أعرابي في برلمان 

أعرابي في برلمان 

التصنيف: ركن الشباب
الاثنين، ٢ ذو الحجة ١٤٣٩ هـ - ١٣ آب ٢٠١٨
914

(رحم الله الأستاذ علي الطنطاوي الذي سبق في مقالتيه القصصيتين : أعرابي في السينما ، وأعرابي في الحمام)

قال لي صاحبي : أو عزمت على الرحيل ؟! قلت : إي والله ، فإنه لم يبق في حاضرتكم شيء لم أطلع على عجائبه .

فابتسم وقال : ولكنك لم تزر البرلمان .

قلت : وما البرلمان ؟ فنحن أهل البر نعيش فيه ، ونفعل ما يحلو لنا فضحك صاحبي ، وقال : هداك الله !إنه البرلمان

قلت : ما سمعت بهذا لا في مدر ولا في وبر .

قال : إنها كلمة ليست من العربية في شيء ، ومع ذلك فإن في زيارة البرلمان متعة ليست في غيره .

قلت : أيكون أحسن حالا من الحمام والسينما ؟!فماذا عندكم يا أهل المدن إلا التعري والروايات !

قال صاحبي ، وقد ذكر ما لقيتُ في الحمام والسينما من مفاجآت : علمُك بالشيء خير من الجهل به ، ففي البرلمان ستجد الحكومة ، وتجد ممثلين عن الشعب وجها لوجه ، وستسمع من يهاجم الوزير والمحافظ ، ولا أحد يقول له شيئا !!

قلت : الممثل يفعل هذا ؟! يتهم الحكومة ، ويهاجم الوزير وضربت كفا بكف و هتفت : ثكلتني أمي ، فما كان أغناني عن حياة البادية ، وما كان أغناني عن عملي دليلا فيها ؟! كيف الطريق إلى التمثيل ؟!

فضحك _ والله _ صاحبي ضحكا خلت أنه خلع قلبه ، ثم ضرب بيده على كتفي ، وهو يقول : ليس التمثيل كالذي رأيته في السينما ، وإنما هؤلاء يمثلون الشعب ، أي ينوبون عنه لأنه اختارهم ، فهم نواب و نائبات يطالبون ويقترحون…

فهممت أن أقول شيئا ، فقال صاحبي : وقد يَشتمون ويُشتمون ….

ولن أطيل عليك ، ففي غد نذهب معا ، ونحضر إحدى الجلسات ، وتشاهد من خلال شرفة الضيوف كيف يفعلون.

و والله ما كان إلا الغد حتى ذهبت مع صاحبي ، وأنا لا أدري كيف ساقني ،ولم أنس بعد ما حل بي في السينما والحمام . فوقفت معه أمام دار كبيرة ما رأيت مثلها من قبل ، فأوقفنا بعض الشرط فقدم لهم صاحبي قطعتين من ورق ، وأشار إلى نفسه وإلي فأدخلونا ، ثم استوقفنا آخرون عِراض المناكب ، كُلح الوجوه كأنهم لم يبتسموا مرة في حياتهم ! وبدؤوا يفتشوننا ، حتى وقعت يد أحدهم على خنجري ، فصاح غاضبا: سلاح ؟! قلت: إنه خنجري وهو شبر من حديد .فقال : ممنوع . اتركه في الأمانات ، وخذ إيصالا به .

فوقفت ، وأنا لا أصدق ما أرى ، وصاحبي لا يرى في ذلك بأسا ؟!!

وأعطاني ورقة أصغر من راحة اليد ، فهممت أن أعود ، ولكن صاحبي سحبني من يدي ،فقلت : ما أبخسها من صفقة ! أأستبدل هذه الورقة بخنجري ، وما هي بالتي يشترى بها شيء ؟!!

فقال : هوّن عليك ، فنحن ما بعنا ولا اشترينا ،فإن خنجرك سيكون في الأمانات إلى وقت الخروج . فمضيت وأنا منكسر القلب أردد قول  الشاعر :

أخاك أخاك إنّ مَن لا أخا له كساعٍ إلى الهيجا بغير سلاحِ

فكيف وأنا غريب في هذه البلدة بلا أخ ولا سلاح .. فتبعته وأنا أجر قدمي ،فأجلسني على مرتفع ، وقال: هذه شرفة الضيوف فرفعت رأسي وإذا هي دار قوراء ، وإذا القوم جلوس على كراسيهم ، بعضهم يقابل بعضا ، وآخرون يديرون أقفيتهم ؟!

فقلت : ما أشبه هذه الدار بالحمام لولا أن القوم لم يخلعوا ثيابهم فابتسم صاحبي وقال : هذه قبة البرلمان ، أما سمعت في الأخبار عن القوانين التي تناقش تحت قبة البرلمان ؟!

قلت : ولولا أن القوم يقابل بعضهم بعضا ، وليسوا صفوفا لظننت أني في السينما ، وقد كذبت ظني حين رأيت القوم لا يطفئون الأنوار.

قال صاحبي : بعد قليل ستبدأ الجلسة ..ولم يطل بنا المقام حتى قام أحدهم ، وبدأ يتكلم وأنا لا أعي أكثر ما يقول ! ثم تناوب القوم الحديث ، بعضهم يقول ، وبعضهم يسمع ، وبعضهم لا يقول ولا يسمع ، وهو إلى النوم أقرب ، كأن الأمر لا يعنيهم فقلت : لعلهم ضيوف مثلنا ، ولكنهم أقرب إلى القوم ، فأجلسوهم معهم ؟!

وتفحصت الوجوه فإذا (معيضان )بينهم لا حول له ولا طول فقمت لأطل عليه ، وهتفت : معيضان … معيضان ! لقد بحثت عنك طويلا فلم أجدك ! في أي مكان تنزل ؟! وإذا أحد أولئك الشرط يمسكني ويردني ، ويهم بإخراجي . قلت : ويحك ! ماذا فعلت ؟ أنادي على واحد من قومي ، وهو يعرفني ، ووالله لقد أقرضته خمسين تيسا لمأدبة أقامها ،ووعدني بردها … فأشار صاحبي وهو يعض على شفتيه أن أنهي الحديث ، ثم اعتذر للشرط واعدا ألا يتكرر ذلك مني ، فجلست ، وأنا أكاد أتفجر من الغيظ . أي هوان هذا الذي أنا فيه! أنادي على بعض قومي ، وأُمنع من ذلك ؟ ومعيضان يتجاهلني ، ولا يرد ، ووالله ما مثلي ومثله إلا كما قال الشاعر :

سريع إلى ابن العم يلطم خده=وليس إلى داعي الندى بسريع

ثم التفت إلى صاحبي وقلت ! هل يستطيع معيضان أن يرد علي ؟

قال : نعم ، لأن له حصانة . قلت : والشرطي لا يخرجه ولا يمنعه ؟

قال : إنه نائب ، ويتمتع بالحصانة . فقلت في نفسي : والله لقد بزغ نجمك يا بن (شنيطة ) وعرفت الآن لماذا أقمت الولائم ، وجمعت الناس ، ثم قلت لصاحبي ، وقد ذكرت الخمسين تيسا : وهل سيكون معيضان بعد هذه الحصانة قادرا على وفاء الدين ؟

قال صاحبي : لا أشك في ذلك . فلسوف يتقاضى رواتبه ، ويعطى مخصصات عن هذه الجلسات .

ولم أطل التفكير حتى انبرى واحد من الجالسين يهدر ويزمجر ، وأنا لا أدرك كثيرا مما يقول ؟! فهمس صاحبي في أذني : إنه من المعارضة !

قلت : ما سمعت بهؤلاء القوم ! فأين تكون منازلهم ؟ قال صاحبي : ينزلون وراء الحدود ، فأكثر منازلهم خلفها ، وهذا إنما وصل لأنهم سمحوا له بالدخول . قلت: يسمحون له بالدخول والنزول ، ويزمجر عليهم ؟! ابتسم صاحبي وقال : لكنه لا يقول ما يؤذيهم ، صحيح أنه يهاجم الحكومة ، ولكنه لا يجرحها … ولم يطل به كلام حتى دمعت عينا امرأة كانت تقابله في المجلس ، فقلت : سبحان الله ، يهاجم الحكومة ، والمرأة تبكي !لعل الحكومة تكون من عشيرتها … قال صاحبي: إنها رئيسة الحكومة ! هل ترى الرجال المحيطين بها ، إنها

رئيسة لهم . ثم قام رجل من خلفها يشتد في كلامه ، فقلت : لعل الحكومة من عشيرته ، فهو لم يقبل هوانا يصيبها . فقال صاحبي : إنه نائب رئيس الحكومة . قلت : والله لقد أصابت حكومة فلربما منعت هذه المرأة من الحضور ، وربما أقسم عليها زوجها ألا تخرج من البيت ، فتبره في قسمه ، فهم لا يعطلون أعمالهم ، وأيقنت أن حكومة موفقة . فمن يدري ، فقد يطول بالرئيسة نفاس ، أو يعسر عليها المخاض . فينوب عنها رجل ريثما تعود بالسلامة .

ثم وقفت فتاه كَعاب تصرخ وتولول ، وتهتف : ارفعوا أيديكم عن المرأة . فقال صاحبي : إنها إحدى النائبات .

ووالله ما استطعت أن أصم أذني ، فقلت : ويح أهل الحضر ، قبل أيام هتفت امرأة في السينما ، وقد أحاط بها غادر خبيث ، يحاول أن ينال منها على مرأى منا ومسمع ، فاستللت خنجري ، و أقبلت أريده فأشعلت الأنوار ، وما ارتضيت أن أقيم على هوان ، واليوم تستغيث امرأة ، ولا من مغيث . فمن هؤلاء الذين وضعوا أيديهم على المرأة ؟!

فإن الطبيب يعاين نساءنا من وراء حجاب ، ولا يرضى أحدنا أن يعطيه اسمها ليكتبه في أوراقه . فثارت الدماء في عروقي ونهضت هاتفا : لبيكِ ألفا … لبيك ألفا ….

فجاء رئيس الشرط ومعه ثلاثة من أعوانه ، وأصر على إخراجي .. فقلت : تستغيث امرأة ، أإن لبيتُها تُخرجوني ؟! ووالله ما رأيت ألأم منكم ولا أقل مروءة. وعند ذاك عرفت لماذا أصروا أن يأخذوا خنجري قبل الدخول ، وذكرت قول ابن أبي ريشة :

رب وامعتصماه انطلقت=ملء أفواه الصبايا اليتم

لامست أسماعهم ، لكنها=لم تلامس نخوة المعتصم

فتدخل صاحبي ، وقال : إنه غريب ، ولم يدخل قبل يومه إلى برلمان ، ولعلها آخر أخطائه ، وهو قريب أحد النواب ، فتركوني وهم يهمهمون.

وطال بنا جلوس ، والقوم يتهاوشون ، وأنا لا أعيرهم انتباها ، حتى وقف غلام أمرد يحمل صندوقا على كتفه قريبا منا ، فقال صاحبي : أتحب أن يصورك لتظهر في التلفزيون ؟ قلت : وماذا ينفعني هذا أو يضرني ؟ قال: لا شيء . قلت : لا أريد.

وحان وقت الظهر ، ولم أر أحدا من القوم يتحرك من مكانه ! فقلت لصاحبي : ألا أؤذن ، وأذكر القوم ؟ فضغط على يدي وهمس : يعرفون ذلك ولديهم ساعات يضبطون بها الوقت . قلت : إذن أصلي وأعود . قال : انتظر قليلا ، ألست مسافرا ؟ قلت : بلى . قال: إذن تجمع وتقصر .قلت : والقوم ! قال : هم كذلك مسافرون وقد قدموا من بلاد بعيدة . فأسكتني والله ، ولكنه لم يستطع أن يسكت جوعة بطني ، فقلت : ولكن القوم ألا يأكلون ، فقد يستمرون إلى العصر ، فلم أرهم صنعوا طعاما ولا دعوا إلى وليمة ، وليس من البر الصيام في السفر ، فلم يرد علي بشيء ، فأخرجت تمرات أشغل بها بطني ، وذكرت قول الشاعر :

لاتحسب المجد تمرا أنت آكله=لن تبلغ المجد حتى تلعق الصبرا

فقلت ، وأنا أتبلغ بتميراتي : وإن الجوع ليئس الضجيع …

ثم نهض القوم واقفين ، فقال صاحبي : انتهت الجلسة . فقلت : لابد أن أصل إلى معيضان . فخرجت أتبعه ، وهتفت عند الباب الكبير ، ولكن اللئيم ركب سيارة فارهة ، ولم ينظر إلي ، ومضى . وعاد إلي صاحبي بالخنجر ، ثم اعتذر لبعض شأنه . ووقفت وحيدا ، وقلت : لو أنني أقسمت ألا أدخل هذه الحاضرة بعد اليوم لكان حريا بمثلي أن يفعل ذلك . فهذه ثالثة الأثافي ، فأي داهية نزلت بي في الحمام والسينما والبرلمان.

تنويه:

جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين

مقالات ذات صلة

رمضان بين التضييع والاستثمار
الأربعاء، ٢٣ شعبان ١٤٣٩ هـ - ٩ أيار ٢٠١٨رمضان بين التضييع والاستثمار
 قال عليه وعلى آله الصلاة والسلام: «هذا رمضان قد جاءكم، تُفتح فيه أبوابُ الجنة...
أحكام فقهية مهمة عن رمضان يجدر أن تتعلمها النساء
الأحد، ٣٠ شعبان ١٤٣٧ هـ - ٥ حزيران ٢٠١٦أحكام فقهية مهمة عن رمضان يجدر أن تتعلمها النساء
    1.     يجب تبييت النِّيَّة كل ليلة قبل طلوع الفجر عن كل يوم من ...
ترى كيف يتخاطب الإسلاميون بعضهم مع بعض - تقويم للخطاب الإسلامي الإسلامي...
الأربعاء، ١٢ شوال ١٤٣٠ هـ - ٣٠ أيلول ٢٠٠٩ترى كيف يتخاطب الإسلاميون بعضهم مع بعض - تقويم للخطاب الإسلامي الإسلامي...
بعد يوم مليء بالزيارات المتعددة لشتى التجمعات الإسلامية قررت أن أكتب هذه الخاطرة هدفها توص...