صفحات من كتاب (إدارة التلاوة.. أعد اكتشاف علاقتك مع القرآن الكريم) (16)

صفحات من كتاب (إدارة التلاوة.. أعد اكتشاف علاقتك مع القرآن الكريم) (16)

التصنيف: فقه الدعوة
الجمعة، ١١ محرم ١٤٤٨ هـ - ٢٦ حزيران ٢٠٢٦
96

2- الرسم القرآنيّ، توقيفيٌّ أو توفيقيّ؟
[القسم الثاني]


أوهام "الإعجاز الإملائيّ":
كان من الطبيعيّ، وفي ظلّ هذه الادّعاءات حول حقيقة الإملاء القرآنيّ، أن نجد بيننا من يتجاوز الخطوط الحمر، فينسب إلى تلك الاختلافات الإملائيّة الكثيرة في كتابة الكلمة الواحدة صفةَ القداسة والتوقيف، ثمّ أن يتجاوز ذلك كلّه لينسبها إلى الإعجاز أيضاً!
وقد وقع بين يديّ مؤخّراً منشوران يصبّ أحدهما في مصبّ الآخر، وإن صدرا في صيغتين متغايرتين، ولم يحمل كلاهما أيّ توقيع. ويدّعي الكاتب في كلٍّ منهما الادّعاء المزدوج نفسه، حين يؤكّد أنّ ما يسمّيه "الإعجاز الإملائيّ" كان وراء الاختلاف في كتابة بعض ألفاظ القرآن الكريم.
والواقع أنّه لا شيء ممّا أورده الاثنان من شواهد، مع ضعفها وهلهلة نسجها العلميّ والمنطقيّ، يمتّ بصلةٍ إلى الحقيقة، فضلاً عن الإعجاز المدّعى.


يقول المنشور الأوّل (مع بعض التعديلات اللغويّة):
"أوّلاً - تكتب كلمة (امرأت) في القرآن بالتاء المفتوحة إذا كنّا نَعرف هذه المرأة، وتعريف المرأة يكون بإضافتها إلى زوجها بضميرٍ متّصلٍ يدلّ عليه، أو بإضافتها إلى اسمه مصرّحاً به:
- إِذْ قَالَتِ (امْرَأَتُ عِمْرَانَ) رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنتَ السّمِيعُ الْعَلِيمُ [آل عمران: 35]
- وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ (امْرَأَتُ الْعَزِيزِ) تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَن نَفْسِهِ قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ [يوسف: 30]
- وَقَالَتِ (امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ) قُرَّتُ عَيْنٍ لِّي وَلَكَ ۖ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَىٰ أَن يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ [القصص: 9]
- ضَرَبَ اللّهُ مَثَلًا لِّلَذِينَ كَفَرُوا (اِمْرَأَتَ نُوحٍ وَاِمْرَأَتَ لُوطٍ) كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ [التحريم: 10]
- وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِّلَذِينَ آمَنُوا (اِمْرَأَتَ فِرْعَوْنَ) إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ [التحريم: 11]


ثانياً - تُكتب كلمة (امرأة) بالتاء المربوطة عندما لا نعرف من هي هذه المرأة:
- وَإِنِ (امْرَأَةٌ) خَافَتْ مِن بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَن يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ [النساء: 128]
- إنِّي وَجَدتُّ (امْرَأَةً) تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ [النمل: 23]
- .. (وَامْرَأَةً) مُّؤْمِنَةً إِن وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَن يَسْتَنكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ.. [الأحزاب: 50]"


ويقول المنشور الثاني (مع بعض التصرّف):
- "شيخنا، عندي سؤال!
- سَل يا بنيّ..
- لماذا حُذفت الألف الفارقة بعد واو الجماعة في الرسم العثمانيّ في قوله تعالى: {وَجَآءُوٓ أَبَاهُمْ عِشَآءً يَبْكُونَ} [يوسف: 16]؟
- يا بنيّ، يرى بعض المفسّرين أنّ الألف الفارقة حذفت من لدن الحكيم العليم، فغيّر القاعدة اللغويّة عندما ينقلب حال الناس لأفظع الأعمال وأبشعها. نعم، الألف ترافق عادةً واو الجماعة دليلاً عليها، لكن كان حذفها إشعاراً بنقص الجماعة، حين عادوا بدون أخيهم. ويرى بعض المفسّرين للرسم القرآنيّ أنّ غياب الألف كان مرافقاً دائماً لخللٍ ما في تصرّف العباد، كالكذب أو التزوير، ومثل ذلك قوله تعالى:
- وجاءو بسحرٍ عظيم [الأعراف: 116]
- فقد جاءو ظُلمًا وزُورًا [الفرقان: 4]
- وجاءو أباهم عِشاءً يبكون [يوسف: 16]
- وجاءو على قميصِهِ بدمٍ كَذِبٍ [يوسف: 18]
كلّ هذه الأفعال حذفت منها الألف بعد واو الجماعة في كلمة "جاءوا" للإشارة إلى أنّ مجيئهم كان على وجهٍ غير صحيح، ويغلب عليه الكذب والتزوير. ومثله أيضاً حذف الألف من (عَتَو) في قوله تعالى: {وعَتَو عُتُوًّا كبيرا} وذلك للدلالة على أنّ فعلهم باطل..
شكراً لمن لاحظ وتدبّر، وقرأ القرآن ثمّ طرح السؤال، فأتاح لي ولغيري فرصة التدبّر والتفكّر في ألفاظ القران الكريم."

* * *

المؤسف أنّنا لا نرى في كلا المنشورين أيّ أثرٍ للتفكّر أو التدبّر، أو حتّى الصدق، إلّا أن يكون تدبّراً في التحايل على القارئ، والادّعاء على القرآن ما ليس فيه، ثمّ، وهو الأعظم والأخطر، نسبةَ كلّ ذلك زوراً إلى الله تعالى!
وحالما اطّلعتُ على المنشور الأوّل؛ فتحت بشكلٍ عشوائيٍّ نسخةً من مصحفٍ أمامي، فوجدت نفسي أمام الصفحة 204 (سورة التوبة)، وعثرت فيها، عشوائيّاً، على هذه الكلمات الأربع في أربع آياتٍ شبه متتالية، لنختبر بها مزاعم هؤلاء، أوّلاً، حول أسباب إثبات الألف الفارقة أو حذفها في الإملاء القرآنيّ.
فكيف يمكن أن يفسّروا لنا، لو قبلنا مزاعمهم، إثباتَ الألف الفارقة في نهاية كلٍّ من هذه الألفاظ القرآنيّة (اتّخذوا – يتطهّروا – بَنَوا – فاستبشِروا) في الآيات الأربع التالية:
- وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ [التوبة: 107]
- فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُوا ۚ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ ‎[التوبة 108]
- لَا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَّا أَن تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ ‎[التوبة: 110]
- فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ ۚ وَذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ‎[التوبة: 111]
ومن الواضح أنّ إثبات الألف في الأفعال الأربعة، رغم توزّعها في الآيات بين معاني الشرّ والخير، يسفّه ادّعاءاتهم في كلا المنشورين.
أمّا عن وجود الألف أو حذفها في كلمة (جاؤوا) على وجه التحديد؛ فيكفينا أن نعود إلى آياتٍ أخرى وردت فيها هذه الكلمة وتجاهَلَها صاحبُ المنشور عمداً، لنتبيّن زيف ادّعاءاته. ولْنضرب مثلاً بهذه الآيات الثلاث وحدها تمثيلاً لا حصراً:
- فَإِن كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ جَاءُو بِالْبَيِّنَتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ [آل عمران: 184]
- حَتَّىٰ إِذَا جَاءُو قَالَ أَكَذَّبْتُم بِآيَاتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْمًا أَمَّاذَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ‎﴿٨٤﴾‏ وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِم بِمَا ظَلَمُوا فَهُمْ لَا يَنطِقُونَ ‎﴿٨٥﴾ [النمل: 84-85]
- وَالَّذِينَ جَاءُو مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَنِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَنِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ [الحشر: 10]
لقد كُتبت (جاءو) هكذا من غير ألِفٍ في الآيات الثلاث، لا فرق في كتابتها بين الحديث عن المكذّبين، أو الحديث عن المؤمنين، أو الحديث عن الأنبياء. ورغم حذف الألف في (جاءو) في الآية 84 من سورة النمل؛ فقد تمّ إثبات الألف بعدها في كلٍّ من اللفظين (تُحيطوا) و (ظَلَموا)، رغم أنّ الأفعال الثلاثة في الآيتين جاءت كلّها في جماعة المكذّبين دون غيرهم.
أمّا كتابة كلمة (امرأة) بالتاء المربوطة حيناً، وبالتاء المفتوحة حينا آخر، فالمسألة أبسط من ذلك بكثير، وليس كما ذهب إليه صاحب المنشور.
لقد اتّفق الكتبة هذه المرّة، بين المرّات القليلة التي اتّفقوا عليها، على قاعدةٍ بسيطةٍ واحدةٍ لم يخرجوا عنها في كتابة القرآن كلّه، وهي أنّه إذا كانت (امرأة) منوّنةً كُتبت بالتاء المربوطة، وإذا كانت غير منوّنةٍ كُتبت بالتاء المفتوحة، فأين الغرابة في هذه القاعدة، فضلاً عن الإعجاز؟
ولكنّ الكتبة، مع ذلك، لم يتّفقوا على مثل هذه القاعدة في ألفاظٍ أخرى تنتهي بالتاء أيضاً!
فاللفظ (نعمة)، مثلاً، يأتي هكذا بالتاء المربوطة في الآية {أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ} [النحل: 71]، ثمّ يأتي في الآية التي تليها مباشرةً، وفي وضعٍ نحويٍّ ولفظيٍّ ومعنويٍّ مماثلٍ تماماً، بالتاء المبسوطة هكذا {وَبِنِعْمَتِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ} [النحل: 72].
إنّها اجتهادات الكتّاب، وقد بدأوا يمارسون الكتابة العربيّة لتوّهم، حين لم تكن بين أيديهم بعدُ أيّة قواعد جاهزةٍ للإملاء العربيّ يتوافقون عليها ويلتزمون بها في كتابتهم.
وقد انجرّ إلى مثل هذه "التهيّؤات" بعض كبار علمائنا ومختصّينا ممّن أبدعوا حقّاً في الدراسات اللغويّة القرآنيّة، وقدّموا فيها إنجازاتٍ عظيمة.
يقول الدكتور فاضل السامرّائي في مقالٍ له بعنوان (الرسم القرآنيّ ودلالته):
"قال تعالى في سورة يونس: {قُلِ انظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَن قَوْمٍ لَّا يُؤْمِنُونَ} ‎[يونس:101]
وقال سبحانه في سورة القمر: {حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ ۖ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ} ‎[القمر: 5]


سؤال: لماذا رُسم الفعل (تُغْني) في آية (يونس) بالياء، ورُسم في آية (القمر) من دون ياء؟
الجواب: إنّ رسم المصحف لا يقاس عليه كما هو معلوم، ومع ذلك فإنّه يبدو أنّ هذا الاختلاف في الرسم له دلالته.
فلقد زاد في آية (يونس) على ما في سورة (القمر). فقد قال في سورة القمر {فما تُغْنِ النُّذُر}، وقال في سورة يونس: {وما تغني الآيات والنُّذُر}، فزاد (الآيات) على (النّذر)، فزاد في الرسم تبعاً لذلك.. فلمّا زادت الدواعي في (يونس)؛ انبَغَى أن يزيد الإغناء".(1)
ومن الواضح أنّ حذف الياء في كتابة هذا الفعل لم يكن وراءه من تلك "الدواعي" إلّا شخصيّة الكاتب الإملائيّة الناشئة، واجتهاده الخاصّ، والمشكور، في محاولة إيجاد قواعد إملائيّةٍ أولى للغتنا. وإلّا، فأين كانت تلك "الدواعي" حين استغنى عن كتابة الياء في ألفاظٍ عدّةٍ تتوالى في حيّزٍ قصيرٍ لا يتجاوز أربع آياتٍ قصيرةٍ متواليةٍ من هذه السورة نفسها (تُغنِ – يَدْعُ – الدّاعِ – إلى الدّاعِ):
- حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ ۖ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ ‎﴿٥﴾‏ فَتَوَلَّ عَنْهُمْ ۘ يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلَىٰ شَيْءٍ نُّكُرٍ ‎﴿٦﴾ خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُّنتَشِرٌ ‎﴿٧﴾‏ مُّهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ ۖ يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَٰذَا يَوْمٌ عَسِرٌ ‎﴿٨﴾ [القمر: 5-8]
يقول الشوكاني في الجزء الخامس من تفسيره ص 121 عند شرح كتابة الآية {يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلَىٰ شَيْءٍ نُّكُرٍ}: "إنّ الواو حذفت في الأولى إتباعاً للفظ، والياء حذفت من الثانية للتخفيف واكتفاءً بالكسرة"(2). وهكذا أوجد حجّّةً مختلفةً لكلٍّ منهما، ولم يفرّق بين الحالة الأولى التي هي مجرّد اجتهادٍ من الكاتب حين كتبها كما تُلفظ، والحالة الثانية التي أُنزلت هكذا من غير لفظ الياء، خلافاً للفظنا لها في لغتنا البشريّة. ويتكرّر الأمر نفسه مع الآية التي تليها أيضاً {مُّهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ}. بل إنّ هذا النوع من الحذف "التخفيفيّ" يتكرّر في القرآن كثيراً، وقد استطعت أن أحصي هذه الأمثلة عليه في النصف الأوّل من سورة الكهف (المُهتَدِ – يَهدِيَنِ – تَرَنِ – يُؤتِيَنِ – نَبغِ – تُعَلّمَنِ):
- مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ ۖ وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُّرْشِدًا ‎[الآية 17]
- وَقُلْ عَسَىٰ أَن يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَٰذَا رَشَدًا ‎[الآية 24]
- وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ ۚ إِن تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنكَ مَالًا وَوَلَدًا ‎﴿٣٩﴾‏ فَعَسَىٰ رَبِّي أَن يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِّن جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِّنَ السَّمَاءِ فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا ‎﴿٤٠﴾‏ [الآيتان 39 و 40]
- قَالَ ذَٰلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ ۚ فَارْتَدَّا عَلَىٰ آثَارِهِمَا قَصَصًا‏ [الآية 64]
- قَالَ لَهُ مُوسَىٰ هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَىٰ أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا ‎[الآية 66]
إذن، فطبيعة حذف الياء من (الداعِ) في آيتَي سورة (القمر) تختلف عن طبيعة حذفها في كلٍّ من (تُغنِ) و (يدْعُ). إنّها في الحالة الأولى لغةٌ "تخفيفيّةٌ" قرآنيّةٌ تستغني عن المدّ في (الداعي)، كما تؤكّد نماذج سورة الكهف أعلاه، على حين جاء الحذف في الحالة الثانية إتباعاً للفظنا للكلمتين ضمن هذا السياق لا أكثر.
ومن السهل العثور على العديد من الآيات التي يرد فيها الفعل (يغني) بما يخالف نظريّة السامرّائي عن "دواعي الإغناء"، فتثبُت الياء في الفعل بغضّ النظر عمّا يمكن أن يلحق به، أو لا يلحق، كما يتبيّن في الآيات التالية:
- وَكَم مِّن مَّلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِن بَعْدِ أَن يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَن يَشَاءُ وَيَرْضَىٰ ‎[النجم: 26]
- وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُم مَّا كَانَ يُغْنِي عَنْهُم مِّنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ [يوسف: 68]
- إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنكَ شَيْئًا ‎[مريم: 42]
- يَوْمَ لَا يُغْنِي مَوْلًى عَن مَّوْلًى شَيْئًا وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ ‎[الدخان: 41]
- يَوْمَ لَا يُغْنِي عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ ‎[الطور: 46]
- وَمَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ ۖ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ ۖ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا ‎[النجم: 28]
- لَّا ظَلِيلٍ وَلَا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ ‎[المرسلات: 31]
- لَّا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِي مِن جُوعٍ ‎[الغاشية: 7]
- وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّىٰ ‎[الليل: 11]

* * *

ويجب أن نعرف بأنّ الادّعاءات بتغيّر الرسم القرآني بتغيّر المعنى لم تكن وليدة هذا العصر. لقد ألّف في هذا الموضوع عددٌ من قدامى الكتّاب، كان من أوائلهم أبو عمرو الداني الأندلسي (371-444 ه) في كتابه (المُقنِع)، ثمّ أبو العبّاس المراكشي (-721 ه) في كتابه (عنوان الدليل في مرسوم خطّ التنزيل)، وذهب فيه المراكشيّ إلى أنّ "هذه الأحرف إنّما اختلف حالها في الخطّ بحسب اختلاف أحوال معاني كلماتها".(3)
ولو أردنا أن نستحضر صورة الكتابة العربيّة في فترة نزول الوحي، فلا بدّ أن نضع أنفسنا في مقاعد المسلمين الأوائل الذين خرجوا لتوّهم من أمّيتهم، وبدأوا يتعلّمون الكتابة والقراءة ويمارسونهما لأوّل مرّة. وقد استعان الرسول ﷺ بالعديد من هؤلاء المتعلّمين الجدد ليكتبوا له الوحي. ويؤكّد محمّد مصطفى الأعظمي في مؤلَّفه (كتّاب النبيّ) أنّ عدد من شاركوا في كتابة النصّ القرآنيّ قد يصل عند بعض المدوّنين إلى 60 كاتباً.
لقد كان على كلّ كاتبٍ، في مثل هذه الوظيفة الجماعيّة الرائدة التي تعرفها الجزيرة العربيّة لأوّل مرّة، أن يجتهد ما استطاع، وأن يبذل كلّ إمكاناته وهو يخطّ آيات الله، ليضع لنفسه، ولكلّ العرب من بعده، النواة الأولى لقواعد الإملاء الجديدة التي ستقوم عليها الكتابة العربيّة، وذلك عن طريق كتابة أوّل كتابٍ في التاريخ يُكتب بهذه اللغة، وهو كتاب الله. وكان من الطبيعيّ أن يكون لكلّ كاتبٍ لهجته المباينة، وشخصيّته وثقافته المستقلّة، واجتهاداته الخاصّة، ومن ثمّ، قواعده الإملائيّة المختلفة أيضاً.
يقول الشوكاني في شرحه لآية الرِّبا في سورة البقرة (الآية: 275]:
"وقياس كتابة (الرِّبا) بالياء؛ للكسر في أوّله، وقد كتبوه في المصحف بالواو. قال [يعني الزمخشري] في (الكشّاف): على لغة من يفخّم (يقول المحقّق في الهامش: والمراد في التفخيم هنا: الفتح، وضدّه الترقيق بالألف، وهو الإمالة، وبهما قرئ. انتهى من هامش الأصل)، كما كتبت (الصلاة والزكاة)، وزيدت الألف بعدها تشبيهاً بواو الجمع. انتهى [أي كلام الزمخشري]. قلت: وهذا مجرّد اصطلاح لا يلزم المشي عليه، فإن هذه النقوش الكتابيّة أمورٌ اصطلاحيّة لا يشاحَحُ في مثلها إلّا فيما كان يدلّ به منها على الحرف الذي كان في أصل الكلمة، ونحوه، كما هو مقرّرٌ في مباحث الخطّ من علم الصرف. وعلى كلّ حالٍ؛ فرسم الكلمة، وجعلُ نقشها الكتابيّ على ما يقتضيه اللفظ بها، هو الأَولى. فما كان في النطق ألفاً، كالصلاة والزكاة ونحوهما، كان الأولى في رسمه أن يكون كذلك، وكون أصل هذه الألف واواً أو ياءً لا يَخفى على من يعرف علم الصرف. وهذه النقوش ليست إلّا لفهم اللفظ الذي يُدَلّ بها عليه كيف هو في نُطق من ينطق به، لا لتفهيم أنّ أصل الكلمة [هو] كذا، ممّا لا يجري به النطق! فاعرف هذا، ولا تشتغل بما يعتبره كثيرٌ من أهل العلم في هذه النقوش، ويُلزمون به أنفسهم، ويعيبون من خالفه، فإنّ ذلك من المشاححة في الأمور الاصطلاحيّة التي لا تُلزم أحداً أن يتقيّد بها. فعليك بأن ترسم هذه النقوش على ما يلفُظ به اللافظُ عند قراءتها، فإنّه الأمر المطلوب مِن وضعِها والتواضع عليها، وليس الأمر المطلوب منها أن تكون دالّةً على ما هو أصل الكلمة التي يتلفّظ بها المتلفّظ ممّا لا يجري في لفظه الآن. فلا تغترّ بما يُروى عن سيبويه ونُحاة البصرة أن يكتب (الربا) بالواو، لأنه يقول في تثنيته (ربوان). وقال الكوفيّون: يُكتب بالياء، وتثنيته (ربيان). قال الزجّاج: ما رأيت خطأً أقبح من هذا ولا أشنع: لا يكفيهم الخطأ في الخطّ؛ حتّى يخطئوا في التثنية [أيضاً]، وهم يقرأون: {وما آتيتم من رباً ليربوَ في أموالِ الناسِ فلا يَربو}". (4)
وما زال إكباري يتزايد لفراسة عمر بن الخطاب، حين منع الناس من كتابة تفسيرٍ للقرآن الكريم، وأنا أرى كيف يوغل في الانحراف هؤلاء الذين يحاولون أن ينسبوا إلى الإملاء القرآني ما ليس فيه، ثمّ لا يكتفون بذلك، بل يصرّون على أن ينسبوه إلى الله تعالى نفسه حين يدّعون أنّ: "الألف الفارقة حذفت من لدن الحكيم العليم"، وينسون أنهم إنّما يتعاملون مع الله، وأنهم يقوّلونه تعالى ما لم يقل، ولم يقله نبيّه، ولا صحابته، ولا التابعون من بعدهم.
واليوم، ونحن نعيش في القرن الحادي والعشرين، وفي عصر المجامع اللغويّة العديدة، وعصر دور النشر الكبيرة، ووسائل الإعلام الضخمة، فإنّنا، رغم كلّ ذلك، لم نستطع أن نصل بالإملاء العربيّ إلى قواعد مشتركةٍ يتّفق عليها العرب. فما تزال كتابة الهمزة، وربّما غير الهمزة أيضاً، تختلف بين المصريّ، والسوريّ، والعراقيّ، بل ربما اختلفت كتابتها ضمن البلد الواحد، وربّما بين كاتبٍ وآخر، وبين دار نشرٍ وأخرى في المدينة الواحدة. وإذن فما الغرابة في أن تتعدّد الاجتهادات عند كتبة القرآن الكريم، حين كان الإملاء العربيّ ما يزال يخطو خطواته الأولى؟


هوامش:
(1) موقع رابطة العلماء السوريين. 10.2.2025.
(2) فتح القدير. ج5 ص: 125.
(3) الإتقان في علوم القرآن. ج 2. ص: 328.
(4) فتح القدير. ج1. ص: 294-295.


بقلم: أحمد بسام ساعي

تنويه:

جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين

مقالات ذات صلة

من مواعظ الإمام سفيان الثوري
الاثنين، ١ ربيع الأول ١٤٣١ هـ - ١٥ شباط ٢٠١٠من مواعظ الإمام سفيان الثوري
اختيار الشيح  صالح الشامي 1- أصلحْ سَرِيْرَتَك يصلح اللهُ علانيتَك، وأصلح فيما...
واقع الأمة وحتمية الدعوة إلى الله تعالى
الاثنين، ١ ربيع الأول ١٤٣١ هـ - ١٥ شباط ٢٠١٠واقع الأمة وحتمية الدعوة إلى الله تعالى
 بقلم: د/ عامر حسين أبو سلامةإن الناظر في واقع هذه الأُمة، يجدها منفصلةـ في كثير من ا...
الكلام الطيب طريق الدعاة إلى القلوب
الاثنين، ١ ربيع الأول ١٤٣١ هـ - ١٥ شباط ٢٠١٠الكلام الطيب طريق الدعاة إلى القلوب
الأستاذ : أبو معاذ جاهوش أفضل سبيل لتحقيق هدف المتكلم - متحدثاً كان ، أو محاضراً ، خط...