يُروى أنّ أمير المؤمنين عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- أبطأ يوماً عن النّاس في صلاة الجمعة، فلما خرج اعتذر إليهم بأنّ ثوبه حبسه، فقد غسله وانتظر حتى جفّ، ولم يكن له غيره. ويُروى عن عمر بن عبد العزيز رحمه الله أنّه أطفأ سراج الدولة حين انتهى من شأن الرعية وبدأ في شأنه الخاص، لئلا يستهلك من مال المسلمين في أمر لا يخصهم.
هذه المواقف ليست حكايات للماضي، بل ميزان أخلاقي نحتاجه اليوم في سورية الجديدة. فقد فتح الله لأبناء الثورة أبواب المسؤولية بعد عقود من الاستبداد والفساد والبذخ الذي صنعه نظام مجرم أهان البلاد والعباد. لكنّ الخطر يبدأ حين تظهر مبالغات بعض المسؤولين في السيارات الفارهة، والمكاتب الواسعة، والضيافات المكلفة، والمواكب، وكلّ ما يوحي بأنّ السلطة غنيمة لا أمانة.
أمانة المسؤول في سورية
المسؤوليّة بعد الثورة ليست مكافأة، ولا تعويضاً عن سنوات التعب، ولا إذناً بالتمايز عن النّاس. المنصب أمانة ثقيلة، ومن دخل باب الدولة فعليه أن يتذكر أنّ كلّ ليرة بين يديه قد تكون حقَّ يتيم، أو دواءَ جريح، أو ترميمَ مدرسة، أو خبزَ عائلة، فنحن حديثو عهد بالتحرر، وأمامنا عبء البناء والتجديد.
لا يطلب الناس من الوزير أن يعيش فقيراً، ولا أن يتظاهر بالتقشف، ولا أن يُعطّل عمل الدولة بحجة البساطة. لكنهم يطلبون منه أن يكون رشيداً، شفافاً، قريباً من حال البلد الذي يخدمه. فالفرق كبير بين المظهر اللائق، والبذخ المستفز.
الترف يضعف هيبة الدولة
يظن بعض المسؤولين أن فخامة المكاتب والسيارات والمراسم تصنع هيبة الدولة. والحقيقة أنّ هيبة الدولة لا تأتي من البذخ، بل من العدل، ونظافة اليد، واحترام المال العام، والقرب من الناس.
حين يرى المواطن وزيراً يتنعم بمظاهر الرفاه، بينما المهجّر في خيمته، والجريح ينتظر علاجه، والموظف لا يكفيه راتبه، فإنّ هيبة المنصب لا تكبر في نفسه، بل تنكسر. وحين تنكسر الثقة بين الناس والمسؤولين، تبدأ الأسئلة القاسية: هل تغيرت الوجوه فقط؟ وهل بقيت عقلية الامتياز كما كانت؟
لقد حذر القرآن من الترف حين يتحول إلى فساد وطغيان، فقال تعالى: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا﴾.
موخيكا نموذج معاصر
وإذا كان الزهد في ديننا عبادة وورعاً، فإنّه في تجارب العقلاء نبالة ورشد سياسي. وقد لفت "خوسيه موخيكا"، رئيس الأوروغواي السابق، أنظار العالم ببساطته، فلم يسكن في القصر الرئاسي، وبقي في مزرعته المتواضعة، وقاد سيارة قديمة، وكان يتبرع بجزء كبير من راتبه للفقراء.
كان "موخيكا" يقول: "الفقر ليس أن تملك القليل، بل أن تحتاج إلى الكثير". فإذا كان رئيس في أقصى الأرض قد أدرك أن بساطة المسؤول تزيده احتراماً ولا تنقص من هيبة دولته، فأولى بأبناء الثورة السورية أن يكونوا أسبق الناس إلى هذا الخلق.
ضبط الإنفاق بالقانون
لا يكفي أن نقول للمسؤولين: اتقوا الله. لا بدّ أن تتحول هذه النصيحة إلى قانون واضح. يجب وضع سقف للنفقات اللوجستية في الوزارات والمؤسسات، وتحديد معايير للسيارات، والمكاتب، والضيافات، والسفر، والمواكب، بما يناسب دولة خارجة من الركام.
كما يجب إقرار مدونة سلوك ملزمة لكبار المسؤولين، تشمل التصريح عن الذمة المالية، ومنع تضارب المصالح، وتجريم استخدام المال العام في أيّ مظهر شخصي أو دعائي. فالنزاهة لا تُترك للنوايا وحدها، بل تُحمى بالقانون والرقابة والعقوبة.
ومن الضروري نشر نفقات المكاتب الوزارية والمؤسسات الكبرى للعلن بشكل دوري. فالشفافية لا تضعف الدولة، بل تقويها. والدولة التي تحترم شعبها لا تخاف أن تفتح دفاترها أمامه.
القدوة تبدأ من الأعلى
إنّ الإصلاح الحقيقي يبدأ من الأعلى. فإذا رأى النّاس الوزير مقتصداً في مكتبه، واضحاً في نفقاته، متواضعاً في موكبه، قريباً من موظفيه، شعروا أنّ الدولة الجديدة مختلفة فعلاً، وأنّ التغيير لم يكن استبدال أسماء بأسماء، بل انتقالاً من عقلية الاستئثار إلى عقلية الأمانة.
أما إذا رأوا بذخاً مبكراً، ومكاتب تتضخم، ومواكب تستعرض، وضيافات تُصرف بلا حساب، فإنّ الثقة ستتآكل ولو حسنت النوايا. فالشعوب المجروحة لا تحاكم السلطة بخطاباتها فقط، بل بمظاهرها اليوميّة أيضاً. ومظهر الترف في بلد منكوب ليس تفصيلاً صغيراً، إنّه رسالة جارحة تقول للنّاس: إن آلامهم لم تصل إلى غرف القرار.
رسالة إلى الوزراء
يا وزراء سورية الجديدة، الناس لا ينظرون إليكم كموظفين كبار فقط، بل كقدوات في لحظة تأسيسيّة حساسة. فكونوا على قدر الجرح، وعلى قدر الدم، وعلى قدر الدعاء الذي رفعته الأمهات في الخيام وتحت القصف.
واعلموا أنّ هيبة المنصب في نظافة اليد، لا في لمعان السيارات، وفي عدل القرار، لا في فخامة المكاتب، وفي القرب من وجع الناس، لا في ارتفاع الجدران بينهم وبين المسؤول.
تذكروا قول علي بن أبي طالب رضي الله عنه: "أأقنع من نفسي بأنّ يقال أمير المؤمنين ولا أشاركهم مكاره الدهر؟". واتقوا الله في المال العام، واحذروا فتنة البذخ قبل أن تصبح عادة، وليكن آخر ما يعلق في الأذهان قول النبي ﷺ: "مَنِ اسْتَعْمَلناه على عملٍ فرزقناه رزقاً، فما أخذ بعد ذلك فهو غُلول".
بقلم: فراس السقال
05.05.2026
جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين


