صفحات من كتاب (إدارة التلاوة.. أعد اكتشاف علاقتك مع القرآن الكريم) (1)

صفحات من كتاب (إدارة التلاوة.. أعد اكتشاف علاقتك مع القرآن الكريم) (1)

التصنيف: فقه الدعوة
الجمعة، ١٢ شعبان ١٤٤٧ هـ - ٣٠ كانون الثاني ٢٠٢٦
102

الإهداء

إلى الله




بسم الله الرحمن الرحيم


{أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ ۚ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا} [النساء: 82]



لماذا هذا الكتاب؟

ومن قال إنّ تلاوة كتاب الله تعالى وتدبّره لا يحتاجان إلى إدارةٍ حكيمةٍ تعيننا على استثمارهما في التجارة مع الله، وبأكمل وجهٍ يمكن أن يوصلنا إلى الله، وإلى الفوز بالجائزة الموعودة الكبرى؟


من الطبيعيّ لمن أدركته الثمانون مثلي، وقد بات قاب قوسين أو أدنى من بوّابة الآخرة، أن ينفي عن نفسه التردّد والحرج من أن يرفع صوته عالياً ليكشف ما يتوصّل إليه يوماً بعد يومٍ من الحقائق العلميّة التي تمسّ صلب عقيدته، وأن يتنامى في داخله الشعور بالمسؤولية التي ألقاها الله على عباده، كلّ عباده، فيبادر للتنبيه إلى ما يراه من خطأ أو اعوجاج، ولا سيّما إذا غدا هذا الاعوجاج في نظر كثيرٍ من المسلمين بمثابة الخطّ المستقيم والثابت الذي لا ينبغي لأحدٍ أن يخالفه أو يخرج عنه!


وهل هناك ما هو أَولى من هذه الرسالة القرآنيّة العظيمة، والحوار اليوميّ مع الله، والتفاعل مع كلماته، وتدبّر آياته، بأن نسلّط عليه الضوء، فنصحّح ما اعوجّ من طرقنا إليه، ونسدّد مواقع خطواتنا التي تسعى للاستضاءة بهديه، والإمساك بأسرار كتابه، والتفكّر بما وراء أسطر كلماته من خفايا حجبتها عن عقولنا الألفة والاعتياد والتكرار؟


حين نتلو آيات الله؛ فنحن إنّما نتبادل الحوار من خلالها مع من أوحى بها إلى نبيّه ﷺ ليبلّغنا رسالته، فنتفكّر بها، ونتّبعها، ونتّخذها دليلاً لتحقيق أعظم ما نطمح إليه من مكاسب هذه الدنيا، ومن بعدها مكاسب الآخرة، ونحن نعايش يوميّاً هذا المشروع التجاريّ الكبير مع الله.


أوليست عباداتنا، وأعمالنا، وجهادنا، وبرّنا، وإحساننا، وعلاقاتنا السليمة مع الآخرين، وكلّ ما نقدّمه في هذه الحياة لدنيانا وآخرتنا، تجارةً مع الله؟


إنّ فهمنا وتدبّرنا واكتشافنا لآفاق كتاب الله وأسرار آياته، وهي هدفنا الأوّل من هذا البحث، لن تكون مكتملةً إن لم تكن مفهوماتنا لكلّ الأطر التي تحيط بالقرآن الكريم مصانةً وسليمةً من التشوّهات والانحرافات التي قد تلابس تعامل المسلمين مع كتاب الله.


ويأتي على رأس تلك الأخطاء التي نشفق على أنفسنا من الوقوع فيها، فتبعدنا عن كتاب الله تعالى، في الوقت الذي نظنّ فيه، وبثقةٍ كبيرة، أنّها تقرّبنا منه، اختلاط الأمور علينا فيما يخصّ الأطر والمفهومات التي تحيط بالقرآن الكريم، ووقوعُ الكثيرين منّا في الخلط بين ما هو سماويٌّ (توقيفيٌّ) حقّاً، وبين ما هو أرضيٌّ (توفيقيّ).


كان هذا النوع من الخلط منفذاً خطيراً للانحرافات التي نالت من حصانة الشرائع السابقة، حين تَداخَل ما جاء به البشر، من أقوالٍ وأفكارٍ ومعتقداتٍ وآراءٍ مستجدّة، مع ما نزلت به كتب السماء، تداخلاً ما زال يتنامى مع الزمن، حتّى انتهى الأمر بتلك الشرائع إلى طوفانٍ من الانحرافات التوحيديّة الخطيرة التي تسرّبت إليها، ونالت مِن أُسُسها، وهيمنت على كتبها وعقيدة أبنائها.


وكان لا بدّ للمسلم، في سبيل أن يسلك مسلكاً آمناً لعقيدته مع كتاب الله، ولتحقيق النتائج المرجوّة من تلاوته بالشكل الآمن والصحيح، والوصولِ إلى إدارةٍ استثماريّةٍ رابحةٍ وسليمةٍ لهذه التلاوة، من أن ينتزع نفسه من مقعده، ويجلس في مقعد العربيّ الأوّل حين كان يسمع كلمات الوحي طازجةً دافئةً وقد نزلت لتوّها على نبيّه ﷺ، فيتساءل فيما بينه وبين نفسه:


تُرى، كيف تلقّى ذلك العربيّ كلمات الله لأوّل مرّة؟ وكيف قرّر أن يعترف بذلك الرجل الأمّي الذي نزل عليه الوحي فجأةً دون كلّ الآخرين، فحمل إليه كتاباً جاء باللغة العربيّة، ولم يعرف العربُ قبله كتاباً كُتب بهذه اللغة؟


وكيف كان لهذا الرجل الأمّيّ الذي حمل إليهم رسالة السماء؛ أن يحيط بكلّ ما جاء به هذا الكتاب من حقائق وعلومٍ كثيرةٍ ومتنوّعةٍ، لم يعرفها، فضلاً عن أن يكتب فيها، حتّى كبار المثقّفين في أرضه، بلهَ مثقّفي عصره في مختلف أصقاع المعمورة؟


كيف استطاع ذلك العربيّ الأوّل، وفي تلك المرحلة الانتقاليّة التجريبيّة الصعبة، أن يعصم نفسه من الانزلاق إلى هاوية الخلط بين ما هو سماويٌّ وما هو أرضيٌّ في فهمه لهذه الحقائق: كيف استطاع أن يفهم فكرة الأصل السماويّ لهذا الكتاب، طريقةَ تنزّله من السماء، جوانب إعجازه، لغته الجديدة، نَسْخ بعض آياته أو سوَره من الصدور، ترتيبه، طريقة تلاوته، نطقه، إملاءه، التغنّي به، توثيقه، تفسيره، تدبّره، تطبيقه، طريقة التعامل معه..


هل (كتاب الله) هو المصحف بطبعاته الكثيرة، وبورقه المميّز، وبإخراجه الأنيق، وبصفحاته المزيّنة بأجمل الأُطر والرسوم والأشكال، وبغلافه المُذْهب والمتقن، وببيته الحريريّ المزخرف الذي نعلّقه به على جدران منازلنا، ومخطوطاً بالرسم العثمانيّ البكر والدقيق، وبخطّ عثمان طه الجميل، وبعلامات الوقف المُحكمة والدقيقة فوق حروفه أو نهاية كلماته، ومردَّداً بأعذب أصوات المقرئين والمرتّلين، وملتزماً أتمّ الالتزام بقواعد التجويد الدقيقة الصارمة التي تلاحقنا وتراقب لساننا في تلاوة كلّ آيةٍ، وفي لفظ كلّ كلمةٍ وكلّ حرف، فإذا تطاولنا وجرّدناه من هذه الصفات، أو من بعضها، لم يعد قرآناً؟


أين القرآن من كلّ ذلك؟ أين ما جاء من عند الله تحت هذا الاسم المميّز: "القرآن"، وأين ما أضفناه نحن المسلمين إليه، حرصاً منّا على تكريمه، وتحسينه، وتحصينه، وتجويده، وتسهيله على القارئين، وضماناً لإيصاله إلى الأجيال التي بعدنا في أجمل صورة، وأسهل مورد، وأقرب مأخذ، وأعذب قراءة، أصبنا في تلك الإضافات البشريّة أم أخطأنا؟


ماذا لو حدث أن عدنا يوماً إلى تلك الصحائف البكر التي خُطّت عليها آيات القرآن الكريم عقب نزوله، أو إلى نُسخة عثمان بن عفّان الأولى، وقد حُفظت لنا بفضل الله إلى أيّامنا هذه، فنراها في صورتها الأولى كما كانت، مجرّدةً من كلّ هذه "التحسينات" و "التسهيلات" و "التجويدات" اللاحقة؟


ماذا لو استحضرنا الانعكاسات الأولى لآيات الله تعالى في نفوس العرب الأوائل، عندما لامست هذه الآيات أسماعَهم لأوّل مرّةٍ وهم يتلقّونها من لسان أوّل نبيٍّ يرونه أمامهم رأي العين، ويعايشهم، ويتحدّثون إليه ويتحدّث إليهم، والذي لن يلبثوا أن يكتشفوا، أيضاً، أنّه آخر نبيٍّ سوف يعرفه العالم على وجه هذه الأرض؟


هذا البحث الذي بين أيديكم، على ما فيه من ضعفٍ بشريٍّ لا يخلو منه إنسان، هو محاولةٌ جادّةٌ، ما أمكن، لاستحضار الصورة السماويّة للقرآن الكريم تماماً كما تلقّاها المسلمون الأوائل من لسان نبيّهم لأوّل مرّة، بحيث يساعدنا هذا الاستحضار على الإمساك بتلك الصورة البكر، فنتلقّى كتاب الله، ونتلوه، ونتدبّره، تماماً كما تلقّاه وتلاه وتدبّره العربيّ الأوّل، من غير أيّ تدخّل بشريٍّ مضافٍ من شأنه أن يعكّر صفاء تلك اللحظة القدسيّة النادرة.


سنسلّط عدستنا الفاحصة على الإملاء القرآنيّ كما وصلنا في نسخة عثمان: هل كان هذا الإملاء اجتهاداً بشريّاً من كتَبَة القرآن آنذاك؟ أم كان وحياً تنزّل من السماء؛ فيختلف إملاء الكلمة تبعاً لاختلاف معناها، فتُكتب التاء، مثلاً، إذا انتهت بها الكلمة منغلقةً في هذه الآية، وتُكتب منفتحةً في تلك الآية؟


وسنسلّط العدسة على علامات الوقف كما هي مثبتةٌ في المصحف الآن: هل كانت مجرّد اقتراحٍ بشريٍّ ارتآه بعضهم قبل قرونٍ قليلةٍ ليس أكثر؟ أم إنّها أضحت الشكل الثابت والنهائيّ لقراءتنا لكتاب الله تعالى، ليس لنا أن نتراجع عنه، أو نعدّله، أو نلغيه؟


وسنسلّطها على قواعد التجويد، تلك التي نتعلّمها ونعلّمها لأبنائنا بشكلٍ صارمٍ ودقيقٍ ومحكمٍ: هل هي حقّاً توقيفيّةٌ من السماء؟ وهل قرأ بها رسول الله ﷺ حقّاً، تماماً كما نتعلّمها اليوم؟ أم هي مجرّد اجتهادٍ و "تجويدٍ" بشريٍّ شخصيٍّ، أريد به تحسين قراءتنا، أو بالأحرى "تجويد" هذه القراءة، كما يمكن أن يُفهم من اسمها؟

* * *


وتتوزّع دراستنا، بعد هذه المحاكمات الهامّة والأساسيّة، بين سبعة أنواعٍ من التلاوات تمثّل الدرجات والأغراض المختلفة لطرائق قراءتنا للقرآن الكريم، فندرس طبيعة كلّ نوعٍ من هذه الأنواع، ونوضّح دوره ومكانته في علاقتنا مع كتاب الله وتواصلنا معه، وأثر كلّ ذلك، حاليّاً ومستقبلاً، في تأمين مسيرة حياتنا الدنيا، وفي إقامة موازيننا الرابحة في الآخرة.


وهذه التلاوات السبع هي: التلاوة اللفظيّة، والتلاوة الاستظهاريّة، والتلاوة التفسيريّة، والتلاوة التفاعليّة، والتلاوة الثقافيّة، والتلاوة التدبّريّة أو الاستحضاريّة، والتلاوة التطبيقيّة.


وقد أولينا موضوع "التغنّي بالقرآن" بعد ذلك عنايةً خاصّةً، وكذلك آداب التعامل مع القرآن الكريم، وآداب تلاوته. ثمّ ختمنا الدراسة بتصنيف السور والآيات في مجموعاتٍ تتدرّج تبعاً للأعمار التي تناسبها من أبنائنا، لنضعها بين أيدي المعلّمين، فيختاروا السور والآيات المناسبة لكلّ مرحلةٍ من مراحل المتعلّمين.


ولا أملك في النهاية إلّا أن أطأطئ رأسي إلى الله، معتذراً من نقصي ومن خطئي ومن ضعفي البشريّ وأنا أدرس كتابه الكريم. فكيف لمن يتعامل مع كلماته تعالى أن يأمن على نفسه من النقص والعثرات والأخطاء، مهما كان حريصاً في بحثه على إعمال عقله وعدالته وتفكيره الموضوعيّ، ومهما كان متمسّكاً بالمنهج العلميّ الرصين الذي يحاول به ما استطاع ألّا يسمح بأيّة ثغراتٍ فكريّةٍ يمكن أن تتسرّب إلى بحثه، ممّا يمكن أن يختلف عليه اثنان؟


لنبدأ، إذن، هذه الرحلة الممتعة، والرائدة، لإعادة اكتشاف القرآن الكريم، ولإزاحة كلّ الحُجُب أمامنا، وإزالة كلّ العثرات من طريقنا، للعبور إلى الله، ونحن نستمع لحديثه إلينا من خلال كتابه الحكيم.


بقلم: أحمد بسام ساعي

تنويه:

جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين

مقالات ذات صلة

من مواعظ الإمام سفيان الثوري
الاثنين، ١ ربيع الأول ١٤٣١ هـ - ١٥ شباط ٢٠١٠من مواعظ الإمام سفيان الثوري
اختيار الشيح  صالح الشامي 1- أصلحْ سَرِيْرَتَك يصلح اللهُ علانيتَك، وأصلح فيما...
واقع الأمة وحتمية الدعوة إلى الله تعالى
الاثنين، ١ ربيع الأول ١٤٣١ هـ - ١٥ شباط ٢٠١٠واقع الأمة وحتمية الدعوة إلى الله تعالى
 بقلم: د/ عامر حسين أبو سلامةإن الناظر في واقع هذه الأُمة، يجدها منفصلةـ في كثير من ا...
الكلام الطيب طريق الدعاة إلى القلوب
الاثنين، ١ ربيع الأول ١٤٣١ هـ - ١٥ شباط ٢٠١٠الكلام الطيب طريق الدعاة إلى القلوب
الأستاذ : أبو معاذ جاهوش أفضل سبيل لتحقيق هدف المتكلم - متحدثاً كان ، أو محاضراً ، خط...