أعداء الثورة

أعداء الثورة

التصنيف: ركن الشباب
الثلاثاء، ٢١ صفر ١٤٣٥ هـ - ٢٤ كانون الأول ٢٠١٣
1288

     مخطئ كلَّ الخطأ من يظن، ولو لوهلة، أن دول العالم، عربيةً كانت أو غربية، وحتى تلك المتبجحة بالديمقراطية، ساندت أو تساند الربيع العربي، مع استثناء بسيط، ربما في الحالة الليبية.

     فالأنظمة العربية القائمة، أو التي كانت قائمة، مساهمة - وبشكل فعال - في تقديم الاستقرار العالمي المنشود بمفهومه الإمبريالي، إن على مستوى تدفق النفط، أو على مستوى تأمين الحدود لربيبة الغرب المدللة: إسرائيل.

     وبالطبع، لا يحتاج المتتبع للأحداث العربية لإعمال فكر، أو إجهاد عقل، للاستدلال على هذه الحقيقة الجلية. فمن الواضح أن الكثير من دول العالم فاجأتها سرعة التساقط للأنظمة العربية المحصنة، وقوة المدّ الشعبي العربي، والانطلاقة العجيبة للمارد المصفد داخل القمقم الموصد منذ عشرات السنين..

     لقد انكمشت هذه الدول في البداية، واستسلمت لإرادات الشعوب على مضض، وتظاهرت - زوراً - بمساندة الأحرار الثائرين ضد طواغيتهم المحنطة، ثم ما لبثت أن أفاقت من سكرتها، وصحت من هول صدمتها، فأخذت تخطط لمرحلة ما بعد الثورات، وترسم خريطة طريق تضمن من خلالها المحافظة على من تبقى من أصدقائها، وتجيير هذا الإنجاز لخدمتها، وخدمة مصالحها، وبخاصة بعد أن تيقنت أن الحرية والديمقراطية الحقيقيتين في الدول العربية ستفرز - لا محالة - حكومات إسلامية منتخبة بالديمقراطية نفسها التي يتبجح بها الغرب ويُدلّ.

     ولذا، فإن قيادات هذه الدول اتخذت قرارا بإجهاض هذه الثورات، أو على الأقل، حرفها عن مسارها الصحيح؛ لئلا تُؤتي أكلها طيباً نافعاً للثائرين، ولأجل هذا الهدف اتخذوا خطوات عدة، بعضها على صفة الاستعجال، وبعضها على صفة النسيئة.

     أما أولى الخطوات المستعجلة، فهي إفشال مخططات الثورة في الدول العربية في الحالات الناجزة، عن طريق إثارة القلاقل، وتحريك الخلايا النائمة، وبث الفتنة بين إخوة السلاح، وقطع المساعدات والإعانات، وإغلاق سبل التواصل العالمي، وحصر الحكومات المنتخبة بفئات دينية محددة، واستعداء فصائل الشعب الأخرى ضدها، وافتعال أزمات اقتصادية واجتماعية، وإرعاب الشعوب باغتيالات وتفجيرات مدبرة، وتسليط الأضواء على الهفوات الحكومية، والتغاضي المتعمد عن الإنجازات... كل ذلك تنسجه في الخفاء أيد أمنيّة مدربة، وآلة إعلامية محلية وعالمية ضخمة، وأبواق ثرثارة من بعض رجال الدين، ونجوم وهميين، وإعلاميين فاسدين. 

     أما الخطوة الثانية، وهي الأخطر والأشد فظاعة، فكانت في دولة عربية مظلومة، لم تشأ الدول الفاعلة إنجاز الثورة فيها، بتلك السرعة نفسها التي انتهت فيها سائر الثورات في أخواتها الشقيقات، وأعني بها سورية الجريحة، والتي شاءت إرادة هذه الدول أن تكون ثورتها المرحلةَ الأخيرة والنهائية لمسيرة الربيع العربي.

     ولكي يضمن اللاعبون الدوليون هذه النتيجة فقد سمحوا لجيش النظام أن يضرب بيد من حديد، مستخدماً كل أنواع السلاح المحرم، مستفزاً من استطاع بصوته، مجلبا عليهم بخيله ورجله، وفي الوقت نفسه قاموا بتسليح المعارضة، ومنّوهم الأمانيّ الكاذبة، لتقوم بين الفريقين حرب ضروس، تهلك الحرث والنسل، وتقضي على الكبير والصغير، وتقوِّض مقومات الدولة، ولا يكون فيها رابح - على الأقل - في المنظور القريب. وهنا تضرب هذه الدول عشرات العصافير بحجر واحد، فهي، من طرف، تصدِّر للدول العربية الأخرى، من تلك الموضوعة على قائمة الانتظار، صورة منفرة وقاتمة ومرعبة للربيع العربي، أو الثورة المأمولة، تجعل أي فرد يفكر بالثورة، أو يدعو إليها، كمن يسعى للمشنقة أو المقصلة برجليه.

     ومن طرف آخر، تتخلص من جيش قوي يرابط، ولو من الناحية النظرية، على حدود الربيبة الإسرائيلية بعتاد فتاك، وتقضي على تهديد محتمل ضد مصالحها ومصالح أصدقائها في المنطقة.

     وفي الوقت نفسه، تستنزف مقدرات الدول العربية والإسلامية الفاعلة، كإيران وتركيا والسعودية وقطر وغيرها، عبر حرب بالوكالة على الأراضي السورية، ومن خلال توسيع الشرخ المتفاقم بين المحورين الأساسيين للأمة الإسلامية، والدفع نحو استقطاب حاد بينهما، بغية الوصول إلى حالة من الاحتراب المذهبي، والتنافر الطائفي، يؤسس لحقب مستقبلية قادمة، مشحونة بالكراهية، مشبوبة بضغائن وأحقاد، لا يخمد أوارها، ولا يخبو سعيرها خلال سنين طويلة. 

     لا جرم أن أمريكا وإسرائيل والمعسكر الغربي والشرقي تضع مصلحتها فوق كل مصلحة، وتخطط للوصول إلى أهدافها بمكر وخديعة، وروية وطول انتظار. ولا ريب أيضا أن هذه الدول لم تعد تميل إلى أسلوب الاستعمار أو الاحتلال العسكري المباشر... إنها تحاربنا بسلاح التفرقة وبث الفتنة، وسياسة الإضعاف والتجهيل والتجريد، وقد نجحت أيما نجاح في تحويل مسار الثورات البريئة إلى حالة من التنافس على السلطة، والاحتراب الداخلي، والتشاغل بالشكليات عن الهدف المنشود، ولقد ساعدها على هذه النتيجة كل أعداء الربيع في الداخل والخارج، وحفنة من الرعاع الذين أساؤوا للثورة، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا.

    ولكن... وبرغم قسوة الطريق، ووعورة السبيل، وخذلان القريب، وتجهم الغريب، سنمضي في ثورتنا، وسنصنع النصر، وسنجلو عن أعيننا كل غشاوة، رغم كل المعوقات، وكل الآلام، وكل الأعداء، فما لا يدرك كله، لا يترك جله.

تنويه:

جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين

مقالات ذات صلة

رمضان بين التضييع والاستثمار
الأربعاء، ٢٣ شعبان ١٤٣٩ هـ - ٩ أيار ٢٠١٨رمضان بين التضييع والاستثمار
 قال عليه وعلى آله الصلاة والسلام: «هذا رمضان قد جاءكم، تُفتح فيه أبوابُ الجنة...
أحكام فقهية مهمة عن رمضان يجدر أن تتعلمها النساء
الأحد، ٣٠ شعبان ١٤٣٧ هـ - ٥ حزيران ٢٠١٦أحكام فقهية مهمة عن رمضان يجدر أن تتعلمها النساء
    1.     يجب تبييت النِّيَّة كل ليلة قبل طلوع الفجر عن كل يوم من ...
ترى كيف يتخاطب الإسلاميون بعضهم مع بعض - تقويم للخطاب الإسلامي الإسلامي...
الأربعاء، ١٢ شوال ١٤٣٠ هـ - ٣٠ أيلول ٢٠٠٩ترى كيف يتخاطب الإسلاميون بعضهم مع بعض - تقويم للخطاب الإسلامي الإسلامي...
بعد يوم مليء بالزيارات المتعددة لشتى التجمعات الإسلامية قررت أن أكتب هذه الخاطرة هدفها توص...