تبلور التبادل الموسيقي بين العدوتين، خاصة في العهد المريني بين غرناطة وفاس – يقول الأستاذ عبد العزيز ابن عبد الله رحمه الله - وإن كانت إشبيلية قد قامت قبل ذلك بدور هام عندما كانت مركزاً للفنون. وقد ترعرعت الآلة بجميع طبوعها خلال هذا العصر حتى كان للجيش المريني نفسه في عهد أبي عنان موسيقاه الخاصة به؛ كما كان للأسطول موسيقاه، وهي عادة استمرت إلى اليوم، بحيث يتفنن الجوق الملكي في ألوان الآلة الأندلسية. وبلغ الاعتناء بهذا الفن مبلغاً أصبح معه للموسيقار مكانة كبيرة في المجتمع.
وكان أحمد المنصور الذهبي يجلب إلى مراكش أرباب الموسيقى وأصحاب الأغاني من أهل فاس، وكانوا قد وجدوا علي المنصور على سبيل العادة. فأخرج بعضهم ـ والقاضي أبو مالك عبد الواحد الحميدي حاضر ـ بشبابة من الإبريز مرصعة أعطاه إياها المنصور، وبعضهم قال: "أعطاني كذا وكذا"...فقال القاضي: "لئن بلغتُ فاساً؛ لأردن أولادي إلى صنعة الموسيقى؛ فإن صنعة العلم كاسدة. ولولا أن الموسيقى هي العلم العزيز؛ ما رجعنا مخففين ورجع المغني بشبابة الإبريز".
ومعلوم أن مستشفى سيدي فرج بفاس كان يعالج الأمراض العصبية بالموسيقى. وقد تبنى علماء كل من فاس ورباط الفتح هذا الفن، فأطلقوا على ما اخترع من طبوعه كلمة "مدرج". وهي من مصطلحات علم الحديث النبوي الشريف كما يقول شاعر المحدثين الحافظ العراقي:
ومدرج الحديث ما ألحق في أوله أو وسط أو طرف
وقد بلغ عدد الموازين في الأندلس أربعة، أضاف إليها المغاربة ميزانا خامسا هو الدرج. سمي بذلك، لأنه مدرج بين الموازين وهو خاص بالآلة الإشبيلية لا يوجد في المألوف التونسي ولا الغرناطي الجزائري، في حين أن الموازين الأخرى هي البسيط والقائم ونصف والبطايحي والقدام. ويضبط كل ميزان بما يدعى التوساد، أي الضرب بالآلة المسماة الطر أو باليدين، الراحة على الراحة
وقد امتاز المغرب بطبوع خاصة مثل الحصار الذي اعترف"المعجم الوسيط لمجمع القاهرة" بطابعه المغربي وكذلك البسيط وهو المسمى عند المشارقة "المحجر" وبطبع الاستهلال الذي اخترعه الحاج علال البطل في العهد السعدي، حسب كتاب في الفن لمؤلف مجهول في المكتبة الوطنية بمدريد عدد 5307. وحتى الملحون عرف طبعا فريدا هو: "السماوية" التي تغنى بصوت منخفض يتصاعد تدريجيا إلى السماء.
ومن الآلات العربية التي اتسمت بطابع مغربي خاص الربابRebec، وهو ذو وترين اثنين يعزف عليهما بمنهج دقيق جسا بأصابع اليد اليسرى. وقد مهر فيه الشيخ البريهي بفاس وربيبه عبد الكريم الرايس.
ـ علي بن محمد بن عبد الواحد الزجلي الفاسي. له "أغاني الصيكا"، وهي ألحان ما زالت موجودة في إسبانيا إلى الآن.
ـ عبد الرحمن بن عبد القادر بن علي بن يوسف الفاسي (1096 هـ/ 1685 م). له: "المجموع في علم الموسيقى والطبوع" (رجز) (برلى 5521). وقد تحدث في كتابه "الأقنوم" عن الطب بالألحان (في ثمانية أبيات).
ـ الحاج علال البطلة الفاسي، من رجال الموسيقى في عهد السلطان السعدي محمد الشيخ. وهو مستنبط طبع الاستهلال حسب كتاب في الغناء لمؤلف مجهول في المكتبة الوطنية بمدريد، عدد 5307.
- محمد العابد بن أحمد ابن سودة المري الأندلسي: "استنزال الرحمات بالطبع والنغمات أو بإنشاد بردة المديح بالنغمات". و: "الآلة وأطباعها ونغماتها، وتاريخ دخولها إلى المغرب، وشرح مصطلحات الموسيقى"، مجلد وسط، فرغ منه سنة 1325 هـ/ 1907 م.
- محمد الغالي بن المكي ابن سليمان الغرناطي الأندلسي؛ له: "الجواهر الحسان في نغم الألحان". يقع في كراستين.
وقد نشأ بعض الموسيقيين في العهد العلوي في أحضان الزوايا الصوفية كزاويتي الحراق وابن الريسوني بتطوان والزاوية الوزانية بفروعها في عواصم كبرى كفاس وطنجة. ولم يكن علماء فاس ينكرون المويسقى الأندلسية، بل يعتبرونها من الحضارة وكمال الهيئة، وبلغ من شيخ الإسلام جعفر بن إدريس الكتاني ت1323هـ/ 1903م، أن ألف في إباحتها كتابا طبع في مجلدين، بعنوان: "مواهب الأرب، المبرئة من الجرب، في السماع وآلات الطرب"، رد فيه على الفقيه محمد بن المدني جنون الذي قال بتحريمها.
وقد برز في عهد المولى سليمان (ت1238هـ) عازف مسمع؛ هو: الشيخ الجابري الذي كان يطرب بحضور شيخ الجماعة بجامع القرويين العلامة حمدون ابن لحاج السلمي، والعارف بالله شيخ الطريقة التجانية؛ سيدي أحمد التجاني. وقد مدحه الشيخ حمدون بلحاج بقوله:
إن السماع لمقلة: إنسانها في الجابري: جبر القلوب بقوسه فاعجب لقوس جابري!
وهناك مجالات عدة أثر فيها الأندلسيون الواردون على فاس، من حيث الزراعة، والغراسة، والنسج، والدباغة، والحياكة، والصاغة، والتجارة...وغير ذلك من علامات الحضارة، التي جعلوا بصماتهم واضحة فيها، بحيث اختصت عائلات في كل من تلك المجالات؛ كأمثال عائلات برادة، وابن زاكور، والدويب، والزريعي، والسراج، والشراط، والشرفي، وصفيرة، واللبار...وغيرهم، واستقصاء جهود هذه الأسر، والأعمالها في تلك المجالات يحتاج إلى دراسة ميدانية وأكاديمية موسعة ودقيقة، وإني أرى هذه المسؤولية ملقاة على عاتق الدارسين، خاصة في المجالات التاريخية، قبل أن يفوت الأوان، وتضيع آثار تلك البيوتات، نظرا لضياع الذاكرة الجماعية، وانتقال سكان فاس منها إلى غيرها من المدن والمناطق..
يعتبر القاضي عبد السلام التسولي في "جواباته عن أسئلة الأمير عبد القادر الجزائري"، المطبوعة بدار الغرب، أن جميع يهود المغرب إنما هم من ذوي أصول أندلسية، إذ بعد دولة الأدارسة أولا، ثم الموحدين ثانيا، لم يبق في المغرب غير الديانة الإسلامية. غير أنه ما من شك كان هناك وجود يهودي في المغرب في الدولة المرينية، واستمر إلى سقوط الأندلس، حيث وفدت الآلاف من اليهود إلى المغرب كمعاهدين يلتزمون بقيم المواطنة، ويلتزم المغرب بحمايتهم وحماية حقوقهم، وكانوا يختلفون اختلافا كبيرا عن سابقيهم من ساكنة المغرب من اليهود.
وهم بمجيئهم؛ جلبوا معهم – أيضا – حضارتهم اليهودية وما يتعلق بها من فلسفة وعلوم، كما جلبوا معهم فنون التجارة والصاغة، والحياكة والبناء والنقش...وغير ذلك من الفنون التي عرف بها يهود الأندلس وأتقنوها، وربما اتكل عليهم ساكنة فاس من المسلمين فيها.
ويذكر جون ليفي في مقاله "صلاة الفاسيين: كنيس استثنائي"، المنشور بمجلة زمان العدد 3 ص76، أنه مع حلول سنة 1492م حل بالمغرب عدد كبير من اللاجئين اليهود الذين تعرضوا للطرد من الأندلس، حاملين معهم حاخاماتهم وعاداتهم ولغتهم (القشتالية)، وتقنياتهم الحديثة، بل يذكر أنه: شرعت مطبعة عبرية في الاشتغال في فاس منذ الربع الأول من القرن الخامس عشر!. فتكون فاس بهذا استقبلت "المطبعة" في تاريخ متقدم جدا بالنسبة لأوروبا وللمشرق الإسلامي.
يقول: كان عدد هؤلاء كبيرا، وسرعان ما صاروا يشكلون أغلبية الجالية اليهودية، كانت طقوسهم وتلاوات صلاتهم وأفكارهم تختلف عن نظيرتها الجاري بها العمل لدى يهود فاس القدامى، وعلى امتداد قرن تقريبا، ظلت جاليتان يهوديتان تتعايشان في فاس: جالية يهودية "رومية" أو "عجمية"، أو "ميغوراشيم" Megorashim (وهي كلمة عبرية تعني: اللاجئين، استخدمت لوصف يهود شبه الجزيرة الإيبيرية الذين حلوا بشمال إفريقيا بعد طردهم من الأندلس)، في مقابل جالية البلديين، أو الفاسيين، بماضيهم وطقوسهم التي يفتخرون بها، كانت جالية تتوفر على أماكن للصلاة، وعلى رأسها: "الكنيس الكبير"، مع الوقت بدأت هذه الاختلافات في الاندثار، بالتوازي مع اندماج الجاليتين، أصبحت لغة الملاح هي اللغة العربية، بلكنتها المعروفة لدى يهود المغرب التي يتكلم بها البلْديون، في المقابل صارت الطقوس السفردية – أي: طقوس الجالية القشتالية – هي المهيمنة...
كما أن استقرار يهود الأندلس في فاس، تسبب في اندماج سريع بين "الموريسكيين اليهود" وبين المضيف المسلم، ما تسبب في تماهي وتآخي متبادل، نتج عنه دخول العديد من الأسر اليهودية للديانة الإسلامية، خاصة في القرنين السابع عشر والثامن عشر، فتجد أسرا بعضها مسلمون وبعضها يهود؛ كأسر ابن جلون، وابن كيران، والكوهن، وميارة، وكنون، وابن زاكور، وابن زكري، وابن حيون، وابن بوجيدة...إلخ، وأصبح منهم العلماء والصلحاء، والوجهاء والزعماء في المجتمع الإسلامي.
هذا آخر ما رمت التطرق إليه في بحثي المختصر هذا، وهو يصور بشكل واضح مدى دور الأندلسيين المهاجرين والوافدين إلى مدينة فاس، في المساهمة بالنهضة الحضارية، والعلمية، والاجتماعية، والدينية بها، بشكل يجعلها تربة خصبة لدراسة المجتمع الأندلسي بدراسة تجمعاته خارج الأندلس، فقد احتفظت أسر باللهجات الأندلسية القديمة، والعادات، والطبائع، بل حتى الأخبار، كما احتفظت أسر بمفاتيح بيوتها، وبعض آثارها في بلاد الأندلس.
بل بالجلوس إلى أبناء الأسر الموريسكية؛ تشعر وأنت تسمع محنة الأندلسيين، وكيفية طردهم، وكيف تركوا في الأندلس نساءهم، وأبناءهم، وأملاكهم، وديارهم، وأحبابهم، كأن تلك المحنة إنما وقعت البارحة، وكأنك تجلس إلى مُهجَّرين مازالوا في مخيماتهم وخيامهم، ينتظرون الرجوع إلى الفردوس المفقود بكل حرقة وألم وغصة...
هذا شعور حي في قلوب هؤلاء الناس، وله دلالات مهمة جدا، ولا ريب أن أهلهم في الضفة الأخرى يشعرون – بالرغم من الحرب الشعواء ضد ذاكرتهم وماضيهم وأصولهم وحضارتهم ودينهم الإسلامي الحقيق – يشعرون نفس الشعور، ويتجرعون نفس الغصة والألم، وهو أمر يحتم علينا المزيد من البحث التاريخي، والبحث عن الهوية والآثار الإنسانية والمادية، والتوعية بذلك.
وهناك مجال مهم احتفظت به فاس أيضا، وهو مجال إنساني ذو دلالة: متمثل في "الأمثال الأندلسية"، فمن يراجع كتاب "تاريخ الأمثال والأزجال في الأندلس والمغرب" للأستاذ محمد ابن شريفة حفظه الله، وما تضمنه من نصوص محققة، إذ تضمن بحوثا ونصوصا حول الأمثال والأزجال في المغرب والأندلس، حيث يتناول دخول الأمثال العربية إلى بلاد المغرب وأثرها في نشوء الأمثال المحلية، ومصادر الأمثال المغربية والأندلسية وتطورها واستمرارها ومظاهر استعمالها وتأثيرها في غيرها، وملامح المجتمع من خلال الأمثال، والجانب اللغوي والأدبي في الأمثال الأندلسية والمغربية، ثم العامية الأندلسية والمغربية بين أمثال الزجالي وملعبة الكفيف الزرهوني، من يراجع ذلك الكتاب يرى جليا أن العقلية الأندلسية، وطريقة التفكير الأندلسية، مازالت متجسدة في مدينة فاس، متطابقة إلى حد كبير، وإن كانت أكثر محافظة وتدينا في فاس.
ويعتبر هذا البحث مدخلا لموضوع "الأثر الأندلسي في مدينة فاس"، عسى أن يتفرغ له الباحثون ليظهروا بجلاء تلك المظاهر والبصمات، فهو دعوة للجامعات والمعاهد المختصة لمزيد من البحث والتنقيب، يسر الله كل عسير...والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
-"الآلة الأندلسية" مقال للأستاذ عبد العزيز ابن عبد الله، منشور بمجلة "دعوة الحق" عدد 202.
-"إنبعاث الإسلام في الأندلس"، تأليف الدكتور علي بن المنتصر الكتاني، منشورات دار الكتب العلمية.
-"الأندلس والمغرب: وحدة أم تكامل". مقال للأستاذ عبد العزيز ابن عبد الله، منشور بمجلة التاريخ العربي، العدد2، ص65.
-"زهر الآس في بيوتات فاس"، تأليف عبد الكبير بن هاشم الكتاني، تحقيق: د. علي بن المنتصر الكتاني. منشورات مطبعة النجاح الجديدة.
-"سلوة الأنفاس، ومحادثة الأكياس، بمن أقبر من العلماء والصلحاء بمدينة فاس"، تأليف الإمام محمد بن جعفر الكتاني، تحقيق: د. محمد حمزة بن علي الكتاني، د. حمزة بن محمد الطيب الكتاني، طبعة مركز التراث الثقافي المغربي.
-"فاس عاصمة الأدارسة ورسائل أخرى". تأليف محمد المنتصر بالله الكتاني. اعتناء وتقديم: د. محمد حمزة بن علي الكتاني. منشورات مطبعة النجاح الجديدة.
-"كيف تطورت الآلة الإشبيلية والطرب الغرناطي في المهاجرات الأندلسية-المغربية". مقال للأستاذ عبد العزيز ابن عبد الله. منشور بمجلة التاريخ العربي، العدد 13، ص147.
-"مرآة المحاسن من أخبار الشيخ أبي المحاسن"، تأليف محمد العربي بن يوسف الفاسي، تحقيق: د. محمد حمزة بن علي الكتاني، منشورات دار ابن حزم ومركز التراث الثقافي المغربي.
-"نشر المثاني، لأعلام القرن الحادي عشر والثاني"، لمحمد بن الطيب القادري، تحقيق د. محمد حجي، ود. أحمد توفيق. مطبوعات دار المغرب للتأليف والترجمة والنشر.
-فوائد شفوية من أعقاب الموريسكيين والأندلسيين بمدينة فاس، خاصة الحاج جواد بن إدريس الغرناطي حفظه الله.
الحلقة الثانية هنا
جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين


