أيدينا.



هوامش:
(1) الإتقان في علوم القرآن. ج 1. ص: 123-125. مصدر سابق.
(2) وارجع في تفصيل ذلك إلى كتابنا (المعجزة). ج1. ص: 76-79.
(3) دراسات لأسلوب القرآن الكريم. دار الحديث، القاهرة: 2004. ج4، ص 5.
(4) ج 1، ص: 121.


بقلم: أحمد بسام ساعي

تنويه:

جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين

مقالات ذات صلة

من مواعظ الإمام سفيان الثوري
الاثنين، ١ ربيع الأول ١٤٣١ هـ - ١٥ شباط ٢٠١٠من مواعظ الإمام سفيان الثوري
اختيار الشيح  صالح الشامي 1- أصلحْ سَرِيْرَتَك يصلح اللهُ علانيتَك، وأصلح فيما...
واقع الأمة وحتمية الدعوة إلى الله تعالى
الاثنين، ١ ربيع الأول ١٤٣١ هـ - ١٥ شباط ٢٠١٠واقع الأمة وحتمية الدعوة إلى الله تعالى
 بقلم: د/ عامر حسين أبو سلامةإن الناظر في واقع هذه الأُمة، يجدها منفصلةـ في كثير من ا...
الكلام الطيب طريق الدعاة إلى القلوب
الاثنين، ١ ربيع الأول ١٤٣١ هـ - ١٥ شباط ٢٠١٠الكلام الطيب طريق الدعاة إلى القلوب
الأستاذ : أبو معاذ جاهوش أفضل سبيل لتحقيق هدف المتكلم - متحدثاً كان ، أو محاضراً ، خط...