صفحات من كتاب (إدارة التلاوة.. أعد اكتشاف علاقتك مع القرآن الكريم) (15)

صفحات من كتاب (إدارة التلاوة.. أعد اكتشاف علاقتك مع القرآن الكريم) (15)

التصنيف: فقه الدعوة
الجمعة، ٤ محرم ١٤٤٨ هـ - ١٩ حزيران ٢٠٢٦
52

1- الرسم القرآنيّ، توقيفيٌّ أو توفيقيّ؟
[القسم الأوّل]


رمز "الهلال" الإسلاميّ، هل هو إسلاميّ؟
من الواضح أنّ رؤية هذا الرمز يعلو مآذننا وقباب مساجدنا أصبحت جزءاً لا يتجزّأ من أيقونات حياتنا اليوميّة التي ننظر إليها باحترامٍ قد يصل إلى درجة التقديس. لقد أصبح معظم المسلمين لا يتصوّرون وجود مسجدٍ أو مئذنةٍ من غير هلالٍ هندسيٍّ أنيقٍ يعلوهما!
ما هي قصّة هذا الهلال المضاف إلى معابدنا، بل إلى خريطة تفكيرنا وقناعاتنا الدينيّة؟ وهل له أصلٌ توقيفيٌّ؟ هل وردت أيّة إشارةٍ إليه، من قريبٍ أو بعيد، في القرآن الكريم، أو في حديث النبيّ ﷺ، أو عن صحابته، أو عن التابعين وتابعيهم بعده؟ من المؤكّد أنّ الجواب سيكون: لا.
تتعدّد الآراء حول المصدر التاريخيّ الحقيقيّ لهذا الهلال، بين قائلٍ بأنّه، وربّما مع النجمة في وسطه أيضاً، كان رمزاً وثنيّاً للبابليّين، وقائلٍ آخر بأنّه كان للفرس، وآخر للرومان أو البيزنطيّين قبل أن يفتح العثمانيّون عاصمتهم القسطنطينيّة ويحوّلوا اسمها إلى إستانبول.
وبغضّ النظر عن هذه الآراء مجتمعةً؛ فمن المؤكّد أنّ من نشره في أنحاء العالم الإسلاميّ هم العثمانيّون الذين حكموا بلدانه لعدّة قرون (حتّى عام 1918) تحت رايات جيوشهم التي تحمل صورة الهلال. ويرجّح المؤرّخون أنّ العثمانيّين قد ورثوه عن أجدادهم الوثنيّين، ليبقى رمزاً لقوميّتهم، وليصبح من بعد ذلك رمزاً للإسلام وللعالم الإسلاميّ كلّه. ثمّ ما لبث هذا الرمز أن تسلّل شيئاً فشيئاً إلى معابد المسلمين ليعلو مآذنهم وقباب مساجدهم، وليصبح في نظر العالم كلّه رمزاً للإسلام، بدولته الفتيّة الصاعدة، بمقابل الصليب الذي كان رمزاً للمسيحيّة، وبمقابل نجمة داود التي كانت رمزاً لليهوديّة، رغم أنّ نبيّاً من أنبياء هذه الشرائع الثلاث، عليهم جميعاً صلوات الله وسلامه، لم يعرف أيّاً من هذه الرموز التي ألحقها المتأخّرون بشريعته.
ولم يكن تبنّي الدول الإسلاميّة لهذا الرمز نتيجة قرارٍ من الباب العثمانيّ العالي؛ بقدر ما كان إعجاباً وإكباراً للقادة العثمانيّين، ولدولتهم القويّة، ولفتوحاتهم الكبيرة، واعترافاً لهؤلاء القادة بإحيائهم الأمل في عودة الخلافة الإسلاميّة قويّةً تهابها دول العالم كلّه. وكان على رأس هؤلاء القائد العثمانيّ، فاتح القسطنطينيّة، محمّد الفاتح، الذي يَخفى على الكثيرين أنّه في الواقع كان أباً للحضارة الغربيّة الحديثة أيضاً!


أقول في كتابي (نبويّون أكثر من النبيّ؟):
"إنّ كثيراً من المسلمين ما يزالون يتجاهلون تاريخهم، ويتناسون روح الإسلام التي لم تتوقّف يوماً عن الدعوة إلى العلم والمعرفة، والتي كانت تؤتي أُكلها حتّى في أحلَك ظلام الضياع والانحدار، فيبرز فيها بين قرنٍ وآخر، وبين صقعٍ هنا وآخر هناك، من يجدّد لها دماءها، ويعيد إليها ثقتها بنفسها، فكان من ثمار هذه الدعوة شابٌّ عثمانيٌّ فتيٌّ اسمه (محمّد الفاتح).
لو نظرتم في أيّة موسوعةٍ غربيّةٍ تؤرّخ لتاريخ العالم، ولتاريخ الغرب والحضارة الغربيّة، لوجدتم السطرين التاليين يتعاقبان فيها دائماً في الجداول التي تلخّص الأحداث التاريخيّة الكبرى مرتّبةً حسب السنوات:
عام 1453: فتح القسطنطينيّة على يد القائد العثمانيّ محمّد الفاتح.
عام 1453: بدء النهضة الأوروبّية الحديثة.
نعم، هذا ما حصل. سطران فقط يلخّصان كلّ الحقيقة التي نحن بصددها.
في عام 1453 فتح المسلمون أبواب القسطنطينيّة. لقد فُتحت هذه المدينة الحصينة، وكانت بمثابة عاصمةٍ لأوروبّا آنذاك، على أيدي العثمانيّين، وبهذا الحدث الكبير بدأت النهضةُ الأوروبّية التي انبعثت وظلّت مستمرّةً ومزدهرةً ومتناميةً حتّى الآن.
هل حدث قطّ، أو هل تصوّرتم أن يحدث أبداً في المستقبل، أن تبدأ نهضةُ امبراطوريّةٍ ما؛ في اليوم الذي تُفتح به عاصمتها على أيدي أعدائها؟ إنّ هذا ما حدث تماماً للإمبراطوريّة الأوروبّية، وقد كانت تمثّلها بيزنطة آنذاك، غداة سقطت القسطنطينيّة في أيدي الفاتحين المسلمين. فكيف حدث ذلك؟
يقول المؤرّخ الأمريكيّ الصهيونيّ برنارد لويس في كتابه (إستانبول وخلافة الحضارة الإسلاميّة) وفي اعترافٍ لم يستطع إلاّ أن يسجّله بصدقٍ للتاريخ: "إنّ الأتراك الذين دخلوا القسطنطينيّة فاتحين؛ لم يكونوا المتوحّشين البدائييّن، كما يصوّرهم بعض كتّاب الغرب، بل كانوا ورثةَ وحاملي حضارةٍ قديمةٍ ورفيعة، أي حضارة الإسلام القديمة، والتي هم أنفسهم أضافوا إليها قدراً غير يسير" [ترجمة وتعليق سيّد رضوان علي. الدار السعودية. جدّة: 192. ط2. ص: 135].
كانت سجون القسطنطينيّة تغصّ بمساجين الفكر والعلم الذين وَجدت الكنيسة في نظريّاتهم وكشوفهم، آنذاك، تهديداً للإيمان المسيحيّ. وكانت هذه الكنيسة قد أقفلت مكتبات المدينة على كنوزٍ من الكتب الفكريّة والعلميّة بحجّة أن العلم يقود إلى الهرطقة والإلحاد، ولا سيّما المؤلّفات اليونانيّة القديمة التي كانت تغصّ بها تلك المكتبات، فلم يكن يُسمح لأحدٍ بدخولها أو الاطّلاع على ما فيها من معارف وعلومٍ ونظريّاتٍ وفلسفات.
إنّ لقب (الفاتح) الذي أطلق على القائد العثمانيّ الفتيّ (محمّد الفاتح) لم يكتسبه من فتحه لأسوار القسطنطينيّة الحصينة، فحسب، وقد امتنعت على كلّ الفاتحين من قبله، بل كان جديراً بأن يكتسب ذلك اللقب أوّلاً من حقيقة أنّه "فتح" للناس مكتبات القسطنطينيّة المقفلة وقد أكل كتبَها ومخطوطاتها الغبار، فحرّر تلك الكنوز العلميّة السجينة فيها من الأسر. وكان جديراً بأن يكتسبه ثانياً من حقيقة أنّه "فتح"، في الوقت نفسه، أبواب السجون فيها، وقد ضمّت جيشاً من المفكّرين والعلماء الأوروبّيين ممّن احتجزتهم الكنيسة وعزلتهم عن المجتمع خوفاً على عقائد الناس، فخرج هؤلاء من زنزاناتهم على يدَي محمّد الفاتح، لا ليسرعوا للانضمام إلى أسرهم وأهليهم في مختلف الدول الأوروبّية، بل ليتسابقوا إلى أبواب المكتبات الضخمة التي فتحها لتوّه القائدُ الشابّ، وليخوضوا بحارها، ويرووا ظمأهم من ينابيعها، قبل أن يعودوا إلى أوطانهم بعد ذلك، وكان سوادهم الأعظم من إيطاليا، حاملين هذه العلوم في رؤوسهم وعلى أوراق دفاترهم. وعلى أيدي هؤلاء؛ بزغ فجر النهضة الأوروبّية (الرينيسانس) من إيطاليا، ثمّ انتشرت الثورة الفكريّة لهذا البلد وفنونه وآدابه وهندسة بنائه شمالاً حتّى غطّت سائر الأقطار الأوروبّية.
ولكنّ الكنيسة البيزنطيّة، وللإنصاف، لم تكن وحدها في هذا الموقف المتحفّظ من العلم والعلماء. فعلى الساحة الإسلاميّة؛ كان العقل الإسلاميّ، والإبداع الإسلاميّ، والحضارة الإسلاميّة كلّها، قد توقّفت وتوقّف معها الزمن بعد مرور خمسة قرونٍ أو ستّةٍ على بزوغ الرسالة. فباسم الدين أيضاً، وباسم الشريعة، أُغلق باب الاجتهاد والتفكير، ولم تعُد الأمّة الإسلاميّة تجد بين يديها، أو على الأقلّ تُنصت، لو ظهر، إلى "مَن يجدّد لها دينها" كما وعدها نبيّها ﷺ، ونامت أعينها عن الآيات العديدة التي تحذّر من هذا "الإقفال للعقول" وعدم الإنصات إلى ما في القرآن الكريم من دعواتٍ صريحةٍ وملحّةٍ ومتكرّرةٍ إلى الفقه والتفكّر والتدبّر.
والحقّ أن "ظاهرة" محمّد الفاتح، في القرن الإسلاميّ الثامن، حين كان الوعي الإسلاميّ الجماعيّ في الحضيض، لم تكن تمثّل الوجه العامّ والغالب للحضارة الإسلاميّة في تلك الحقبة. لقد كانت فورةً شبه منعزلةٍ عن السياق التاريخي للخطّ الحضاريّ الإسلاميّ المتراجع آنذاك حتّى الثمالة. فعلى الضفّة الأخرى لأوروبّا، هناك في الأندلس، كانت شمس المسلمين تؤْذِن بالغروب ولمّا تمضِ أربعة عقودٍ من السنين على فتح القسطنطينيّة، فسقطت غرناطة، آخر معقلٍ للمسلمين في الغرب، عام 1492م بعد مرور ثمانية قرونٍ على قيام الدولة الإسلاميّة في شبه الجزيرة الإسبانيّة." (1)
وبغضّ النظر عن مكانة هؤلاء الفاتحين الكبار في عيوننا، وفي عيون التاريخ، وعن دورهم، أيضاً، في تلك المكانة التي احتلّها رمز الهلال في مساجدنا ومآذننا وعواطفنا الدينيّة وعقولنا، فلا بدّ أن ننظر إلى المسألة بالعقليّة الموضوعيّة نفسها التي تحمي عقيدتنا من الانحراف، مهما كان ضئيلاً، لأنّ الضئيل ما يلبث أن يتعملق ويتّخذ لنفسه في نفوسنا مكانةً يصبح من الصعب إزاحته عنها. لا بدّ إذن من إعادة طرح هذه الأسئلة على أنفسنا جميعاً، وأنا أعرف أنّنا نكنّ لهذا الرمز الإسلاميّ اليوم أعمق المشاعر:
هل نحن إنّما "نحترم" الهلال، ولا شيء أكثر من الاحترام؟
أم تجاوزنا مرحلة "الاحترام" إلى مرحلة التقديس؟
أم تجاوزنا ذلك، وبدأ مفهوم التقديس عندنا يقترب من مفهوم العبادة، ولا سيّما أنّنا فرضنا على أنفسنا وجود هذا الهلال، وبشكلٍ شبه مسلَّمٍ به وغير قابلٍ للنقاش، ليعلو قبابنا ومآذننا، رغم علمنا بأنّه إنّما يعلو بهذا، أيضاً، مصاحفنا، وصلواتنا، ومساجدَنا التي {يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا
قد يحتجّ أحدنا قائلاً: بل لأنّه الهلال الذي يحتلّ مكانةً خاصّةً في عباداتنا! ألسنا نرجع إليه كلّ شهرٍ، وكلّ رمضان، وكلّ عيد، لنتأكّد من أوقاتها ومن حلولها علينا، ولنتثبّت به من تأريخ أيّامنا وشهورنا؟
ولكن ماذا حول الشمس؟ إنّ دورها في عباداتنا، حسب هذا المفهوم، أهمّ من دور الهلال بكثير! ألسنا نرجع إليها، أيضاً، وكلّ يوم، صباحاً ومساءً، لنتأكّد من مواعيد صلواتنا اليوميّة الخمس؟ أفلا تستحقّ بهذا أن تعلو مآذننا وقبابنا بدلاً من الهلال؟
إنّها مسألةٌ عقديّةٌ لا تحتمل المزاح أو التردّد. نعم، لقد توارثناها عن آبائنا وأجدادنا على مدى قرونٍ عديدة، ولكنّنا لن نكون بأيّة حالٍ من الأحوال نسخة عن أولئك الذين قالوا: {وإنّا على آثارهم مُقتَدون}!
ماذا لو خطونا الخطوة الأولى في هذا السبيل، فزيّنّا قباب مساجدنا المقبلة ومآذنها بالكلمة الجميلة (الله)، وهو الذي يعلو اسمه كلّ شيء، فضلاً عن الخصائص الهندسيّة الفريدة التي تتمتّع بها هذه الكلمة بحروفها المميّزة؟
إنّ رحلة الألف ميلٍ تبدأ بخطوة!

* * *

هذا في الحقيقة مجرّد تدريبٍ ذهنيٍّ يمكن أن يعيننا على اعتماد المقاييس الموضوعيّة التي ينبغي أن ننظر من خلالها إلى كلّ مسألةٍ سنعرض لها فيما يلي من صفحات، لنستطيع الخروج في النهاية بحكمٍ سليمٍ، وآمن، حول حقيقة أصول هذه المسألة، وحول طبيعة إيماننا بموقعها بين الأرض والسماء.
ومن هذه المقاييس الموضوعيّة والعقلانيّة نفسها؛ يمكن أن ننظر الآن، وبمسؤوليّةٍ كاملةٍ أمام أنفسنا وأمام الله، إلى الرسم العثمانيّ للقرآن الكريم، لنتحقّق من حقيقة توقيفيّته أو توفيقيّته.

خطوات الرسم القرآنيّ:
لم تعرف البشريّة، ولن تعرف، اهتماماً بكتابٍ مقدّسٍ، أو غير مقدّس، كالاهتمام الذي منحه المسلمون للقرآن الكريم.
لقد اهتمّوا منذ الأيّام الأولى من الدعوة الإسلاميّة اهتماماً غير مسبوقٍ بالحفاظ على كتابهم تماماً على الصورة التي أُنزل عليها، وعلى تجويد نَسْخه، وجمعه، وترتيبه، وتسهيل تلاوته وحفظ سوَره عن ظهر غيب، وكذلك على تشجيع المتعلّمين على قراءته، والتغنّي به، وتحسين أصواتهم به، ودراسته، وفهم آياته على أتمّ وجه، ثمّ العمل بها وتطبيقها. وقد أتوا في هذا المجال بإبداعاتٍ ومنهجيّاتٍ وإنجازاتٍ استمرّت حتى يومنا هذا.
وهكذا، ومستندين إلى المنهج التوثيقيّ السماعيّ، أوّلاً، في قراءة القرآن وتوثيقه، ابتكروا من أجله النقاط لوضعها فوق الحروف. فقد كان يمكن قبل ذلك، مثلاً، أن تختلط علينا الباء، في قراءتنا البصريّة، مع التاء، أو الثاء، أو الياء، فجاءت النقاطُ لتوثّق للقارئ، بصريّاً، ولأوّل مرّةٍ في العربيّة، صحّةَ تلاوته السمعيّة للآيات. إنّه سيقرأها دائماً بأذنيه، كما سبق أن عرفنا، قبل أن يقرأها بعينيه.
وفي خطوةٍ أخرى؛ تمّ ابتكارُ الحركات أيضاً: الفتحة والضمّة والكسرة والشَّدّة، فكان أن وفّرت على قارئ العربيّة أن يخلط بين (يَنزِل) و (يُنزِل) و(يُنزَل) و (يُنَزِّل) و (يُنَزَّل)، فوثّقت له الحركات البصريّة، أيضاً، صحّة تلاوته السمعيّة لآيات الله.
ولم تكن هذه الإضافات البشريّة لتمرّ من تحت أعين المسلمين بعد وفاة الرسول ﷺ مروراً سهلاً. وينقل لنا السيوطي في كتابه (الإتقان) أقوالاً شتّى للعلماء عن تردّدهم في قبول إدخال أيّة حركاتٍ، أو نقاطٍ، أو أرقامٍ، أو إشاراتٍ أخرى من شأنها أن تُحدث أيّ تغييرٍ في شكل الرسم القرآنيّ الذي أمامهم، تماماً كما وصلهم في نسخة "المصحف العثماني". يقول السيوطي:
"اختُلف في نَقْط المصحف وشكله [أي تشكيلِ حروفِه]، ويقال: أوّل من فعل ذلك أبو الأسود الدؤليّ بأمر عبد الملك بن مروان. وقيل: الحسن البصريّ ويحيى بن يَعمر، وقيل: نصر بن عاصم الليثيّ. وأوّل من وضع الهمز والتشديد والرَّوم والإشمام [وبعضها ممّا يدخل في قواعد علم التجويد] الخليل بن أحمد.. وقال يحيى بن أبي كثير: ما كانوا يعرفون ممّا أُحدث في المصاحف إلّا النُّقط الثلاث على رؤوس الآي [وهي ثلاث نقط كانت توضع في بداية كلّ آيةٍ لتمييزها عمّا قبلها].. وأخرج ابن أبي داود عن النّخعيّ: أنّه أُتي بمصحفٍ مكتوبٍ فيه (سورة كذا) و (كذا آية) [يقصد عدد آيات السورة]، فقال: امحُ هذا، فإنّ ابن مسعود كان يكرهه..
وقال مالك: لا بأس بالنقط [المذكورة] في المصاحف التي يتعلّم فيها الغلمان، أمّا الأمّهات [أي أمّهات النسخ من المصاحف المخصّصة للكبار] فلا.. وقال البيهقيّ: ولا يُخلط به ما ليس منه، كعدد الآيات، والسجدات، والعشرات [وهي العلامة عند كلّ عشر آيات]، والوقوف، واختلاف القراءات، ومعاني الآيات.. وقال النووي: نَقْط المُصحف وشَكلُه مستحبّ، لأنّه صيانةٌ له من اللحن والتحريف. وقال ابن مجاهد: ينبغي ألّا يُشْكَل إلّا ما يُشْكِل. وقال الداني: لا أستجيز النَّقْط بالسواد، لما فيه من التغيير لصورة الرسم، ولا أجيز جمع قراءاتٍ شتّى في مصحفٍ واحدٍ بألوانٍ مختلفة، لأنّه من أعظم التخليط والتغيير للمرسوم، وأرى أن تكون الحركات، والتنوين، والتشديد، والسكون، والمدّ، بالحمرة، والهمزات بالصُّفرة..
وكان الشكل في الصدر الأوّل نَقْطاً: فالفتحة نقطةٌ على أوّل الحرف، والضمّة على آخره، والكسرةُ تحت أوّله، وعليه مشَى الداني. والذي اشتهر الآن الضبطُ بالحركات المأخوذة من الحروف، وهو الذي أخرجه الخليل [ابن أحمد]، وهو أكثر وأوضح، وعليه العمل: فالفتح شكلةٌ مستطيلةٌ فوق الحرف، والكسر كذلك تحته، والضمّ واوٌ صغرى فوقه، والتنوين زيادةُ مثلِها [أي مضاعفتها]."(2)
ورافق ذلك كلّه أيضاً، وربّما سبقه، تسميةُ سور القرآن الكريم. فلم تكن معظم السوَر قد استقرّت بعد على أسماء نهائيّةٍ لها، وإن كان الرسول ﷺ قد سمّى لنا بعضها في أحاديثه، وقد سبق أن أوصى بأن تسمّى السوَر بأوائل كلماتها. من أجل هذا ظلّ معظم السوَر إلى الآن يحمل أكثر من اسمٍ واحد، وإن غلب أحد هذه الأسماء على الأسماء الأخرى عند بعض المسلمين.
ثمّ تلا ذلك وضع قواعد التجويد بغرض تحسين تلاوة القرآن، وتجويد لفظه، وطرح أدواتٍ صوتيّةٍ صارمةٍ بين يدي القارئ تدقّق له قراءته. وسوف نفصّل القول عن هذا الموضوع في صفحاتٍ قريبةٍ قادمة.
وتلا كلَّ ذلك تقسيمُ القرآن إلى ثلاثين جزءاً، ثمّ تقسيم الأجزاء إلى أحزاب، وأنصاف الأحزاب، وأرباعها، وذلك في سبيل تسهيل تناوله ومراجعته وتدارسه للقرّاء والحفظة والمعلّمين والمتعلّمين على السواء. ثمّ في خطوةٍ لاحقةٍ؛ أضاف المسلمون إلى اسم كتاب الله لفظاً تكريميّاً ليصبح (القرآن الكريم) أو (القرآن المجيد).
وتأتي أخيراً علامات الوقف، وكان الغرض منها ضبط تلاوتنا للقرآن، وربطها، وصلاً أو وقفاً، بمعاني الآيات المقروءة. وهي مقترحاتٌ كان أبرزَ من بدأها أبو عبد الله السجاوندي (- 560 هـ تقريباً) – نسبةً إلى سجاوند في إيران – وذلك في كتابه (علل الوقوف). وفي مرحلةٍ تاليةٍ أُثبت من هذه العلامات الجديدة علامتان في المصحف لا أكثر، وهما (لا) لِما لا وقف عليه، و (م) للوقف اللازم. ثمّ، وفي مراحل تاليةٍ أخرى، أضافوا إليها علاماتٍ جديدة. واكتمل الأمر بأن أُخذ بهذه العلامات في مرحلةٍ متأخّرة، وأُثبتت جميعاً في نُسخ المصحف الشريف بعد ظهور المطبعة، وبعد طباعة المصاحف وتوزيعها على نطاقٍ واسع.
وما فتئ المسلمون يعتنون على مرّ القرون بنَسخ كتاب الله، والتفنّن في خطّه وتزيينه وإخراجه. ومؤخراً أعيد كتابته على يد خطّاطين كبارٍ من مختلف أصقاع العالم الإسلاميّ. وما زال الخطّاطون يتنافسون في تحسين خطوطه وإتقانها بطرقٍ تساعد على تسهيل حفظه وتلاوته. وكان آخر ما انتهت إليه نُسخ المصحف (مصحف المدينة) الذي جاء على يد الخطّاط الشاميّ عثمان طه عام 1410 هـ. وقد أتقن كتابته، وأحكم ترتيبَ سوره وآياته، بحيث تنتهي الآية مع نهاية الصفحة، ممّا يسهّل الطريق كثيراً على القرّاء والمعلّمين في تلاوةَ القرآن وحفظه وتَعَلُّمه وتعليمه.
كانت كلّ تلك الخطوات، قديمها وحديثها، إلحاقاتٍ بشريّةً "توفيقيّةً" تهدف إلى الحفاظ على القرآن بكلّ الوسائل الممكنة، والمساعدة في تجويد كتابته، وتلاوته، ودراسته، وتدريسه، وفهمه، واستظهاره، وترتيله، والتغنّي به، جنباً إلى جنبٍ مع تجويد طباعته، وإخراجه، وتغليفه، ثمّ نشره بأعدادٍ كبيرةٍ، وتوزيعه في مختلف البلدان.
ولكنّ الزمن، وتقادم العهد، والميل إلى تقديس كلّ ما يتعلّق بكتاب الله، جرّ كثيراً من المسلمين إلى سوء تصنيف هذه الإلحاقات البشريّة، والخلط بين ما هو توقيفيٌّ وما هو توفيقيّ، فأصبحت الحدود بذلك زئبقيّةً وهشّةً بين ما هو سماويٌّ وما هو أرضيّ. وهو أمرٌ شديد الخطورة على صورة القرآن الحقيقيّة في أعينهم، أوّلاً، وكذلك على سلامة عقيدتهم وصحّة إيمانهم بسماويّة كتابهم. ولقد كانت هذه الهشاشة دائماً هي الطريق الممهّدة إلى الانحراف التوحيديّ الذي انزلق إليه أتباع الشرائع السماويّة من قبل.
القرآن الكريم توقيفيٌّ من الغلاف إلى الغلاف، وليس هناك مسلمٌ واحدٌ يقول بأنّ فيه كلمةً واحدةً من كلام البشر، أيّاً كان هذا البشر، بدءاً بالنبيّ محمّدٍ ﷺ أو صحابته أو تابعيه. فإذا وجدتَ المسلمين يجادلون متردّدين، أو متشكّكين، أو مختلفين، حول توقيفيّة أيّة جزئيّةٍ أخرى تتعلّق بالقرآن، نعم أو لا، كطريقة كتابته أو إملائه مثلاً، أو مواضع الوقف والوصل فيه، أو طرائق التغنّي به أو ترتيله، أو صحّة قواعد تجويده، فاعلم أنّ ما اختُلف عليه، شأنه شأن كلّ ما يُختلَف عليه بخصوص كتاب الله، لا يمكن أن يكون توقيفيّاً.
لم يترك الله تعالى ورسوله الأمين شيئاً يتعلّق بتوثيقية النصّ القرآنيّ وتوقيفيّته إلّا بيّناه وأكّداه ووثّقاه لنا، وبعشرات المناسبات، في الآيات أو في الأحاديث. وعندما يعزّ علينا العثور على آيةٍ واحدة، أو حديثٍ نبويٍّ واحد، أو قولٍ ثابتٍ لصحابيٍّ، أو تابعيٍّ، أو تابعٍ للتابعيّ، تؤكّد لنا توقيفيّة أيّ جانبٍ من الإلحاقات العديدة المذكورة أعلاه، فهذا وحده كافٍ كدليلٍ قطعيٍّ على أنّ الجانب المذكور لا بدّ أن يكون توفيقيّاً من صنع البشر، وليس توقيفيّاً أو وحياً من الله، بغضّ النظر عن النوايا الطيّبة التي كانت وراء هذه الإضافات "التوفيقيّة".

اللغة والإملاء بين الشكّ والإيمان:
من غير اللائق بالدارس أو الباحث، أو حتّى القارئ العاديّ للقرآن الكريم، أن يخلط فيه بين (اللغة) و (الإملاء).
فأن تبحث عن معنى كلمة (رحمة)، أو عن طريقة لفظها، فهذا أمرٌ لغويّ، أمّا أن تبحث عن طريقة كتابتها فهذا أمرٌ إملائيّ.
ويخلط بعضهم للأسف، ومنهم من كان من أهل العلم والتخصّص، بين الأمرين، مما يوقعنا في الكثير من الإشكالات الخطيرة، وهو ما يدعونا إلى توضيح ما يحيط بقضيّة الإملاء القرآني من أوهامٍ انزلق إليها الخاصّة والعامّة على السواء.
فتوقيفيّة القرآن الكريم، وصحّة نسبة ما جاء فيه إلى الوحي المنزَّل على النبيّ ﷺ من الله تعالى، لا يحتاجان إلى أيّ نقاش، ولا يفتقران إلى "ذوي اختصاص" ليثبتوا لنا ذلك، كما سبق أن أكّدنا. والشواهد والبراهين على هذا، في القرآن وفي السنّة وفي التاريخ، أكثر من أن تحصى.
ولكن حالما يصل الدارس إلى مسألة "الرسم القرآنيّ" يرتفع أمامه العديد من علامات الاستفهام والشكّ والتردّد، ويبدأ الجدل والنقاش، ثمّ يرتفع أحد الأصوات الطيّبة والمشفقة قائلاً: اتركوا المسألة إلى "ذوي الاختصاص".
إنّ مجرّد القول بإحالة الأمر "لذوي الاختصاص" إشارةٌ عفويّةٌ إلى أنّ المسألة موضع شكٍّ يهبط بها عن درجة اليقين المطلوبة في تصنيف كلّ ما يتعلّق بكتاب الله.
لماذا لم نكن في حاجةٍ إلى ذوي الاختصاص ليثبتوا لنا موثوقيّة النصّ القرآنيّ وتوقيفيته، وأنّه حقّاً منزَلٌ بكامله من عند الله؟
والجواب: لأنّنا نمتلك مئات الآيات، والأحاديث، والحقائق التاريخيّة الموثّقة، التي تؤكّد لنا ذلك بثقةٍ ووضوحٍ كاملين. ولكننا لا نملك شاهداً قرآنيّاً واحداً، ولا حديثاً نبويّاً واحداً، ولو ضعيفاً، يفيد بأن الرسول ﷺ قال لكاتبٍ من كتّاب القرآن: اكتب الكلمة الفلانية في هذه الآية بهذا الشكل، واكتبها في تلك الآية بشكلٍ مختلف!
هذا موضوعٌ لا يجوز الاستهانة به، فالمسألة تمسّ عقيدتنا مباشرةً، إنها قضيّة كفرٍ وإيمان، عندما نخلط بين ما هو من عند الله، وبين ما هو من عند عباد الله.
هل ندرك خطورة أن ننسب إلى القرآن ما ليس منه، وما لا ينصّ عليه أيّ شاهدٍ قرآنيٍّ أو نبويّ، مهما كان صغيراً؟
الحديث القدسيّ هو "قدسيٌّ" لأنّه من كلام الله تعالى حقّاً، ومع ذلك، ومع أنّه من كلام الله، يَكفُر من ينسبه أو يضيفه إلى القرآن الكريم، فذلك حديثٌ قدسيٌّ، وهذا قرآنٌ.
إنّه كتاب الله، وليس أيّ كتاب، فلماذا نضع أنفسنا في هذا الموقف الخطير، ولا نستند في كلّ ما يتعلّق بكتابه تعالى إلى ما قاله الله وقاله رسول الله لا أكثر، ونتوقف عن القول: أنا أستنتج كذا، وفلانٌ من العلماء ذهب إلى كذا، واتركوا البتّ في هذا الأمر لذوي الاختصاص؟
هذا أساسٌ من أسس عقيدتنا، وليس لنا أدنى حقٍّ في أن نرجع فيه إلى غير ما قال الله، وقال رسول الله، وقال صحابة رسول الله.

هل كان عثمان بن عفّان "مُلهَماً" في توحيد نُسخ المصاحف؟
ولا يقلّ خطورةً عن هذا الزعم ادّعاءُ بعضهم أنّ اختلاف الرسم القرآنيّ يدلّ على اختلاف المعنى، ففي هذا تجاوزٌ لمسألة الشكل أو الرسم القرآنيّ، وإقحامٌ خطيرٌ في القرآن لما ليس من القرآن. إنّها الخطوات الأولى لتحريف النصّ القرآنيّ، بل لإخراج معانيه أيضاً عن أصولها. وحين نكيّف معاني كتاب الله تبعاً لأهوائنا، ومذاهبنا، ووفقاً لخصوصيّاتنا المنهجيّة أو الثقافيّة أو الفكريّة، فلن نلبث مع الزمن أن نجد أنفسنا أمام قرآنٍ جديد، ودينٍ جديد!
هكذا بدأت الانحرافات في عقائد الأمم الأخرى: تبدأ دائماً باليسير، ثمّ ما تلبث أن تتدرّج نحو الخطير فالأخطر؟
وعندما يذهب بعضهم إلى أنّ عثمان بن عفّان كان ملهَماً من الله حين قام بتوحيد كتابة نُسخ المصاحف، وأنّه أشار على الكتّاب باتّباع منهجٍ معيّنٍ في إملائها، وأن يفرّقوا في طريقة كتابة الكلمة نفسها بين آية وأخرى، تبعاً للسياق أو المعنى، فلا بدّ أن يأتوا لنا بالدليل، القرآنيّ أو النبويّ، أو حتّى الصحابيّ أو التابعيّ، على هذا الادّعاء الخطير، وإلّا فإنّهم يخاطرون بمصيرهم بإقحامهم على القرآن ما ليس منه، ويَنسبون إلى الله ما لم يُنزله، ويتقوّلون على عثمان ما لم يكن يدّعيه، وهو الصحابيّ الجليل الذي كان يقرأ قوله تعالى في كتابه الحكيم: {وَمَا كَانَ لَنَا أَن نَّأْتِيَكُم بِسُلْطَانٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ..} ‎[إبراهيم: 11].
إنّ من شأن مثل هذا الادّعاء أن يميّع جدران الحصانة الفريدة التي اختصّ بها القرآن الكريم، وأن يترك الباب مُشْرعاً بعد ذلك أمام المحرّفين والمدلّسين وأصحاب الأغراض والمذاهب، ليحرّفوا معاني كلمات القرآن، وليُدخلوا فيه بعد ذلك ما ليس منه في أيّ جانبٍ من جوانبه الأخرى.
هذا الاحتمال المقلق نفسه كان وراء تمسّك المسلمين على مرّ العصور بمحافظتهم على الإملاء القرآنيّ تماماً كما جاء في الرسم العثمانيّ الأوّل، وامتناعهم عن إعادة النظر في هذا الرسم، رغم تطوّر قواعد الإملاء العربيّ مع الزمن إلى حين تبلورها واستقرارها، أو شبه استقرارها، إلى ما انتهت إليه الآن. لقد أغلق المسلمون الطريق بهذا أمام أيّة ثغرةٍ يمكن أن يؤتَى منها النصّ القرآني، كما حصل ويحصل لغيره من الكتب المقدّسة حتّى الآن.
وهذا هو الاحتمال المقلق نفسه؛ ذلك الذي جعل المسلمين الأوائل يتردّدون لوهلةٍ حتّى في قبول تنقيط حروف المصحف، أو تشكيلها، أو تسمية سوره، أو ترقيم آياته.
هذه الاحتمالات المقلِقة نفسها كانت هي التي دفعت عثمان بن عفّان، كما عرفنا، إلى تلك الخطوة الجريئة، والتي كان لا بدّ منها، لتوحيد نُسخ المصاحف، حين بلغه أنّ الناس في الأمصار الإسلاميّة البعيدة، وبلهجاتهم القبليّة والمحلّية المتعدّدة، وبالقراءات المتعدّدة المتباينة لكثيرٍ من الكلمات، يختلفون في قراءتهم لهذه النسخ، وهو اختلافٌ قد يؤدّي في المستقبل إلى ما هو أكثر جسامةً وخطورةً.
وهكذا أرسل عثمان إلى أمّ المؤمنين حفصة بنت عمر بن الخطّاب، وقد سبق أن استؤمنت على كلّ الصحف والرقاع والمصاحف التي جُمعت فيها آيات الله وسورُه، فدَفعت حفصةُ إليه بكلّ ما عندها منها، وطلب عثمان من أربعةٍ من كبار كَتبة القرآن الكريم، وكانوا كلّهم من قريش، أي من مكّة، إلّا زيد بن ثابت وكان من المدينة، أن يعيدوا نَسخها على طريقةٍ واحدةٍ، وفي مجلّدٍ موحّد، على أن تكون المرجعيّة إذا اختلفوا في لفظها إلى الكَتَبَة الثلاثة من قريش "فَاكْتُبُوهُ بلِسَانِ قُرَيْشٍ فإنَّما نَزَلَ بلِسَانِهِمْ". ثمّ وزّع عثمان نسخاً منها على كلّ الأمصار، وكانت بين أربع نسخٍ أو خمس، وقد تصل إلى سبع نسخٍ في بعض الروايات، وأمر بإحراق ما عداها، ثمّ أعاد الأصول كلّها إلى حفصة، بوصفها النسخة المرجعيّة الأمّ التي خُطّت في عهد النبوّة.
لم تكن مبادرة عثمان بن عفّان الهامّة عملاً فرديّاً، رغم أنّه الخليفة، ورغم أنّ المبادرة جاءت منه شخصيّاً. فقد نال عملُه إجماع الصحابة من حوله، كما سبق أن رأينا، وكانت كلّ العيون تراقبه وتشاركه، بطريقةٍ أو بأخرى، في هذا العمل التاريخيّ والدينيّ الخطير، وعلى رأسها عيون كبار الصحابة ممّن عايشوا الوحي، وأصبحوا هم أنفسهم مرجعيّةً يرجع إليهم المسلمون، مثلما رجع إليهم عثمان، في قضايا جمع السور والآيات، بحيث تأتي كتابة نصوصها تبعاً لما تلاه النبيّ ﷺ عن ربّه، وما تلاه الصحابة عن نبيّهم بعده، ولتكون كلّ آيةٍ في موضعها الذي وضعها فيه جبريل، ثمّ النبيّ ﷺ، من السورة.

بين "التوقيف" و "الإجماع":
لقد سبق أن بدأ التحريف في الإنجيل حين اعتقد النصارى أن تلامذة المسيح جاءهم الإلهام من السماء عندما كتبوا الأناجيل الأربعة. وبهذا الاعتقاد صُنّف هؤلاء التلامذة في عقول النصارى بدرجة أنبياءٍ يوحَى إليهم من السماء، فعَدّوا ما كتبوه، وقد عُرف فيما بعد بـ (الأناجيل الأربعة)، وعَدّوا معه كلّ ما لحق بهذه الأناجيل بعد ذلك من رسائل كَتَبها معاصروهم أو من تبعوهم، وكأنّها كلام المسيح، وأنّه هو من أملاها على من كتبوها. وبهذا بدأ عندهم الانحراف الخطير عن الخطّين الأصليّين، الإلهيّ والنبويّ معاً.
أمّا ما كان يدعو المسلمين دائماً إلى الاطمئنان في هذا الجانب، وثقتهم بسلامة نصوص كتابهم من أيّ تحريفٍ محتمل، مقصودٍ أو غير مقصود، فهو أنّ الله تعالى وعدهم بحفظ كتابه وبقائه سليماً إلى يوم القيامة {وإنّا لَهُ لَحافِظُون} و {لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ}، ممّا لم تَنَل مثله أيٌّ من الكتب السماويّة التي سبقت.
وكان على رأس آليّات حفظ كتاب الله؛ تمسّكُ المسلمين فيه بالمنهج السماعيّ، وتوثيقُهم اليوميّ الجماعيّ والمتواصل له في صلواتهم الجهريّة الثلاث في كلّ مسجدٍ، صغيرٍ أو كبير، أينما كانوا على وجه هذه البسيطة، كما سبق أن فصّلنا، خلافاً للمنهج الكتابيّ، وليس السماعيّ، الذي اعتمدته مناهج البحث الغربيّ في توثيق النصوص عامّةً، أيّاً كانت هذه النصوص، دينيّةً أو دنيويّة.
ولكنّ من أخطر ما يمكن أن يصيب منهجيّة بحثنا العلميّ، وسلامة هذه المنهجيّة في توثيق كلّ ما يتعلّق بالقرآن الكريم، هو أن نخلط في دراستنا بين ما هو "مُجمَعٌ عليه" وبين ما هو "قدسيّ" أو "توقيفيّ".
عندما نصف نصّاً بأنّه (قدسيّ) فهذا يعني أنّه مُنزَلٌ من عند الله، فمن تجاوز هذا المعنى وأضفى صفة القدسيّة أو التوقيفيّة على ما أتى به البشر، حتّى إن كانوا من كبار الصحابة، فقد ادّعى على الله ما لم يأت فيه {بسُلطانٍ بَيّنٍ}.
إنّه ادّعاءٌ خطيرٌ من شأنه أن يخلط بين ما قاله الله، وقاله رسول الله، وبين ما قاله البشر العاديّون من الصحابة أو غيرهم، ممّا يُوْدي بالنصّ المقدّس في النهاية، وكذلك بالمصطلح الخاصّ "قدسيّ" أو "توقيفيّ"، إلى فقدِ حصانته وحصانة النصوص التي توصف به، وإلى تشويه طبيعة هذه النصوص وتحريفها. وهذا سينعكس سلباً بعد ذلك على مصداقيّة الشريعة كلّها، وعلى إيمان أتباعها، وعلى ثقتهم المطلقة بها وبنصوصها.
وإذن، إنّ "إجماع الصحابة" على توحيد الرسم القرآنيّ في خلافة عثمان لا يجعل من هذا الرسم سماويّاً أو توقيفيّاً.
ومن يتطاول ويخرج عن التعريف السليم للنصّ التوقيفيّ؛ سوف يَسهل عليه بعد ذلك، وسوف يُسهّل على الآخرين أيضاً، أن يتطاولوا على قدسيّة هذا النصّ، وينتهي بنا الأمر إلى أن يهتزّ في أعين المؤمنين صدقُ النبوّة، وصدق الوحي، وصدق قدسيّة الله عزّ وجلّ، ومصداقيّة كلامه وكتابه، بل مصداقيّة وحدانيّته، ومطلقيّته، وعلوّه.
لقد كان رسول الله ﷺ شديد الحرص على التمييز بين التوقيفيّ والتوفيقيّ، فكان يفرّق لصحابته بين حديثه "النبويّ" المعتاد، وبين حديث الله تعالى له، معنىً ولفظاً، وهو "الحديث القدسيّ"، مع حرصه ﷺ، ومن خلال الشخصيّة اللغويّة المميّزة لهذا الحديث، على عدم الخلط بينه وبين القرآن الكريم، كما سبق أن أسلفنا.


هوامش:
(1) نبويّون أكثر من النبي؟ إعادة قراءة النصّ الدينيّ. ص: 131-133. مصدر سابق.
(2) الإتقان في علوم القرآن. ج 2. ص: 340-342.


بقلم: أحمد بسام الساعي

تنويه:

جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين

مقالات ذات صلة

من مواعظ الإمام سفيان الثوري
الاثنين، ١ ربيع الأول ١٤٣١ هـ - ١٥ شباط ٢٠١٠من مواعظ الإمام سفيان الثوري
اختيار الشيح  صالح الشامي 1- أصلحْ سَرِيْرَتَك يصلح اللهُ علانيتَك، وأصلح فيما...
واقع الأمة وحتمية الدعوة إلى الله تعالى
الاثنين، ١ ربيع الأول ١٤٣١ هـ - ١٥ شباط ٢٠١٠واقع الأمة وحتمية الدعوة إلى الله تعالى
 بقلم: د/ عامر حسين أبو سلامةإن الناظر في واقع هذه الأُمة، يجدها منفصلةـ في كثير من ا...
الكلام الطيب طريق الدعاة إلى القلوب
الاثنين، ١ ربيع الأول ١٤٣١ هـ - ١٥ شباط ٢٠١٠الكلام الطيب طريق الدعاة إلى القلوب
الأستاذ : أبو معاذ جاهوش أفضل سبيل لتحقيق هدف المتكلم - متحدثاً كان ، أو محاضراً ، خط...