المَعبَر الثاني
التمييز بين التوقيفيّ والتوفيقيّ
في تعاملنا مع القرآن الكريم
1- أثر الخلط بين التوقيفيّ والتوفيقيّ في تحريف الشرائع
تقديس غير المقدّس:
حين انتقلت إلى بريطانية عام 1983 للعمل مع جامعة أوكسفورد، وبانتظار أن أبدأ عملي وبحثي هناك، وجدت من الواجب أن أخصّص وقتاً في عطلة نهاية كلّ أسبوع لتعليم القرآن الكريم لأبناء الجالية الإسلاميّة في أحد مساجد المدينة.
كان عدد التلاميذ والتلميذات في القاعة يتجاوز المائة. وحدث يوماً حين كنت معهم أن شعرت بتعبٍ مفاجئ، فبحثت عن مكانٍ أرتاح فيه، فلم أجد إلّا مقعداً طويلاً من تلك الألواح الخشبيّة التي يضع التلاميذ عليها مصاحفهم حين يجلسون على الأرض لتلقّي الدروس، فجلست عليه. وهنا هبّ التلاميذ هبّةً واحدة، وبدأوا يصرخون بأصواتٍ متداخلةٍ وغير واضحةٍ لكثرة عددهم وارتفاع أصواتهم، حتّى استطعت أن أستخلص في النهاية حصيلة ما يريدون: كيف تسمح لنفسك يا أستاذ بالجلوس في المكان الذي نضع عليه المصاحف؟!
وسُرّي عنّي وأنا أكتشف سبب ثورتهم. وحين تمالكت نفسي وهدأوا بعض الشيء؛ قلت لهم: إنّني سعيدٌ جدّاً لاحترامكم الكبير لكتاب الله عزّ وجلّ، وهو يستحقّ منا أكثر من ذلك، رغم أنّه تعالى لم ينهَنا عن الجلوس في مكانٍ اعتدنا أن نضع عليه المصاحف!
ولكنّ هذه المشاعر التقديسيّة النبيلة، والإيجابيّة، التي نُكنّها جميعاً لكتاب الله، أو لأيّ شيءٍ يمتّ إليه بصلة، قد تصل بنا في نهاية الأمر إلى انحرافاتٍ خطيرةً إن لم نضبطها ونكبحها، وإن لم نضع لها أطراً أمينةً تحمينا من منزلقات التمادي بها، والخروج بنا عن جوهر التوحيد.
وهذا بالضبط ما وقع للأمم من قبلنا، حين قدّسوا ما ليس مقدّسا، من بشرٍ أو حجرٍ أو غيرهما، فاختلط عندهم المقدّس بغير المقدّس، فلم يعودوا يميّزون في عقيدتهم بين ما هو سماويٌّ وما هو أرضيّ.
ولقد كان عمر بن الخطاب، وهو الصحابيّ ذو الفراسة والبصيرة النافذة، والذي كان قريب عهدٍ بالجاهليّة وانحرافاتها التوحيديّة، يتحرّج أشدّ التحرّج من الانزلاق إلى مثل تلك الانحرافات، فكان ما يفتأ حين يقبّل الحجر الأسود، وهو الحجر ذو المكانة الرفيعة في الإسلام، وعند زوّار المسجد الحرام من المسلمين، يذكّر نفسه بأنّه حجرٌ لا يضرّ ولا ينفع، ثمّ يتدارك نفسه فيستحضر رؤيته للنبيّ ﷺ وهو يقبّل هذا الحجر:
- عنْ عُمَرَ بنِ الخطّاب: "أَنَّهُ جاءَ إلى الحجَرِ الْأَسْوَدِ فقبّلَه، فَقَال: إِنِّي أَعْلَمُ أَنَّكَ حَجَرٌ لَا تَضُرُّ وَلَا تَنْفَعُ، وَلَوْلَا أَنِّي رَأَيْتُ النبيَّ ﷺ يُقَبِّلُكَ مَا قَبَّلْتُك". [متّفق عليه]
إنّ النفس الإنسانيّة نزّاعةٌ إلى تقديس كلّ شيء يتعلّق بالدين أو مقدّساته، حتّى إن لم يكن مقدّساً في الأصل. وقد يتضخّم التقديس شيئاً فشيئاً ويستطير أمره حتّى يأخذ شكلاً من أشكال العبادة. ولا بدّ للمسلم الموحّد هنا من أن يضع لنفسه ضوابط علميّةً ومنطقيّةً يستطيع أن يميّز على ضوئها، ومنذ البداية، بين المقدّس وغير المقدّس، أو بين السماويّ والأرضيّ، إذا أراد أن يحفظ لنفسه، ولغيره من المسلمين بَعده، سلامة الوصول إلى نهاية الطريق.
من أجل هذا حرص المسلمون مع مرّ العصور على تصنيف درجات مراجعهم أو نصوصهم الدينيّة بعنايةٍ شديدةٍ، والتمييز بينها تمييزاً لا يترك مجالاً لأيّ التباس.
فمنها ما هو وحيٌ خالص، لفظاً ومعنىً، وهو القرآن، ومنها الحديث القدسيّ الذي نزل أيضاً من السماء على النبيّ محمّدٍ ﷺ لفظاً ومعنىً وإن كان مستقلّاً تماماً عن القرآن، ومنها ما يمتزج فيه الوحي المُنزَل، معنىً لا لفظاً، بحديث النبيّ ﷺ وكلام صحابته، وهو الحديث الشريف أو السنّة النبويّة، ومنها ما يجمع كلّ هذه المصادر في مصنّفٍ واحد، وهو السيرة النبويّة.
تصنيفات النصّ الإسلاميّ:
وعلى هذا الأساس، وانطلاقاً من حساسيتهم التوحيديّة العالية، حرص المسلمون على أن يميّزوا بدقّةٍ بين ما هو سماويٌّ (توقيفيّ) وما هو أرضيّ (توفيقيّ)، ففرّقوا بين أربعة أصنافٍ، أو ربّما خمسة، من نصوصهم الدينيّة:
1- القرآن الكريم: وهو وحيٌ من الله نصّاً ومعنىً، من أوّل حرفٍ فيه إلى آخر حرف. وقد أنزله الله على نبيّه محمّدٍ ﷺ على مدى ثلاثةٍ وعشرين عاماً في مكّة ثمّ المدينة، أو خارجهما أحياناً. ويصدر الخطاب فيه دائماً عن الله وحده، معبّراً عن ذاته تعالى إمّا بصيغة المتكلّم المفرد (أنا): {إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} [القَصص: 30]، وإمّا بصيغة الغائب المفرد (هو): {هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ} [الحشر: 22]، أو بصيغة جمع المتكلّمين (نحن): {نَحنُ خَلَقْناكُم} [الواقعة: 57]، وربّما بصيغة جمع المخاطَبين (أنتم): {قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ} [المؤمنون: 99]، فضلاً عن الضمير المفترض الذي يَصدر عنه النصّ القرآنيّ كلّه، كما في قوله تعالى: {ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ ۛ فِيهِ ۛ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ} [البقرة: 2].
2- الحديث القدسيّ: وهو وحيٌ من الله نصّاً ومعنىً، ولكنّه ليس قرآناً. وكان ينزل به جبريل على محمّد ﷺ، يحمل من الله أقوالاً، أو أوامر، أو أحكاماً، أو أخباراً، أو إجاباتٍ عن تساؤلات النبيّ ﷺ والآخرين. ويعود فيه ضمير المتكلّم دائماً، مفرداً أو جمعاً، على الله تعالى. وذهب بعض العلماء إلى أنّ الحديث القدسيّ صادرٌ عن الله تعالى بمعناه دون لفظه، وهو خطأٌ ظاهرٌ لسببين:
أ- للحديث القدسيّ أسلوبه اللغويّ المختلف تماماً عن أسلوب كلٍّ من القرآن الكريم والحديث النبويّ، فهو ليس أسلوب الرسول ﷺ.
ب- إنّ صيغة المتكلّم فيه، والصادرة عن الله عزّ وجلّ مباشرةً، تجعل من هذا الرأي مستحيلاً. فليس لأحدٍ من البشر، حتّى النبيّ ﷺ، أن يتحدّث باسم الله تعالى أو بالنيابة عنه بهذه الصيغة المباشرة هكذا: "يا عبادي – يا عبدي – أحببتُه – ذكرتُه – أتاني – أمَا عَلِمْتَ أنَّك لو أطعَمْتَه لوجدتَ ذلك عندي.."، كما يمكن أن يتبيّن لنا بوضوحٍ في هذا الحديث القدسيّ على سبيل المثال:
-عن أبي ذَرٍّ الغِفاريِّ قال: قال النبيُّ ﷺ: "يقولُ اللهُ عَزَّ وجَلّ: مَن جاء بالحسنةِ فله عَشْرُ أمثالِها، أو أزِيد، ومَن جاء بالسيّئةِ فجزاءُ سيّئةٍ سيّئةٌ مثلُها، أو أغفِر. ومَن تَقَرّبَ منّي شِبراً تقرّبْتُ منه ذراعاً، ومَن تقرّبَ منّي ذراعاً تقرّبْتُ منه باعاً – وهو يَعدل ذراعين –، ومَن أتاني يمشي أتيتُه هَرْوَلَةً، ومَن لَقِيَني بقُرابِ الأرضِ – أي بما يُقارِبُ حَجْمَها – خطيئةً، لا يُشركُ بي شيئاً، لَقِيْتُهُ بمِثْلِها مَغفرةً". [رواه مسلم]
وينصّ القرآن الكريم بشكلٍ صريحٍ على أنّ وحي السماء لا يقتصر على سوَره وآياته، وأنّ كلّ ما يصدر عن النبيّ ﷺ من أحكامٍ وأوامر ونواهٍ إنّما هو بمثابة أحكامٍ وأوامر ونواهٍ من الله تعالى، وأنّ على المسلمين أن يلتزموا بها:
- وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۖ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ [الحشر: 7]
وقد سبق أن عرضنا أحاديث عن تنزّل الوحي على النبيّ ﷺ، قرآناً وغير قرآن، حتّى أمام الناس، وكيف كانوا يَعجبون ممّا يعتري هيئتَه من تغيّرات وهو يتلقّى الوحي من جبريل. ويؤكّد لنا ﷺ في أحاديث عدّةٍ هذا "التعامل" النبويّ المستمرّ مع الوحي بأشكاله المتعدّدة:
- عن أبي سعيدٍ الخُدْريِّ قال: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ: "ألا تأْمَنُونِي وأنا أمينٌ في السَّماءِ، يأتِينِي خَبرُ السماءِ صَباحاً ومَساءً؟". [رواه السيوطي، وصحّحه الألباني]
- عَنْ عَائِشَةَ أمِّ المؤمنين قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أُرِيتُكِ فِي الْمَنَامِ – أي قبلَ زَواجِها منه ﷺ في السنةِ الثانيةِ للهجرة – ثَلاَثَ لَيَالٍ، جَاءَنِي بِكِ الْمَلَكُ فِي سَرَقَةٍ – أي مُلاءةٍ تغطّيها – مِنْ حَرِير: فَيَقُول: هَذِهِ امْرَأَتُك. فَأَكْشِفُ عَنْ وَجْهِكِ، فَإِذَا أَنْتِ هِيَ، فَأَقُولُ – أي قُلتُ لنَفْسي –: إِنْ يَكُ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ يُمْضِه – أي إن كانت هذه الرؤيا من عندِ الله فسوف تتحقّق –". [متّفق عليه]
- عن عمرَ بنِ الخطّابِ قال: "إنَّ أُنَاساً كَانُوا يُؤْخَذُونَ بالوَحْيِ – أي يحاسَبون تِبعاً لما ينزلُ مِن وحيٍ بحقّهم – في عَهْدِ رَسولِ اللَّهِ ﷺ، وإنَّ الوَحْيَ قَدِ انْقَطَعَ، وإنَّما نَأْخُذُكُمُ الآنَ بما ظَهَرَ لَنَا مِن أعْمَالِكُمْ، فمَن أظْهَرَ لَنَا خَيْراً أمَّنَّاهُ وقَرَّبْنَاهُ، وليسَ إلَيْنَا مِن سَرِيرَتِهِ شَيءٌ – أي لا نحاسبُه على ما أسَرَّ في نفسِه –، اللَّهُ يُحَاسِبُهُ في سَرِيرَتِهِ، ومَن أظْهَرَ لَنَا سُوءاً لَمْ نَأْمَنْهُ ولَمْ نُصَدِّقْهُ، وإنْ قالَ إنَّ سَرِيرَتَهُ حَسَنَةٌ". [رواه البخاري]
وكان هذا شأن كلّ الأنبياء الذين سبقوا. فقد كان يوحى إليهم، عدا عن كتبهم، كلُّ ما يساعدهم على إنجاز رسالتهم، والمضيّ قدماً في دعوتهم، بل ربّما أوحى الله لأناسٍ دون الأنبياء أيضاً، وبطرقٍ شتّى، كما تُظهر لنا الآيات العديدة:
- فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا فَإِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ ۙ فَاسْلُكْ فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ ۖ وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا ۖ إِنَّهُم مُّغْرَقُونَ [المؤمنون: 27]
- وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ [المائدة: 111]
- وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا ۚ وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ مُوسَىٰ إِذِ اسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْحَجَرَ ۖ فَانبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا ۖ قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُم.. [الأعراف: 160]
- فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَن يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ ۚ وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُم بِأَمْرِهِمْ هَٰذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ [يوسف: 15]
- إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَىٰ أُمِّكَ مَا يُوحَىٰ ﴿٣٨﴾ أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِّي وَعَدُوٌّ لَّهُ ۚ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَىٰ عَيْنِي ﴿٣٩﴾ [طه: 38-39]
3- الحديث النبويّ: وعليه تقوم السنّة. وهو بمثابة تفصيلٍ وتطبيقٍ لما أجملَه القرآن، وذلك من خلال أقوال النبيّ ﷺ، أو أفعاله، أو من خلال أقوال أصحابه، أو من خلال ما وافقهم عليه وسكت عنه من أفعالهم وأقوالهم. ومعظم الحديث النبويّ هو ممّا نزلت معانيه من السماء على النبيّ ﷺ بوساطة جبريل ليفصّل للمسلمين أحكام شريعتهم، فهو لهم بمثابة التشريع الموازي أو المدرسة الظلّ للقرآن كما يؤكّد لنا ﷺ: "ألا إنّي أوتيتُ القرآنَ ومِثلَه معه – أي السنّة –" [رواه أبو داود، وصحّحه الألباني]. وكانت هذه المدرسة تجيب على أسئلة المسلمين، وتتعامل مع مشكلاتهم اليوميّة، ويتعلّمون فيها بشكلٍ عمليٍّ أحكام صلاتهم، وصيامهم، وحجّهم، وزكاتهم، وآدابهم الاجتماعيّة، وأدعيتهم، وأذكارهم، وتفاصيل حياتهم اليوميّة، وهو أمرٌ تفتقده كلّ الشرائع الأخرى. وقد رَوَى كلَّ ذلك عن النبيّ ﷺ أصحابُ الذواكر المدهشة من الصحابة الذين عاشوا معه، من رجالٍ أو نساء، فحفظوا حديثه في ذواكرهم، أو سجّلوه في صحائفهم، ونقلوه إلى مَن بَعدهم ليصنّفوه ويوثّقوه خشية الضياع والتحريف. واتّبع هؤلاء في عمليّة التوثيق منهجاً علميّاً فريداً ودقيقاً لم يعرفه العالم من قبل، ولا من بعد.
وقد تتمازج الأنواع الثلاثة من الوحي ضمن الحديث الواحد، كما يظهر لنا من هذا الحديث الذي يجتمع فيه النصّ القرآنيّ، والحديث القدسيّ، والحديث النبويّ معاً:
- عن عبدِ اللهِ بنِ عَمرِو بنِ العاص: "أنّ النبيَّ ﷺ تَلا قولَ اللهِ عزَّ وجلَّ في إبراهيم (عليه السلام) {ربِّ إنّهنَّ أضْلَلْنَ كثيراً منَ الناسِ فمَنْ تَبِعَني فإنّه مِنّي} [إبراهيم:36]، وقولَ عيسى (عليه السلام) {إنْ تُعَذِّبْهم فإنّهم عِبادُك وإنْ تَغْفِرْ لهم فإنّكَ أنتَ العزيزُ الحكيم} [المائدة: 118]، فرَفَعَ يديه وقال: اللهمّ أمّتي أمّتي، وبكى. فقال اللهُ عزَّ وجَلَّ: يا جبريل، اذهبْ إلى محمّد، وربُّك أعلَم، فسَلْهُ ما يُبكيه؟ فأتاه جبريل، فأخبره رسولُ اللهِ ﷺ بما قال، وهو أعلَم، فقال اللهُ تعالى: يا جبريل، اذهبْ إلى محمّدٍ فقل: إنّا سنُرْضيكَ في أمّتِكَ ولا نَسُوؤُك". [رواه مسلم]
ولنا أن نضيف إلى هذه الأنواع الثلاثة من الوحي السماويّ؛ نوعاً رابعاً هو ما عاد به رسول الله ﷺ من السماء ليلة الإسراء والمعراج، حين رافق جبريلَ إلى السماء وهو في مكّة، ليتسلّم بنفسه من الله تعالى أحكام الصلاة، وتفاصيلها، ونصوصها، وليتلقّى منه تعالى أيضاً بعض الآيات والمبشّرات، كما تنقله لنا هذه الأحاديث:
- عَن عبدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ: "{وَما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتي أرَيْنَاكَ إلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ} [الإسراء: 60]، قالَ: هي رُؤْيَا عَيْنٍ – أي وليس رؤيا حُلُمٍ – أُرِيَهَا رَسولُ اللَّهِ ﷺ لَيْلَةَ أُسْرِيَ به إلى بَيْتِ المَقْدِس – ولم يثبت في ليلة الإسراء تاريخٌ محدّد. وفي حديثٍ منقطعٍ في فتاوى ابن باز أنّها كانت ليلةَ الاثنين الثاني عشرَ من ربيعِ الأوّل –". [رواه البخاري]
- عن أبي هريرةَ قال: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ: "لقَدْ رَأَيْتُنِي في الحِجْرِ– أي حِجْرِ إسماعيلَ جانبَ الكعبة وقُرَيْشٌ تَسْأَلُنِي عن مَسْرايَ – أي عن ليلةِ أُسرِيَ به –، فَسَأَلَتْنِي عن أشْياءَ مِن بَيْتِ المَقْدِسِ لَمْ أُثْبِتْها – أي لم تَثبُت في ذاكرتي –، فَكُرِبْتُ كُرْبَةً ما كُرِبْتُ مِثْلَهُ قَطُّ. قالَ: فَرَفَعَهُ اللَّهُ لي – أي كَشفَ لي عن بيتِ المَقْدِس – أنْظُرُ إلَيْهِ، ما يَسْأَلُونِي عن شيءٍ إلَّا أنْبَأْتُهُمْ به، وقدْ رَأَيْتُنِي في جَماعَةٍ مِنَ الأنْبِياءِ، فإذا مُوسَى قائِمٌ يُصَلِّي، فإذا رَجُلٌ ضَرْبٌ – أي نشيطٌ فاضلٌ –، جَعْدٌ، كَأنَّهُ مِن رِجالِ شَنُوءَةَ – أي يُشْبِهُ أبناءَ تلك القبيلةِ في سُمرتِه وتجعّدِ شَعرِه –، وإذا عِيسَى بنُ مَرْيَمَ عليه السَّلامُ قائِمٌ يُصَلِّي، أقْرَبُ النَّاسِ به شَبَهاً عُرْوَةُ بنُ مَسْعُودٍ الثَّقَفِيُّ، وإذا إبْراهِيمُ عليه السَّلامُ قائِمٌ يُصَلِّي، أشْبَهُ النَّاسِ به صاحِبُكُمْ (يَعْنِي نَفْسَهُ). فَحانَتِ الصَّلاةُ، فأمَمْتُهُمْ، فَلَمَّا فَرَغْتُ مِنَ الصَّلاةِ قالَ قائِلٌ: يا مُحَمَّد، هذا (مالِكٌ) صاحِبُ النَّارِ، فَسَلِّمْ عليه، فالْتَفَتُّ إلَيْهِ، فَبَدَأَنِي بالسَّلامِ". [متّفق عليه، واللفظ لمسلم]
- عن أبي ذَرٍّ الغِفاريِّ، أنَّ رَسولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: "فُرِجَ سَقْفِي – أي انشقّ – وأَنَا بمَكَّةَ، فَنَزَلَ جِبْرِيلُ عليه السَّلَامُ، فَفَرَجَ صَدْرِي، ثُمَّ غَسَلَهُ بمَاءِ زَمْزَمَ، ثُمَّ جَاءَ بطَسْتٍ مِن ذَهَبٍ، مُمْتَلِئٍ حِكْمَةً وإيمَاناً، فأفْرَغَهَا في صَدْرِي، ثُمَّ أَطْبَقَهُ، ثُمَّ أَخَذَ بيَدِي فَعَرَجَ إلى السَّمَاءِ الدُّنْيَا. قالَ جِبْرِيلُ لِخَازِنِ السَّمَاءِ الدُّنْيَا: افْتَحْ. قالَ: مَن هذا؟ قالَ: جِبْرِيلُ". [رواه البخاري]
- عن عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ قال: "لَمَّا أُسْرِيَ برَسولِ اللهِ ﷺ انْتُهي به إلى سِدْرَةِ المُنْتَهَى – وهي شجرةٌ عظيمةٌ ينتهي ويبتدئ عندها عِلمُ الخلائق –، وهي في السَّماءِ السَّادِسَةِ، إلَيْها يَنْتَهِي ما يُعْرَجُ به مِنَ الأرْضِ فيُقْبَضُ مِنْها، وإلَيْها يَنْتَهِي ما يُهْبَطُ به مِن فَوْقِها – أي ما يَتنزّلُ من السماء السابعة من أقدارٍ – فيُقْبَضُ مِنْها. قالَ: {إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ ما يَغْشَى} [النجم: 16]، قالَ: فَراشٌ مِن ذَهَبٍ – أي تُحيطُ بها وتغطّيها فراشاتٌ ذهبيّةٌ. وفي روايةٍ أخرى لمسلم: فما أحدٌ مِن خَلقِ اللهِ يستطيعُ أن يَنعتَها مِن حُسنِها –. قالَ: فَأُعْطِيَ رَسولُ اللهِ ﷺ – أي عند هذه الشجرة – ثَلاثاً: أُعْطِيَ الصَّلَواتِ الخَمْسَ، وأُعْطِيَ خَواتِيمَ سُورَةِ البَقَرَةِ، وغُفِرَ لِمَن لَمْ يُشْرِكْ باللَّهِ مِن أُمَّتِهِ شيئاً: المُقْحِماتُ – أي تُغفر لهم كبائرُهم التي تُقحِمُهم في النار –". [رواه مسلم]
4- السيرة النبويّة: وهي ما سجّله المؤرّخون من المسلمين، بعد وفاة نبيّهم، عن حياته، منذ ولادته إلى يوم وفاته. وبدهيٌّ أن تتضمّن السيرة، فيما تتضمّن، بعض الآيات القرآنيّة والأحاديث النبويّة، جنباً إلى جنبٍ مع كلمات مؤلّف السيرة، ممّا له علاقةٌ بأحداث الحياة التي عاشها النبي ﷺ، كما في هذا المقطع من كتاب (نور اليقين في سيرة سيّد المرسلين):
"وفي جمادى الآخرة [من عام 8 للهجرة]؛ بلغه عليه الصلاة والسلام أنّ جمعاً من قُضاعة يتجمّعون في ديارهم وراء وادي القرى ليُغِيروا على المدينة، فأرسل لهم عَمرو بن العاص في ثلاثمائة رجلٍ من سَراة المُهاجرين والأنصار [أي من أفضلِهم]، ثمّ أمدّه بعُبيدةَ بنِ الجرّاح في مائتين من المهاجرين والأنصار، فيهم أبو بكرٍ وعمر، فلحقوا عَمراً قبل أن يصل إلى القوم. وقد أراد رجالٌ من الجيش إيقاد نارٍ [لشدّة البرد]، فمنعهم عَمرو، فأنكر عليه عمر بن الخطّاب، فقال [له] أبو بكر: إنّما بعثه رسولُ الله علينا رئيساً؛ لمعرفته بالحرب أكثر منّا، فلا تَعصِه، فامتثل. ولمّا حَلّوا بساحة القوم حملوا عليهم، فلم يكن أكثر من ساعةٍ حتّى تفرّق الأعداء منهزمين. فجمعوا غنائمهم، وأرادوا اتّباع أثرهم فمنعهم قائدهم. ثمّ رجعوا إلى المدينة ظافرين.
وبينما هم في الطريق؛ أدركت عمرَو بنَ العاص جنابةٌ في ليلةٍ باردة، فلمّا أصبح قال: إن اغتسلتُ هلكت، واللهُ يقول: {وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} [البقرة: 195]، ثمّ تيمّم وصلّى. ثمّ أَمر بالسير. حتّى إذا وصلوا المدينة قام رسول الله عليه الصلاة والسلام يسأل عن أنباء سفرهم، كما هي عادته، فأخبروه بما نقَموه من عمرو بن العاص: مِن نهيهم عن إيقاد النار، ونهيهم عن اتّباع العدوّ، وصلاتِه جُنباً. فسأله عليه الصلاة والسلام عن ذلك فقال: منعتُهم من إيقاد النار لئلّا يرى العدوُّ قلّتهم فيَطمعَ فيهم، ونهيتُهم عن اتّباع العدوّ لئلّا يكون له كمين، وصلّيت جُنباً لأنّ الله يقول: {وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ}، وإن أنا اغتسلت هلكت! فتبسّم عليه الصلاة والسلام وأثنى على عمرٍو خيراً." (1)
إنّ اجتماع النصّ الإلهيّ في هذا المقطع من السيرة النبويّة، جنباً إلى جنبٍ مع كلام النبوّة، وكذلك مع كلام كاتب السيرة نفسه، هو نموذجٌ من اجتماع هذه الأصناف الثلاثة في سيرةٍ أخرى هي سيرة موسى، والتي تُعرف الآن باسم (العهد القديم)، ومن اجتماعها في سيرة المسيح أيضاً، والتي تُعرف الآن باسم "العهد الجديد".
* * *
هذا الحرص الشديد لدى المسلمين على التمييز بين "التوقيفيّ" و "التوفيقيّ" في مصادرهم التشريعيّة؛ جديرٌ بأن يكون منهجاً علميّاً ثابتاً لهم في التمييز بين هذين الجناحين التشريعيّين في كلّ ما يمتّ بصلةٍ إليهما أيضاً.
وإذا كان على المسلم أن يضع لنفسه سلّماً من الضوابط تحميه من الانحراف عن التوحيد، والسقوط في أحبولة الخلط بين التوقيفيّ والتوقيفيّ، أو تقديس ما ليس مقدّساً، فيمكن أن يتّكئ في ضوابطه على مثل هذه الأسئلة أو الإشارات المروريّة الحمراء، وأن يضعها نصب عينيه وهو يتعامل مع مصادره الدينيّة الأولى، وأن يجيب عنها بموضوعيّةٍ وصدقٍ تامّين وآمنين:
1- ما الفرق بين "الاحترام" و "التقديس"؟
2- وما أوجه التقارب بين التقديس والعبادة؟
3- وما الضوابط التي عليّ أن ألتزم بها لو أردت أن أتجاوز درجة "الاحترام" في أمرٍ ما إلى درجة "التقديس"؟
4- وما الموادّ التاريخيّة التي بين يديّ ممّا أستطيع أن أستند إليه علميّاً وموضوعيّاً، وبشكلٍ قطعيٍٍّ لا لبس فيه، في توثيق هذه القدسيّة؟
5- وما المنزلقات العَقَديّة الخطيرة التي يمكن أن يتعرّض لها إيماني؛ إذا اختلط عندي الأمر بين ما هو إلهيٌّ وما هو بشريّ؟
6- وأيّهما يمكن أن يكون أشدّ خطورةً على عقيدتي: أن أتساهل وأفرّط في وجوب احترام ما يجب أن أحترمه، مجرّد احترام؟ أم أن أتساهل وأفرّط في تقديس ما لم أجد نصّاً دينيّاً صريحاً بتقديسه أو "توقيفه"؟
وسيَعبُر بنا الآن هذا المَعبَرُ الثاني من الكتاب إلى محطّات استكشاف المقدّس وغير المقدّس، تلك التي ينطلق منها المسلمون وهم يتعاملون مع السماويّ والأرضيّ في كلّ ما يخصّ القرآن الكريم.
وستتمثّل محطّات الاستكشاف هذه في الرسم العثمانيّ للقرآن أوّلاً، ثمّ في أسماء السور، وترتيبها، وترتيب آياتها، وتقطيع هذه الآيات وترقيمها، ثمّ في علامات الوقف التي تزيّن اليوم كلمات مصاحفنا وآياتها، وأخيراً في قواعد التجويد التي يبدو أنّها باتت اليوم جزءاً لا يتجزّأ من شروط تلاوتنا لكتاب الله.
هوامش:
(1) نور اليقين في سيرة سيّد المرسلين. محمّد الخضري. تحقيق سمير أحمد العطّار. دار الفجر الإسلامي. بيروت-دمشق. ص: 319-321.
بقلم: أحمد بسام ساعي
جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين


