أمة مرحومة

أمة مرحومة

التصنيف: ركن العلماء والمناشط الإسلامية
الأحد، ٣٠ شوال ١٤٣٣ هـ - ١٦ أيلول ٢٠١٢
1113
عبد العظيم عرنوس

 

  نبي هذه الأمة أفضل خلق الله على الإطلاق، وأمته هي خير وأفضل الأمم ، فهي ذات تاريخٍ مجيدٍ عريق اصطفاها الله واجتباها لتكون وارثة جميع الأمم إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها ، فكان ابتلاؤها موازياً لاصطفائها واجتبائها. ولقد عُذبت هذه الأمة في تاريخها الطويل على ثباتها على دينها ومنهجها ما لم يُعذّبه أحد من قبلها، وما فتئت محاولات الأعداء على اختلاف نحلهم ومللهم مستمرةً بالعذاب الواصب لإبادتها وإنهاء وجودها وطيّ صفحة وسجل تاريخها، فيخيبُ سعيُهم ، ويبطلُ كيدهم، لأن الله قدّر لهذه الأمة البقاء إلى آخر الزمان، وقضى أن تكون العاقبةُ لها رغم كل المكائد التي لم تفتر، ونيران الحروب التي لم تخمد، والعذابات والآلام التي تُصبّ عليها صبّا.. وما هذا إلا لأن الله يريدُ الرحمة لهذه الأمة.. روى أبو داود في سننه عن أبي موسى رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أمتي هذه أمة مرحومة ليس عليها عذابٌ في الآخرة، عذابها في الدنيا الفتن والزلازل والقتل ) والحديثُ صحّحه الحاكم والذهبي والألبانيّ وحسنه ابن حجر 
  
وإني لألمحُ في هذا الحديث الجزاء والثواب المُدّخر الذي لا يكافؤه ولا يدانيه            كل بذلٍ وتضحيةٍ وجهادٍ وصبرٍ واحتساب، واضطهاد وقتل وتشريد وانتهاك للحرمات وتدميرٍ للبيوت فوق رؤوس ساكنيها.. نعم ، لا يكافئ هذا الجزاء شيء ، يقول ابن القيم في إغاثة اللهفان: ( إن ما يصيب المؤمنين في الله تعالى مقرونٌ بالصبر والاحتساب، فإن فاتهم الرضا فمعولهم على الصبر وعلى الاحتساب ، وذلك يخفف عنهم ثقل البلاء ومؤنته، فإنهم كلما شاهدوا العوض، هان عليهم تحمل المشاق والبلاء).

 

فاستشعار الثواب، وذوق حلاوة رحمة الله المدخّرة ، يحيل المرارات إلى لذاذات حلوة المذاق ، كحالِ تلك العابدة التي عثرت ، فانقطع إصبعها فضحكت ، ولما سأل المندهشُ عن سرّ ضحكها أجاب قلبها قبل لسانها: حلاوة أجرها أنستني مرارة ذكرها.
 
فهذه الأمة مخصوصةٌ بمزيدٍ من الرحمة وإتمام النعمة وتخفيف الآصار والأغلال التي كانت على الأمم قبلها ، لأنّ نبيّها هو نبيّ الرحمة .

 

  وامتازت بعناية الله بها، فإن أصيب أحد أفرادها بمصيبةٍ في الدنيا ، حتى الشوكة يُشاكها ، يٌكفّر بها في الآخرة ذنباً من ذنوبه. وغالبُ عذابهم أنهم مجزيون بأعمالهم في الدنيا بالمحن والأمراض وأنواع البلايا والهموم ، وليست هذه المزايا لسائر الأمم؛ لأن الأمم السابقة يجري شأنها على أساس الربوبية، وشأن هذه الأمة يجري على منهج الفضل والألوهية .

 

  ولعلّ المتأمل في الفتن التي حلّت بالأمة المحمدية لا يكاد ينتهي من حصرها وعدّها لكثرتها وتتابعها، فما كادت الفتن تستشعر قرب رحيل رسول الله حتى أطلّت بقرونها المخيفة .. روى الدارمي عن أبي مويهبة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إني قد أمرت أن أستغفر لأهل البقيع فانطلق معي ، فانطلقت معه في جوف الليل ، فلما وقف عليهم قال : السلام عليكم يا أهل المقابر، ليهنئكم ما أصبحتم فيه مما أصبح الناس فيه ـ أقبلت الفتن كقطع الليل المظلم ، يتبع آخرها أوّلها ، والآخرة أشدّ من الأولى ...)

 

  

فكانت فتنةُ الردّة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم ، ففتنة منع الزكاة ، ففتنة مقتل عثمان ، فحربُ صفّين والجمل ، ثم فتنة خلق القرآن ، وفتنة الوضاعين الذين استهدفوا الأحاديث النبوية الوحي الثاني ، وابتلاء الأمة بفتن الفرق والطوائف الباطنية الخائنة ، وصولاً إلى الحروب الصليبية ، واجتياح التّتار للممالك الإسلامية حتى ظنّ المؤرخ ابن الأثير وهو يؤرخ لأهوال التتار أن من سيأتي ويقرأ عن الأهوال التي يسطّرها والفواجع النازلة أنها أضغاث أحلام ، فقال في تاريخه : ( وتالله لا شكّ أن من يجيء بعد العهد ويرى هذه الحادثة مسطورة ينكرها ويستبعدها ... ) . رحمكّ الله يا بن الأثير ، فهل تسمحُ لنا أن نخبرك بأننا قد رأينا بعد زمنك بثمانية قرون ما يستعصي على الفهم ، ويجلّ عن الوصف في سوريا من مجازر جماعية وانتهاكٍ للأعراض ، واعتداءٍ على الحرمات وسلبٍ ونهبٍ وتدمير وذبحٍ لأهل السنة من نساء وأطفال وشيوخ وشباب وتقطيع وتشويه للجثث مما لم يخطر على بال التتار فعله ، كل هذا يقترف على مرأى ومسمع من العالم المتحضر – زعموا - وسط خذلان من المجتمع الدوليّ قلّ نظيره.

 

  لقد استحر القتل في سوريا ، وازدادت وتيرته بصورةٍ متسارعة ، والعزاء والسلوى في قول الله تعالى : ( ويتخذ منكم شهداء ) فهو اصطفاء واجتباء وتعظيم للمثوبة والأجر ، روى الترمذي عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن عظم الجزاء مع عظم البلاء ، وإن الله إذا أحبّ قوماً ابتلاهم ، فمن رضيَ فله الرضا ، ومن سخطَ فله السخط ) , فهنيئاً لأهل الشام محبة الله ، وماذا أصابه من حظيَ بمحبة الله ، وإن هذه الأمة لتغبط لأنها أمة قضى الله لها كون عذابها في الدنيا تكريما لنبي الرحمة فهي أمةٌ مرحومة .

 

  قال الإمام الغزاليّ : إذا رأيت الله يحبس عنكَ الدنيا ، ويكثر عليكَ الشدائد والبلوى ، فاعلم أنك عزيزٌ عنده ، وأنك عنده بمكانٍ ، وأنه يسلك بك طريق أوليائه وأصفيائه ، وأنه يراك ، أما تسمع قوله تعالى : ( واصبر لحكمِ ربّك فإنكّ بأعيننا ) . وأنشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه حين حضرته الوفاة :
 

ألم ترَ أنّ ربكَ ليس تُحـصى      أياديه الحديثة والقديمــه

 تسلّ عن الهمومِ فليس شيء     يدومُ ولا همومكَ بالمقيمه

  لعـــلّ الله ينظــر بعد هذا        إليكَ بنظـــرةٍ منهُ رحيمه

تنويه:

جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين

مقالات ذات صلة

بيان مؤتمر العلماء الأول بدمشق - تاريخ 11-13 رجب 1357هـ
السبت، ٢٩ ربيع الأول ١٤٣٤ هـ - ٩ شباط ٢٠١٣بيان مؤتمر العلماء الأول بدمشق - تاريخ 11-13 رجب 1357هـ
  الفكرة العامة الموجبة للمؤتمر        لما كان ...
ما أشبه الليلة بالبارحة - كلمة رابطة علماء سورية
الأربعاء، ١٢ شوال ١٤٣٠ هـ - ٣٠ أيلول ٢٠٠٩ما أشبه الليلة بالبارحة - كلمة رابطة علماء سورية
ما أشبه الليلة بالبارحة        كان بيان رابطة علماء بلاد ال...
تعريف بكتاب الجامعة الرمضانية للأستاذ عبد الله مسعود - صدور كتاب جديد عن رمضان
الأربعاء، ١٢ شوال ١٤٣٠ هـ - ٣٠ أيلول ٢٠٠٩تعريف بكتاب الجامعة الرمضانية للأستاذ عبد الله مسعود - صدور كتاب جديد عن رمضان
تعريف بكتاب الجامعة الرمضانية صدور كتاب جديد عن رمضان للأستاذ عبد الله مسعود. يقدم الأست...