صفحات من كتاب (إدارة التلاوة.. أعد اكتشاف علاقتك مع القرآن الكريم) (10)

صفحات من كتاب (إدارة التلاوة.. أعد اكتشاف علاقتك مع القرآن الكريم) (10)

التصنيف: فقه الدعوة
الجمعة، ٧ ذو القعدة ١٤٤٧ هـ - ٢٤ نيسان ٢٠٢٦
48

أتَمَنَّى لكم عاماً حضاريّاً واعِداً،
وحَفْلَ تَخَرُّجٍ من كليّة رمضان، مُزْداناً بِباقاتِ النجاح والقرب من الله.
رَمَضان X 12 = حَضارة



9- معجزة اللغة الجديدة


وهو الجانب الإعجازيّ الذي وقفتُ له صفحات كتابي (المعجزة).


كان من أهمّ ما يميّز لغة القرآن، ويمنحها تلك الخصوصيّة التي لم يعرفها كتابٌ آخر، عربيٌّ أو غير عربيّ، هو تلك الصياغة الجديدة، والمتفوّقة، والمتفرّدة، ألفاظاً، وتراكيب، وعباراتٍ، وصوراً، وبياناً، وإيقاعاً، ونظاماً، وسبكاً، والتي فاجأت العرب، وهم المعتزّون أشدّ الاعتزاز بلغتهم وبلاغتهم وفصاحتهم، بما لم يعهدوه في أدبهم أو شعرهم أو لغة خطابهم من قبل.


لقد وقع القرآن على آذان العرب وهم يسمعون آياته لأوّل مرّةٍ وقع الصاعقة، فكان بتكوينه اللغويّ الجديد بمثابة طبقٍ طائرٍ هبط عليهم من السماء. إنّهم لم يسمعوا مثل هذا النوع من النسيج اللغويّ، أو من أساليب الخطاب، أو من أنواع الفنون الأدبيّة من قبل.


كان معظم من أسلم من العرب وألقوا بأنفسهم في أحضان الدين الجديد؛ قد فعلوا ذلك، في الواقع، بتأثير هذه اللغة الجديدة وحدها، وقبل أن تَكشف لهم نصوص هذه اللغة عن مبادئ الدعوة الجديدة، وبغضّ النظر عن خلفيّة معرفتهم جميعاً بأمانة محمّدٍ ﷺ وصدقه، وباللقب الذي أطلقوه عليه وهو بينهم، وعلى مدى سنين طويلةٍ: (الصادق الأمين).


بل إنّ بعض المصادر العربيّة تتجاوز ذلك، فتنقل لنا أخباراً عن أناسٍ لم تتحمّل قلوبهم تلك الصدمة اللغويّة الصاعقة للقرآن حين سمعوه لأوّل مرّة، فكان أن شهقوا لدى سماعه شهقةً فارقوا معها الحياة! ويتحدّث السيوطي عن "قائمةٍ بأولئك الذين ماتوا حال سماعهم للقرآن".(1)


ولقد كانت عبارةٌ قرآنيّةٌ من ثلاث كلماتٍ مثل "فاصدَعْ بما تُؤمَر" [الحِجر: 94]؛ كافيةً لأن تجعل ذلك البدويّ الذي سمعها من أحد المسلمين يهتزّ ويتداعى إلى الأرض ساجداً وهو يقول: "سجدت لفصاحة هذا الكلام".(2)


والواقع أنّ الثورة اللغويّة الجديدة التي فاجأ القرآن بها العرب؛ كانت ثورةً على كلّ الأبعاد التي تقوم عليها الفنون الأدبيّة المعروفة بمختلف أنواعها.


كانت أوّلاً ثورةً على "السبيكة اللغويّة" كما اقترحتُ تسميتها في الكتاب. فقد التزم الشعراء العرب بقوالب أو سبائك لغويّةٍ محدودةٍ، لا يكادون يخرجون عنها في قصائدهم، من مثل (وليلٍ كموج البحر – إذا أنت لم تنفع فضُرَ فإنّما – ألا أيّهذا اللائميْ أَحضُرَ الوغى – ألا ليت شعري هل أبيتنّ ليلةً – ودّع أُمامةَ إنّ الركبَ مُرتحِلُ..).


وكانت ثورةً في الألفاظ، وفي علاقات هذه الألفاظ فيما بينها، ومواقعها في سياقها، واشتقاقاتها، واستخداماتها. وكانت ثورةً في الأعراف اللغويّة، والنحويّة، والبلاغيّة، والتصويريّة المتطوّرة التي أتت بها، ومن ثمّ؛ كانت ثورةً في الوحدات اللغويّة الجديدة التي انبثقت عن كلّ هذه الموارد الجديدة المتطوّرة. وهذا يفسّر لنا تجاوز عدد المواقع أو الظواهر اللغويّة الجديدة في كلّ سورةٍ من سور القرآن، بأشكالها المتعدّدة، عدد ألفاظ السورة.


ورغم الصور البيانيّة الكثيرة التي كان الشعراء العرب يزيّنون بها قصائدهم، وما يزالون، فإنّ القرآن الكريم خرج عن هذه الصور جميعاً وأتى بصورٍ بيانيّةٍ جديدةٍ كلّياً على العرب، سواءٌ في تجاوز أبعادها التقليديّة، أو في عدد أركانها، المشبّه والمشبّه به ووجه الشبَه، أو في علاقة هذه الأركان بعضها بالآخر.


كما استخدم أسلوباً تعبيريّاً فنّياً لم تعرفه العربيّة، ولا اللغات الأخرى، وهو ما سمّي بعد ذلك بفنّ الالتفات. فتتحوّل الآية أو الآيات فجأةً، وبدون سابق إنذار، من حدثٍ إلى آخر، ومن زمنٍ ماضٍ إلى حاضرٍ إلى مستقبل، ومن متكلّمٍ إلى غائب، ومن مفردٍ إلى مثنّىً إلى جمع، ومن رفعٍ إلى نصب، ومن تأنيثٍ إلى تذكير، ومن عاقلٍ إلى غير عاقل، ومن جماعةٍ إلى أخرى، ومن حذفٍ إلى إثبات.. إلخ.


لقد كانت ثورةً لغويّةً بكلّ ما في هذه الكلمة من معنى، ولكنّها، وخلافاً لكلّ الثورات اللغويّة قبلها وبعدها، لم تكن قابلةً للتقليد.



المعاني القرآنيّة الجديدة للأدوات:

وكان من أهم الجسور التي أقامها القرآن الكريم للوصول إلى مثل هذا البناء اللغويّ الجديد، وأخطرها على الإطلاق، استخدامه الجديد، والفريد، للأدوات النحويّة.


إنّ أدوات اللغة على أنواعها، تلك التي تربط بين الأسماء، والأفعال، والجمل، والعبارات، هي بمثابة اللُّحمة والسدى في النسيج اللغويّ لأيّة لغة. فإذا تبدّل موقع هذه الأدوات، أو اختلف استعمالها، أو تطوّرت معانيها، أو تغيّرت علاقاتها مع ما قبلها أو ما بعدها، تغيّر معها النسيج اللغويّ كلّه، من غير أن يعني هذا تغيّر اللغة نفسها.


إنّه أحد الأسرار الكبيرة للإعجاز اللغويّ الذي جاء به القرآن الكريم، وأبهر به بلغاء العرب وفصحاءهم، وأعجزهم عن تقليده. وحيثما قلّبت صفحات كتاب الله؛ ستجد فيها نماذج من هذه الاستخدامات القرآنيّة الجديدة للأدوات، ممّا لم تعرفه اللغة العربيّة قبل القرآن، ولم تعرفه بعده.


هل تتخيّلون حجم الانقلاب الذي يمكن أن نُحدثه في لغةٍ ما، أيّة لغة، لو غيّرنا معاني أدواتها الأساسيّة التي تربط بين كلماتها وجملها وعباراتها، وبمثل هذه الكثافة القرآنيّة؟



من أجل هذا آثرت أن أتوقّف معكم عند هذا الجانب خاصّةً من جوانب التجديد اللغويّ في القرآن، واخترت لكم هذه النماذج الأربعين من أهمّ الاستخدامات القرآنيّة الجديدة للأدوات، تمثيلاً لا حصراً. وهي استخداماتٌ ما تزال حتّى يومنا هذا مختصّةً، في معظمها، بالقرآن الكريم وحده:


1- الأداة (كان)، وهي في لغتنا تغطّي الزمن الماضي وحده، وقد انفرد القرآن باستخدامها لأوّل مرّةٍ بتاريخ العربيّة، ولآخر مرّة، بمعنى الأداة (إنّ) لتغطّي الأزمنة الثلاثة معاً، الماضي والحاضر والمستقبل، كما في الآية:
وكان اللهُ على كلِّ شيءٍ قديراً [الأحزاب: 27]


2- الأداة (ما زال)، وهي في لغتنا تغطّي الزمن الماضي والمستمرّ إلى الحاضر (نحو: ما زال المطر يهطل)، ولكنّها، خلافاً للغتنا، قد تأتي في القرآن مقتصرةً على الماضي وحده، فتبدأ وتنتهي فيه، كما في الآية:
فما زالت تلك دعواهم حتّى جعلناهم حصيداً خامدين [الأنبياء: 15]


3- الأداة (لا يزال)، وهي تستغرق في لغتنا الزمنَ الماضي والحاضر، فلا تتجاوزهما إلى المستقبل، ولكنّها في القرآن الكريم تستغرق الأزمان الثلاثة معاً، الماضي والحاضر والمستقبل، كما في الآية:
ولا يزالون يقاتلونكم حتّى يردّوكم عن دِينِكم [البقرة: 217]


4- الأداة (لمّا)، وهي أداةٌ ظرفيّةٌ زمانيّةٌ في لغتنا، ولكنّها تأتي في القرآن بمعنى (ثمّ)، فتتخلّى عن جوابها أو عن أيّ حدثٍ تتعلّق به كما تتعلّق كلّ الظروف، كما في الآية:
ولمّا دخلوا مِن حيثُ أمَرَهمْ أبوهمْ ما كانَ يُغْني عنهمْ مِنَ اللهِ مِن شيءٍ إلاّ حاجةً في نفْسِ يعقوبَ قَضاها [يوسف: 68]


5- الأداة (لمّا) الظرفيّة الزمانيّة، أيضاً، قد تأتي بمعنى (إلاّ) الحصريّة، كما في الآية:
وإنْ كلٌّ لمّا جميعٌ لدَينا مُحضَرون [يس: 32]


6- الأداة (قد) التي تسبق الفعل المضارع، وهي تقديريّةٌ أو "احتماليّةٌ" في لغتنا، قد تتحوّل في القرآن إلى معنى أختها التحقيقيّة التي تسبق الفعل الماضي، كما في الآية:
قد يعلمُ اللهُ المعوِّقِين منكمْ [الأحزاب: 18]


7- الأداة (هل) الاستفهاميّة، وقد تتخلّى في القرآن عن استفهاميّتها فيتحوّل معناها إلى (قد)، كما في الآية:
هل أتى على الإنسانِ حِينٌ من الدهرِ لم يكنْ شيئاً مذكوراً [الإنسان:1]


8- الأداة (لو) الشرطيّة، وقد تأتي في القرآن، رغم ورودها في سياق الشرط، بمعنى أختها التي للتمنّي، فلا تأخذ جواباً للشرط، كما في الآية:
ولو أنّ قرآناً سُيِّرتْ به الجبالُ أو قُطِّعَتْ به الأرضُ أو كُلِّمَ به الموتى بل للهِ الأمرُ جميعاً [الرعد: 31]


9- الأداة (لو) الشرطيّة، أيضاً، قد تأتي بمعنى (التحذير) أو (الإنذار) أو (الإشفاق)، وليس للشرط أو للتمنّي:
وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ‏ [البقرة: 165]


10- الأداة المركّبة (كما)، قد يتحوّل معناها في القرآن إلى ما يوازي (لقد) أو (واو العطف)، كما في الآية:
كما أرسلْنا فيكمْ رسولاً منكمْ يتلو عليكمْ آياتِنا ويُزكّيكمْ ويُعلّمُكمُ الكتابَ والحكمةَ ويعلّمُكمْ ما لم تكونوا تَعلمون [البقرة: 151]


11- أداة العطف (ثمّ)، وقد تتحوّل في القرآن عن معناها الأساسيّ لتفيد معنى التأكيد، كما في الآيتين:
وما أدراك ما يومُ الدِّين. ثمّ ما أدراك ما يومُ الدِّين [الانفطار: 17-18]
كلاّ سوف تعلمون. ثمّ كلاّ سوف تعلمون [التكاثر: 3-4]


12- (حاشا) الاستثنائيّة، بالألف، قد تصبح في القرآن بمعنى (حاشَ) التنزيهيّة، ومِن غير ألِف، مع إسنادها للفظ الجلالة في كلّ مرّة، كما في الآيتين:
وقُلْنَ حاشَ للهِ ما هذا بشراً [يوسف: 31]
قُلْنَ حاشَ للهِ ما عَلِمْنا عليه مِن سُوء [يوسف: 51]


13- الأداة المركّبة (لئلاّ)، قد تأتي في القرآن بمعنى (لكي)، كما في الآية:
لِئلاّ يَعلمَ أهلُ الكتابِ ألاّ يَقدِرون على شيءٍ [الحديد: 29]


14- الأداة (إذَنْ) – أو (إذاً) بالتنوين – الناصبة للمضارع، تتوقّف في القرآن عن النصب حيثما وردت، كما في الآيتين:
وإذاً لا يَلبثون خِلافَكَ إلاّ قليلاً [الإسراء: 76]
وإذاً لا تُمَتَّعون إلاّ قليلاً [الأحزاب: 16]


15- همزة الاستفهام (أ)، قد تقترن في القرآن بـ (إذا) الشرطيّة ليتكوّن منهما معاً أداةٌ جديدةٌ للإنكار، كما في الآية:
وقالوا أئذا كُنّا عِظاماً ورُفاتاً أئنّا لَمبعوثون خَلْقاً جديداً [الإسراء: 49]


16- همزة الاستفهام (أ)، أيضاً، قد تأتي بمعنى (التنبيه) أو (التحذير)، وليس بمعنى الاستفهام، في قوله تعالى (أَفَمَن)، وتكون (مَن) بعدها استفهاميّةً وليست موصولة، أي: احذروا وتنبّهوا: كيف سيكون حال من يفكّر في أن يقي وجهه ونفسه يوم القيامة؟
أَفَمَن يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۚ وَقِيلَ لِلظَّالِمِينَ ذُوقُوا مَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ ‎[الزمر: 24]


17- الأداة (إلاّ) الاستثنائيّة، قد تتخلّى في القرآن عن استثنائيّتها لتصبح اسماً بمعنى (سوى) أو (غير)، فتكون صفةً، ولا تعمل فيما بعدها، كما في الآية:
لو كان فيهما آلِهةٌ إلاّ اللهُ لَفسَدتا [الأنبياء: 22]


18- الأداة (إلّا) نفسها، قد تتخلّى، أيضاً، عن استثنائيّتها بطريقةٍ أخرى لتأخذ معنى (حتّى):
لَا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَّا أَن تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ‎[التوبة: 110]


19- الأداة (إلّا) نفسها، أيضاً، قد تتخلّى عن استثنائيّتها بطريقةٍ أخرى لتكون بمعنى (بل) للإضراب:
مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَىٰ ‎﴿٢﴾‏ إِلَّا تَذْكِرَةً لِّمَن يَخْشَىٰ ‎﴿٣﴾ [طه: 2-3]


20- الأداة (لا) النافية، قد تكتسب معنى (لا) الناهية بحيث تَدخل نون التوكيد على المضارع المنفيّ بها، ومن خصائص هذه النون ألاّ تدخل عادةً إلاّ على المضارع المنهيّ عنه:
واتّقوا فِتنةً لا تُصيبَنَّ الذين ظَلَموا منكمْ خاصّةً [الأنفال: 25]


21- الأداة (حتّى) العاطفة، قد تتخلّى عن عطفيّتها فلا يقع بعدها إلّا ظرفٌ أو اسمٌ للزمان:
حتّى إذا رَكِبا في السفينةِ خَرَقَها [الكهف: 71]


22- الأفعال الناقصة (أصبح) و (أمسى) و (بات) و (صار) و (ما برِح) و (ما فَتِئ)، قد تتحوّل في القرآن إلى فعلٍ تامّ، فيقتصر معظمها على هذا الاستعمال الجديد:
لا أبْرَحُ حتّى أَبلُغَ مَجْمَعَ البَحْرَين [الكهف: 60]
قالوا تاللهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يوسُفَ [يوسف: 85]
ألا إلى اللهِ تَصيرُ الأمورُ [الشُورى: 53]
فسُبحان اللهِ حينَ تُمْسُون وحينَ تُصْبِحون [الروم: 17]
فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ [القصص: 18]
والذين يَبِيتُون لربِّهم سُجَّداَ وقِياماً [الفرقان: 64]


23- الأداة (إنْ) الشرطيّة، قد تتخلّى عن شرطيّتها لتصبح حرفاً زائداً للتأكيد:
ولقد مكّنّاهمْ فيما إنْ مَكّنّاكُمْ فيه [الأحقاف: 26]


24- الأداة (إنْ) الشرطيّة، أيضاً، قد تتخلّى عن شرطيّتها لتأخذ معنى الظرفيّة الزمانيّة (إذْ) أو (حين):
أَفَرَأَيْتَ إِن مَّتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ ‎﴿٢٠٥﴾‏ ثُمَّ جَاءَهُم مَّا كَانُوا يُوعَدُونَ ‎﴿٢٠٦﴾‏ مَا أَغْنَىٰ عَنْهُم مَّا كَانُوا يُمَتَّعُونَ ‎﴿٢٠٧﴾‏ [الشعراء: 205-207]


25- الأداة (إنْ) الشرطيّة، أيضاً، قد تأتي في القرآن مقترنةً بالأداة الزائدة (ما) ليكون منهما معاً الأداة الجديدة (إمّا)، كما في الآية:
فإمّا نَذهَبَنَّ بكَ فإنّا منهمْ منتقمون [الزُّخرُف: 41]


26- الأداة (أو) العاطفة، قد تتخلّى عن عطفيّتها لتصبح بمعنى (إمّا أنْ) أو (وإمّا أنْ):
لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ ‎[آل عمران: 128]


27- الأداة (ما) الموصوليّة، قد تتحوّل إلى زائدةً إذا ارتبطت بحرف الجرّ (الباء):
فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ [آل عمران: 159]


28- الأداة (على) الجارّة، قد تكتسب معنى ظرف المكان (عند):
إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ [النساء: 17]


29- الأداة (على) الجارّة، أيضاً، قد تتحوّل إلى ظرف زمانٍ بمعنى (بَعدَ):
قالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَىٰ أَن مَّسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ ‎[الحِجر: 54]


30- الأداة (عن) الجارّة، قد تأتي للتعليل، أي (بسبب):
قَالُوا يَا هُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَن قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ ‎[هود: 53]‏


31- الأداة (عن) الجارّة، أيضاً، قد تأتي بمعنى (اللام):
وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَن قَوْمٍ لَّا يُؤْمِنُونَ [يونس: 101]


32- أداة العطف (الواو)، قد تكتسب معنى (فاء السببيّة) فتعمل عملها في نصب الفعل المضارع:
فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ‎[الأنعام: 27]


33- الأداة (رُبَما)، التقديريّة، تأتي لأوّل مرّةٍ مخفّفة الباء من (ربّما)، مع تحوّل معناها، أيضاً، لتكون للتحقيق وليس للتقدير:
رُّبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ [الحِجر: 2]


34- الأداة (لَو ما)، تجمع لأوّل مرّةٍ بين الأداتين: (لو) الشرطيّة و (ما) الزائدة، فتكتسب صفة التحضيض، بمعنى (لولا) أو (هلّا):
لَّوْ مَا تَأْتِينَا بِالْمَلَائِكَةِ إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ ‎[الحِجر: 7]


35- الأداة (مِن) الجارّة، قد تكتسب معنى الظرفيّة (دون):
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ ۚ أَرَضِيتُم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ ۚ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ ‎[التوبة: 38]


36- أداة الجواب (إي) بمعنى (نعَم)، لم يعرفها العرب بهذا المعنى قبل القرآن، فلا نجدها في أشعارهم، ولا في لغة الحديث النبويّ، وقد تسرّبت إلى بعض اللهجات العربيّة هكذا (إي)، أو (آ)، ويقتصر استعمالها على هذا الموضع من القرآن:
وَيَسْتَنبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ ۖ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ ۖ وَمَا أَنتُم بِمُعْجِزِينَ ‎[يونس: 53]


37- أداة الاستفهام (ماذا)، قد تتحوّل إلى اسمٍ موصولٍ بمعنى (الذي):
قُلِ انظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ [يونس: 101]


38- الأداة المشبّهة بالفعل (كأنّ)، قد تكتسب معنى أختها (إنّ):
وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ ۖ لَوْلَا أَن مَّنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا ۖ وَيْكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ ‎[القَصص: 82]


39- الأداة (ما) التعجّبيّة، قد تأتي بمعنى (التهويل) أو (التعظيم)، وليس للتعجّب:
أُولَٰئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَىٰ وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ ۚ فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ [البقرة: 175]


40- أسماء الإشارة (ذانِكَ، ذلكم، تلكم، ذلكما، تلكما، أولئكم)، قد ترتبط هذه الأسماء في القرآن بضمائر تعود إلى من تخاطبهم:
فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِن رَّبِّكَ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ ۚ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ ‎[القصص: 32]
ذَٰلِكُمْ أَزْكَىٰ لَكُمْ وَأَطْهَرُ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ‎[البقرة: 232]
وَنُودُوا أَن تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ‎[الأعراف: 43]
ذَٰلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي [يوسف: 37]
وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ ‎[الأعراف: 22]
وَأُولَٰئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُّبِينًا ‎[النساء: 91]


وإزاء هذا العدد الكبير من الاستخدامات الجديدة للأدوات، أرى أنّ من الإنصاف حين نتعامل مع مثلها، وهي تؤدّي مهامّها الجديدة في مناصبها الجديدة، أن نختار لها أسماءً مختلفةً عن أسمائها الأصليّة، بحيث تتناسب مع معانيها المستحدثة، كما سنفصّل القول لاحقاً حين نخوض في البحث عن المعاني القرآنيّة الجديدة للأداة (كلّا)، والتي تتوّع بين (تحويلٍ) و (زجرٍ) و (إنكار)، أو ربّما لمعاني أدواتٍ أخرى غيرها أيضاً.


وقع اللغة الجديدة في أذن العربيّ الأوّل:
ولنستحضر بآذاننا معاً وقْع هذه اللغة القرآنيّة الجديدة في نفوس من سمعوها لأوّل مرّةٍ، وذلك من خلال أذن واحدٍ من أهمّ المرجعيّات اللغويّة أيّام النبيّ ﷺ، وهو يستمع منه لأوّل مرّةٍ إلى آياتٍ كريمةٍ من سورة (فُصّلت):
- عن جابرِ بنِ عبدِ اللهِ قال: "اجتَمَعَتْ قُرَيشُ للنَّبيِّ ﷺ – أي ليبحثوا أمرَهم معه – يوماً، فقالوا: انْظُروا أعلَمَكم بالسِّحرِ والكِهانةِ والشِّعرِ، فلْيَأْتِ هذا الرَّجُلَ الذي قد فرَّق جماعتَنا، وشتَّت أمرَنا، وعابَ دينَنا، فلْيُكلِّمْه، ولْينظُرْ ما يَرُدُّ عليه. قالوا: ما نعلَمُ أحداً غيرَ عُتبةَ بنِ ربيعةَ. قالوا: أنتَ يا أبا الوليدِ – أي اذهبْ إليه يا عُتبة –. فأتاهُ عُتبةُ فقال: يا مُحمَّد، أنتَ خيرٌ أمْ عبدُ اللهِ – يَقصِد والدَ النبيّ ﷺ –؟ فسَكَتَ رسولُ الله، ثمّ قال: أنتَ خيرٌ أمْ عبدُ المطَّلِبِ – جدُّه –؟ فسَكَتَ رسولُ اللهِ ﷺ. قال: فإنْ كُنتَ تزعُمُ أنَّ هؤلاء خيرٌ منكَ، فقد عَبَدوا الآلهةَ التي عِبتَ، وإنْ كُنتَ تزعُمُ أنَّك خيرٌ منهم، فتكلَّمْ حتّى نسمَعَ قولَك، إنَّا واللهِ ما رأيْنا سَخْلَةً – وهي ولدُ الشاة – قطُّ أشْأَمَ على قَومِكَ مِنكَ: فرَّقتَ جماعتَنا، وشَتَّتَّ أمرَنا، وعِبْتَ دِينَنا، ففَضَحْتَنا في العربِ، حتى لقد طارَ فيهم – أي انتشر – أنَّ في قُرَيشَ ساحِراً، وأنَّ في قُرَيشَ كاهِناً، واللهِ ما ننتظِرُ إلَّا مِثلَ صَيحةِ الحُبلى بأنْ يقومَ بعضُنا إلى بعضٍ بالسُّيوفِ حتّى نتفانى! أيُّها الرَّجُل، إنْ كان إنَّما بكَ الحاجةُ؛ جَمَعْنا حتّى تكونَ أغنى قُرَيشَ رَجُلاً! وإنْ كان إنَّما بك الباءَةُ – أي الحاجة إلى الزواج وتأسيس بيتٍ – فاختَرْ أيَّ نِساءِ قُرَيشَ شِئتَ، فنُزوِّجُك عَشْراً!
قال له رسولُ اللهِ: أفَرَغتَ؟ قال: نَعَمْ. قال: فقال رسولُ اللهِ ﷺ: بسم ِاللهِ الرحمنِ الرحيمِ {حم. تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} حتّى بَلَغَ: {فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ} [فًصِّلت: 1 - 13]. فقال عُتبةُ: حسْبُكَ حسْبُكَ، ما عندَك غيرُ هذا؟ قال: لا. فرَجَعَ إلى قُرَيش، فقالوا: ما وراءَك؟ قال: ما تَرَكتُ شيئاً أرى أنَّكم تُكلِّمونَه به إلَّا كَلَّمتُه! قالوا: هل أجابَك؟ قال: نَعَمْ، والذي نَصَبَها بَنِيَّةً – يُقسمُ بربِّ الكعبة – ما فَهِمتُ شيئاً ممَّا قال غيرَ أنَّه قال: {أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَقالوا: ويْلَك! يُكلِّمُك رَجُلٌ بالعربيّةِ لا تَدري ما قال! قال: لا واللهِ، ما فَهِمتُ شيئاً ممّا قال غيرَ ذِكر ِالصاعقةِ". [رواه محمّد بن إبراهيم الوزير، وحسّنه شعيب الأرناؤوط في تخريج العواصم والقواصم]


وحتّى أوضّح للقارئ ما يمكن أن يَخفى عليه من سرّ "ارتباك" عتبة أمام النصّ القرآنيّ، وعدم استيعابه لما سمعه منه، أنقل إليكم جزءاً من تعليقي على هذا الحديث في كتاب (المعجزة):


"هكذا كان شأن ذلك البليغ العربيّ مع النسيج اللغويّ القرآنيّ الجديد. إنّه لم يفهم ما تُلي عليه؛ ليس لأنّ لغة القرآن غير عربيّةٍ أو ليست مفهومة، بل لأنّ عقله كان لا يستطيع أن يستوعب في وقتٍ واحدٍ القدرة على التقاط معاني ما يسمع، وهي معانٍ جديدةٌ، ومختلفةٌ، وغريبةٌ كلّياً عليه أيضاً، جنباً إلى جنبٍ مع القدرة على تلقّي الصدمات المتلاحقة للّغة الجديدة، وألفاظها، وتراكيبها، ونسيجها، وبنائها، وسبائكها التي تختلف عن كلّ ما عَرَف من قبل. فإمّا أن يستوعب هذه وإمّا أن يستوعب تلك، شأنه شأن حارس المرمى الذي لا يستطيع أن يصدّ في مرماه كُرتين في وقتٍ معاً.


لقد علقت بذهنه آخر عبارةٍ فقط من الآيات، وهي وحدها التي أدرك معناها، إذ كان لديه الوقت الكافي، وقد توقّفت الصدمات اللغوية مع انتهاء قراءة الآيات، ليلتقط أنفاسه، ويستوعب هذا المعنى، ويتبيّنه، ويتمعّن فيه، وهو في طريق عودته إلى قومه من عند رسول الله".(3)


ولنا أن نقدّر موقف أولئك العرب الأوائل الذين تلقّوا الصدمة اللغويّة الأولى للقرآن الكريم حين استقبلته آذانهم للمرّة الأولى؛ لو استحضرنا مع تلك الصدمة صدمةً أسلوبيّةً أخرى لم يتعاملوا معها من قبل، وهي ما اتصّف به العديد من الآيات القرآنيّة، من خطابٍ إلهيٍّ عالٍ، يصعب، بل لنقل يستحيل، أن يصدر مثله عن إنسان، لما يصطبغ به من تفوّقٍ وخصوصيّةٍ وشموليّةٍ غير معهودةٍ في الخطاب البشريّ، ويجعلك تشعر أنّه يصدر عن كامل العزّة، والعلوّ، والقوّة، والقدرة، والهيمنة، وعن مطلق الثقة بامتلاك مقدّرات كلّ شيءٍ في هذا الكون. كما يمكن أن نشعر نحن الآن لو استحضرنا، على سبيل المثال، تلك الأصداء التي كان سيستثيرها لدى العربيّ الأوّل سماعه لمثل هذه الآيات:
- إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَن تَزُولَا ۚ وَلَئِن زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِّن بَعْدِهِ ۚ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا ‎[فاطر: 41]
- إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ‏ [مريم: 40]
- قَالَ كَذَٰلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا ۖ وَكَذَٰلِكَ الْيَوْمَ تُنسَىٰ‏ [طه: 126]
- وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ ‎﴿١٦﴾‏ لَوْ أَرَدْنَا أَن نَّتَّخِذَ لَهْوًا لَّاتَّخَذْنَاهُ مِن لَّدُنَّا إِن كُنَّا فَاعِلِينَ ‎﴿١٧﴾‏ بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ ۚ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ ‎﴿١٨﴾ [الأنبياء: 16-18]
- يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ ۚ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ ۚ وَعْدًا عَلَيْنَا ۚ إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ [الأنبياء: 104]
- وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن سُلَالَةٍ مِّن طِينٍ ‎﴿١٢﴾‏ ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ ‎﴿١٣﴾‏ ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ ۚ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ ‎﴿١٤﴾‏ ثُمَّ إِنَّكُم بَعْدَ ذَٰلِكَ لَمَيِّتُونَ ‎﴿١٥﴾‏ ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ ‎﴿١٦﴾ [المؤمنون: 12-16]

* * *


أخيراً، إنّ من حقّنا، ونحن نستحضر هذه الحقائق اللغويّة القرآنيّة، أن نتساءل:


1- أليس من الموضوعيّة العلميّة أن تُدْرس مثل هذه النصوص القرآنيّة دراسةً علميّةً معمّقةً للوصول إلى نتائج مخبريّةٍ مؤكَّدةٍ بخصوص إمكانيّة، أو عدم إمكانيّة، صدور مثلها، مجتمعةً، عن مصدرٍ بشريٍّ أرضيّ، أيّاً كانت قوّة هذا المصدر؟


2- لو وضعنا أنفسنا مكان عُتبة بن ربيعة وكأنّنا، شأنه تماماً، نسمع تلك الآيات القرآنيّة لأوّل مرّةٍ يتلوها علينا رسول الله ﷺ، فهل سيكون لدينا القدرة البشريّة الكافية على تلقّي تلك الصدمة اللغويّة، بكلّ مقوّماتها الجديدة علينا، واستكناه عناصر جدّتها وإبداعها وتفوّقها، في الوقت نفسه الذي نستطيع أن نتفرّغ معه لاستيعاب معانيها، وفهم صورها، وإدراك مراميها وأحكامها السماويّة الجديدة؟


3- كيف سيكون صدى هذه اللغة في نفوسنا، ونحن نسمعها فجأةً من بشرٍ، هو محمّدٌ ﷺ، عاش معنا كأيّ بشرٍ آخر على مدى عشرات السنين، وتكلّم معنا وأمامنا بلغة البشر، ثمّ نفاجأ اليوم وهو يحدّثنا بلغةٍ عربيّةٍ مختلفةٍ، أبعد ما تكون عن سمات لغتنا البشريّة؟


4- كيف تمرّ على نزول القرآن كلّ هذه القرون؛ من غير أن ينجح أيٌّ ممّن عرفتهم اللغة العربيّة، من أدباء، وشعراء، ومفكّرين، مسلمين أو غير مسلمين، أن يأتوا بلغةٍ كلغته، رغم كلّ التحدّيات التي تحدّاهم بها مراراً وتكراراً؟!


هوامش:
(1) الإتقان في علوم القرآن. جلال الدين السيوطي. تحقيق محمد سالم هاشم. دار الكتب العلميّة. بيروت: 2003. ج2، ص: 238.
(2) نفسه. ج2، ص: 108.
(3) "المعجزة، إعادة قراءة الإعجاز اللغويّ في القرآن الكريم. ج1. ص: 35. مصدر سابق.


بقلم: أحمد بسام ساعي

تنويه:

جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين

مقالات ذات صلة

من مواعظ الإمام سفيان الثوري
الاثنين، ١ ربيع الأول ١٤٣١ هـ - ١٥ شباط ٢٠١٠من مواعظ الإمام سفيان الثوري
اختيار الشيح  صالح الشامي 1- أصلحْ سَرِيْرَتَك يصلح اللهُ علانيتَك، وأصلح فيما...
واقع الأمة وحتمية الدعوة إلى الله تعالى
الاثنين، ١ ربيع الأول ١٤٣١ هـ - ١٥ شباط ٢٠١٠واقع الأمة وحتمية الدعوة إلى الله تعالى
 بقلم: د/ عامر حسين أبو سلامةإن الناظر في واقع هذه الأُمة، يجدها منفصلةـ في كثير من ا...
الكلام الطيب طريق الدعاة إلى القلوب
الاثنين، ١ ربيع الأول ١٤٣١ هـ - ١٥ شباط ٢٠١٠الكلام الطيب طريق الدعاة إلى القلوب
الأستاذ : أبو معاذ جاهوش أفضل سبيل لتحقيق هدف المتكلم - متحدثاً كان ، أو محاضراً ، خط...