صفحات من كتاب (إدارة التلاوة.. أعد اكتشاف علاقتك مع القرآن الكريم) (17)

صفحات من كتاب (إدارة التلاوة.. أعد اكتشاف علاقتك مع القرآن الكريم) (17)

التصنيف: فقه الدعوة
الجمعة، ٢٥ محرم ١٤٤٨ هـ - ١٠ تموز ٢٠٢٦
41

2- الرسم القرآنيّ، توقيفيٌّ أو توفيقيّ؟
[القسم الثالث]

الانعكاسات المعاصرة لدعوى "الإعجاز الإملائي":
عثرتُ مؤخّراً على كتابٍ للدكتور سامح القلّيني(1) يوحي بأنّه كان المصدر الأحدث للمنشورَين المذكورين أعلاه، وكذلك لكثيرٍ من تلك الادّعاءات المتأخّرة عن "الإعجاز الإملائيّ" في القرآن.
فهو ينظّر ويقعّد بشكلٍ موسّعٍ لتلك التصوّرات والافتراضات الإملائيّة التي لا علاقة لها في الحقيقة بواقع الرسم القرآنيّ، ولا بالمنهج العلميّ والموضوعيّ السليم.
لقد بذل الرجل جهداً كبيراً ومطوّلاً في كتابه (732 صفحة)، ولكنّه لم يخرج في النهاية عن تكلّفٍ واضحٍ في تفسير أسباب الفروق بين رسم الكلمة الواحدة في مواضعها المختلفة من القرآن. ويمكن أن يتبيّن هذا الخلل للقارئ من مجرد تصفّحه لمقدّمة الكتاب.
فكلّ نماذجه التي وردت في البنود الأربعة عشر من هذه المقدّمة(2) تؤكّد منهج التكلّف الشديد، وليّ عنق المسائل لإدخالها تحت مظلّة الإعجاز. والواقع أنّها جميعاً، حتى لو تجاهَلنا كلّ ما يناقض صحّتها في مواقع عديدةٍ من القرآن، لا تمتّ بصلةٍ إلى أيّة صورةٍ من مفهوم الإعجاز.
إنّ أقصى ما يمكن أن توصف به هذه النماذج القرآنيّة المعروضة هو أنّها كتبت، وهذا أمرٌ طبيعيٌّ ومنتظرٌ في مثل هذه الحالة، بحسب ما ذهب إليه كتَبَة القرآن كلٌّ بطريقته، حين اجتهدوا بإخلاصٍ ودأبٍ وصدق، وحين ابتكر كلٌّ منهم لنفسه، ولمن بعده أيضاً، القواعد الأولى لكتابتنا اليوم.
وربّما اختلفت هذه القواعد عند الكاتب نفسه وتباينت بين موضعٍ وآخر من السورة نفسها، ومن غير أيّ سببٍ ظاهرٍ يدعو إلى هذا التباين، إلّا سبباً واحداً، وهي أنّها ما تزال حديثةً وطازجةً، ولم تستقرّ بعد في شكلها النهائيّ، حتّى عند الكاتب نفسه، بحيث نستطيع أن نطلق عليها اسم (قواعد). فأين موضع الإعجاز في مثل هذه المحاولات الإملائيّة الأولى؟
حتّى إن تجاوزنا الحدود، وسمحنا لأنفسنا، خطأً، بأن نطلق عليها اسم (قواعد)، فكيف نتجرّأ على كتاب الله، ونسمح لأنفسنا بأن نسمّيها إعجازاً؟
هذا بعض ما يقوله القلّيني، على سبيل المثال لا أكثر، في الأرقام 8 و9 و10 و11 من بنود مقدّمته للكتاب:
"8- وأحياناً يفرّق رسمُ الكلمة بين صورة الفعل وصورة الاسم: (نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا– نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا)، (رَحمَة – رَحمَت)، (سُنّة – سُنّت)، (امرَأة – امرَأت)، (شَجَرَةَ الزَّقُّومِ– شَجَرَتَ الزَّقُّومِ)، (جَنّة – جَنّت).
9- وأحياناً تَرسُم الكلمةُ صورة الفِراش الهادئ والمريح: تعبّر عنه بحذف الألف (الأرضَ مِهَــداً)، وترسم اشتعاله واضطرابه والتقلّب عليه بإضافة الألف (لَهُم مِّن جَهَنَّمَ مِهَادٌ).
10- وأحياناً تلفت النظر إلى الفرق بين صفات الخالق وصفات المخلوق بإضافة الحرف أو حذفه، بل وبين صفات الخالق نفسها مثل (تبَــرك اسمُ ربّكَ ذي الجلَــلِ والإكرام). فالأولى (الجلال) بدون ألف، والثانية (الإكرام) بالألف، و (تبارك) بالألف وبدون ألف.. وهكذا. وأحياناً تفرّق بين أفعال الخالق وأفعال غيره (طائفٌ من ربّك – طَــئفٌ من الشيطان)، وغير ذلك تحت هذا العنوان..
11- وتفرّق بين المادّيّ والمعنويّ (لَدا الباب – الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ)..". (3)
يقول الكاتب في البند الأوّل من هذه البنود الأربعة (البند 8) إنّ رسم (نعمة) يختلف بين الاسم والفعل. فأين الفعل أصلاً في الآيتين الأوليين والمتطابقتين في اللفظ؟ وأين الفعل في بقيّة الألفاظ أو العبارات التي استشهد بها في البند نفسه!
وفي (البند 9) يربط بين إثبات الألف في اللفظ (مِهاد) وبين صورة الفِراش المشتعل. فما العلاقة المعنويّة، بلهَ الإعجازيّة، التي يمكن أن نفترضها، تلك التي تربط بين إثبات الألف وبين الاشتعال؟
وفي (البند 10) يرى أنّ إثبات الألف أو حذفها من شأنه أن يفرّق "بين صفات الخالق وصفات المخلوق"، ثمّ يعود فيناقض نفسه حين يقول: "بل وبين صفات الخالق نفسها مثل {تبَــرك اسمُ ربّكَ ذي الجلَــلِ والإكرام}، فالأولى (الجلَــل) بدون ألف، والثانية (الإكرام) بالألف، و (تبارك) بالألف وبدون ألف". وإذن، كيف يمكن للألف أن تُفرّق لنا بين الخالق والمخلوق إذا وُجدت أحياناً في بعض صفات الخالق ولم توجد في صفاتٍ أخرى؟ ومثل هذا الإشكال ينطبق كذلك على اللفظ (طائف) الذي يفرّق إثباتُ الألف فيه، كما يقول، بين أفعال الخالق وأفعال الشيطان!
ويتكرّر مثل هذا التضارب في (البند 11) حين يفترض المؤلّف، متكلّفاً مرّةً أخرى، ومتعارضاً مع الحقيقة والمنطق، أنّ إثبات الألف كان للتفريق بين المادّي {لَدا الباب} والمعنويّ {الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ}. ولكن من الواضح لكلّ ذي نظرٍ أنّ الألف لم تحذف في كلتا الحالين، فقد جاءت ألِفاً عاديّةً في الآية الأولى وألِفاً مقصورةً في الثانية. وهذا التباين، أيضاً، لا يعدو أن يكون من اجتهادات الكاتب، فأين الاختلاف، ثمّ أين الإعجاز؟
رغم كلّ هذا الاضطراب المنهجيّ؛ فإنّ المؤلّف يعترف في النهاية بأنّ العلماء لم يكونوا مجمعين حول مسألة الإملاء القرآنيّ، فقد اختلفوا حوله: هل هو توقيفيٌّ أم لا؟ ولكنه عاد فحاول أن يجد حلّاً وسطاً بين الفريقين، فرأى أنّ الإملاء توقيفيُّ، لكنّه "توقيفٌ من الصحابة":
"ولذلك أرى أنّ أقلّ ما يقال في ذلك أنّه توقيفيٌّ عن الصحابة (اثني عشر ألف صحابيٍّ) رضوان الله عليهم، وأنّهم أجمعوا على ذلك الرسم، ويكون ذلك، على أقلّ تقدير، بمثابة وحيٍ من الله لهم لحفظ أعظم كتابٍ في الوجود برسمه وحروفه كما هو".(4)
لا أدري ما الذي يعنيه بقوله (توقيف الصحابة)؟! وهل أوحى الله إلى الصحابة أيضاً؟! وهل يُنسب التوقيف لغير الله تعالى؟! وهل وصلنا نصٌّ حقّاً من هذا النوع "الخاصّ جدّاً" والمختلف من الوحي؟
طبعاً لم ينس الكاتب أن يعود ليسوّغ هذا "التوسع" في معنى مصطلحِ "توقيفيّ" بدعوى أن إجماع الصحابة على هذا الرسم هو "بمثابة وحيٍ من الله لهم". وهكذا نسقط من جديدٍ فيما سقط به النصارى من قبل، حين خلطوا بين كلام الله، وكلام المسيح، وكلام تلامذة المسيح في الأناجيل الأربعة، ثمّ ألحقوا بها رسائل بولس وبقيّة كتّاب الرسائل، وكان كلّ ذلك بحجّة أنّ الله أوحى إلى هؤلاء مثلما أوحى إلى المسيح (عليه السلام)!
ومن الجميل حقّاً، مع ذلك، أن يمتدح المؤلّف كتاباً آخر في هذا الباب(5) لغانم قدوري الحمَد (حقائق عن رسم المصحف، في الردّ على أباطيل بعض المؤلّفين وأوهامهم). وقد عدتُ إلى الكتاب، ووجدت أنّه مرجعٌ منصفٌ وموضوعيٌّ إلى حدٍّ بعيد. وهو لم يبالغ كالقلّيني فيتكلّف في إخضاع المعاني لتستجيب إلى ما في رأسه من افتراضات! ويدافع المؤلّف فيه دفاعاً مخلصاً عن الرسم العثمانيّ، ولكن بعدالةٍ وموضوعيّةٍ وتقوى. فهو لم يجعل من هذا الرسم عملاً سماويّاً مقدّساً، رغم دفاعه الشديد، محقّاً، عن ضرورة احترام هذا الرسم، واحترام وجهة نظر كلّ من شارك في كتابته.
يقول المؤلّف تحت عنوان (مناقشة شبهة اضطراب قواعد الرسم القرآنيّ):
"تأمّل قول الفرّاء في كتابهِ (معاني القرآن): وذلك أنّهم لا يكادون يستمرّون في الكتاب على جهةٍ واحدة. ألا ترى أنّهم كتبوا (فما تُغْنِ النُّذُر) [القمر: 5] بغير ياء، وكتبوا (وما تُغْنِي الآياتُ والنُّذُر) [يونس: 101] بالياء، وهو من سوء هجاء الأوّلين...
ففي رأي الفرّاء؛ يجب كتابة كلمة (تُغْنِ) في الموضع الأوّل (تُغْني) بالياء أيضاً، لأنّ الوقف عليها بالياء، مثل الكلمة الثانية، لكنّ كتّاب المصاحف وجدوا الكلمة [أي في آية سورة القمر] إذا وُصِلَتْ نُطقاً تَسقط ياؤها، فأرادوا أن يطابقوا بين الرسم واللفظ في الوصل، فكتبوها بحذف الياء على الوصل." (6)
ثمّ يسوق المؤلّف أمثلةً عن اختلاف كتابة اللفظ (نبأ) أيضاً بين آيةٍ وأخرى حيثما ورد في القرآن الكريم، (12 مرة)، ومنها الآيتان المتقاربتان جدّاً في الألفاظ، وقد وردت همزة (نبأ) في الأولى على ألِف، وفي الثانية على واوٍ تتلوها ألِف، مع أنّ الكلمة جاءت مرفوعةً في الحالين:
- أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ [التوبة: 70]
- أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَؤُا الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ [إبراهيم: 9] (7)
ويحاول بعد ذلك أن يجد احتمالاتٍ واجتهاداتٍ لغويّةً من عنده لتسويغ مثل هذه الاختلافات، كما يفعل آخرون اليوم، ولكن من غير أن يتجاوز حدود الرصانة والمنطق والصدق في تأويلاته.
ويؤكّد المؤلّف في النهاية أنّ اختلاف قواعد الإملاء القرآنيّ في كتابة الكلمة نفسها لا يعدو أن يكون اختلاف "وجهات نظرٍ" لدى الكَتبة، ويجب أن نحترم وجهات نظرهم:
"وإذا كان كتّاب المصاحف قد ارتضوا مراعاة هذه القاعدة في كتابتهم، وهي مبنيّةٌ على أساسٍ لغويٍّ واضح، فليس لنا أن نصادر وجهة نظرهم ونفرض عليهم وجهة نظرٍ أخرى قال بها بعض العلماء بعد قرونٍ من تاريخ كتابتهم للمصحف. فلا يخفى على القارئ أنّ النطق بكلمة (رحمة) في عبارة (رحمة الله) سيكون بالتاء إذا وصلناها بلفظ الجلالة، ولكن إذا وقفنا عند الكلمة وقطعناها عن الإضافة؛ فإننا سوف نلفظها في آخرها بالهاء، وليس هناك ما يرجّح رسمها بالهاء أو التاء إلّا ما يختاره الكاتب. فإذا اختار كتّاب المصحف رسمها بالتاء في أكثر حالات الإضافة؛ فتلك وجهة نظرٍ مقبولةٌ تستند إلى نطق الكلمة وهي موصولة، وإذا اختاروا رسمها بالهاء في مواضع أخرى، بناءً على القَطع، فتلك وجهة نظرٍ مقبولةٌ أيضاً، وليس لنا أن نصف اختيارهم باللاقاعديّة، أو نستلب من طريقتهم في الرسم صفةَ النظام أو الانتظام." (8)
أمّا من حملوا راية "الإعجاز الإملائيّ" فإنّهم لم يجدوا بين أيديهم أكثر من حججٍ وتأويلاتٍ واهية. وهم بهذا لا يخدمون الإعجاز القرآنيّ، بوجوهه الحقيقيّة والمنطقيّة والمتعدّدة، وإنّما يسيئون إليه إساءةً بالغةً، وينالون من حصانته، ومكانته، وسمعته، ويميّعون معناه الحقيقي، ويلقون عليه ظلاً من الهشاشة وعدم المصداقيّة.
هذه مسألةٌ لا تحتمل المزاح، فالأمر يمسّ صلب عقيدتنا وإيماننا. إنّه كتاب الله، وليس لنا أن نقترح، أو أن نؤكّد، "إعجازاً" ليس فيه شيءٌ من الإعجاز، أو توقيفاً لم يؤكّده لنا الله أو رسوله أو الصحابة، فنُقْدم على تقييم مثل هذا الموضوع باجتهاداتنا الفرديّة، وبآرائنا الشخصية، وبعواطفنا وميولنا الجامحة، وبخلفيّاتنا الثقافيّة المتوارثة، أيّاً كان موقعنا، أو اختصاصنا، أو درجتنا العلميّة، وإلّا فتحنا باباً خطيراً للمشكّكين والعابثين والمتربّصين شرّاً بهذا الدين؛ ليتقوّلوا على الإسلام، وعلى سماويّة كتابه، وعلى صحّة رسالته، ممّا لا يخطر في أذهاننا من شكوكٍ وأباطيل وأوهام.

الاختلافات الإملائيّة أكثر من أن تجمعها قاعدة:
هذه التنوّعات الإملائيّة التي يسلّط بعضهم الأضواء عليها اليوم، مثل كتابة التاء مربوطةً في آيةٍ ومبسوطةً في أخرى، أو كتابة الفعل حيناً بياءٍ وحيناً من غير ياء، أو حيناً بألِفٍ وحيناً من غير ألِف، تبدو أمراً يسيراً بالقياس مع التنوّعات الإملائيّة الكثيرة الأخرى في الرسم القرآني.
ويأتي على رأس هذه التنوّعات حجماً؛ أن نرى حروفاً كثيرةً تُلفظُ على غير ما تُكتب، وأن نرى، كذلك، حروفاً أكثر تُكتب على غير ما تُلفظ، أو تُكتب ولا تُلفظ.
ولنستعرض هنا، استعراض تخمينٍ وتساؤلٍ وإثارةٍ للتفكير، بعضَ أمثلة الرسم القرآنيّ، من غير الخوض في تحليلها، أو محاولة استكشاف الأسباب التي دفعت كَتبة القرآن، على اختلاف قبائلهم ولهجاتهم وثقافاتهم، إلى اختيارها دون غيرها واعتمادها في إملائهم. ولكن لا بدّ لأصحاب مزاعم "الرسم التوقيفيّ"، أوّلاً، أن ينظروا مليّاً في هذه الأمثلة، وأن يجيبوا بموضوعيّةٍ عمّا تطرحه علينا من أسئلةٍ كثيرة، قبل أن يصدروا قرارهم النهائيّ حول حقيقة ما سمّوه "الإعجاز الإملائيّ":
- ما الذي جعل الكاتب يكتب (الصَّلَوة) هكذا بالواو، على حين نقرأها نحن بالألف (الصلاة). ومثلها أيضاً (الزكوة) و (الحيوة) و (النجوة) و (مِشكوة) وغيرها؟
- وما الذي جعله يضيف الواو إلى (الرِّبا) في آية: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَوا} [البقرة: 175]؟
- وما الذي جعله يكتب (إبراهِم) هكذا بدون ياء؟
- وما الذي جعله يضيف الألف بنهاية (مُهلكو) في قوله تعالى: {إِنَّا مُهْلِكُوا أَهْلِ هَٰذِهِ الْقَرْيَةِ} [العنكبوت: 31]؟ إنّه على الأغلب لم يُضفها هنا لمجرّد الزينة! على حين أسقطها من اللفظ (إيّاي) في السورة نفسها {فإيَّيَ فاعبُدونِ} [العنكبوت: 56].
- وما الذي جعله يحذف من (العلماء) ألِفها، ثمّ يضيف ألِفاً أخرى في نهايتها {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَؤا} [فاطر: 28]؟
- وما الذي جعله يضيف ألِفاً بعد الهمزة المضمومة في قوله: {اللهُ يَبدَؤا الخَلْقَ} [الروم: 11]، وما الذي جعله يحذف الألف بعد آيتين فقط بعد حرف العين في قوله (شُفَعَؤا)، ثمّ أن يضيف إليها ألِفاً بعد الهمزة المضمومة {وَلَمْ يَكُن لَّهُم مِّن شُرَكَائِهِمْ شُفَعَؤُا} [الروم: 13]؟
- وما الذي جعله يضيف الألف في كلمة (وجِيء) في قوله: {وجِايءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ} [الزمر: 69]؟
- وما الذي جعله يحذف الألف ثلاث مرّاتٍ في الكلمات (هامان – قارون - ساحر) ثمّ يثبتها، وضمن الآية نفسها، في كلمةٍ أخرى تليها مباشرةً (كذّاب): {إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَهَمَنَ وَقَرُونَ فَقَالُوا سَحِرٌ كَذَّابٌ} [غافر: 24]؟
- ولماذا قلب الألف ياءً في وسط الكلمة في قوله: {وإنّا لَنَرَىك} [هود: 91]؟
- ولماذا أضاف الياء بعد الهمزة المكسورة في قوله: {إلَى فِرعَونَ ومَلَإيهِ} [هود: 97]؟
- وإذا آثر أن يحذف الألف من (أيّها) نظراً لوصلها بما بعدها في قوله تعالى {أيُّهَ المُؤمِنُونَ}، فما الذي جعله يحذفها في قوله (يَلُوطُ) بدلاً من (يا لوط)، وفي قولِه (يَقَومِ) بدلاً من (يا قَومِ)، وفي قوله (يَهَمنُ) بدلاً من (يا هامان)، وفي قوله (وَيَسَماءُ) بدلاً من (ويا سماءُ)؟
- وما الذي جعله يكتب (يجادل) و (القيامة) و (تجارة) و (رؤياي) و (أزواج) ومئات الكلمات الأخرى من غير ألف، على حين جاءت مئاتٌ أخرى من الكلمات بألف، مثل (عذاب) و (ضلال) و (فساد) و (جهاد) و (عِقاب) و (شفاء) و (صراط)؟
- ولماذا حذف الألف من (يا) على حين أضاف ألِفاً إلى (المَلَؤُ) في كلمتين متتاليتين من الآية {يأيّها المَلَؤا} [النمل: 32+38]؟
- ولماذا حذف الألف من الفعل (قال) مرّتين، على حين أثبتها، وضمن آياتٍ متتاليةٍ، في الفعل (قالوا): {قَلَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ ‎﴿١١٢﴾‏ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ ‎﴿١١٣﴾‏ قَلَ إِن لَّبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا ۖ لَّوْ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ‎﴿١١٤﴾‏} [المؤمنون: 112-114]؟
- ولماذا أضاف الألف إلى كلٍّ من (تيأسوا) و (يَيأس) في قوله تعالى: {وَلَا تَايْئَسُوا مِن رَّوْحِ اللَّهِ ۖ إِنَّهُ لَا ياَيْئَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَۖ} [يوسف: 87]؟
- ولماذا أضاف ألفاً لا تُلفظ لـمنتهى الجموع الذي يُمنع من التنوين (سَلاسِلا) [الإنسان: 4]، ولاسم العلم الممنوع من التنوين أيضاً {إنَّ ثَمُودا كَفَرُوا} [هود: 68]؟
- ولماذا حذف الألف من ال التعريف في (لئَيكَةِ) [ص: 13]؟
- ولماذا أضاف ألفاً في قول سليمان (لَأَاذبَحَنَّهُ) على حين لم يفعل ذلك في كلمة (لَأُعَذِّبَنَّهُ) في الآية نفسها {لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَاذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ} [النمل: 21]؟
- ولماذا أضاف إلى (بأيْدٍ) ياءً ثانيةً في الآية {والسَّماءَ بَنَينَها بِأَييدٍ} [الذاريات: 47]؟
- ولماذا فصل اللام عن (هذا) في {ما لِ هَذا الرَّسُولِ} في [الفرقان: 7]؟ على حين ضمّهما في أماكن أخرى {لَا تَسْمَعُوا لِهَٰذَا الْقُرْآنِ} [فصّلت: 26]؟
- ولماذا وصل (وَيْ) مع (كـأنّ) مرّتين وفي آيةٍ واحدة {يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ ۖ لَوْلَا أَن مَّنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا ۖ وَيْكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ} [القصص: 82]؟
- ولماذا جعل الهمزة في (إنّ) على ياء عندما اتصلت بهمزة الاستفهام في (أئنّ)، ثمّ أبقاها في الآية التي تليها على ألفٍ (وإنّكم): {فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ قَالُوا لِفِرْعَوْنَ أَئِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِن كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ ‎﴿٤١﴾‏ قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذًا لَّمِنَ الْمُقَرَّبِينَ ‎﴿٤٢﴾} [الشعراء: 41-42]؟
- ولماذا أضاف الألف بعد الواو في نهاية الجمع في آية، ثمّ حذفها في الآية التالية، ثمّ عاد فأضافها في الآية التي تليها: {لِّيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّلِحَاتِ ۚ أُولَٰئِكَ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ ‎﴿٤﴾‏ وَالَّذِينَ سَعَوْ فِي آيَتِنَا مُعَجِزِينَ أُولَٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مِّن رِّجْزٍ أَلِيمٌ ‎﴿٥﴾‏ وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلَىٰ صِرَطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ ‎﴿٦﴾} [سبأ: 4-6]؟
- ولماذا حافظ على الألف في جميع ألفاظ الآية (12) من هذه السورة، ما عدا (سليمان)، ثمّ حذفها ثلاث مراتٍ في الآية التي تليها (13)، مع الحفاظ عليها في خمسة ألفاظٍٍ أخرى من الآية نفسها: {وَلِسُلَيْمَنَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ ۖ وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ ۖ وَمِنَ الْجِنِّ مَن يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ ۖ وَمَن يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ ‎﴿١٢﴾‏ يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِن مَّحَرِيبَ وَتَمَثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَّاسِيَتٍ ۚ اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا ۚ وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ ‎﴿١٣﴾} [سبأ: 12-31] ؟
- وأخيراً: لماذا لم تختف الواو أبداً في الرسم القرآنيّ، إلّا إذا وقعت في آخر الكلمة مثل: {يَومَ يَدْعُ الدّاعِي}، وكانت الألف هي التي تختفي غالباً، والياء أحياناً، وكلاهما حرفٌ صوتيٌّ كالواو؟
إنّ هناك الكثير ممّا كان يمكن أن نستعرضه، والكثير ممّا يمكن أن نستخلصه أيضاً من هذه الأمثلة. وهو أمرٌ يحتاج حقّاً إلى بحثٍ مطوّلٍ على أيدي متخصّصين في هذا الباب، يستكنهون لنا فيه ما كان يدور في أذهان كَتَبَة القرآن حين أضافوا أو حذفوا أو فصَلوا أو استبدلوا حرفاً هنا أو حرفاً هناك، منطلقين من اجتهاداتهم الشخصيّة، ومن ثقافاتهم المختلفة، ومن لهجاتهم المحلّيّة، كلٌّ بلهجته.

آليّة تأثير اللهجات المحلّية في الإملاء القرآنيّ:
قد يكون من المفيد أن نطرح هنا، على سبيل التمثيل لا أكثر، بعض التقديرات السريعة للأسباب التي تكمن وراء جوانب من هذا الحذف أو الإضافة أو الاستبدال في الرسم العثماني، ولكنّها ستظلّ مجرّد تخميناتٍ مبدئيّةٍ قد تساعد الدارسين على فهم الدوافع الاجتهاديّة وراء تلك الاختلافات الإملائيّة، ولن تكون بأيّة حالٍ هي التقديرات المؤكّدة والنهائيّة في هذا الباب.
فإسقاط الألف في الكثير من الألفاظ قد يعود إلى أنّ نطقها لم يكن بعيداً في بعض لهجات العرب عن الفتحة، فتداخلت كتابتهما عند الكتّاب، ولا سيّما أنّنا نتحدّث عن فترةٍ لم تكن الحركات فيها قد استُنبطت بعد.
وممّا يرجّح هذا الاحتمال أنّهم لا يُسقطون الألف، مثلاً، عندما يكون موقعها في نهاية الكلمة، نحو: فيها، رسلنا، الدنيا، الأعمى، الأقصى، فصّلنا، أخرجنا..، لأنّ المدّ يغلب على اللسان عادةً في المقطع الأخير للكلمات، فتتضاءل احتماليّة التداخل فيه بين الألف والفتحة.
وهذا مثالٌ قرآنيٌّ واحدٌ من شأنه أن يوضّح ويقوّي هذا التفسير، حيث تَثبت الألف في نهاية أربع كلماتٍ متتاليةٍ من الآية، ولكنّها تسقط في آخر كلمتين منها عندما تتوسّط حروفَ كلٍّ من الكلمتين:
- وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْهُدَىٰ وَأَوْرَثْنَا بَنِي إِسْرَءِيلَ الْكِتَبَ [غافر: 53]
وممّا يقوّي هذه الفرضيّة؛ أنّ الألف لا تسقط، أيضاً، من رسم الأدوات النحويّة أو الضمائر التي تنتهي بهذا الحرف، من مثل: لا، كلّا، إنّما، لمّا، كما، إلّا، لئلّا، أمّا، ربّما، ما، لولا، إذا، ماذا، أنّى، أنا، إنّا..
ونلاحظ كذلك أنّ الألف كثيراً ما تثبت في الرسم إذا تلاها همزة، فكأنّ الهمزة تقوّيها وتضفي عليها المدّ الذي يدعّم شخصيّتها ويحميها من الاختلاط مع الفتحة. ولنا أن نفترض، مجرّد افتراض، أنّ هذا الأمر هو ما أوحى لمن وضع قواعد التجويد فيما بعد، أيّاً كان اسمه، بفكرة مدّ الحروف الصوتيّة إذا تلاها همزة. ولكنّنا سنفاجأ بأنّ هذا الافتراض لا يتماشى مع حقيقة إسقاطهم للألف في وسط الكلمة، أحياناً، حتّى إن تلاها همزة، كما في كتابة كلمتَي {والصائمين والصائمات} من آية الأحزاب، وقد تساوت في إسقاط الألف مع جميع الكلمات التي وردت قبلها في الآية:
- .. وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ وَالْقَنِتِينَ وَالْقَنِتَاتِ وَالصَّدِقِينَ وَالصَّدِقَاتِ وَالصَّبِرِينَ وَالصَّبِرَاتِ وَالْخَشِعِينَ وَالْخَشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَتِ وَالصَّئِمِينَ وَالصَّئِمَاتِ.. [الأحزاب: 35]
ومن المفيد هنا أن نذكّر بحقيقةٍ هامّةٍ أخرى، وهي أنّ لفظ الحروف الصوتيّة الثلاثة، الألف والواو والياء، يتباين بشكلٍ واضحٍ عند العرب بين بلدٍ وآخر، أو بين قبيلةٍ وأخرى، أو ربّما بين حيٍّ وآخر في البلد نفسه! وينقل السيوطي عن الداني أقوالاً لفصحاء العرب في اجتماع كِلا التفخيم (أو الألِف أو الفتح) مع الإمالة (أو الياء) في الألفاظ نفسها عند العرب. يقول:
"قال الداني: الفتح والإمالة لغتان مشهورتان فاشيَتان على ألسنة الفصحاء العرب الذين نزل القرآن بلغتهم. فالفتح لغة أهل الحجاز، والإمالة لغة عامّة أهل نجدٍ من تميمٍ وأسْدٍ وقيس.. قال: فالإمالة لا شكّ من (الأحرف السبعة)، ومن لحون العرب [أي لغاتهم أو لهجاتهم] وأصواتها. وقال أبو بكر بن شيبة: حدّثنا وكيعٌ، حدّثنا الأعمش عن إبراهيم قال: كانوا يرون أنّ الألف والياء في القراءة سواء. قال: يعني بالألف والياء: التفخيم والإمالة".(9)
ومن السهل، على سبيل المثال، أن نلاحظ مثل هذه "اللحون"، أو الفروق اللفظيّة بين الأحرف الثلاثة، حتّى اليوم، في لهجات الأقاليم المختلفة لمعظم البلدان العربيّة.
ففي مدن الساحل الشاميّ، على سبيل المثال، نجد الاختلافات واضحةً في نطق الألف والواو والياء. وهي تتمايز بين شماله ووسطه وجنوبه: بين مدن الساحل الفلسطينيّ جنوباً، ومدن الساحل اللبنانيّ، بشقّيه الشماليّ والجنوبيّ وسطاً، ثمّ مدن الساحل السوريّ شمالاً.
فلفظ الألف يقترب من الواو في مناطق طرطوس وجزيرة أرواد السوريّتين، وكذلك في طرابلس اللبنانيّة، على حين يقترب من الإمالة أو الياء في معظم الحواضر الفلسطينيّة واللبنانيّة، وكذلك في مدن الساحل السوريّ الأخرى كاللاذقيّة وجبلة، ومعها مدينة حلب وأريافها في الشرق أيضاً.
ولعلّ هذا يعيننا على أن نفهم سرّ إجازة الشعراء العرب لأنفسهم أن يبادلوا في قوافي أشعارهم بين الواو والياء، دون الألف. بل كثيراً ما نجد مثل هذا التبادل بين الحرفين في الفواصل القرآنيّة (نهايات الآيات) أيضاً، كما في هذا المقطع من أوّل سورة البقرة:
- الم ‎﴿١﴾‏ ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ ۛ فِيهِ ۛ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ ‎﴿٢﴾‏ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ ‎﴿٣﴾‏ وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ ‎﴿٤﴾‏ أُولَٰئِكَ عَلَىٰ هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ‎﴿٥﴾‏ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ‎﴿٦﴾‏ خَتَمَ اللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ وَعَلَىٰ سَمْعِهِمْ ۖ وَعَلَىٰ أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ ۖ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ‎﴿٧﴾‏ وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ ‎﴿٨﴾‏ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ ‎﴿٩﴾ [البقرة: 1-9]

* * *

وأخيراً، لعلّ من الحكمة للقارئ، وهو بإزاء هذه المزالق البشريّة المتعدّدة في تحليل نظام الرسم القرآنيّ، أن يطرح على نفسه، وكذلك على أولئك الذي انساقوا إلى هذه المزالق في تعاملهم مع أقدس كتابٍ على وجه الأرض، مثل هذه الأسئلة التي لا بدّ أن نبحث لها عن إجاباتٍ موضوعيّةٍ مقنِعة، تنأى بهذا الكتاب الكريم، وبالدارسين للغته وإعجازه، عن مثل تلك التفسيرات الشاذّة، والمنزلقات الخطيرة:
1- كيف يمكن للرسم القرآنيّ أن يكون سماويّاً؟ هل يظنّون أنّ رسول الله ﷺ، وهو الرجل الأمّي، كان يتسلّم الوحي من جبريل مكتوباً على صحف؟ وما طبيعة هذه الصحف؟ وكيف كان له أن يقرأها؟ وكيف كانت الآليّة التوثيقيّة التي تمّت بها عمليّة التسليم والتسلّم لهذه الصحف بين جبريل والرسول ﷺ؟ وماذا حلّ بتلك "الوثائق" الخطيرة، أو الصحف السماويّة؟ وكيف سمحوا لها ولأنفسهم أن تضيع وتندثر؟
2- فإن لم تكن صحفاً مكتوبة، بل وحياً ينقله الملاك جبريل إلى النبيّ الكريم ﷺ لينقله بدوره لأصحابه، أو لمن اختارهم من الكتّاب، فبأيّة وسيلةٍ يمكن أن ينقل كتابته لهؤلاء الكتّاب وهو الرسول الأمّيّ؟! وهل تمّ ذلك بمعجزةٍ نبويّةٍ أخرى لا نعرفها؟ وكيف حدث أن لم يوثّق لنا القرآن هذه المعجزة الفريدة، أو لم توثّقه الأحاديث النبويّة على الأقلّ؟
3- كيف كان للرسول ﷺ، أو للصحابة، ولكلّ من شارك في نسخ القرآن الكريم، يوماً بعد يوم، وسورةً بعد سورة، وآيةً بعد آية، أن يَغفلوا عن ذكر هذه الأحداث الإعجازيّة العجيبة شبه اليوميّة، وعن تدوين آليّتها ومجرياتها لنا على مدى ثلاثةٍ وعشرين عاماً، ولو لمرّةٍ واحدة؟
4- هل كان تمسّك المسلمين بالرسم العثمانيّ، والحفاظ عليه كما هو حتّى الآن، رغم معرفتهم بعدم التزام هذا الرسم بالقواعد الإملائيّةٍ التي انتهت إليها الكتابة العربيّة كما هي في شكلها الحاليّ، يعود حقّاً إلى إيمانهم بأنّ هذا الرسم مُنزلٌ من السماء؟ أم كان ذلك حرصاً منهم على احترام هذا الرسم الأوّل للقرآن، من جهة، ثمّ، وهو الأهمّ، حرصاً على عدم تسهيل الأمر، بمثل هذا التدخّل في إملاء كتابهم المقدّس، أو فتح أيّة ثغرةٍ في جدار حصانته، أمام أيّ تحريفٍ محتملٍ في المستقبل، أيّاً كانت دوافعه؟
5- هل علينا أن نفترض العصمة لكلّ من سبقَنا من العلماء، في أيّ ميدانٍ من ميدان العلم، فقط لأنّهم قدماء؟ هل علينا أن نأخذ ما ذهب إليه الداني والمراكشي أو غيرهما في مسألة الرسم القرآنيّ على أنّه من المسلّمات، فقط لأنّهم "قدامى"؟ ألا ينطبق على أولئك الكتّاب القدامى ما ينطبق على الكتّاب المحدَثين من ضعفٍ بشريٍّ محتملٍ هنا، وزللٍ علميٍّ هناك، أو خللٍ منهجيٍّ في اعتماد البراهين الكافية والمقنعة على افتراضاتهم وأقوالهم؟


هوامش:

(1) الجلال والجمال في رسم كلمة القرآن الكريم. د. سامح القلّيني. مكتبة وهبة. القاهرة: 2008.
(2) الصفحات: ز- ي.
(3) ص: ط.
(4) ص: م.
(5) حقائق عن رسم المصحف، في الردّ على أباطيل بعض المؤلّفين وأوهامهم. غانم قدوري الحمد. جمعيّة المحافظة على القرآن الكريم. عمّان: 1982.
(6) ص: 124.
(7) ص: 128.
(8) ص: 131.
(9) الإتقان. ج 1. ص: 183.


بقلم: أحمد بسام ساعي

تنويه:

جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين

مقالات ذات صلة

من مواعظ الإمام سفيان الثوري
الاثنين، ١ ربيع الأول ١٤٣١ هـ - ١٥ شباط ٢٠١٠من مواعظ الإمام سفيان الثوري
اختيار الشيح  صالح الشامي 1- أصلحْ سَرِيْرَتَك يصلح اللهُ علانيتَك، وأصلح فيما...
واقع الأمة وحتمية الدعوة إلى الله تعالى
الاثنين، ١ ربيع الأول ١٤٣١ هـ - ١٥ شباط ٢٠١٠واقع الأمة وحتمية الدعوة إلى الله تعالى
 بقلم: د/ عامر حسين أبو سلامةإن الناظر في واقع هذه الأُمة، يجدها منفصلةـ في كثير من ا...
الكلام الطيب طريق الدعاة إلى القلوب
الاثنين، ١ ربيع الأول ١٤٣١ هـ - ١٥ شباط ٢٠١٠الكلام الطيب طريق الدعاة إلى القلوب
الأستاذ : أبو معاذ جاهوش أفضل سبيل لتحقيق هدف المتكلم - متحدثاً كان ، أو محاضراً ، خط...