صفحات من كتاب (إدارة التلاوة.. أعد اكتشاف علاقتك مع القرآن الكريم) (13)

صفحات من كتاب (إدارة التلاوة.. أعد اكتشاف علاقتك مع القرآن الكريم) (13)

التصنيف: فقه الدعوة
الجمعة، ٢٠ ذو الحجة ١٤٤٧ هـ - ٥ حزيران ٢٠٢٦
21

12- تفرّد القرآن بالتكامل التوحيديّ بين السياقين
الخاصّ والعامّ


الانسجام التوحيديّ في القرآن واختلافه عن العهدين القديم والجديد:
لا يملك المرء حين يقف متفحّصاً للكتب المقدّسة التي جاءت قبل الإسلام، كما هي بين أيدينا اليوم، إلّا أن يشدّه ذلك التجانس المنهجيّ الثابت بين السياقين الموضعيّ والعامّ في الخطاب القرآنيّ، ولا سيّما إذا قارنّاه بالتناقضات التوحيديّة المنهجيّة، والملحّة والبارزة، بين هذين السياقين في صفحات العهدين القديم والجديد.


إنّك لن تجد في القرآن آيةً هنا في موضوعٍ ما، ثمّ تفاجأ في الصفحة التالية بآيةٍ تناقضها تماماً. وإنّك لن تفاجأ بشخصيّات النصّ القرآنيّ وهي تتبادل الصفات والمهمّات والأدوار خلال أسطر قليلةٍ، بين إلهٍ، وربٍّ، ونبيٍّ، وبشرٍ عاديّين، أو بين ابنٍ للإله في صفحةٍ، وابنٍ للإنسان في صفحةٍ أخرى!


هذا التجانس أو التكامل المنهجيّ الثابت بين السياقين الخاصّ والعامّ هو من أهمّ الأسس التي تُميّز النصّ القرآنيّ عن نصوص العهدين القديم والجديد.


وبمثل هذه الخصوصيّة، جنباً إلى جنبٍ مع العديد من التحدّيات التي سبق أن تحدّثنا عنها، والعديد من الظواهر الإعجازيّة التي لم يعرفها أيّ كتابٍ آخر قبله أو بعده، حافظ القرآن الكريم على مسوّغات استمراره ومقوّمات إقناعه التي اختصّ بها وحده عبر القرون. ولولا هذه الخصوصيّة لكانت ردّات فعل العرب والمسلمين على تحدّياته ومعجزاته الكثيرة، أيّاً كانت، سريعةً وغاضبةً ومتواليةً على مرّ العصور والأجيال، وهذا ما لم يقع أبداً في تاريخ القرآن، رغم تداوله، بنسخته الوحيدة، بين أتباع العشرات من المذاهب والمدارس الدينيّة التي انبثقت عنه، حتّى تلك التي أسرف بعضها في الخروج على خطّ الجماعة.


إنّ صفحات الكتاب المقدّس كما هو بين أيدينا، بعهديه القديم والجديد، غنيّةٌ بالنصوص التوحيديّة التي تؤكّد بإصرارٍ وجلاء، تماماً ككتاب المسلمين، على وحدانيّة الله، وعلى تفرّده التامّ بالألوهيّة المطلقة، دون أن يكون له شريكٌ آخر، أيّاً كانت صفة هذا الشريك. ويمكنك أن تجد مثل هذه العبارات التوحيديّة الواضحة متوزّعةً على كثيرٍ من صفحاته:
- اُنْظُرُوا الآنَ! أَنَا أَنَا هُوَ وَلَيْسَ إِلهٌ مَعِي. أَنَا أُمِيتُ وَأُحْيِي [تثنية: 32: 39]
- أَنَا الأَوَّلُ وَأَنَا الآخِرُ، وَلا إِلهَ غَيْرِي [إشَعْياء: 44: 6]
- أنا الربُّ وليس آخَرُ. لا إلَهَ سوايَ [إشَعْياء: 45: 5]
- هكذا قال الربُّ. السمواتُ كُرْسيّي، والأرضُ مَوضِعُ قدمي [إشَعْياء: 66: 1]


ونجد في العهد الجديد، أيضاً، نصوصاً لا تقلّ في توحيديّتها وضوحاً وتأكيداً عن النصوص التوراتيّة. والمقاطع الإنجيليّة التالية ترسم لنا إطاراً واضحاً للسياق التوحيديّ الذي يكاد يهيمن على الكتاب المقدّس، وبصورٍ عديدةٍ تتوزّع على صفحاته بصورةٍ يستحيل معها، منهجيّاً وعلميّاً، أن نضمّها لمقاطع موضعيّةٍ أخرى محدودةٍ تشوبها وتُناقضها، وتشذّ بشكلٍ صارخٍ عن الفكر التوحيديّ الغالب على الكتاب، كما نرى في هذه المقتطفات:
- والمجدُ الذي هو من اللهِ الواحدِ لا تطلبونه؟ [يوحنّا: 5:. 44]
- وهذِهِ هِيَ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ: أَنْ يَعْرِفُوكَ أَنْتَ الإِلهَ الْحَقِيقِيَّ وَحْدَكَ [يوحنا: 17: 3]
- الرَّبُّ إِلهُنَا رَبٌّ وَاحِدٌ [مرقس: 12: 29]
- إنّ الله واحدٌ ولا إله إلّا هو [مرقس: 12: 32]
- فنحن نعرف أنّ الوثنَ لا كيانَ له، وأنْ لا إلهَ إلّا اللهُ الأحد [كورنثوس 1: 8: 4]
- 17 وخرجَ إلى الطريق، فأسرع إليه رجلٌ وسجدَ له وسأله: "أيّها المعلّمُ الصالح، ماذا أعملُ لأرِثَ الحياةَ الأبديّة؟" 18 فقال له يسوع: "لماذا تدعوني صالحاً؟ لا صالحَ إلّا اللهُ وحدَه". [مرقس: 10: 17-18]
- 28 فَجَاءَ وَاحِدٌ مِنَ الْكَتَبَةِ وَسَمِعَهُمْ يَتَحَاوَرُونَ، فَلَمَّا رَأَى أَنَّهُ أَجَابَهُمْ حَسَناً، سَأَلَهُ: أَيَّةُ وَصِيَّةٍ هِيَ أَوَّلُ الْكُلِّ؟29 أجَابَهُ يَسُوعُ: "إِنَّ أَوَّلَ كُلِّ الْوَصَايَا هِيَ: اسْمَعْ يَا إِسْرَائِيلُ. الرَّبُّ إِلهُنَا رَبٌّ وَاحِدٌ.. 32 فَقَالَ لَهُ الْكَاتِبُ: "جَيِّدًا يَا مُعَلِّمُ. بِالْحَقِّ قُلْتَ، لأَنَّهُ اللهُ وَاحِدٌ وَلَيْسَ آخَرُ سِوَاهُ". [مرقس: 12: 28-29، 32]
- 7 فأجابه يسوع: "يقول الكتابُ أيضاً: لا تجرّبِ الربَّ إلهَك". 8 وأخذه إبليسُ إلى جبلٍ عالٍ جدّاً، فأراه جميعَ ممالكِ الدنيا ومجدَها. 9 وقال له: "أعطيكَ هذا كلّه إن سجدتَ لي وعبدْتَني". 10 فأجابه يسوع: "ابتعد عنّي يا شيطان، لأنّ الكتابَ يقول: للربِّ إلهِكَ تَسجُد، وإيّاه وحدَه تعبد". [متّى: 4: 7-10]


ولو فَصَلت هذه النصوص التي تؤطّر للفكر التوحيديّ في كلا العهدين القديم والجديد؛ عن النصوص الموضعيّة أو المحلّية التي تختلط معها، وتناقضها، فإنّك لا تكاد تميّز بين السياق التوحيديّ العامّ للكتابين، وبين ما يقابله في القرآن:
- اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ۚ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ ۚ لَهُ مَا فِي السَّمَواتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ [البقرة: 255]
- لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ‎[الشورى: 11]
- مَا اتَّخَذَ اللَّـهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَـهٍ ۚ إِذًا لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَـهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ ۚ سُبْحَانَ اللَّـهِ عَمَّا يَصِفُونَ ﴿٩١﴾ عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴿٩٢﴾ [المؤمنون: 91-92]
- وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَـهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ ﴿٢٥﴾ وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَـنُ وَلَدًا ۗ سُبْحَانَهُ ۚ بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ ﴿٢٦﴾ لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُم بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ ﴿٢٧﴾ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُم مِّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ ﴿٢٨﴾ وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَـهٌ مِّن دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ ۚ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ ﴿٢٩﴾ [الأنبياء: 25-29]
- أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ ۚ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ [الرعد: 16]
- هُوَ اللَّـهُ الَّذِي لَا إِلَـهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ ۚ سُبْحَانَ اللَّـهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ [الحشر: 23]
- وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَـهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ [الأنبياء: 25]
- قُلْ هُوَ اللَّـهُ أَحَدٌ ﴿١﴾ اللَّـهُ الصَّمَدُ ﴿٢﴾ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ ﴿٣﴾ وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ ﴿٤﴾ [الإخلاص: 1-4]


ولكنّ هذه الوتيرة التوحيديّة التي تتشابك حلقاتها وتتراصّ بانسجامٍ كاملٍ في كلّ صفحات القرآن الكريم، ولا تتعثّر حركتها بأيّ خللٍ توحيديٍّ مهما كان صغيراً أو ثانويّاً، نجدها تضطرب بشكلٍ محيّرٍ في صفحات الكتاب المقدّس، بجناحيه القديم والجديد، فيختلط الأمر على القارئ، ويتساءل وهو يتصفّحه: أما زلت أقرأ في الكتاب نفسه؟!


ففي العهد القديم (التوراة) الذي بين أيدينا(1) يتحوّل البشر العاديّون من أتباع موسى إلى بشرٍ غير عاديّين، ويتحوّل أنبياؤهم أو حكّامهم أو قادتهم إلى أبناءَ لله. ويصدمك مثل هذا النصّ، غير التوحيديّ مطلقاً، حين يتحدّث عن زواج من يدعوهم "أبناء الله" من "بنات الناس" الجميلات:
- 1 وحَدَثَ لمّا ابتدأ الناسُ يَكثُرون على الأرض ووُلدَ لهم بناتٌ، 2 أنّ أبناءَ الله رأَوا بناتِ الناسِ أنّهنّ حسَناتٌ فاتّخذوا لأنفسِهم نساءً من كلِّ ما اختاروا [سفر التكوين: 6: 1-2]


وكذلك حين يتحوّل النبيّ يعقوب (إسرائيل) في نصٍّ آخر عن صفته البشريّة ليصبح ابنَ الإله البكر، ثمّ حين تتعملق بشريّة موسى "النبيّ" ليصبح "إلهاً لفرعون":
- 21 وقال الربُّ لموسى: عندما تذهبُ لترجِعَ إلى مِصرَ انظرْ جميعَ العجائبِ التي جعلتُها في يدِكَ واصنعْها قُدّامَ فِرعون. ولكنّي أُشدّدُ قلبَه حتّى لا يُطلقَ الشعبَ. 22 فتقولُ لفرعونَ هكذا يقولُ الربُّ: إسرائيلُ اِبنيَ البِكرُ. 23 فقلتُ لكَ أطلِقْ ابني ليعبُدَني فأبَيتَ أن تُطلقَه، ها أنا أقتلُ ابنَكَ البِكرَ [سفر الخروج: 4: 21-23]
- فقال الربُّ لموسى: اُنظُرْ، أنا جعلتُكَ إلهاً لفرعون، وهارونُ أخوكَ يكون نبيّاً [سفر الخروج: 7: 1]


ويتكرّر هذا الخلط بين الألوهيّة والبشريّة حين نقرأ على لسان النبيّ داود أنّه "ابنٌ لله"، وأنّ الله، وليس امرأة، قد "وَلَدَه":
- إنّي أُخْبِرُ من جهةِ قضاءِ الربّ. قال لي: أنتَ ابني، أنا اليومَ ولَدْتُكَ [المزمور2: 7]


والغريب، والمتناقض تناقضاً صريحاً مع موضوعيّة البحث العلميّ، ومع أبسط أدوات العقل والمنطق، أنّ الكتاب الوحيد بين الكتب المقدّسة الثلاثة الذي يصرّ بإلحاح، وبشكلٍ لافتٍ للنظر، على أنّ المسيح (عليه السلام) "ابن الإنسان"؛ هو الإنجيل!


إنّ هذا الوصف يتكرّر في العهد الجديد 81 مرةً كلّها جاء على لسان المسيح نفسه، مذكِّراً ومؤكّداً باستمرارٍ لبشريّته ولسلالته البشريّة، على حين لا نجد أثراً لمثل هذا الوصف (ابن الإنسان) ولو مرّةً واحدةً على لسان موسى (عليه السلام) في التوراة، ولا على لسان محمّدٍ ﷺ في القرآن، رغم أنّ كلّاً من النبيَّين، أيضاً، "ابنٌ للإنسان"!


ورغم هذا التأكيد الإنجيليّ الاستثنائيّ، وغير العاديّ، "لبشريّة المسيح"، يصرّ الكتاب نفسه على أنّ "ابن الإنسان" هذا نفسه "ابن الله" وهو نفسه "ربُّ السبت":
- 30فَقَالَ لَهَا الْمَلاَكُ: «لا تَخَافِي يَا مَرْيَمُ، لأَنَّكِ قَدْ وَجَدْتِ نِعْمَةً عِنْدَ اللهِ. 31وَهَا أَنْتِ سَتَحْبَلِينَ وَتَلِدِينَ ابْنًا وَتُسَمِّينَهُ يَسُوعَ. 32هذَا يَكُونُ عَظِيمًا، وَابْنَ الْعَلِيِّ يُدْعَى، وَيُعْطِيهِ الرَّبُّ الإِلهُ كُرْسِيَّ دَاوُدَ أَبِيهِ، 33وَيَمْلِكُ عَلَى بَيْتِ يَعْقُوبَ إِلَى الأَبَدِ، وَلا يَكُونُ لِمُلْكِهِ نِهَايَةٌ».34فَقَالَتْ مَرْيَمُ لِلْمَلاَكِ: «كَيْفَ يَكُونُ هذَا وَأَنَا لَسْتُ أَعْرِفُ رَجُلاً؟»35فَأَجَابَ الْمَلاَكُ وَقَالَ لَها: «اَلرُّوحُ الْقُدُسُ يَحِلُّ عَلَيْكِ، وَقُوَّةُ الْعَلِيِّ تُظَلِّلُكِ، فَلِذلِكَ أَيْضًا الْقُدُّوسُ الْمَوْلُودُ مِنْكِ يُدْعَى ابْنَ اللهِ» [لوقا: 1: 30-35]
- فَإِنَّ ابْنَ الإِنْسَانِ هُوَ رَبُّ السَّبْتِ أَيْضًا [متّى: 12: 8]
- فَإِنَّ ابْنَ الإِنْسَانِ سَوْفَ يَأْتِي فِي مَجْدِ أَبِيهِ مَعَ مَلاَئِكَتِهِ، وَحِينَئِذٍ يُجَازِي كُلَّ وَاحِدٍ حَسَبَ عَمَلِهِ [متّى: 16: 27]
- وَلَمَّا رَأَى قَائِدُ الْمِئَةِ الْوَاقِفُ مُقَابِلَهُ أَنَّهُ صَرَخَ هكَذَا وَأَسْلَمَ الرُّوحَ، قَالَ: حَقًّا كَانَ هذَا الإِنْسَانُ ابْنَ اللهِ [مرقس: 15: 39]



الإله "البشر" في "الكتاب المقدّس":
ولكنّ الأمر يتجاوز اضطراب الخطّ التوحيديّ في الكتاب المقدّس بمثل هذا المزج الخطير بين النبوّة والبنوّة؛ إلى ما ينال من طبيعة الألوهيّة وصفاتها التي تستقلّ بها وترتفع بشكلٍ كاملٍ عن مستوى البشر وصفاتهم.


إنّنا نجد هذا "الإله البشريّ" في "العهد القديم" يمارس أنواع الشرور في حقّ "عباده"، تماماً كما يفعل الأشرار من البشر. بل نجده أحياناً يندم على قراراتٍ سبق أن اتّخذها بحقّهم، تماماً كما يندم البشر. وربّما وصل الأمر إلى النيل من عدالة هذا الإله، بل ربّما تجاوز ذلك إلى توبيخه على أفعاله بحقّ عباده:
- 6 فحزِنَ الربُّ أنّه عمِلَ الإنسانَ في الأرض، وتأسّفَ في قلبِه، 7 فقال الربُّ: أمحو عن وجهِ الأرضِ الإنسانَ الذي خلقتُه، الإنسانَ مع بهائمِ ودبّاباتِ وطيورِ السماء، لأنّي حَزنْتُ أنّي عمِلتُهم [سفر التكوين: 6: 6-7]
- 12 ارجِعْ عن حُمُوِّ غضبِك واندمْ على الشرِّ بشعبِك. 13 اذكُرْ إبراهيمَ وإسحقَ وإسرائيلَ عبيدَكَ الذين حَلَفْتَ لهم بنفسِكَ وقلتَ لهم أُكثِّرُ نَسْلَكم كنجومِ السماءِ وأُعطي نسلَكم كلَّ هذه الأرضَ التي تكلّمتُ عنها فيملِكونها إلى الأبد. 14 فندِمَ الربُّ على الشرِّ الذي قال إنّه يفعلُه بشعبِه [سفر الخروج: 32: 12-14]
- 46 حتّى متى يا ربُّ تختبئُ كلَّ الاختباء؟ حتّى متى يتّقدُ كالنارِ غضبُك؟ 47 اُذكرْ كيف أنا زائلٌ. إلى أيِّ باطلٍ خلقتَ جميعَ بني آدمَ؟ 48 أيُّ إنسانٍ يحيا ولا يرى الموتَ؟ أيٌّ يُنجّي نفسَه من يدِ الهاوية؟ )سِلاه(. 49 أين مراحِمُك الأُوَلُ ياربُّ؛ التي حلَفْتَ بها لداودَ بأمانتِك؟ 50 اذكُر يا ربُّ عارَ عبيدِك [المزمور التاسع والثمانون: قصيدة لأَيْثانَ الأزْراحيّ: 46-50]


ويصل الأمر بهذا "الإله-البشر" إلى أن يعلّم "أبناءه" اليهود كيف يسرقون ويخدعون وينتزعون من نساء المصريّين ألبستهنّ وحليّهنّ الذهبيّة والفضّية:
- 21 وأُعطي نعمةً لهذا الشعبِ في عيون المَصريّين، فيكونُ حينما تَمضون أنّكم لا تمضون فارغين. 22 بل تطلبُ كلُّ امرأةٍ من جارتِها ومن نزيلةِ بيتِها أمتعةَ فضّةٍ وأمتعةَ ذهبٍ وثياباً وتضعونها على بنيكم وبناتِكم، فتسلُبون المَصريّين [سفر الخروج: 3: 21-22]


ولكنّ الصورة في القرآن الكريم تختلف، فترتفع الحدود الفاصلة عاليةً وواضحةً بين صفات الله وصفات البشر. ويؤكّد القرآن، بمنهجيّةٍ وموضوعيّةٍ لا يتخلّى عنهما، على بشريّة كلّ الرسل والأنبياء، ويعمّم هذا الحكم فلا يستثني منهم أحداً:
- قالت لهم رسُلُهم إنْ نحن إلّا بشرٌ مثلُكم [إبراهيم: 11]


كما يركّز الضوء على محمّدٍ ﷺ ويخصّه بهذه الصفة البشريّة في آياتٍ عدّة، جنباً إلى جنبٍ مع تأكيد النبيّ، أيضاً، لهذه الصفة عن نفسه في أحاديث عدّة:
- قل إنّما أنا بشرٌ مثلُكم يوحَى إليّ [الكهف: 110، وفصّلت: 6]
- قُلْ سبحانَ ربّي هل كنتُ إلّا بشراً رسولاً [الإسراء: 93]
- عن عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ قال: "صَلَّى رَسولُ اللهِ ﷺ فَزَادَ أوْ نَقَصَ – أي في عددِ الرَّكَعات –.. فقِيلَ: يا رَسولَ الله، أزِيدَ في الصَّلَاةِ شيءٌ؟ فَقال – بعد أن عَرَف أنّه زاد في عدد الركَعات –: إنَّما أنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أنْسَى كما تَنْسَوْنَ، فَإِذَا نَسِيَ أحَدُكُمْ فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ وهو جَالِسٌ". [رواه مسلم]
- عن عبدِ اللهِ بنِ جُبَيرٍ الخُزاعيّ قال: "كان ﷺ يَمشي في أُناسٍ مِن أصحابِه، فيُستَتَرُ بثوبٍ – أي سَتَرَه أحدُهم بثوبِه مِن الشمس – فلمّا رأى ظِلّه – أي ظِلَّ الثوبِ فوق جسمِه – رَفَعَ رأسَه فإذا هو بمُلاءةٍ قد سُتِر بها، فقال له: مَهْ – كلمةٌ للإنكار –، وأخَذَ الثوبَ فوضَعَه – أي أزاحه عنه – فقال: إنّما أنا بَشَرٌ مثلُكم". [رواه الهيثمي في مجمع الزوائد، ورجاله رجال الصحيح]
- عن أمِّ سَلَمَةَ قالت: إنّ رسولَ اللهِ ﷺ قال‏:‏ "إنّما أنا بشر، وإنّكم تَختصمون إليّ، ولعلَّ بعضَكم أنْ يكونَ ألْحَنَ بحُجَّتِه مِن بعض – أي أبلغَ في حديثِه مِن الآخر –، فأَقضي له بنحوِ ما أسمع، فمَن قضيتُ له بحقِّ أخيه فإنّما أقطَعُ له قطعةً من النار". [متّفق عليه]


وبمثل هذه الانسجاميّة المنهجيّة الثابتة يؤكّد القرآن على تساوي البشر عند الله، جميع البشر. وهو يحذّر اليهود والنصارى من تصنيف أنفسهم على أنّهم "أبناء الله" أو على أنّ لهم الأفضليّة بين بني الإنسان، فهم ليسوا أكثر من مخلوقاتٍ بشريّةٍ سوف يحاسَبون عند ربّهم تماماً كما يُحاسَب غيرهم:
- وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَىٰ نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ ۚ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُم ۖ بَلْ أَنتُم بَشَرٌ مِّمَّنْ خَلَقَ ۚ يَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ ۚ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا ۖ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ [المائدة: 18]


كما يحذّر النصارى تحذيراً شديداً من المبالغة في شخصيّة المسيح (عليه السلام)، أو أمّه، أو أيّ كائنٍ بشريٍّ آخر، والارتفاعِ بهم إلى مرتبةٍ فوق مرتبة البشريّة أو النبوّة:
- لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ ۚ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ۗ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَواتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا ۚ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ ۚ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [المائدة: 17]


هذا التأكيد على بشريّة المسيح، وعلى "نبوّته" من الله، وليس "بنوّته"، وأنّه لا يعدو أن يكون رسولاً، أو وسيطاً بين الله وخَلقه، مثله مثل باقي رسل الله، رغم ولادته الاستثنائية، ورغم وفاته الاستثنائيّة أيضاً، هذا التأكيد القرآنيّ لا يكاد يختلف عن التأكيد الإنجيليّ، ولكن في سياقه العامّ، لهذه النبوّة، والذي يتردّد في الإنجيل مراراً وتكراراً على لسان المسيح نفسه:
- أَنَّهُ يُوجَدُ إِلهٌ وَاحِدٌ، وَوَسِيطٌ وَاحِدٌ بَيْنَ اللهِ وَالنَّاسِ: الإِنْسَانُ يَسُوعُ الْمَسِيحُ [تيموثاوس 1: 2: 5]
- ولكنّي يجب أن أسيرَ في طريقي اليومَ وغداً وبعد غد، لأنّه لا يجوزُ أن يَهلكَ نبيٌّ في خارج أورشليم [لوقا: 13: 33]
- من آمنَ بي لا يُؤمنُ بي أنا، بل يؤمنُ بالذي أرسَلَني [يوحنّا: 12: 44]
- 14 وفي منتصفِ أيّامِ العيد، صعِدَ يسوعُ إلى الهيكلِ وأخذّ يعلّمُ. 15 فتعجّب اليهودُ وقالوا: "كيف يَعرفُ الكتُبَ المقدّسةَ وما تَعَلّم؟" 16 فأجابَهم يسوعُ: "ما تعليمي مِن عندي، بل مِن عندِ الذي أرسلَني. 17 إذا أرادَ أحدٌ أن يَعمَلَ بمشيئة الله؛ عَرَفَ هل هذا التعليمُ مِن عندِ اللهِ أو أنيّ أتكلّمُ مِن عندي. 18 فالذي يتكلّمُ مِن عندِه يطلُبُ المجدَ لنفْسِه، ولكنْ مَن يطلُبِ المجدَ للذي أرسلَهُ، فهو صادقٌ لا غشَّ فيه [يوحنّا: 7: 14-18]
- 7 والآن هم يعرفون أنّ كلَّ ما أعطيتَني هو منك. 8 بَلَّغْتُهُمُ الكلامَ الذي بَلَّغْتَني فقبِلوه، وعَرَفوا حقَّ المعرِفةِ أنّي جئتُ مِن عِندِك، وآمنوا أنّكَ أنتَ أرسلتَني [يوحنّا: 17: 7-8]
- 40 مَن قَبِلَكمْ قَبِلَني، ومَنْ قَبِلَني قَبِلَ الذي أرسَلَني 41 مَنْ قَبِلَ نبيّاً لأنّه نبيٌّ فجزاءَ نبيٍّ يَنال [متّى: 10: 40-41]


ومع كلّ هذه التأكيدات القاطعة على "نبوّة" المسيح، وعلى أنّه "رسولٌ" من الله، ما يفتأ يضطرب في الإنجيل الخطّ التكامليّ للتوحيد ويهتزّ سياقه العامّ، حتّى ضِمن العبارة الواحدة أحياناً، فيتحوّل "الإله الواحد" الذي أَرسل المسيح إلى "أبٍ" للمسيح حيناً، ويتحوّل المسيح نفسه إلى "ربٍّ واحدٍ" حيناً آخر، من غير أي تمييزٍ يفرّق لقارئ الإنجيل العاديّ، بل للباحث الأكاديميّ المتمرّس، بين وظيفة "الإله الواحد" ومسؤوليّته، وبين وظيفة "الربّ الواحد" ومسؤوليّته في إدارة هذا الكون، فالفرق، إن كان هناك أيّ فرق، ليس أكثر من أنّ "الإله الواحد" هو "الذي منه كلُّ شيء ولأجله نحيا" و "الربّ الواحد" هو " الذي به كلُّ شيءٍ وبه نحيا":
- 4 .. فنحن نعرفُ أنّ الوثنَ لا كيانَ له، وأنْ لا إلهَ إلّا اللهُ الأحد. 5 وإذا كان في السماءِ أو في الأرضِ ما يزعُمُ الناسُ أنّهم آلهة، بل هناك كثيرٌ من هذه الآلهة والأرباب. 6 فلنا نحن إلهٌ واحدٌ وهو الآبُ الذي منه كلُّ شيء ولأجله نحيا، وربٌّ واحدٌ وهو يسوعُ المسيحُ الذي به كلُّ شيءٍ وبه نحيا [كورنثوس 1: 8: 4-6. وترجمت كلمة (ربّ) في النسخ الإنكليزيّة إلى Lord أي السيّد]



الاضطراب المنهجيّ في فكرة "الثالوث":
"رغم غرابة فكرة التثليث على القارئ، ورغم خروجها الصادم عن المنهجيّة التوحيديّة للكتاب المقدّس، فإنّنا نفاجأ بأنّ هذه الفكرة، على شدّة خطورتها وهيمنتها على التفكير المسيحيّ، وعلى الرغم من تركيز الضوء عليها تركيزاً أعطاها أكثر من حجمها بكثير، وبحيث طَبعت المسيحيّة بطابعها، فإنّها لا ترِد هكذا صريحةً في أيٍّ من الأناجيل الأربعة، وإنّما نجد نواةً لها في إنجيلٍ واحدٍ منها هو إنجيل متّى، وفي عبارةٍ واحدةٍ من هذا الإنجيل جمعت بين كلٍّ من الآب والابن والروح القدس، ولكن من غير أن توحّد بين هذه الأقانيم الثلاثة ليكونوا ثلاثةً في واحدٍ:

- فَاذْهَبُوا وَتَلْمِذُوا جَمِيعَ الأُمَمِ وَعَمِّدُوهُمْ بِاسْمِ الآب وَالابْنِ وَالرُّوحِ الْقُدُسِ. [متّى: 28: 19]


ثمّ ما تلبث هذه النواة أن تترعرع، وتظهر في شكلها التثليثيّ النهائيّ، ولكن ليس في أيٍّ من الأناجيل الأربعة، بل في إحدى الرسائل الملحقة بهذه الأناجيل، وهي رسالة الرسول يوحنّا الأولى، حيث تنفلت هذه العبارة التثليثيّة اليتيمة، في سياقها الفرديّ الخاصّ هذا، من هيمنة السياق التوحيديّ العامّ للكتاب المقدّس، ومن رقابة عشرات العبارات الإنجيليّة التوحيديّة الصريحة، لتقدّم للمسيحيّين عقيدة الثلاثة في واحدٍ، هكذا بلفظها الصريح، وبشكلها النهائيّ كما هو عليه الآن:
- فَإِنَّ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ فِي السَّمَاءِ هُمْ ثَلاَثَةٌ: الآبُ، وَالْكَلِمَةُ، وَالرُّوحُ الْقُدُسُ. وَهؤُلاَءِ الثَّلاَثَةُ هُمْ وَاحِدٌ [يوحنا 1: 5: 7]" (2)


وللمفاجأة الكبرى، ولكن المطَمْئنة، فإننا نجدّ هذه العبارة التثليثيّة الأخيرة، واليتيمة، وقد اختفت تماماً من النسخة الإنكليزيّة المعدّلة للكتاب المقدّس، والتي قام بتحريرها والإشراف عليها وترجمتها من اللغات الأصليّة لهذا الكتاب 32 باحثاً كنسيّاً من بريطانيا وأمريكا، ونُشرت وروجعت وطبعت في مختلف أنحاء العالم مرّاتٍ عديدة. (3)


بل إنّنا لا نعثر، وسط هذه المفارقات الخطيرة في نُسخ الأناجيل التي بين أيدينا، على ما يوثّق فكرة التثليث هذه ويعيدها إلى أصولٍ سماويّةٍ (أي قال الله، أو قال المسيح على الأقلّ) رغم خطورتها، ورغم تحطيمها التامّ للخطّ التوحيديّ في المسيحيّة، وخروجها بالإنجيل عن سياقه العام في الفكر التوحيديّ.


وما هو أكثر إثارةً للتساؤل، أنّنا لا نجد في أيٍّ من صفحات الإنجيل الذي بين أيدينا ما يسوّغ منطقيّاً عقيدة الثالوث، أو يشرحها، أو يوضّح خلفيّتها التاريخيّة أو العلميّة أو المنطقيّة، وهو ما من شأنه أن يجعل تصنيفها أكاديميّاً، بغضّ النظر عن صوابها أو خطئها، على أنّها ليست أكثر من جزئيّةٍ صغيرةٍ شاردةٍ، صدرت عن اجتهاد رجلٍ مسيحيٍّ، وأُقحمت في نصوص "السيرة النبويّة" للمسيح (عليه السلام)، وهي الإنجيل. ولكنّ هذه الجزئيّة "الصغيرة والمحدودة"، والصادرة عن رجلٍ عاديّ، أخذت دوراً أكبر كثيراً من حجمها، وهيمنت على الفكر المسيحيّ كلّه بشكلٍ هائل، وامتزجت بشخصيّة المسيح وصورته وطبيعته في هذا الفكر.


أقول "سيرة نبويّة" لأنّ نُسخ الإنجيل التي بين أيدينا، شأنها شأن سيرة محمّدٍ ﷺ، قد اختلط فيها كلامُ البشر، مع كلام المسيح، مع كلام الله.


من أجل هذا يميّز المسلمون بين أنواع مراجعهم أو نصوصهم الدينيّة، تمييزاً لا لبس فيه، كما سوف نفصّل القول قريباً، فيصنّفونها في أربع درجات:
1- النصّ القرآنيّ،
2- والحديث القدسيّ، وهو ما نزل به جبريل على النبيّ ﷺ من قوله تعالى، ولكنّه ليس من القرآن،
3- والحديث النبويّ، وهو أقوال الرسول ﷺ التشريعيّة ممّا أوحي إليه بمعانيها من السماء، مع أقواله المستقلّة الأخرى وأقوال صحابته،
4- والسيرة النبويّة.



الاضطراب المنهجيّ في تعريف "الروح القدس":
بين 88 مرّةً يتكرّر فيها تعبير (الرّوح القدس) في العهد الجديد، وهو تعبيرٌ يشكّل حجر الأساس في عقيدة الثالوث المقدّس، نجد أنّ سياق هذا التعبير في إنجيل متّى لا يكاد يختلف عن سياق قرينه الذي يتردّد في القرآن الكريم أكثر من مرّةٍ عند الحديث عن حمل مريم بالمسيح (عليه السلام). جاء في إنجيل متّى:
- أَمَّا وِلاَدَةُ يَسُوعَ الْمَسِيحِ فَكَانَتْ هكَذَا: لَمَّا كَانَتْ مَرْيَمُ أُمُّهُ مَخْطُوبَةً لِيُوسُفَ، قَبْلَ أَنْ يَجْتَمِعَا، وُجِدَتْ حُبْلَى مِنَ الرُّوحِ الْقُدُس" [متّى: 1: 18]
- لكِنْ فِيمَا هُوَ مُتَفَكِّرٌ فِي هذِهِ الأُمُورِ، إِذَا مَلاَكُ الرَّبِّ قَدْ ظَهَرَ لَهُ فِي حُلْمٍ قَائِلًا: «يَا يُوسُفُ ابْنَ دَاوُدَ – وهو خطيب مريم –، لاَ تَخَفْ أَنْ تَأْخُذَ مَرْيَمَ... امْرَأَتَكَ. لأَنَّ الَّذِي حُبِلَ بِهِ فِيهَا هُوَ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُس" [متى: 1: 20]


لقد تكرّرت عبارة (مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ) في هذين المقطعين الإنجيليّين، وبمعنىً لا يكاد يختلف عن المعنى القرآنيّ لهذا المصطلح في الآية التي سبق أن أوردناها عن حمل مريم بالمسيح، وكذلك في آياتٍ شبيهةٍ أخرى يَرِد فيها هكذا مجرّداً (رُوح القُدس)، أو مرتبطاً بالضمير العائد على الذات الإلهيّة (روحنا):
- إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَىٰ وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدتُّكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا ۖ وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنجِيلَ ۖ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي ۖ وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي ۖ وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَىٰ بِإِذْنِي ۖ وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنكَ إِذْ جِئْتَهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَٰذَا إِلَّا سِحْرٌ مُّبِينٌ [المائدة: 110]
- فَاتَّخَذَتْ مِن دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا ‎﴿١٧﴾‏ قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَٰنِ مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيًّا ‎﴿١٨﴾‏ قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا ‎﴿١٩﴾‏ [مريم: 17-19]
- فَنَفَخْنَا فِيهَا مِن رُّوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِّلْعَالَمِينَ‏ [الأنبياء: 91]


من المهمّ جدّاً أن نلاحظ هنا كيف فرّقت الآيات بين معنيين للروح القدس:
أ‌- فهو جبريل الذي حمل الرسالة الإلهيّة لمريم ببشرى حَمْلِها بالمسيح {فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا}، مثلما أيّد الله به في الإنجيل ولدَها عيسى ليحميه من أعدائه (أَيَّدتُّكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ)، وليكون معه وهو يجترح لقومه المعجزات،
ب‌- وهو أيضاً روح الله، أي قوّته وإعجازه {مِن رُوحِنا} وقد نَفخ منها في بطن مريم لتحمل الحمل الإعجازيّ بولدها المسيح.


ولا يقتصر دور (روح القدس) في الإنجيل على النفخ في مريم وحملِها بالمسيح فحسب. فتبعاً لمقاطع إنجيليّةٍ أخرى؛ نجد لروح القدس دوراً في ولادة ابن خالته يحيى (يوحنّا) حين يمتلئ بطن أمّه (أليصابات)، زوجة زكريّا، بالروح القدس. ثمّ نجد له دوراً آخر حين يمتلئ يحيى نفسُه بالروح القدس، ودوراً ثالثاً حين يمتلئ زكريّا أيضاً بالروح القدس. إنّ هذا من شأنه أن يميّز لنا بوضوحٍ ذلك الفارق الكبير، والذي لا يمكن أن يخطئه أو يتجاهله العقل، بين الحمل من (الله)، وبين الحمل من (الروح القدس):
- 13 فَقَالَ لَهُ الْمَلاَكُ: «لاَ تَخَفْ يَا زَكَرِيَّا، لأَنَّ طِلْبَتَكَ قَدْ سُمِعَتْ، وَامْرَأَتُكَ أَلِيصَابَاتُ سَتَلِدُ لَكَ ابْنًا وَتُسَمِّيهِ يُوحَنَّا. 14 وَيَكُونُ لَكَ فَرَحٌ وَابْتِهَاجٌ، وَكَثِيرُونَ سَيَفْرَحُونَ بِوِلاَدَتِهِ، 15 لأَنَّهُ يَكُونُ عَظِيمًا أَمَامَ الرَّبِّ، وَخَمْرًا وَمُسْكِرًا لاَ يَشْرَبُ، وَمِنْ بَطْنِ أُمِّهِ يَمْتَلِئُ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُس [لوقا: 1: 13-15]
- فَلَمَّا سَمِعَتْ أَلِيصَابَاتُ سَلاَمَ مَرْيَمَ ارْتَكَضَ الْجَنِينُ فِي بَطْنِهَا، وَامْتَلأَتْ أَلِيصَابَاتُ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ [لوقا: 1: 41]
- وَامْتَلأَ زَكَرِيَّا أَبُوهُ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ.." [لوقا: 1: 67]


ويؤكّد هذا التميّز ويوضّحه أكثر مقاطعُ إنجيليّةٌ أخرى تتحدّث عن (الروح القدس) على أنّه طاقةٌ روحيّةٌ خاصّةٌ قد يسبغها الله على كلّ من يسأله إيّاها من المتّقين، المؤمنين به، والمطيعين لأوامره:
- أَمَّا يَسُوعُ فَرَجَعَ مِنَ الأُرْدُنِّ مُمْتَلِئًا مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ، وَكَانَ يُقْتَادُ بِالرُّوحِ فِي الْبَرِّيَّةِ [لوقا: 4: 1]
- فَإِنْ كُنْتُمْ وَأَنْتُمْ أَشْرَارٌ تَعْرِفُونَ أَنْ تُعْطُوا أَوْلاَدَكُمْ عَطَايَا جَيِّدَةً، فَكَمْ بِالْحَرِيِّ الآبُ الَّذِي مِنَ السَّمَاءِ، يُعْطِي الرُّوحَ الْقُدُسَ لِلَّذِينَ يَسْأَلُونَهُ؟ [لوقا:11: 13]
- وَأَنَا لَمْ أَكُنْ أَعْرِفُهُ، لكِنَّ الَّذِي أَرْسَلَنِي لأُعَمِّدَ بِالْمَاءِ، ذَاكَ قَالَ لِي: الَّذِي تَرَى الرُّوحَ نَازِلًا وَمُسْتَقِرًّا عَلَيْهِ، فَهذَا هُوَ الَّذِي يُعَمِّدُ بِالرُّوحِ الْقُدُسِ [يوحنا: 1: 33]
- وَامْتَلأَ الْجَمِيعُ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ، وَابْتَدَأُوا يَتَكَلَّمُونَ بِأَلْسِنَةٍ أُخْرَى كَمَا أَعْطَاهُمُ الرُّوحُ أَنْ يَنْطِقُوا [أعمال الرسل: 2: 4]
- وَنَحْنُ شُهُودٌ لَهُ بِهذِهِ الأُمُورِ، وَالرُّوحُ الْقُدُسُ أَيْضًا، الَّذِي أَعْطَاهُ اللهُ لِلَّذِينَ يُطِيعُونَهُ [أعمال الرسل: 5: 32]
- اِحْفَظِ الْوَدِيعَةَ الصَّالِحَةَ بِالرُّوحِ الْقُدُسِ السَّاكِنِ فِينَا [رسالة بولس الرسول الثانية إلى تيموثاوس: 1: 14]


وتوضّح هذه الحقيقةَ أكثر تلك الفقرةُ الإنجيليّة التي تفصل بجلاءٍ بين (الله) و (الروح القدس)، حين تصف لنا كيف يمسح الله المسيحَ (بِالرُّوحِ الْقُدُسِ)، وكيف يقترن الروح القدس في العبارة هنا بصفةٍ أخرى من صفاته وهي (القُوَّة):
- يَسُوعُ الَّذِي مِنَ النَّاصِرَةِ كَيْفَ مَسَحَهُ اللهُ بِالرُّوحِ الْقُدُسِ وَالْقُوَّةِ، الَّذِي جَالَ يَصْنَعُ خَيْرًا وَيَشْفِي جَمِيعَ الْمُتَسَلِّطِ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ، لأَنَّ اللهَ كَانَ مَعَهُ" [أعمال الرسل: 10: 38]


أمّا المسيح في القرآن الكريم فهو: عبد الله، ورسوله، وكلمته، وروحٌ منه. ولكنّ أيّاً من هذه الصفات والأسماء، تبعاً للسياق التوحيديّ المنهجيّ العامّ للقرآن الكريم، لا يجعل منه إلهاً، أو ابناً، أو شريكاً لله في ثنائيّةٍ أو ثلاثيّة:
- إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّـهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ ﴿٤٥﴾ وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ ﴿٤٦﴾ [آل عمران: 45-46]
- يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ ۚ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَىٰ مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ ۖ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ۖ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ ۚ انتَهُوا خَيْرًا لَّكُمْ ۚ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ ۖ سُبْحَانَهُ أَن يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ ۘ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۗ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ وَكِيلًا [النساء: 171]


ويؤكّد الحديث الشريف المعنى القرآني للروح القدس، والمعنى الإنجيليّ أيضاً لهذا المصطلح، في سياقه العامّ، وأنّه جبريل نفسه، أو القوّة التي يحملها جبريل من الله إلى أنبيائه وأوليائه والصالحين من عباده:
- عن عبدِ اللهِ بنِ عبّاسٍ قال: قالَ رسولُ الله ﷺ: ".. إنَّ وَليِّي جِبريلُ، ولم يَبعَثِ اللهُ نَبيّاً قَطُّ إلَّا وهو – أي جبريل – وَليُّه". [رواه أحمد، وصحّحه أحمد شاكر]
- عن عُبادَةَ بنِ الصامتِ قال‏:‏ قالَ رسولُ اللهِ ﷺ: ‏"‏مَنْ شَهِدَ أنْ لا إلهَ إلّا الله، وحدَه لا شريكَ له، وأنّ محمّداً عبدُه ورسولُه، وأنّ عيسى عبدُ اللهِ ورسولُه، وكلمتُه ألقاها إلى مريمَ ورُوحٌ منه، والجَنّةَ حقٌّ، والنارَ حقٌّ، أدخلَه اللهُ الجنةَ على ما كان مِنَ العمل – أي مهما كانت أعمالُه –"‏‏.‏ [متّفق عليه]
- عن عائِشَةَ أمِّ المؤمنين قالت: ".. سَمِعْتُ رَسولَ اللهِ ﷺ يقولُ لِحَسَّانَ – ابنِ ثابت، شاعرِ النبيّ -: إنَّ رُوحَ القُدُسِ – أي قوّة الله، أو جبريل – لا يَزالُ يُؤَيِّدُكَ ما نافَحْتَ عَنِ اللهِ ورَسولِهِ". [رواه مسلم]

* * *


هذه الانسجاميّة المنهجيّة المُحكمة التي ينفرد بها القرآن الكريم؛ من شأنها أن تستثير في عقل الباحث الأكاديميّ، وفي عقل أيّ قارئٍ عاديٍّ أيضاً، مثلَ هذه التساؤلات، وأن تدفعه إلى الإجابة عنها بصدقٍ وشفافيّةٍ وموضوعيّة، لأنّ هذه الإجابة يمكن أن تحدّد مصيرنا عند الله:


1- ما السرّ في خلوّ الخطاب القرآنيّ الممنهج، من أوّل كلمةٍ إلى آخر كلمةٍ فيه، من أيّة عثراتٍ، مهما صغرت، يمكن أن تنال من سلامة السياق التوحيديّ العامّ للقرآن؟


2- بالمقابل، ما السرّ في كثرة هذه العثرات، صغيرها وكبيرها، في العهدين القديم والجديد، رغم وضوح الإضاءات التوحيديّة في سياقهما العامّ؟


3- ما الدلالة المنهجيّة التوثيقيّة الإعجازيّة التي تشير إليها استمراريّةُ الضمير أو الضمائر العائدة على الله في كلّ سوَر القرآن الكريم، رغم التنوّع المستمرّ والمتداخل في شكل هذا الضمير الإلهيّ، بين ضميرٍ للغائب، وضميرٍ للمتكلّم، وضميرٍ للمفرد، وضميرٍ للجمع، أو ضميرٍ مضمرٍ غير ظاهرٍ يُفهم من السياق؟


4- كيف نفسّر، تاريخيّاً وعلميّاً، اتّفاق الكتب المقدّسة الثلاثة على هيمنة السياق التوحيديّ فيها، بكلّ تفاصيله، جنباً إلى جنبٍ مع الاضطراب المنهجيّ لهذا السياق، موضعيّاً، في كلٍّ من العهدين القديم والجديد؟


إنّ الإجابة العلميّة والموضوعيّة عن أيٍّ من هذه الأسئلة لن تقودنا إلّا إلى المزيد من التسليم بسلامة الإعجاز المنهجيّ والتوثيقيّ العامّ الذي لا يمكن أن يتوفّر إلّا في كتابٍ خالصٍ في سماويّته، من ألفه إلى يائه.


هوامش:
(1) مع التذكير بأنّنا اعتمدنا هنا نسخة التوراة المعتمدة مسيحيّاً فيما يسمّى (العهد القديم).
(2) عن كتابنا (الأسئلة المصيرية، دراسة باحثٍ فضائيٍّ عن شرائع الأرض). ص: 80-81. قيد النشر.
(3) The Holy Bible. Revised Standard Version. Translated from the Original Languages. New York and Glasgow. Collins’ Clear-Type Press. London, Toronto, Sydney, Auckland: 1971.


بقلم: أحمد بسام ساعي

تنويه:

جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين

مقالات ذات صلة

من مواعظ الإمام سفيان الثوري
الاثنين، ١ ربيع الأول ١٤٣١ هـ - ١٥ شباط ٢٠١٠من مواعظ الإمام سفيان الثوري
اختيار الشيح  صالح الشامي 1- أصلحْ سَرِيْرَتَك يصلح اللهُ علانيتَك، وأصلح فيما...
واقع الأمة وحتمية الدعوة إلى الله تعالى
الاثنين، ١ ربيع الأول ١٤٣١ هـ - ١٥ شباط ٢٠١٠واقع الأمة وحتمية الدعوة إلى الله تعالى
 بقلم: د/ عامر حسين أبو سلامةإن الناظر في واقع هذه الأُمة، يجدها منفصلةـ في كثير من ا...
الكلام الطيب طريق الدعاة إلى القلوب
الاثنين، ١ ربيع الأول ١٤٣١ هـ - ١٥ شباط ٢٠١٠الكلام الطيب طريق الدعاة إلى القلوب
الأستاذ : أبو معاذ جاهوش أفضل سبيل لتحقيق هدف المتكلم - متحدثاً كان ، أو محاضراً ، خط...